أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آرام كربيت - أبق حيث الغناء ـ 5 ـ















المزيد.....

أبق حيث الغناء ـ 5 ـ


آرام كربيت

الحوار المتمدن-العدد: 6603 - 2020 / 6 / 27 - 17:45
المحور: الادب والفن
    


جاء نجيب، وعم الفرح في المكان. ورأيت مقدار الحب والاهتمام به. كان نجمًا متألقًا مملؤءً بالحب والفرح من ذاته ومن قبل أخويه رامي وطارق، وأمه وأخته وغدير الصغيرة. واحترام كمال الكبير له.
قلت:
الحب قدر المحب، أنه عطاء من القدر. إن يحبك الناس فهذا الأمر جميل جدًا. ويمنح صاحبه القدر الكبير من الثقة بالنفس.
قبل أن يغادر أهل نجيب بيته في عمان التفتت ليلى إلي وقالت:
ـ تعال يا آرام إلى عجلون في زيارة لنا. وعجلون مدينة صغيرة، بيد أنها جميلة، سنزور قلعتها وسترى جمال الطبيعة التي تمتد على المدى الواسع لأراضيها. أردف رامي ومن بعده طارق:
ـ كما قالت ليلى، تعال إلينا في زيارة، إلى بيتنا. أنت إنسان لطيف وطيب القلب ورائع، ملامحك تقول هذا. وطالما أنت صديق نجيب فأنت أخ لنا.
ـ إن شاء الله سنزوركم في القريب العاجل. سأتي عندما ظروف نجيب تسنح بذلك.
في المساء ذهب نجيب إلى عمله، وكان ذلك في اليوم الثاني لوجودي في الأردن، أي في الحادي عشر من أيلول العام 2001.
جلست وحدي قليلًا، ثم خرجت إلى الشارع. قلت في نفسي، سأزور بقية أحياء عمان القريبة من حدائق الملك عبد الله. ساتعرف على الناس والمحلات وشكل الأسواق وتموضع كل حي.
ذهبت إلى الرابية القريب من البيت، شاهدت سوقًا صغيرًا مفصلًا على مقاس الحي الجديد فيه، محلات حديثة ومباني حديثة وأنوار ملونة وشوارع معبدة جيدًا وحركة هادئة للناس للتبضع والتعارف والشراء، نساء محجبات وغيرهن دون حجاب بثياب عصرية وملونة وجميلة، بيد أن أغلب الرجال والنساء يمتازون بنحافة الوجه والجسد، ويميلون للسمرة وقاماتهم متوسطة مثل أهل سوريا. والوجوه والملامح تنحو نحو الانطواء والكآبة. وهذه الملاحم لا وجود للفرح فيه، بل تميل إلى الحزن. لا يصرخون في الشارع أو يتصرفون تصرفات فيها المياعة أو الحركات الملفتة. بالعموم، الإنسان الأردني إنطوائي، ولا يضحك إلا نادرًا.
سرت وحدي مثل الزمن الأعزل الذي يرافقي. الذي قيدني بالوحدة. وحيد المشاعر واالاحاسيس. وصديقي صديق الصمت والفراغ. تعودت أو اجبرتني الحياة أن أكتم أنفاسي ومشاعري وأن اتعامل مع الأخرين على أنهم كائنات مغلقة لا يمكن فتحها بسهولة. كل كيان فيه من الهموم ما يكفيه ويعيش فيه، وفيه أحلامه وأماله وأحزانه. وأنا وهذا الفراغ الذي يسكنني في صمتي، وحيدان في جسد واحد.
لم يكن لدي ذكريات تسندني في الغربة الجديدة. فواحد مثلي اختار طريقًا فيه مغامرة قاسية تمتد إلى العزلة والضياع وانفتاح الزمن على احتمالات الألم أكثر من الفرح.
المغامر الفاسد تمنحه الحياة الكثير من المباهج والتجارب المختلفة. إنها تجارب البحث عن المال والجنس والارتقاء بأي ثمن. أما أنا ومن أمثالي فقد اخترنا الطريق الصعب القاسي، الخالي من الفرح والسعادة والاكتشافات الحسية واللذائذ.
القوقعة التي سكناها منحتنا العزلة عن الناس والعيش في الكتب. هذه القوقعة هي المكان الضيق البعيد عن حركة الدولة والمجتمع.
إنها الثقافة والفكر والسعادة الاحتمالية في محاولة تغيير الواقع إلى أفاق أخرى مختلفة.
كنا ننظر إلى الناس على أنهم كائنات معبئة بالقدرات الكثيرة التي يمكن استثمارها في التغيير القادم. كنًا في وهم كبير. هذا الوهم جعلنا نتحمل محنة الطريق الطويل، وعذابات الغربة والسجون والقهر والبعد عن الجمال وقيمه.
لقد رهنا أنفسنا للألم من أجل الأخرين، هكذا كنًا نفكر ونرى الحياة، وهذا الآخر أخر شيء يفكر فيه هو التغيير. إنه يبحث عن سعادته الأنية والحالية ولا يحهمه إلا نفسه وبقاءه البيولوجي على قيد الحياة. ويهمه مصالحه ومصالح أسرته وأهله وأولاده وحياته الطبيعية.
لقد تلذذ إنسان منطقتنا بالخضوع والذل وأصبح جزء من تكوينه النفسي والعقلي.
لقد تمرس بالذل والخنوع يومًا بعد يوم، وسنة بعد أخرى، وقرن بعد أخر. ولا يريد أن يستيقظ أو ينهض. لقد تصالح مع الذل والسجود ولا يريد أن يخرج من هذه القوقعة.
جاء نجيب من عمله في الثانية صباحًا، وجلسنا نتسامر ونضحك ونتحدث. فنجيب إنسان مرح، وشخصيته فيها خليط متزام ما بين الفرح والحزن، مزاجه مزاج الفنان الأصيل. وتأتيه أحزان وكآبة مثلما تأتي للكاتب أو أي مبدع. أنا ايضًا تأتيني لحظات أكون فيها أنا ذاتي لست أنا.
قال لي:
ـ آرام، هناك حدث خطير جرى في الولايات المتحدة.
ـ مثل ماذا؟
ـ هناك طائرات مدنية ضربت أبراج عالية في نيويورك.
ـ طائرات مدنية، ضربت أبراج؟ عن ماذا تتحدث؟
ـ الأخبار تقول أن هذه الطائرات دمرت الأبراج. لقد رأيت هذا في التلفزيون، شيء عجيب وغريب. مباني عالية جدًا جدًا انهارت برفة عين. وسط الدخان والدمار والبكاء. العلم كله غارق في الحدث ولا يعرفون من الفاعل.
ـ ما هي عدد الطائرات التي ضربت المباني؟
ـ لا أعرف بالضبط، يمكن أربع أو خمس طائرات.
ـ يا للمصيبة؟ نجيب، ربما تكون لعبة من ألعاب الولايات المتحدة. لعبة المخابرات الأمريكية لتجييش العالم من أجل حسابات سياسية عالمية؟
ـ ماذا تقول؟ كيف يمكن للدولة الأمريكية أن تدمر أبراج عالية في بلدها؟ معقول؟ من أين جلبت هذا الكلام مع أنك لم تسمع الأخبار إلا مني؟
ـ مثل هكذا حدث خطير لا يمكن يحدث في دولة عظمى مثل الولايات المتحدة التي تراقب أدق التفاصيل في كل مكان على وجه الأرض، ولا يمكن للأفراد أن يقوموا بهكذا حدث خطير بسهولة لأن هذا الموضوع يحتاج إلى تنسيق هائل وحسابات كثيرة؟ ثم من له مصلحة بتفجير المباني الضخمة؟
ـ إنه لأمر غريب؟
ـ اعتقد أن ما حدث يشير إلى تحول خطير في العالم. السلطة ككيان، كمفهوم عاهرة التكوين. اقصد بالعاهرة، الممارسة اللأخلاقية، الفعل الحقير الذي لا تتورع القيام به مهما كان عدد الضحايا. أمام مصالحها يمكنها تدمر دول كاملة ومجتمعات كاملة.
كان وجه نجيب فيه اسئلة كثيرة جدًا، في عينيه سحر الذهول والمفأجات الغريبة على أقوال لا يمكن أن تصدق من إنسان غريب لم يمض على وجوده في بيته سواء يومين، ينظر إلي وكأني إنسان قادم من وراء الغيب. وكأنه كان يقول لنفسه:
ـ من أين جاء هذا السعدان ليتحدث بموضوع لم يسمع به إلا قبل لحظات ويعطي رأيه بهذه الجرأة والوضوح وهو لا يملك معلومات عن الحدث الغريب. قلت له:
ـ في العام 1932 قام هتلر، مستشار ألمانيا، مخابراته بتفجير البرلمان الألماني.
ـ فجر برلمان بلاده؟ ماذا تقول يا رجل؟
ـ الوثائق التي عثر عليها الحلفاء بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أشارت إلى ضلوع المخابرات الألمانية بالتفجيرات، أنهم الجستابو، قاموا بتفجير هذا المقر أو الصرح العظيم. وبسمارك مستشار المانيا في القرن التاسع عشر لم يكن يتورع عن القيم بأقذر الأفعال من أجل بقاءه في السلطة، وهكذا فعلت المخابرات السورية، تفجر وتقتل وتتهم معارضيها وتفتك بالدولة والمجتمع.
ـ وما الغاية من ذلك؟
ـ لقد اتهم هتلر معارضيه من الأشتراكيين والشيوعيين بالتفجير، وحول المانيا إلى مسلخ بشري، كالسجون والقتل والتعذيب وافران الغاز من أجل الأنفراد بالحكم. السلطة تفعل كل شيء كل شيء. نحن ننظر إليها من بعيد ولا نعرف أساليبها، بيد أن تكوينها قائم على نفي كل من يقف في طريقها، لا يهم في هذه الحالة كائن من يكون. السلطوي ممكن يقتل أخاه أو أباه من أجلها.
ثم رمينا كل شيء جانبًا وبدأ نجيب يرمي النكت وأنا وهو نضحك إلى أن بدأ الفجر يرمي علينا السلام.
ظلت صورة أهل نجيب في ذهني، صفاء الوجه البراءة الطيبة، مجيئهم من المشفى إلى بيت نجيب، تعاملهم اللطيف معه واحترامهم الراقي له في غربته بعيدًا عنهم، هذا ذكرني ببيتنا في سابق الأيام عندما كنّا قلبًا واحدًا على الشدائد، وبعد خروجي من السجن رأيت تفتت شمل الأسرة وانفصال عرى العلاقة التي كان سائدًا، رحيل أخواتي وأخي إلى ديار الغربة، وإنشاء كل واحد منهم خلية صغيرة له، أسرة، وأصبح لديهم أطفال وبيت، وتوزعت الاهتمامات وانتقال كل واحد من البيت الواحد الكبير إلى بيت صغير، ومن الهم العام إلى الهم الخاص، ومحاولة بناء كيانه والالتفاف إلى شأنه الخاص.
في هذا البحر الواسع من الحياة كنت أرنو إلى ملمس الأرض أن تقف إلى جانبي في الفراغ الهائل الذي يلفني، ومحاولة الالتصاق بها لأعرف كيف أمد قدمي إلى الأمام. فالسجن في ذاكرتي عبء اكل ذاكرتي وألغى علاقتي بالماضي، وتركني وحيدًا في مواجهة قدري، من أين ابدأ وكل الخيارات مغلقة.
اتصل بي أحد الرفاق الذي لم يكن لي به صلة مباشرة به من السويد، قال لي:
ـ آرام، أذهب إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وقدم نفسك لهم عسى ولعل أنهم يقبلوك لأجئًا لديهم.
وقفت للحظات في حالة ذهول وخيبة أمل، ورحت أردد، كلمات هذا الرفيق:
ـ لعلهم يقبلوك لأجئًا لديهم؟
وقفت أمام مرآ نفسي أنظر إليهم بحسرة، قلت لها:
أصبحت من الفضلات، دخلنا السجن نحمل فكرًا وموقفًا وهمًا وطنيًا، واليوم نتحول إلى احتمالات محتملة. الحياة قاسية جدًا لا تقبل الضعيف في جنباتها. والسجين السياسي لا يفرق كثيرًا عن أي سجين إذا لم يكن هناك من يسانده أو يمد له يد العون، بالعكس فالسجين العادي أو الحق العام، أهله بالنسبة لهم محل فخر به، أما صاحب القضية السياسية أو الديمقراطية، فأنه وحيد في هذا العالم إذا لم يكن لديه في حزبه من يشد من أزره. وهذه الأحزاب التي كنًا نناظل في السجون من أجل إعلاء شأنها ليس لديها حامل سياسي واجتماعي يحملها فلماذا هي هذه الأحزاب في الاساس.
بالمختصر، لا يوجد آلهة وانبياء في عصر الآلة، بله انفرط التضامن الاجتماعي. والتضامن الاجتماعي السياسي غذاءه سياسي، والسياسي احتكار من قبل السلطات العربية، بهذا فوتت على من يعارضها أي تضامن إنساني أو حقوقي أو اجتماعي.
عندما ذهبت إلى المحكمة القريبة سوق من الحميدية قبل اشهر من خروجي من سوريا لأخذ منها ورقة محكوم من محكمة أمن الدولة، لأن هذه الأخيرة لم تقبل إعطاي هذه الورقة، من أجل تقديم استقالتي من الوظيفة. في المحكمة رأيت العشرات من المحامين جالسين بالقرب من الطاولات يتامسامرون، يشربون الشاي أو القهوة، يتحدثون. قابلت المحامي خليل معتوق، وسلمت عليه ورحب بي هذا الرجل اللطيف، وتبادلنا الحديث، ثم قدمني إلى البعض منهم:
ـ الأخ سجين سياسي، خرج قبل فترة قصيرة من سجن تدمر.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,857,879,313
- أبق حيث الغناء 4
- أن تقرأ لوليتا في طهران
- أبق حيث الغناء 3
- روائح عنبرية
- أبق حيث الغناء 2
- الرجوم
- رقص منفرد على الجمر
- أبق حيث الغناء 1
- كل البشر كاذبون
- المكتبة في الليل
- الساعة الخامسة والعشرون
- اعترافات خارجة عن الحياء
- اللهب المزدوج
- عزلة صاخبة جدًا
- مذكرات نعيم أفندي
- الراقدة على الصليب
- في البادية السورية
- التمرد 5
- التمرد 4
- ذكريات من القامشلي 2


المزيد.....




- من هي الفنانة المصرية عبير بيبرس التي قتلت زوجها بطعنة زجاج؟ ...
- نجم هوليوود جوني ديب ينكر أمام المحكمة اتهامه بإساءة معاملة ...
- من هو الأديب والكاتب المصري عباس محمود العقاد؟
- الأوبرا المصرية تنظم 40 حفلا فنيا بداية من 9 يوليو
- -رحلتي من الشك إلى الإيمان- للمفكر والأديب مصطفى محمود
- الكشف عن فيلم جديد لرجاء الجداوي سيعرض قريبا... فيديو
- البرلماني غازي يهاجم أعمارة بسبب تعثر مشاريع البنية الطرقية ...
- المجلس الحكومي يصادق على قانون المالية المعدل
- شاهد: فيلم لعرض إبداعات "ديور" في ظل غياب عروض الم ...
- كاريكاتير العدد 4717


المزيد.....

- ( قراءات في شعر الفصحى في أسيوط ) من 2007- 2017م ، دراسة نقد ... / ممدوح مكرم
- دراسات فنية في الأدب العربب / عبد الكريم اليافي
- العنفوان / أحمد غريب
- العنفوان / أحمد غريب
- السيرة الذاتية لميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- السيرة الذاتية للكاتبة ميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- الوجه الآخر لي / ميساء البشيتي
- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم
- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آرام كربيت - أبق حيث الغناء ـ 5 ـ