أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - وليد الحلبي - صائد الكورونا















المزيد.....

صائد الكورونا


وليد الحلبي

الحوار المتمدن-العدد: 6571 - 2020 / 5 / 22 - 02:30
المحور: كتابات ساخرة
    


ضرب الوباء المدينة، فبدأ الناس يتساقطون في الشوارع، وامتلأت المستشفيات بما يفوق طاقتها القصوى على الاستيعاب، وطال الموت الجهاز الطبي، فبدأ عدد أفراده بالتناقص، فقام الجيش بضرب حصار كامل على المدينة المنكوبة، وعندما وصل عدد الموتى إلى المليون من سكان المدينة التي يزيد عددهم على العشرة ملايين نسمة، تيقن السكان من أن فناءهم قادم لا محالة، بينما محطات الإذاعة والتلفزيون الحكومية تؤكد للجماهير بأن {هذا الوباء قد ألقت به طائرات القوى الامبريالية رداً على الصمود الذي تبديه حكومتهم التقدمية ضد المخططات الجهنمية المعادية، وأن علماءهم سوف يتوصلون إلى لقاح واقٍ ودواء شافٍ}، فاستبشر الناس خيراً، لكن الوباء لم يتوقف عن حصد آلاف الأرواح.
حاكم المدينة، وهو من الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس المفدى والقائد الضرورة، طرأت على ذهنه فكرة جهنمية لجني الأموال له ولسيده، فاتصل بالرئيس، وفي مكالمة قصيرة، استطاع إقناع زعيمه بما ينوي القيام به، وكانت آخر عبارة قالها الحاكم وسمعها مدير مكتبه: الأرباح ستكون هائلة يا سيدي.
سارع الرئيس إلى عقد جلسة لمجلس وزرائه بُثت على الهواء مباشرة، فجلسوا جميعهم حول مائدة مستطيلة الشكل، وهم يضعون على وجوههم أقنعة واقية ملونة، فبدوا كأنهم قطط من جميع الأجناس في متجر لبيع الحيوانات الأليفة، أما الرئيس نفسه فلم يضع قناعاً كالآخرين، فهو لا يخشى العدوى، ذلك أنه ورث عن أسلافه مناعة قوية ضد جميع الأمراض، باستثناء مرض واحد هو شهوة السلطة المزمن، والذي لم يستطع أي عالم أن يكتشف له علاجاً شافياً. وبصرامة الرئيس المعهودة، أعلن للجميع بحزم أنه مصر على القضاء على هذا الفيروس الإمبريالي!، محدقاً في الكاميرا وموجهاً كلامه إلى جماهير شعبه الوفي الطيب، مؤكداً بأن {دحر المطامع الإمبريالية قد أصبح قاب قوسين أو أدنى، وأن هذا الوباء الذي ألقت به طائرات حلف الشر لا بد سيتمكن علماؤنا الأفذاذ من القضاء عليه}، ثم وزع مساعده الواقف خلفه قصاصات ورقية على وزراء الدفاع والصحة والتجارة والإعلام، وأمرهم الرئيس التقيد الكامل بهذه التعليمات الموجهة إليهم، ثم رفع الجلسة أثناء عزف النشيد الوطني.
في اليوم التالي غطت شوارع المدينة المنكوبة لافتات وإعلانات في كل مكان، على أسطح العمارات وعلى أبواب المنازل وعلى جوانب القلة المتبقية من وسائل المواصلات، وعلى لافتة طويلة تجرها خلفها طائرة، جميعها تحمل عبارة (صائد الكورونا)، فخرج ما بقي من سكان المدينة في مظاهرات حاشدة شكراً للقائد المفدى على وعده الحازم بإنقاذ أبناء شعبه الوفي، مع عدم تمكنهم من فهم مغزى تلك العبارة الغامضة، لكنهم مع مرور السنوات اعتادوا التظاهر بتصديق رئيسهم، حتى ولو كانوا واثقين من أنه يكذب عليهم. في مساء نفس ذلك اليوم، رتب وزير الإعلام ندوة تلفزيونية شارك فيها مفكرون وعلماء أوبئة وعلماء نفس وقيادات حزبية، وتحدثوا جميعهم في وموضوع واحد: حكمة القائد المفدى، وحرصه على إنقاذ شعبه الوفي، الصامد أمام شبح الموت، والطلب من السكان التحلي بالصبر والصمود انتظاراً للفرج.
في هذه الأثناء كان حاكم المدينة يفاوض أحد رجال الأعمال لشراء معمله الذي انتهى من بنائه للتو، تماماً مع انتشار الوباء، ونظراً لأن الرجل أدرك استحالة تشغيل معمله لتصنيع مادة (العلكة) في هذه الظروف العصيبة، فقد وافق على بيعه للحكومة بأقل من سعر التكلفة، ووقع عقد البيع بدون نقاش. بمجرد مغادرة الرجل، اتصل الحاكم برئيسه وأخبره أن الصفقة قد تمت بنجاح. مساء نفس اليوم، عُقِدت ندوة تلفزيونية ثانية شارك فيها نفس المتحدثين في الندوة السابقة، وهنا كانت المفاجأة، فقد كشف وزير الصحة سر(صائد الكورونا)، فشرح كيف أن {علماءنا قد طوروا خلطة كيميائية من عدة لقاحات تستخدم في مكافحة عدة أمراض فيروسية، ثم خلطوها مع عجينة تصنع منها علكة ذات طعم مميز، سوف تنزل إلى الأسواق اعتباراً من الغد حاملة اسم "علكة صائد الكورونا"}، عمَّ المدينة وسكانها فرح غامر بهذ النبأ السعيد الذي كانوا ينتظرونه على أحر من الجمر، وقد أسهب المشاركون في الندوة في الحديث عن فعالية هذه العلكة، ونصحوا بتناول كميات كبيرة منها، فكلما كبر حجم قطعة العلكة في الفم، كلما زادت قدرتها على امتصاص الفيروس ومنعه من الوصول إلى الرئتين، غير أن أحد الأطباء المشاركين – متظاهراً بالنزاهة - حذر من أنه يمكن أن تكون لهذه العلكة أعراض جانبية غير خطيرة، تتمثل في ظهور بعض البثور والالتهابات الخفيفة في الفم، والتي لا داعي للقلق منها، وعقَّب أستاذ الاقتصاد في الجامعة المحلية بأن تسجيل براءة لهذا الاختراع وبناء آلاف مصانع العلكة لتلبية حاجة سكان الأرض، سوف يدر على ميزانية الدولة مليارات الدولارات.
طار السكان من الفرح، وبدأوا بمضغ العلكة، وحرصوا على تخزين كميات كبيرة منها، بحيث أنفقوا معظم أموالهم على شرائها، ومع أن المصنع أصبح يعمل على مدى أربع وعشرين ساعة، فبالكاد تمكن من تغطية الطلب على إنتاجه. وبالفعل بدأ الناس، وما تبقى من الجهاز الطبي، يشعرون بأن حالات الإصابة بالفيروس قد انحسرت إلى أن انعدمت، فقامت وكالة الأنباء المحلية بتوزيع هذا النبأ على جميع وكالات الأنباء العالمية، فضج العالم وتساءل عن هذه الدولة التي اجترحت المعجزة، ولكن بعد أسبوعين من البدء بمضغ تلك العلكة، بدأ الناس يشعرون بألم في أفواههم، إلا أنهم استمروا في العلاج بمضغ العلكة، آخذين بنصيحة أطبائهم الذين تنبأوا ونبهوا إلى مثل هذه الأعراض الجانبية.
بمرور الأيام بدأ الناس يشعرون بصعوبة في البلع، فقد تورمت ألسنتهم، وظهرت عليها وعلى جدران أفواههم بثور كثير، ونظراً لانهيار النظام الصحي، فقد عجزوا عن إيجاد الدواء الشافي من الالتهابات، وبعد بضعة أيام تضخم الورم في الأفواه والألسن أكثر فأكثر، لدرجة أن عجز الناس عن تناول أي شيء حتى الماء، وبدأ الموت جوعاً وعطشاً يحصد الناس بالآلاف، وفي غضون أيام قليلة مات جميع السكان، وتكدست الجثث في الشوارع، وفاحت رائحة الموت من كل زوايا المدينة، فبدأت أجهزة الإعلام الحكومية في العاصمة تبث الأخبار والتعليقات على أن ما يحدث في هذه المدينة المنكوبة من الموت جوعاً وعطشاً إنما هو { بسبب الحصار الاقتصادي الجائر الذي تفرضه الدول الإمبريالية على شعبنا الصامد المقاوم}، فخرجت مظاهرات الحزب الحاكم في العاصمة وباقي مدن الدولة حاملة صور الرئيس المفدى والقائد الضرورة، رافعة لافتات منددة بالإمبريالية والرجعية عدوة الشعوب المناضلة، وتكرم رئيس الدولة بإصدار مرسوم يمنح بموجبه كل متوفٍّ من سكان المدينة وثيقة تؤكد على أنه " شهيد الوطن".
مع تكدس ملايين الموتى في جميع أنحاء المدينة، لم يعد أمام الحكومة من حل سوى إصدار الأوامر إلى القوات المسلحة، التي تحكم البلاد منذ خمسة آلاف سنة، بصب البترول على كافة أرجاء المدينة من الجو، ثم إشعالها تفادياً لتفشي الأوبئة، وبينما كانت النيران تنهش جسد المدينة وتحول جثث سكانها إلى رماد، كان الرئيس الضرورة، مع حاكم المدينة الخبيث، يحلقون في الجو مع الوزراء في طائرة هليوكبتر ضخمة، يراقبون احتراق المدينة المنكوبة، في الوقت الذي كانت فيه البرقيات تنهال على مكتب الرئاسة، مهنئة الرئيس على حكمته في القضاء على الفيروس القاتل.
20 مايو 2020




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,825,772,868
- كليوباترا: ليست ملكة فقط، بل سفينة أيضاً.
- ما بين داعش والمطر
- جاري الحشاش يحل مشكلة طائرة Boeing737 Max
- كفانا نفاقاً وازدواجية
- عندما يتجدد ربيع الشعوب
- اتفاقية، أم متاهة؟
- نسورٌ أتراكٌ في ثرى دمشق
- هل الشعوب هي الكسيحة؟
- الثقوب السوداء العربية
- على البساط المتحرك
- -شافيز- والأعمى
- لماذا أخشى على فلسطين أن تتحرر؟
- فلسطين التي أخشى أن تتحرر
- عندما يعيد التاريخ نفسه
- هل الحدود الدولية قدر لا مناص منه؟
- في الطائفية ( Sectarianism)
- الأكراد والبليارد
- الصديق فخري البارودي صاحب -بلاد العرب أوطاني-
- الوحدة العربية: بالقوة؟، ولِمَ لا؟
- الثابت والمتحرك في القضية السورية


المزيد.....




- مطالب برلمانية بافتحاص تدبير صندوق كورونا
- المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، تسائل الح ...
- صمت الحملان الكمونية !
- الأحزاب تسيج الحقل السياسي بالعنف اللفظي!
- “الرى”: الانتهاء من إنارة المسرح المكشوف بمتحف النيل لتحويله ...
- حسن الشنون .... مأدبة إفطار دولية
- بعد كورونا ..منظمة العمل المغاربي تدعو البلدان المغاربية الى ...
- مجلس النواب يعد لدراسة مشروع قانون المالية المعدل للسنة الجا ...
- كوارث الحرب في -كل شيء هادئ علي الجبهة الغربية- لإيريك ماريا ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الخميس


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - وليد الحلبي - صائد الكورونا