أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عصيد - لماذا لا نأخذ العبر من تاريخ الأوبئة ؟














المزيد.....

لماذا لا نأخذ العبر من تاريخ الأوبئة ؟


أحمد عصيد

الحوار المتمدن-العدد: 6522 - 2020 / 3 / 24 - 18:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أورد الدكتور نبيل ملين المؤرخ المغربي العديد من الوقائع التاريخية في هذا السياق الذي يعرف فيه المغاربة تكتلا وطنيا وتعبئة ضدّ وباء عالمي، وهي وقائع تشير إلى تجارب المغاربة مع الأوبئة، والتي تظهر أنه عندما يتخذ المسؤولون الرأي الحازم بالوقاية من المرض فإنهم ينجحون في حماية البلاد والعباد أو التقليل من آثار الأوبئة الفتاكة، بينما عكس ذلك عندما يقعون فريسة الخرافة والفكر الغيبي يكون هلاكهم محققا.
ففي المراحل التي يحاصر فيها الطاعون بلاد المغرب قادما من أوروبا أو من الحدود الشرقية، ويقوم فيها السلطان بالمبادرة بإغلاق الحدود والمنافذ مع أوروبا ومع الجزائر في الوقت المناسب، فإن المغرب يُنقذ من كوارث محققة، حيث تكون أضرار الوباء أقل مما كان يمكن أن تبلغه لولا اتخاذ الاحتياطات الضرورية. وذلك مثل ما حدث مع الطاعون الذي ظهر بالإسكندرية عام 1783م. والذي ساهم في تأخير قدومه إلى المغرب التدابير الوقائية التي اتخذها السلطان محمد بن عبدالله (1710م ـ 1790) لحماية البلاد من وباء ما لبث أن شرع في حصد الأرواح بالجزائر، فأمر السلطان بإغلاق الحدود الشرقية وحراستها عسكريا.
ويخبرنا الدكتور ملين بأن أحد الصوفية المغاربة من عصر آخر وهو ابن أبي مدين قد تنبه إلى انتشار الطاعون بالعدوى عبر الهواء والقرب من المصابين، فقام بتخزين ما يكفي من المواد الغذائية وبنى صورا على باب منزله لمنع أي اتصال بالعالم الخارجي، فتمكن بذلك من إنقاذ عائلته وعدد هام من تلامذته.
بالمقابل حدث في القرن الثامن عشر، وتحديدا في عهد السلطان سليمان بن محمد (1797 - 1822م)، أن جاء وفدُ الحجّاج المغاربة من الشرق حاملين معهم في سفنهم خطر الطاعون الداهم، الذي كان قد انتشر بالشرق الأوسط آنذاك، وفي الوقت الذي نصح فيه الكثير من القناصلة الأجانب بطنجة وأهل الرأي والمشورة سلطان المغرب بضرورة الإسراع بوضع الحجاج والتجار القادمين من الشرق في العزل الصحي أربعين يوما قبل السماح لهم بالدخول تحسبا لأي خطر، فضّل السلطان سماع رأي الفقهاء الذين أشاروا عليه بعكس ذلك معتمدين أحاديث منسوبة إلى النبي كالحديث القائل " الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم و رجز على الكافرين "، أو الحديث القائل عن الطاعون: "عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد". معتبرين أنّ الأوبئة لا ينفع معها الاحتياط والحذر لأنها ابتلاء من الله وقدر لا رادّ له، وكان الرأي المنتشر بين فقهاء الدين آنذاك هو ما أورده ابن حجر العسقلاني في كتابه الخطير "بذل الماعون في فوائد الطاعون" والذي قال فيه إنّ العدوى ليست من المرض وأن الطاعون لا يُعدي بنفسه بل يحدث ذلك بقدر من الله وبإرادته حيث كتب: "إن المرض لا يعدي بطبعه أصلا بل من اتفق له ذلك المرض فهو بخلق الله و ذلك منه ابتداء" !!
ولأن السلطان سليمان كان متأثرا بالوهابية السعودية التي كانت حديثة الظهور آنذاك، فقد انحاز إلى الرأي المتشدّد للفقهاء ضدّ حكماء الرأي والمشورة السياسية، فأمر باستقبال الحجاج وتراخى في تدابير الوقاية في التعامل مع التجار القادمين من المشرق وأوروبا فكانت الكارثة المحققة، حيث ما لبثوا أن نشروا فيروس الوباء عبر ربوع البلاد التي كانت تعاني من حروب ومواجهات بين السلطة المركزية والقبائل، فساهمت محلة السلطان وجيوشه في نشر الطاعون بأنفسهم في كل المناطق الأخرى، وعندما تفطن إلى ما طلبته الهيئة القنصلية بطنجة كان ذلك متأخرا. وقد ظل المغرب يعاني من بلاء الطاعون لعامين كاملين، فهلك خلق كثير وتقلص بموجب ذلك عدد السكان إلى ما يقرب من الثلث.
نفس الشيء ذكره المؤرخ العراقي علي الوردي عن الوباء العظيم الذي ضرب بغداد سنة 1831، حيث جاء الوباء من تبريز بإيران متنقلا بالتدريج نحو العراق إلى أن بلغ كركوك بكردستان، فطلب والي بغداد آنذاك داوود باشا من طبيب القنصلية البريطانية إعداد خطة للحجر الصحي بهدف منع الوباء من التقدم نحو بغداد، وقد أعد الطبيب الخطة ولكن الفقهاء عارضوها وأفتوا بأن الحجْر الصحي مخالف للشريعة الإسلامية، وأن الأصل في الدين هو اعتبار الوباء ذا "فوائد" وعِبَر لأنه عقاب من الله يجعل البشر يتوبون إليه، ومنعوا داوود باشا من اتخاذ التدابير الضرورية لمنع الوباء من التقدم، فصارت القوافل الواردة من إيران وكردستان تدخل إلى بغداد بكل حرية، ما أدى إلى هلاك مئات آلاف البشر.
ويذكر الوردي أن الكثير من الأجانب الأوروبيين الذين كانوا يعيشون في بغداد، وكذلك من العراقيين المسيحيين الذين كانت لهم نفس ثقافة الأوروبيين، وكذلك واليهود، قد لجأوا إلى تطبيق الحجر الصحي حيث تحصنوا في بيوتهم ولم يغادروها شهورا إلا بعد انتهاء البلاء، وقد استعدوا لذلك بشكل جيد عبر توفير المؤن ومواد التغذية الضرورية، ولهذا أفلتوا من "الموت العظيم" كما كان يسمى الوباء آنذاك. بينما بلغ فتك الطاعون بالناس الذين لم يتخذوا احتياطات الحجر الصحّي درجة مهولة "حتى قيل إن عدد الموتى في اليوم الواحد بلغ تسعة آلاف".
إن التاريخ عِبرٌ ودروس، ولكن لا يكون لها جدوى إلا بوجود عقول وألباب تعتبر.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,760,339,540
- أغاليط تشوش على حملة التحسيس ضدّ الوباء
- في الحاجة إلى ضمير جَمْعي منتج وفعال
- الوباء والدعاء
- حزب في رعاية الله
- نزعات اختزالية ضدّ الديمقراطية
- مصادرة كتاب من معرض الكتاب فضيحة دولة
- أعطاب العقل الإسلامي من خلال تعقيب شيخ الأزهر
- الهوة بين قانون العقوبات والمجتمع يعرقل العدالة الجنائية
- خمور البشير و-آدابه العامة-
- في رثاء محمد شحرور
- حدود الحريات الفردية مناقشة لبعض آراء وزير حقوق الإنسان
- كل التضامن مع الدكتور خالد منتصر في معركته ضدّ -الأصنام-
- ماذا تعلمت بلدان جنوب المتوسط من سقوط جدار برلين ؟
- دراسة ثانية تؤكد ريادة المغرب في انعدام الأمانة
- هل فهم المغاربة معنى الحريات الفردية ؟
- لماذا لا نعيش -إسلام النرويج- ؟
- رسائل قصيرة إلى دعاة عزل الذكور عن الإناث في المدارس
- المغاربة والوعي بالانتماء إلى إفريقيا
- الإسلاميون والعسكر، تحالف ضدّ الديمقراطية
- عن ضرب النساء الذي ليس ضربا


المزيد.....




- وزير الصحة الإسرائيلي في الواجهة بعد ارتفاع الإصابات بين الي ...
- جماعة التبليغ الإسلامية: "لسنا السبب في انتشار فيروس كو ...
- الأطباء المسلمون في بريطانيا.. أبطال ضحوا بحياتهم في معركة ك ...
- جماعة التبليغ الإسلامية: "لسنا السبب في انتشار فيروس كو ...
- فتوى أردنية: المصاب بمرض معد المخالط للآخرين عمدا «قاتل تجب ...
- الإفراج عن مئة سجين من حركة طالبان والحكومة الأفغانية تؤكد - ...
- الحكومة الأفغانية تُقرر الإفراج عن 100 سجين من حركة طالبان ...
- الحكومة الأفغانية تُقرر الإفراج عن 100 سجين من حركة طالبان ...
- جماعة إسلامية متهمة بنشر كورونا في دول آسيوية
- فيروس كورونا: كيف يمكن إحياء الشعائر الدينية في زمن الوباء؟ ...


المزيد.....

- مؤدلجو الدين الإسلامي يتحدون دولهم، من أجل نشر وباء كورونا ف ... / محمد الحنفي
- دراسات في الدين والدولة / هاشم نعمة فياض
- نوري جعفر رجل النهضة والاصلاح / ياسر جاسم قاسم
- تراثنا ... وكيف نقرأه في زمن الهزيمة: مراجعة نقدية (الجزء ال ... / مسعد عربيد
- مغامرات العلمنة بين الإيمان الديني والمعرفة الفلسفية / زهير الخويلدي
- المنهج التأويلي والفلسفة الهرمينوطيقية بين غادامير وريكور / زهير الخويلدي
- مستقبل الأديان والفكر اللاهوتي / عباس منصور
- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عصيد - لماذا لا نأخذ العبر من تاريخ الأوبئة ؟