أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية (3-3)















المزيد.....

صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية (3-3)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6521 - 2020 / 3 / 23 - 23:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المرجعية الشيعية العراقية: بوصلة عتيقة


استطاع التشيع العراقي في مجرى تاريخه العريق أن يصنع مرجعيته الخاصة. وتحولت هذه المرجعية من حيث شكلها وتقاليدها وإعادة إنتاجها إلى «فاتيكان» العراق. مما أعطى لها قدرة خاصة ومتميزة على الفعل الروحي والسياسي والفكري في حياته الاجتماعية والسياسية والروحية. غير أن التجارب التاريخية الحديثة وبالأخص في مجرى العقود الأخيرة، تبرهن أكثر فأكثر على أن إمكانية الارتقاء إلى مصاف «الفاتيكان» العراقي مرتبط بصورة عضوية بمدى قدرة المرجعية، من حيث كونها مؤسسة وفكرة، على الاندماج الواقعي والعقلاني والفعال بالعملية المعقدة لإعادة بناء مقومات الانبعاث الروحي والسياسي والفكري المعاصر.
وشأن كل محاولة من هذا القبيل، فإنها تضع الفكر بالضرورة أمام الامتحان الأصعب، ألا وهو عرضها على لهيب العقل والوجدان العراقيين من خلال اختبار الشخصية أو الحالة التي تجّسد بمعايير الذوق والعرف والواقع نموذجها الأرقى وتجسيدها الشخصي. إذ ليس في الشخصية بحد ذاتها قيمة مرجعية، أيا كان وزن هذه الشخصية في أذواق العوام والخواص. وذلك لأن المرجعية من حيث الجوهر هي منظومة من المبادئ النظرية والقيم العملية المتسامية. كما أنها ليست معزولة عن الأثر المباشر وغير المباشر للشخصيات الفعلية والرمزية، بوصفها حاملة الفكرة المرجعية. وهو حمل عادة ما يرتبط بحالة القلق الديناميكي الذي يرافق مراحل الانعطاف الكبرى والتحولات الراديكالية التي تصنع رجالها ورموزها وشخصياتها الملهمة. على عكس ما هو مميز لمراحل الثبات الديناميكي، التي تضمحل فيها وتتلاشى رمزية وجوهرية «الزعيم» و«القائد» و«الإمام» و«المعصوم»، أي كل من يتمتع في ظل مراحل الانعطاف المرتبطة بتفجر الأزمة البنيوية للدولة والمجتمع والثقافة، أي كل ما يصنع النماذج المتنوعة للشخصيات الملهمة (الكاريزمية).
وفيما لو استنطقنا معناها (الكاريزما) من الأصل اليوناني، فإن «الهبة الإلهية» التي تلازم «ظهور» هذا النوع من الشخصيات التي تتطابق فيها وتتماهى «مصائر الأمم»، تستجيب إلى المزاج المعجون بحالة الذهول المفاجئ للانقلابات الكبرى في العقل والوجدان الشعبي. فهو المزاج الذي يجد في ظهور هذا النوع من الشخصيات «عروة وثقى» للتمسك بها في مجرى طوفان العالم المحيط. وليس اعتباطا فيما يبدو أن يعطي الأفغاني ومحمد عبده قبل قرن من الزمن لجريدتهما الشهيرة اسم «العروة الوثقى»، كما لو أنهما أرادا أن يقدما «عروة» للعقل والوجدان العربي والإسلامي المذهولين من رؤية وتأمل حجم التحولات العاصفة بأثر صدمة الانبهار والخضوع أمام الغرب الكولونيالي آنذاك. كما انه الصدى القائم في «غيب» الرؤية الإسلامية التي جعلت السيستاني يكتب قبل سنوات طويلة نسبيا كتابه «شرح العروة الوثقى»، كما لو انه أراد بذلك أيضا تقديم ما يمكنه أن يعصم الإتباع من الغرق المذهول أمام طبيعة التحولات العاصفة التي هزت قلب العراق ووجدانه في مجرى عقود من الحرب والدمار والتخريب. لكنها «عصمة» لا تشبه في شيء ما حاوله الأفغاني وعبده قبل قرن من الزمن، كما أنها لا تشبه في شيء ما تحتويه فكرة «العصمة» الشيعية نفسها من وجدان ميتافيزيقي محكوم بفكرة الزمن المطلق وأدواره المتجددة. إلا أن «ظهور» شخصية السيستاني المفاجئ على حلبة التاريخ السياسي يبدو كما لو انه تيار جارف من بين أنقاض الحطام الخرب في العراق. الأمر الذي أعطى ويعطي له مظهر «الهبة الإلهية» التي استجابت لعقل الجماهير العادي ووجدانهم المعذب بطول الانتظار المقهور من طغيان الصدامية وإرهابها المنظم والشامل.
إننا نقف أمام حالة تتماهى بها الشخصية والمؤسسة، الماضي والمستقبل. ويعكس هذا التماهي طبيعة التحول العاصف الذي جرى في عراق ما بعد الصدامية، الذي حطم في لحظة واحد «القائد الضرورة» و«البطل القومي» و«فارس العرب» لتنهار معه أمام عقل العوام ووجدانهم كل الصور المصّنعة لكاريزما مزيفة في لوحات وجداريات وتماثيل هي اقرب ما تكون إلى أصنام تجسد في أحجارها القاتمة وألوانها الشاحبة والفاقعة وهماً يصدم الحس والعقل والوجدان والذوق والحدس. وهو واقع يفرز بالضرورة السؤال حول ما إذا كانت «الكاريزما الجديدة» للسيستاني هي الوجه الآخر للتصنيع المزيف، بوصفها السبيكة الجديدة من عقل اجتماعي منهك ووجدان مشبع بروح «الغيبة» الحزينة والتوقع الفرح «للمنتظر»، الذي يجسد في ذاته انتصار الحق على الباطل. وفيما لو نحينا قليلا حجاب الرؤية الأدبية في هذه العبارة، فإنها سوف تكشف لنا الأبعاد الواقعية لإعادة إنتاج الرموز التاريخية والدينية في الوعي السياسي العراقي الحالي. وهي أبعاد تشير في آن واحد إلى حالة الخراب الفعلي والزمن المرهق لحالة الفساد والطغيان والاستبداد والظلم، وأمل الانتصار الضروري عليها من جانب الحق.
إن تضافر هذين المكونين هما اللذان يقفان وراء هذا الظهور المفاجئ لشخصية لم تكن حتى الأمس القريب أكثر من «مرجعية» فردية بين مرجعيات عديدة، أي ممثل لمدرسة بين مدارس متنوعة ومختلفة ومتباينة ومتصارعة ومتنازعة. ومازالت هذه الحالة تتحكم بالخيوط الخفية في بنية تقليدية قوية كالمرجعية وحالة خربة كالعراق في ظروفه الحالية.
إن اكتساح السيستاني للمرجعية أو تماهيه معها، أو تشخصنها فيه يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة وحجم الخلل الفعلي في البنية التقليدية للمؤسسة الدينية الشيعية من جهة، وحجم الخراب المادي والمعنوي للفكرة السياسية والمدنية في العراق من جهة أخرى. فعندما نتأمل تاريخه السياسي، فإننا لا نعثر فيه على قيمة سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة. وهو أمر يجعل من بروز القوة السياسية فيه ظاهرة عرضية، لكنها محكومة بقوة التجوهر الفعلي للخراب الثقافي بشكل عام والسياسي بشكل خاص في أوساط الخواص العوام، أو النخبة والجمهور. فالمعلومات الشحيحة والانزواء الحوزوي قد حال دون حصول إبداعه الفكري على تأثير سياسي مباشر أو غير مباشر. فمن بين مؤلفاته التي تربو على الأربعين، ليس هناك بحثا سياسيا واحدا أو فلسفيا أو اجتماعيا معاصرا. من هنا اختباءه العميق في عمق التراث وزمن الأسلاف الهادئ، أي كل ما كان يرافق ويزامن ثقافة التقية الشيعية والأسواق العطرة للنجف وقم! ومن هنا أيضا قلة ظهوره العلني على حلبة الصراع السياسي والاجتماعي بوصفه مقدمة وصانعة الشخصية الفكرية والعملية كما كان الحال بالنسب لمحمد باقر الصدر وأمثاله. إن الشيء الوحيد الذي نعرفه عنه، أنه ولد في التاسع من شهر ربيع الأول عام 1349 هجرية في مدينة مشهد الإيرانية. وتنتسب عائلته إلى البيت العلوي الحسيني حيث كانت تسكن في أصفهان منذ عهد السلاطين الصفويين. وقد عين جده الاعلى (السيد محمد) في منصب شيخ الإسلام في سيستان في زمن السلطان حسين الصفوي فانتقل إليها وسكنها هو وذريته من بعده. أما جده الأدنى فقد تتلمذ على يد علي النهاوندي في النجف، وعلى يد الشيرازي في سامراء. ومن ثم فهو من أسرة علمية دينية. أما هو فقد درس في مدينة قم الإيرانية عند حسين الطباطبائي البروجردي والكوهكمري، وكان حضوره عند الأول في الفقه والأصول وعند الثاني في الفقه فقط. وانتقل إلى العراق، بينما كان يزمع السفر والإقامة في مشهد. وكان ذلك عام 1380 هجرية، أي عندما بلغ الحادية والثلاثين من العمر. أما انتقاله إلى العراق فقد كان بطلب من أستاذه الخوئي. وعندما وصل إلى النجف في أوائل عام 1381 هجرية ابتدأ بالتدريس (الفقه ثم الأصول). وبفضله أيضا جرى ترشيحه للمرجعية. وبعد وفاة الخوئي عام 1413 هجرية تصدى للتقليد وشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية. حينذاك بدأ ينتشر تقليده في العراق والخليج والهند وأفريقيا وغيرها من المناطق.
إن هذه الصورة العامة تكشف عن أربعة جوانب وهي أولا انه من أصول إيرانية وليست عراقية، ثانيا، إن شخصيته العامة والخاصة، الفكرية والعقائدية والمذهبية والنفسية والثقافية قد تبلورت بصورة شبه تامة في إيران مع ما يترتب عليه من مشاعر الانتماء والتفكير والعمل. وقد يكون من نتائجها غير المحسوسة هو أن جلّ أو حوالي 99% من نشاطه «المادي» في بناء المدن والمستشفيات والمكتبات ومراكز المعلومات في إيران، بينما لا يوجد من توظيف أموال المرجعية في العراق أكثر من 1%!! ثالثا: انه لم يشترك بنشاط سياسي ملحوظ أو معروف كما كان الحال بالنسبة للخميني أو محمد باقر الصدر. ولعل نشاطه السياسي الوحيد هو ما كان على مثال «مجبورا أخاك لا بطل»، عندما كان يواجه ضغوطا سياسية من جراء محاولات تسفيره لأصوله الإيرانية، والتي اشتدت إثناء الحرب العراقية الإيرانية. لكنه أصر على البقاء في النجف وواصل التدريس في الحوزة العلمية من منطلقات إيمانية وعقائدية وفكرية، لاعتقاده بضرورة استقلال الحوزة الدينية عن السلطات والسياسة المباشرة. وتعرّض بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991 للاعتقال مع غيره من علماء الشيعة، حيث تعرض للضرب والاستجواب القاسي. رابعا، إن نشاطه الفكري كان منصبا على قضايا الفقه والأصول، بمعنى خلوها من القضايا السياسية والاجتماعية والفلسفية بشكل عام والمعاصرة بشكل خاص. بمعنى إننا لا نعثر في كل كتبه ومقالاته ورسائله على موضوعات تخص الإشكاليات الواقعية والجوهرية والكبرى للعراق والعالم العربي.
إن هذه الصورة الموضوعية لا تقلل من شأن السيستاني ولا تهدف إلى شيء غير محاولة فهم طبيعة «الظهور المفاجئ» على حلبة الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية لرجل مبدأه العملي عدم التدخل في الحياة السياسية المباشرة، والالتزام بالتقية والاكتفاء في مجال الاجتهاد بما هو مألوف من قضايا الجسد الشيعي، البشري منه والتقليدي(الحوزوي). ويمكن تصوير هذه المفارقة بعبارة "الصدفة لا تصنع الرجال من لا شيء، لكنها تظهرهم من الخفاء والعدم". والسيستاني دون شك من بين هؤلاء الرجال الذين أبرزتهم الصدفة الخاطفة في انحلال الدكتاتورية الصدامية وسقوطها. بمعنى أن سقوط الدكتاتورية الصدامية المفاجئ هو سرّ صعود المرجعية السيستانية المفاجئ. وتشير هذه المعادلة إلى طبيعة الخلل الذي أحدثته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في مجرى العقود الأربعة التي رافقت حياة السيستاني نفسه في العراق. وتتطابق عقود الزمن هذه في الوعي الإسلامي مع عمر النبوة (الحكمة). وبهذا المعنى يمكن اعتبار سقوط الصدامية هو حكمة أبدية، بينما صعود السيستاني هو نبوة متأخرة!
ولو وضعنا هذه المعادلة ضمن معايير الرؤية الفلسفية، فإن الظهور المفاجئ لشخصية السيستاني لا يخلو من مقدمات مرتبطة بطبيعة المؤسسة الدينية الشيعية من جهة، وتقاليد «المرجعية» في الإسلام من جهة أخرى. فالمرجعية الشيعية من حيث كونها مؤسسة، لها نظراءها في العالم العربي والإسلامي. إذ تسعى هذه المؤسسة لتمثيل «الكلّ الشيعي». أنها تتقاسم بهذا المعنى النوازع الخفية والعلنية لكل المؤسسات التاريخية الكبرى التي تدعي تمثيل الكلّ والجماعة والأمة. غير أن هذه المؤسسات خلافا للادعاءات الأيديولوجية للأحزاب السياسية هي التجسيد الأكثر تنظيما وديمومة. وذلك لأنها عادة ما تنشأ من تضافر أسباب عديدة أكثرها جوهرية هي العقائد والوظائف العملية. وفي عالم الإسلام فإن أكثرها نموذجية بهذا الصدد هو شيخ الطريقة (الصوفية) ومفتي الديار الإسلامية (السنّية) والمرجعية (الشيعية). ولكل منها مقدماته وتاريخه ونماذجه.
ويقترب التصوف والتشيع بهذا الصدد في ما بينهما أكثر مقارنة بمؤسسة مفتي الديار (السنيّة)، وذلك لانعزالهما أو انفصالهما أو ابتعادهما أو اختلافهما شبه الدائم مع السلطة. كما أن تمثيلهما ليس محكوما بالتقنين والتشريع، بقدر ما انه يتمثل كل جوانب الروح والجسد والقيم والتقاليد. أما الخلاف الجوهري بين التشيع والتصوف بهذا الصدد، فإنه يقوم في أن شيخية التصوف روحية فردية، بينما مرجعية التشيع عقائدية عامة. بمعنى أن التصوف من حيث المنشأ والوسيلة والغاية فردي فرداني نموذجه المطلق، بينما التشيع من حيث المنشأ والوسيلة والغاية عام للعوام نموذجه أنسنة (أو شخصنة) المطلق (في الإمام). وهو تباين جوهري، جعل من مرجعية التشيع مؤسسة قادرة على الدوام ومستعدة للعمل السياسي، أما قدرة التصوف الجوهرية واستعداده الدائم فهو سياسة الروح، أي ترويضها بمعايير المطلق.
إن تلازم السياسة والعقائد في المؤسسة الشيعية هو تلازم عضوي له تاريخه ونماذجه وأيديولوجياته المتنوعة، التي تشكل مدارس التشيع بشكل عام والسياسي منه بشكل خاص رصيدها النظري والعملي ومصدر إلهامها الذاتي. إذ لا رصيد حقيقي بالنسبة للتشيع بشكل عام ومرجعياته الفردية والمؤسساتية غير تاريخه الخاص وتقاليد إبداعه الذاتي عن الإمامة والإمام والولي والوصي والغائب والمستور، والشيعي الكامل، ومرجع التقليد، ومختلف نماذج «المجتهدين» من «آية الله»، و«حجة الله». وهو تلازم تجسّد للمرة الأولى في العصر الحديث بصورته «النموذجية» و«التامة» في إيران بعد الثورة الإسلامية التي قادها الخميني. وهي تجربة نقلت مضمون هذا الرصيد التاريخي القديم إلى مؤسسة «ولاية الفقيه» و«المرشد الروحي».
أما في العراق، فإن صعود السيستاني المفاجئ إلى حلبة الصراع السياسي لم يكن نتاجا لحرب ضروس وتصادم عنيف مع السلطة، ومن ثم ركوبا أو تواكبا مع اندفاعه الجماهير وحماس العوام. إنها لم تكن نتاج ثورة أو انقلاب، بقدر ما كانت «هبة أمريكية». وهي إحدى المفارقات الغريبة. إذ استطاعت «الهبة الأمريكية» أن تكون هنا للمرة الأولى مانحة «ربانية» لكاريزما بشرية لا تتوافق معها بالتاريخ والفكرة والرؤية والمزاج والعقائد! لاسيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار إن السيستاني لم يكن «رجل الساعة» ولا «رجل السياسة»، ولم يكتب في حياته بحثا سياسيا عن العراق!
إن هذه الصورة العامة تكشف عن خلل فعلي وتاريخي واجتماعي في صعود السيستاني المفاجئ إلى هرم «الروح العراقي»، كما تكشف في الوقت نفسه عمق الانحطاط الهائل في الروح الاجتماعي والسياسي العراقي الحالي. وهي علاقة ومفارقة لا صلة لها على الإطلاق بشخصية السيستاني. فهو يبقى بمنأى عن المؤاخذة في ما يتعلق بروحه وشخصه وأخلاقه. لكنه لا ينأى من حيث كونه «مرجعية» أي مؤسسة، من كل إشكاليات العراق الحالية والجدل حولها والصراع الشائك فيها. ولعل أكثر الإشكاليات في مرجعية السيستاني تقوم لا في صعودها المفاجئ، بل في تمحورها السياسي في ظروف الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. وعلى خلفية التاريخ الشخصي له، ومبادئه المعلنة في الموقف من السياسة والمرجعية، وعدم وجود أية رؤية واضحة المعالم ومحددة حول البدائل المحتملة في العراق، يصبح السيستاني «عباءة» بمعايير الصراع السياسي العنيف، و«عمامة» بمعايير الاحتراب الطائفي. وهي ظاهرة تتضح معالمها بجلاء بعد توظيفه العلني والمستتر قبل الانتخابات وبعدها. وهي حالة مازالت معلقة، بمعنى هل أن موقعه الفعلي في الصراع والأزمة الحالية فاعل أو مفعول به؟ وهل انه عباءة عراقية أم عمامة مذهبية؟ وهل بإمكانه أن يكون مؤسس فاتيكان شيعي أم عراقي؟ إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عليها على المستوى الروحي والسياسي والفكري دون تأسيس ما وضعته في كتابي (العراق ومعاصرة المستقبل) عما أسميته بالمساعي الروحية، والأعمال السياسية، والمساهمات الفكرية للمرجعية الشيعية. حيث وضعت لكل منها خمس محاور كبرى. واعتبرتها الوحيدة القادرة على دمج المرجعية الشيعية في نسيج الوعي الاجتماعي على مستوى الروح والسياسة والفكر. وتوصلت فيها إلى أن هذا الاندماج هو الوحيد الذي يضمن إمكانية صنع «فاتيكان» عراقي لا طائفي ولا مذهبي. إذ أن السبب الح تمل لسقوط الخمينية بهذا الصدد هو نتاج تحول الشخصية الروحية إلى سلطة، والفكرة السياسية إلى عقيدة، والاجتهاد الفكري إلى أحكام مقدسة. مما أغلق على الروح والسياسة والفكر حرية الاجتهاد الدائم وجعل منها الكابح الأكبر للحرية الفردية والاجتماعية. غير ان التجربة الإيرانية السياسية والفكرية والعقائدية. تكشف عن ان القضية اكثر تعقيدا، وأنها قابلة للحل بمعايير التجارب التاريخية الثقافية الذاتية. من هنا قيمتها الهائلة حتى في اخطائها.
طبعا إن السيستاني ليس الخميني. وهما يختلفان في أمور كثيرة، لكنهما يلتقيان في وحدة الانتماء المذهبي. وهو انتماء لا توّحد فيه. غير أن جوهر القضية بالنسبة للعراق يقوم في انه ليس بحاجة إلى «سيستانية» مذهبية أو طائفية، كما انه ليس بحاجة إلى مرجعية فردية أيا كان نوعها ومستواها وادعاء تمثيلها. فالشخصية مهما كانت نبيلة النية والغاية لا يمكنها التجرد من نوازع النفس والتربية والانتماء الجزئي والثقافة الخاصة. وليس مصادفة أن تصل الثقافة الإسلامية في احد مواقفها العميقة القائلة بضرورة قياس الرجال بالحق وليس الحق بالرجال. بمعنى وضع أولوية الفكرة المجردة على الرجال أيا كان موقعهم الفعلي أو الوهمي في ذاكرة الأمم وعقولها وأمزجتها. فالموقف الأول يحرر العقل من إمكانية التقليد، بينما الثاني لا يصنع يقينا دائما لأن سلوك الرجال عرضة للتغير والتبدل. والمواقف العملية قد لا تعكس حقيقة الشخصية أو قد يجري تأويلها بمستويات متباينة أو مختلفة، إضافة إلى تغير مضمونها مع تغير أذواق ونفسية وذهنية الأمم في مجرى تطورها التاريخي. بينما العراق في مرحلة انتقاله العصية والعصيبة إلى الديمقراطية بحاجة إلى «يقين دائم» في مؤسسة الدولة الشرعية والنظام الاجتماعي والثقافة العقلانية الحرة. فهو اليقين الوحيد القادر على صنع مرجعيته الكبرى، أي مرجعية أرض السواد لا سواد أي كان بما في ذلك الشيخ علي السيستاني.
إن صعود المؤسسات الدينية التقليدية وأشخاصها إلى هرم السلطة الروحية، لا يعني بمعايير الدولة الشرعية وفكرة النظام المدني والمعاصرة سوى السقوط في أوحال التقليد والعوم في مستنقع الأوهام. ومن ثم لا يعني اعتلاء هيئة علماء المسلمين السنّة والمرجعيات الشيعية مقام الحاكم الروحي والأدبي على قيم السياسة العملية واختبار الاختيار السياسي للجماهير والنخب سوى الرضوخ إلى صور الماضي الكئيبة وتأمل ابتسامتها المتخيلة من وراء دموع الجهل والإيمان الساذج. وهي حالة تعكس كامل الانحطاط المخجل للوعي السياسي والأحزاب السياسية، الذي يجعل من التدين المفتعل ونفسية المؤامرة والمغامرة المميزة لعلماء السوء والبنية التقليدية مرجعية روحية ومعنوية للمستقبل!!
*** *** ***




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,755,701,607
- صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية (2-3)
- صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية(1-3)
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال العقل الوط ...
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال العقل الوط ...
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال العقل الوط ...
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال الطائفية
- الاحزب القومية الكردية: تحزب العرقية الضيق
- صعود الأحزاب العرقية (الكردية) واندثار الأبعاد العراقية
- اندثار الأحزاب التقليدية وموت الراديكالية الدنيوية
- شخصيات الخوارج الكبرى(3)
- شخصيات الخوارج الكبرى(2)
- شخصيات الخوارج الكبرى(1)
- حقيقة الخوارج وإرادة التحدي الإنساني(3)
- حقيقة الخوارج وإرادة التحدي الإنساني(2)
- حقيقة الخوارج وإرادة التحدي الإنساني(1)
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(3)
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(2)
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(1)
- وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي(2-2)
- وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي


المزيد.....




- بعد تضاعف الإصابات… منظمة الصحة: نافذة احتواء الكورونا بالشر ...
- مسؤول صيني: خطر عودة الوباء إلى ووهان لا يزال عاليا
- من صنع الدبابات إلى الكمامات.. قاعدة عسكرية إسرائيلية تغير ن ...
- السلطات المصرية تروي تفاصيل واقعة وضع جثمان ضحية كورونا في س ...
- مباشر
- مباشر
- مباشر
- وباء كوونا: أكثر من مليون مصاب على مستوى العالم
- حرب أسعار النفط.. هل تؤثر في حظوظ ترامب بالانتخابات؟
- تعليق رخصة عمل -رويترز- في العراق لثلاثة أشهر بسبب -كورونا- ...


المزيد.....

- محافظة اللاذقية تغيرات سكانية ومجالية خلال الزمة / منذر خدام
- داعشلوجيا / عبد الواحد حركات أبو بكر
- ديوان دار سعدى / قحطان محمد صالح الهيتي
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2019 - الجزء الثامن / غازي الصوراني
- فلسطين، خطة ترامب والاستعمار الصهيوني / زهير الصباغ
- تِلْكَ الدَّوْلَةُ المُسْتَقِيمَةُ: كِيَاسَةُ الإِفْشَاءِ أَ ... / غياث المرزوق
- دفاعا عن حزب العمال الشيوعى المصرى والمفكر الماركسي إبراهيم ... / سعيد العليمى
- القدرة التنافسية للدول العربية مع اشارة خاصة الى العراق دراس ... / د. عدنان فرحان الجوراني
- مستقبل الدولار وما يحدث حاليا / محمود يوسف بكير
- الصهيونية في دولة عربية . يهود العراق في أربعينات القرن العش ... / هشام الملاك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية (3-3)