أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة غانم - الصور السردية المتشظية في النص المتجمع















المزيد.....



الصور السردية المتشظية في النص المتجمع


أسامة غانم
ناقد

(Osama Ghanim )


الحوار المتمدن-العدد: 6521 - 2020 / 3 / 23 - 15:08
المحور: الادب والفن
    


الصور السردية المُتّشظْية في النصْ المْتّجمع

تشتغل رواية " التانكي "* للعراقية عالية ممدوح ، في عدة امكنة متداخلة في آن واحد ، أي أن الرواية تتكون من عدة نصوص / طوابق ، وهذه النصوص تنقسم الى قسمين اثنين ، نص / مكشوف / مقروء ، ونص / مختفي / لا مقروء ، فالنص / المكشوف / المقروء يكون مفضوحاً في اعلانه بانه يستمد من النص الثاني / المختفي خطاباته وآلياته وتحولاته ، واعتماده عليه في فك رموزه وتحولاته .
إن المختفي ، هو ليس مناقضاً للمكشوف أبداً ، بل هو المتن الذي يمنح المكشوف / المقروء قوة ، واستمرارية ، وديمومة ، وانطلاقة في الفضاء الروائي ، وهذا يمنحه الدخول في التجربة الرمزية ، التي تعمل على ترميز مختلف الظواهر السوسيولوجية – التاريخية – السياسية – الفكرية المنحدرة من ما وراء النص ، ومن هنا تبدأ الصور السردية بالتشظي ، لكي تعمل على ارغام القاريء على أن يستعين بكل ثقافته وتراكماته المعرفية ، وقراءته المتنوعة ، للاستفادة منها ، وجعلها نقطة شروع في الحفر والتفكيك ، عندما يقوم بتجميع الأجزاء الممزقة المبعثرة ، واعادتها لتشكيل الصور الحقيقية التي كانت قبل التشظي ، من خلال دمج الصور السردية المتشظية وتجميعها في بؤرة واحدة .
إن العامل المشترك في النص - المختفي هو ( خلق متخيل والتعليق على عملية خلق هذا المتخيل في ذات الوقت . وتجتمع السيرورتان معاً في توتر شكلي يقوض التميّزات بين " الابداع " و " النقد " وتدمجهما في مفهومي " التأويل " و " التفكيك " ) 1 ، المتخيل هنا وسيلة لتفسير الواقع الذي يتميز عنه .
وبما أن النص الرمزي تكون طبيعته منفتحة على التأويل ، لهذا يقوم بالمطالبة بممارسة التأويل ، لأنه يحتوي على معانٍ غير مباشرة ينبغي البحث عنها ، والتأويل هو الذي يقوم بهذه المهمة ، وكما يسميها تودوروف " الاستجابة التأويلية " التي تدعو المتلقي الى النهوض بتلك القراءة – التأويلية أي المشاركة في الحفر .
إن الاستراتيجية الأساسية للرواية هي جعل النهايات للشخصيات الرئيسة مفتوحة ، او مجهولة ، او غير مكتملة ، بمعنى أن عدم اكتمال الصورة للشخصية ، يضع المتلقي في حالة التشويق ، أي أن يكون متطلعاً لمعرفة المزيد عن كل شخصية ومعرفة نهاياتها التي ستكون ما بين الثابت والمتحول ، عليه يكون عدم الاكتمال موازياً للتشويق ، وهذا ما نطلّع عليه منذ البداية ، حيث تبدأ الرواية بوصف عملية التقاط صورة للعائلة على لسان الوالد ايوب ال " كما في صور الألبومات العتيقة ، فكّرنا جميعاً : نحن الموقّعين أدناه ، عائلة أيوب ال الذين سيظهرون بالتدريج معنا ، بجوارنا ، بعدنا بقليل ، أمامنا ، أو أبعد قليلاً . من المفيد أن ندع الوالدة مكّيّة جالسة على كرسي ، فهي غير قادرة على الوقوف طويلاً حتّى لو أن الأمر لأجل التقاط صورة ، بجوارها الخالة فتحية ، بعدها الخالة الأصغر سنية . الوالدة بيبي فاطم مكانها غير موجود بيننا ، بقيت في الطابق الأعلى . حسناً ، من المفضّل ولأجل الهيبة أن نقف وراهم ، نحن الرجال . أنا الوالد أيوب ، وبجواري أخي مختار . هنا يستحسن أن نترك مكاناً لهلال ، ولدنا البكر ، ولها ، ابنتنا عفاف التي أوكلنا شؤون قضيتها إلى الأستاذ صميم – ص 13 الرواية " ، عندها يعلم المتلقي بان هنالك شخصيتين غائبتين اختفتا هما : االابن هلال و الابنة عفاف ، ومن خلال الالبوم العتيق الذي يعتبر تاريخ الذاكرة لدي العائلة نستدل على الذاكرة المثلومة والصور الغائبة ، ليس ذلك فحسب بل عمدت الروائية عالية ممدوح الى اللجوء الى تشكيل صورة سردية سحرية عندما جعلت الاب ايوب آل يطلب من اخيه مختار طلباً فانتازياً : " هيّا ، يا أخي ، خذ عنّي المهمّة ، ودعني أعود إلى مكاني في الألبوم – ص 13 الرواية " ، هذه الصورة السحرية تذكرني برواية فيلم " القلب المحبر " للكاتبة الالمانية كورنيليا فونكه ، عندما تكون الشخصية الرئيسة مورتيمر ذات مهنة غير عادية للغاية بالنسبة ليومنا ، فهو ( طبيب كتب) ، ولديه ابنة صغيرة ماجي تبلغ من العمر 12 عاماً ، تحب قراءة الكتب مثل والدها ، لكنهما يمتلكان ميزة واحدة ، وهي ،عندما يقرأون بصوت عال ، تخرج الشخصيات من الصفحات الى العالم الواقعي ، بينما شخصيات رواية التانكي ، عندما يكتبون تعود الشخصيات من العالم الحقيقي الى العالم الافتراضي ، وعليه فاننا " نضطر من ثم الى تذكر أن عالمنا الواقعي لا يمكن أن يكون العالم الواقعي أبداً للرواية . ولذا ، ففي الوقت الذي يبدو فيه أن كسّرِ الإطار يجسر الفجوةَ بين المتخيل والواقع ، فإنه يعمل على تعريته " 2 .
قسمت الرواية الى سبعة فصول ، متفاوتة الطول ، وكل فصل على لسان شخصية ، الفصل الأوّل : كلاكيت أوّل مَرَة / المتكلم صميم – كاتب ، الفصل الثاني / المتكلم معاذ الالوسي – مهندس معمار ، الفصل الثالث :استشارات قانونية / المتكلم العم مختار – محامي ، الفصل الرابع : هلال أيوب ال / المتكلم هلال – مقيم في لندن ، الفصل الخامس : نعم ، المرض موجود / المتكلم الدكتور كارل فالينو ، الفصل السادس : النّحّات يونس الهادي / المتكلم يونس – نحات ، الفصل السابع : كلاكيت آخر مّرَة / المتكلم السارد عن عفاف – رسامة ، بالإضافة الى عناوين فرعية كثيرة داخل كل فصل ، وهي محاولة من قبل الروائية عالية ممدوح للتخفيف من وطأة شدة التشظي الجاثم على خناق السرد ، من اجل تمكين المتلقي من العثور على المنصات الرئيسة للنص ، من خلال : " القُصاصَات والصور والألبومات والشرائط والآلات والخمرة – ص 28 الرواية " ، وشارع التانكي والمكعب ، والفن ويوتوبيا المخيلة ، والجنون المساوي للعقل ، والشهوة المؤجلة ، والرغبة الهاربة ، والموت الجاثم والحياة المُنسَلّة ، من الوطن المُرِعب والمنفى الكابوس ، والتفاهة المْتّسْيدة .
ومع رواة الفصول السبعة ، هنالك شخصيات ثانوية ، وجميعهم الرواة والشخصيات الثانوية تظهر وتغيب في فصول الرواية ، المتداخلة ، حسب سرد الراوي ، وبعض الشخصيات ( حيثياتها تتمظهر بالأشارة فقط ) ، وهم : الجدة بيبي فاطم " ام أيوب ال " ، الجدة عفيفة " ام مكية زوجة أيوب " ، الخالة فتحية – الخالة سنية ، طرب زوجة صميم / نحاتة ، ياسين / الشيوعي والعشيق الاول لعفاف ، كيوم فيليب / ناقد ورسام فرنسي وعشيق عفاف ، والخال سامي / طالب كلية بغداد – منتحر .
لقد اخترقت عالية ممدوح قاعدة البناء الكلاسيكي للرواية ، عندما تجاوزت التسلسل المتبع في كتابة الرواية من بداية ووسط ونهاية ، حيث جعلت القاريء هنا ، يبدأ بالقراءة من إي فصل يشاء ، الفصل الاخير او الاول او الاوسط ، ذلك نتيجة السرد المتشظي المتعدد ، لكن دون الاخلال بالمضمون العام للرواية ، لأن كل فصل مستقل بذاته ، مترابط مع الآخر جذرياً ، مؤدياً الغاية الملقاة عليه ، واتسم السرد بان المعلومة الواحدة متوزعة بين عدة فصول ، تعمل على حث القاريء لملاحقتها والعثور عليها لكي يتم توحيدها ،والا يتشتت القاريء ، وتكون رؤيته معتمة مشوّهة ، ويتيه بين الاسطر ،وتتشابك عليه الصور السردية .
هناك سؤال يمكن أن يطرح : لماذا هذا العنوان " التانكي " ، الذي لا يكاد يربطه بالحبكة الروائية سوى انه اصبح اسماً لشارع كان " مازال "** اسمه الاخطل ، " هذا الشارع الذي لم نطلق عليه هذا الاسم أبداً ، إنما بقينا جميعاً ، و يا للغرابة ! نردّد أسمه الذي يملك سلطانه على أفراد العائلة جميعهم ، فانتقل إلى الاصدقاء ، وأصحاب المحلاّت والأراضي والوقفيات وسائقي خط التكسيّات : شارع تانكي الماي – ص 25 الرواية " ، الواقع وسط منطقة الصليخ الجوّانيّ ، في منطقة الاعظمية ، وتانكي الماي المعدني " كان لونه فضِيَاً مُغبراً ورابضاً في بداية الشارع كمركبة فضائية – ص 103 الرواية " ، تقع بالقرب منه ثانوية كلية بغداد ، والمجاور لسَكن القاذرية الامريكان ، انتقلت اليه العائلة من حَيّ السفينة ، وهو شارع الأنتلجنسيا العراقية من " المهندسين والمعماريّين والفنّانين ورؤساء الوزارات السابقين والعلماء – ص 71 الرواية " والاطباء وقادة من الحزب الحاكم والفاذرية ، يعج بالقصور والفيلات الضخمة والبيوت الفخمة ، تفوح من حدائق بيوته روائح الرارنج والقداح والريحان والشبوى الليلي والرازقي ، انه شارع تتمثل فيه اساطير الف ليلة وليلة ، وحلم جنة عدن ، ولكن كانت هنالك مفارقة في غلاف الرواية عندما نرى حنفية الماء تقذف " تنزف " أحذية ، بدلا من خروج الماء منها ، رغم أن الروائية قد وصفت تانكي الماء في احد مقابلاتها الصحفية مع محمد ناصر الدين في جريدة الأخبار 10-اب – 2019 ، أن التانكي با لإضافة الى اختزانه للماء هو " يشكل مجموعة من الطبقات والمعارف والأفكار " ، وما بين الاستدلال من غاية التانكي عملياً ووصفه مجازياً ، نقول لا وجود هنالك للتأويلات المتطابقة للنص نفسه ، عليه سوف تتعدد التأويلات ، وتختلف الرؤى ، وتتشعب التحليلات ، وعند المقاربة والبحث في الرواية ، نستبطن دلالة تساقط الأحذية ، بانها تمثل المراحل التاريخية التي مر بها العراق من عام 1958 للأنظمة الدكتاتورية القمعية بدعم و مباركة بريطانية امريكية ، أن كل من بريطانيا والولايات المتحدة وضعت استراتيجية شاملة لسرقة ونهب ثروات العراق الى اجل غير مسمى ، ومن ثم قيامهم بعد عام 2003 بتسليم حكم العراق الى الاحزاب الدينية / الاسلامية ، شيعية كانت ام سنية ، والتي تمثل عقلية القرون الوسطى التي تقدس الغيبيات والضلالات والدجل ، وما فعلته بالبلد من دمار وخراب وقتل وحروب طائفية ، ومجاعة ، وانتشار لظاهرة " تحت مستوى خط الفقر " ، والعمل على تعميم وترسيخ الخرافات والشعوذة لتحل محل الثقافة والعلم ، مما ادى الى تفشي الفساد بأبشع صوره ، ودمير البنى العراقية التحتية كلها ، لذلك ينبغي على القاريء كي يطور البنى السردية أن يستخدم الاستدلال ليعرف نتيجة هذه البنى ، وإن " الوقائع المدلول عليها تُفهم : وكل ما نحتاج إليه هو معرفة اللغة التي يُكتب بها النص . والوقائع المُرمَزة تؤوَل ، وتختلف التأويلات من شخص لآخر " 3 ، اذ أن شارع التانكي اصابه ما اصاب العراق كله ، فأن اغلب سكانه انتشروا في المنافي ، او تشردوا بسبب الحروب العبثية .
لقد اشارت عالية ممدوح الى ذلك في استقراء ملفت للنظر - يمثل الاستشعار بالكارثة قبل وقوعها، ومدى عمقها وحجمها إن وقعت - في مجلة فصول المصرية ، " برج بابل ينهار و بعنف أمامنا ، وهذا ما يثير قلقا معماريا وجماليا لدى غير المتحضر ، لكن ما لا يثير الرعب أن المعاول ما زالت تلاحق عظام الموتى . إنهم ينقبون عن الجماجم لوضعها تحت تصرف الدبلوماسيين والجنرالات ، فهم يغرسون إبر الفولاذ في ابدان الصغار لكي يتوقف النمو ، وداخل أرحام النساء لتعقيم السلالة . هذه عاداتهم وبرامجهم القديمة والحديثة " 4 .
رغم هذا الخراب والدمار والمستقبل المظلم ، لا زال لدى الروائية تفاؤل وامل كبيرين با لأنسان العراقي ، من خلال مشروع المعماري معاذ الالوسي ، الذي هو المكعب ، هو المشروع العجائبي ، المدهش ، الذي يؤمن بالجمال والمحبة والسلام ، ليكون سكناً للعراقيين جميعهم ومن ضمنهم الانتلجنسيا العراقية ، اي الخروج من يوتوبيا المخيلة والسكنى في واقع الجمال المنتظر . ولقد اختارته الروائية ايضا ، " كجنس معماري يصلح روائياً لتعدد الأجناس في الرواية ما بين السينما والمسرح وكتابة الخطابات وتعدد الرواة " 5 ، و اختارته بشغف ايضاً " مصباحاً ككاتبه يضيء وجوه من نغرم بهم ، أو من بقي لنا ممن نحبهم في تلك البلاد، مأوى سرياً في تشكيله الهندسي " 6 ، وهذا انعكس على معمار الرواية التي شكلت فصولها طبقات ثلاثة ، لدرجة تجعل كل شخصية في الرواية تعتقد اعتقاداً جازماً بأن المكعب هو مصباحه السحري ، والعارف بأسراره وخفاياه ، لأن كل واحد منهم له أسم وقصة ومكعب ، ويظل التساؤل قائم ، هل هو يمثل سفينة نوح للنجاة من الهلاك ؟ أم هو العراق المنتظر ؟ أم هو الأنسان العراقي الجديد؟ يبقى ذلك خاضعاً وتبعاً لتأويلات القراءات المتعددة المختلفة للقراء:
" عثرْنا جميعاً على بقعة الأرض ، وهي كانت معنا في تلك المنطقة القريبة من شارع التانكي ، كانت فضلة من أرض الأحلام ، قطعة من حديقة مُطلّة على الماء ‘ وغير مُستغَلَة على الوجه الأكمل ، فتمّ التفاوض مع صاحبها ، وبالتالي حصل المراد . تلك هي الأطياف الأولى لما اطلقنا عليه بـ " المكعب " – ص 45 الرواية " .
وبما أن النص منفتح ومُشرع على المعرفة ، بالقدر الذي تتحقق فيه الدلالات ، لا يمكن اقصاء الاشارات التي يطرحها النص ، كما انه يصعب استبعاد العناصر السياقية التي تندرج في افق تلقي النص : " أنا المكعّب ، معاذ الألوسي – ص 44 الرواية " ، صرخة يطلقها المهندس المعماري ، زير النساء والمحب لليسار العالمي ، صرخة تبين مدى الحاجة للمكعب ، ودعوة للمغرمين والعشاق والشعراء والرسامين ، لهذا تكون عفاف اول المدعوين ، واول الإتين : " سنصمّم – المكعب – معاً ، وندعو مَنْ نغرم بهم إليه – ص 14 الرواية " .
كما قلنا ان الرواية تتألف من سبعة فصول ، كل فصل يكون على شكل رسالة مرسلة الى الدكتور كارل فالينو في باريس ، الطبيب المعالج لـ عفاف ايوب ال ، باستثناء الفصل الخامس الذي يكون على لسان الدكتور فالينو ، موجه الى المرسلين له والى عفاف ايضا ، والفصل السابع يكون مسرود من قبل سارد عن احاسيس وتحولات ومتغيرات وتبدلات وهواجس وعلاقات عفاف بذاتها وبالأخرين وبالعالم .
الملاحظ أن كل اصحاب الرسائل ، تكون عفاف محور رسائلهم ، بالإضافة الى تشريح انفسهم على شكل اعترافات شخصية للدكتور ، اي أن عفاف كانت لهم الحجة الواهية او الدافع اللاوعي للبحث عن ذواتهم والكشف عنها امام الذات وامام الآخر ، فقد " كنّا نفضّل بقاء الأسرار خفية فيما بيننا ، أمّا اليوم ، فسنجد مشقّة وبعض الخطر ، كلّ من جهته ، ونحن نضعها بين يديك وأيدينا ، أثارنا هي ، كلنا ، فكرنا نحن المشرفين على الغرق ، بحفظ بعض الأسرار ،وإفشاء البعض الآخر – ص 15 الرواية " ، وهذا ينطبق على العائلة ايضا ، التي في اعتقادها أنها تؤدي واجب البحث عن الابنة الغائبة المريضة او المفقودة ، ولكن البحث في الحقيقة هو البحث عن ذوات انفسهم ، للعثور عليها عارية امام مرآة كل واحد منهم .
عفاف أيوب ال ، بطلة الرواية والشخصية الرئيسة ، صاحبة الصوت الحزين الشجي ، لم نسمع صوتها الا عبر الآخرين ، أو عبر السارد ، هي مزروعة ومبثوثة في كل الفصول ، ولكن من المستحيل التوصل الى معرفة نهايتها ؟! هربت او هاجرت الى باريس بعد أن انهت دراستها للرسم في أكاديمية الفنون الجميلة عام 1979 وهي في الثالثة والعشرين ، بحثاً عن غدٍ افضل من حاضر العراق ، وخوفاً من أن تصبح كالبقية عيونهم مفتوحة ولكنهم عميان : " أريد تنظيف حواسّي جميعها ، فلو بقيتُ هنا ، لعميتُ ، واختفيتُ ! – ص 24 الرواية " ، ولكنها بعد سنوات ، كانت اخبارها التي كانت تصلهم عن طريق طرب ، تنقطع ، ولا احد يدري ماذا حل بها ؟ وتتسع التساؤلات بمرور الوقت من قبل الجميع :
لماذا اختفت عفاف واين ؟
متى ستعود ؟
هل هناك أي أمل بعودتها ؟
هذه الأسئلة كانت تدور في العراق عندما انقطعت اخبارها وهي في باريس ، أما الأسئلة التي كانت توجه اليها وهي في باريس قبل اختفائها و تجعلها تتضايق منها جدا فهي :
"هل أنتِ مهاجرة ؟ أم لاجئة ؟ أم منفيَة ؟ - ص 129 الرواية " .
حتى الدكتور كارل فالينو الذي يُسئّل من قبل الآخرين ، يبدأ في الاشتراك باللعبة مع البقية ، عندما يبدأ بطرح الاسئلة على نفسه وعليهم : " ترى هل مازالت عفاف عراقية ؟ هل بمقدورنا سؤال السفارة العراقية في باريس ؟ لمَ لا ؟ ألم تقم بتجديد جواز سفرها العراقي ؟ هل حصل ذلك الأمر ؟ ومتى كان ؟ هل توفّيت واُعيدت إلى بلدها دون علمكم ؟ هل قضت و دُفنت هنا في مدافن المسلمين ؟ هل قضت بالسكتة القلبية ؟ أم بمرض غامض ؟ - ص 149 ، 150 الرواية " ، وفي الآخر يتوقف الجميع عن البحث عنها .
لأنها هي التي عزمت على الإختفاء . وقبل هذا عزمت على أن تطرح الكثير من الأسئلة المحرجة ، غير المتوقعة ، لأنها بالأساس كانت تمتلك شهوة مخيفة للتساؤل الذي يؤدي بها الى الجنون ، وعلى ضوء ذلك باستطاعتنا أن نستعير قول الفيلسوف باسكال المدون في مقدمة الرواية ، والذي اعتبره أنا مفتاحاً مهماً في فهم مقروئية النص كله " إن الكائنات حمقى بالضرورة ، لدرجة أنه سيكون المرء مجنوناً ، لو لم يكن مجنوناً " :
" هل نحن أسباب المرض ؟ كلا ، كلا ، لا أريد الحكم الآن – ص 21 الرواية " .
" الجنون موجود ، دكتور ، أنه ضروري كالعقل – ص 128 الرواية " .
" هل أنا على وشك الجنون ، دكتورة ؟ - ص 147 الرواية " .
وللآخر تبقى عفاف امرأة واحدة ووحيدة، تبقى فريسة التيه والجنون ، حتى وهي مع عشيقها فيليب كيوم ، وهي متجلية في اصفى لحظاتها الوجودية ، تناديه بضمير الغائب ، ولكنها تمحوه من الواقع لتثبته في لوحة عابرة ، لأنه بالنسبة اليها صورة مُجْمعة من مخيلة الكُتُب :
" يا كيوم ، خذ ، خذ بقوّة ما لا يمكن تخيّله ، ومن دون عودة للمعاجم ، فأنا أريد أن أشتقّ لك اللعنات والملذّات ، وأدعك تستغلّني ، ولا تختزلني . لا تعترضني ، أرجوك فيما إذا أصابني الهلع ممّا أشتاقه فيك ، والذي لا أقدر الوصول اليه ، وما لم تُبلّغني إيّاه وأنا في حضنك ، ما لم أحصل عليه حتّى وأنت تُنهِكني وتستخدمني كما لو كنت غريمك . هل تعلم أنني لم أكسب منك شيئاً ، لا نطفة تبذرها ، فتعتريني أعراض الأم الباسلة ، ولا حاولت أن أحقّق صيتاً طيَبا من لوحاتي التي أنزلتْ بها المصائب ، فساعدتني أيّها الرجل المقتبس من الكُتُب وخيالي . صحيح أنت مفقود في الواقع ، وثابت في اللوحة – ص 197 الرواية " .
ما الفائدة ؟ هكذا ترددّ ، حينما تلتقي بـ فيليب كيوم يكونان اكثر من اثنين ، لكن لا يمكن المجاهرة بالحنين أو الشوق الى الوطن العراق ، دون أن يضحّي أحدهما بلغته ، وبخياله . وليصبح ألآخر " غريم بلدي فيّ " – ص199 الرواية " .
بقدر ما كانت رقيقة ، وشفافة ، كان الآلم يحاصرها ، ينبعث من مسامات جلدها ، يتلاعب بها ، لذا علمها هذا على رؤية الأشياء ، و رؤية اعمق اعماقها ، وبالأخص التي تتميز بالجمال :
" فالقبح ليس نقيض الجمال ، إنما الألم ، والعين غير المتدرّبة على الجمال لا ترى ولا تحسّ به ، حضر أو غاب – ص 166 الرواية " .
لماذا اتسم الفصل السابع ، فصل عفاف أيوب ال ، بأن يكون المتكلم سارد وليست عفاف ، مع العلم أن جميع الفصول الستة الباقية تروى على لسان الشخصيات الرئيسة ، أي الراوي – الفاعل " راو يكون شخصية في المواقف والاحداث ،ويمتلك تأثيراً ملموساً على هذه المواقف و الأحداث " 7 ، ولماذا التجأت الروائية عالية ممدوح الى هذه الصيغة في السرد ، ولم تجعلها هي التي تروي ، اقول ، ليس من الممكن أن يروى الفصل على لسان عفاف ، لأن عفاف بالأساس ( مختفية) ، غير موجودة ، غائبة ، ولذا كان الفصل يسرد بضمير الغائب ، المبني للمجهول :
" هذا مطار أورلي ، وهي تشعر أنها تمتّ بصلة قرابة إلى هذه الأقوام – ص 207 الرواية " .
" في الأصل هي لم تكتب لأيّ أحد هناك – ص 232 الرواية " .
" ظلّتْ تنشد له أغنيات – ص 252 الرواية " .
أن الروائية عالية ممدوح قد حققت ذاتها وحققت وجهة نظرها ليس فقط داخل السارد ، ودخل خطابه ولغته " وإنما كذلك داخل موضوع المحكي ، ومن وجهة نظر تختلف عن وجهة نظر السارد . نقرأ محكياً ثانياً : هو محكي الكاتب الذي يسرد نفسه ما يحكيه السارد ، والذي ، بالإضافة إلى ذلك ، يرجع الى السارد نفسه " 8 .
من حق المتلقي ، أن يقوم بالتعرف على الشخصيات الروائية ، التي كان صوتها مسموع وفعلها موجود ، داخل رواية التانكي ، فإن صميم راوي الفصل الأول ، يُعرّف نفسه هكذا : " أنا صميم ، كاتب سرَيُ أشتغل باسم حَركيّ . هو الرجل ذاته الذي قدم معها في العام 1986 الى عيادتك الخاصة – ص 13 الرواية " ، ويبقى الاسم الحركي غير معلوم الى النهاية -والنحاتة طرب زوجته خريجة أكاديمية الفنون الجميلة ، وصديقة عفاف وزميلتها في الأكاديمية - أوكل النحات معاذ الألوسي اليه تدوين المخطوطة ، أي مجموعة الرسائل المرسلة الى الدكتور ، لأن الحروف التي يرسمها تامة التكوين ، جميلة ، ويكتب عن لسان الخالة فتحية ، كيف كانت عفاف ترتحل وتغيب عنهم وهي في وسطهم ، فالأمكنة عندها مقيمة داخلها ومتجذرة فيها ، حتى لو ارتحلت عنها بعيداً ، فـ مدينة بغداد ، مدينة الف ليلة وليلة ، مدينة الحلم الاسطوري ، أماكنها محفورة و جاثمة بمخالب مغروسة داخل عفاف ، وهكذا حي السفينة وشارع التانكي وكلية بغداد ، وكل الأمكنة ، مرتبطة بعلاقة صوفية تتجلى بانبعاثات حسية دلالية تُترجْم على شكل غناء أو رسم أو صمت ، وبالذات مع وطنها المسمى العراق ، الملتحم على اضلاعها الناعمة ، والنائم في حدقات عيونها : " كانت ترتحل أبعد ممّا سبق ، وتبتعد عنّا جميعاً ، وهي بيننا – ص 20 الرواية " . واستمر صميم يٌعدَل ويمحو ويضيف في المخطوطة على عناد سرد الثعالب مزوري التاريخ ، ورغم أنه كاتب غير جدّيّ ، يقول عن تجربته مع رواة الفصول : " فالاسم الفعلي للشخص ونحن ندعه يتبوّأ مرتبة في وظيفة السَرْد والإخبار ، يحمل مع الراوي المجهود الجسدي والعصبي ، التعب وبهجة النزهات القصيرة مع الشَخصيات – ص 27 الرواية " .
هذه العملية الكتابية منحته القدرة على دخول عوالم الرواة الممنوعة ، والمحظورة ، وبالعمل على القيام بنزع " الأقنعة ، وكاشفاً عن البعض الآخر ما يخيفني شخصياً – ص 36 الرواية " ، وفي خضم هذا التوتر والقلق تتوازى بشاعة المشهد الجاري في العراق ، منذ اعوام الثمانينيات وهو الذي لم يغادر مدينة الدنيا بغداد ، ليظل ما خوذاً " بالحدود القصوى لقدرة الكائن البشري على تحمّل الابتذال والسفاهة – ص 36 الرواية " ، ابتذال الرفاق ، وسفاهة الحكومة ، وتفاهة الوضع ، تفاهة الذي اصبح العراق عليه ، وتفاهة الموقف الدولي تجاه العراق ، تفاهة ... تفاهة .. " هذه اللاّزمة دكتور التي بقيت الآنسة تردّدها أمامنا ، فنسمعها منها وهي تنفجر بالضحك ، وتشرب الخمرة ، أو ترشف فنجان القهوة المرَة من يد طرب – ص 33 الرواية " ، وتتردد كلمة " تفاهة " بكثرة على لسان عفاف وبقية شخصيات رواية التانكي ، فالتفاهة تعني الخُلو من الاهمية والشان ، العْقْم وعدم الجدوى ، وايضا، النقص في الأصالة أو الأبداع أو القيمة ، هذا المعنى الذي قصدته عفاف / السارد / الروائية ، وهو المعنى الذي يمر به العراق ، وما يعانيه المُشرّدون في المنافي ، والذي تمر به انتلجنسيا العراق ، ولكن المقصود بالذات هو من يحكم العراق ، منذ الانتداب البريطاني والارساليات التبشيرية بمختلف مسمياتها ، الى دخول دبابات المارينز عام2003 ، وتسليم البلد الى العمائم المغسولة بالدم والظلام والتخلف والنهب والسرقة والقتل المجاني ، هذه اللازمة تعكس حال من يحملون الوطن اينما ارتحلوا في المنافي ، وحال المغتربين داخل البلد ، حيث " كان الهوان يتجمّع ويتكاثر ويلتئم في اليقظة ، كانوا يُسمّونه تدمير العراق ، وقالوا محوه ، لكي لا يهتدي إليه أيّ أحد من أبنائه ، ولا حتى العميان ، فالدمار الذي اُنزل بالعراق سمّيناه " إبادة المجتمع " أو تدمير طريقة حياة كاملة – ص 119 الرواية ".
وعليه تقول الروائية " كان عنوان الرواية في الأصل " تفاهة " ، وتلك لا تزال متروكة في الدرج ، ولم تصدر حتى الآن " 9 .
وعند النبش بين سطور الرواية ، تتوضح لدينا الصورة ، ولماذا أخذت تردد عفاف كلمة " تفاهة " ،فالتافه كان في البداية ياسين ، كان شيوعيَاً بدوام كامل ، منتفخاً بالأيديولوجيا ، شبيهّاً بالضفدعة في قصة البقرة والضفدعة في القراءة الخلدونية للصف الأول ابتدائي ، عندما تحاول الضفدعة أن تكون بحجم البقرة ، فتنفخ نفسها الى أن تنفجر ، فكان ياسين اختيارها المشوه : " أن ياسين كان أوّل سوط ضُربت به في كل مكان من الجسد والقلب ، تماماً ، ربمّا من هناك أستلهمت تلك اللاّزمة : تفاهة في مقابل ياسين – ص 145 الرواية " ، ولكنه يبقى المسرة القاتلة ، والعشيق الأول لها وهي ابنة الرابعة عشرة ، الذي كان يمنحها اللذة في غرفته في الطابق العلوي في حي السفينة ، المطلة على النهر ، فكان هاوية بالنسبة اليها ، لم تنج منها الا بسفره الى روسيا .
وبسخرية مشوبة بالحزن و الألم تستعرض حال الجبهة الوطنية المعقودة بين حزب البعث والحزب الشيوعي ، وما آلت اليه الاوضاع " الحزبان ثملان ، وينتظران الانتقام ريثما يستوعبان البغض حتّى الثمالة ، فنراه معروضاً أمامنا ، وهما مستعدّان لرمي أحدهما ألآخر تحت الدَبَابات ، ونحن نسخر في مجالسنا ، ونردّد : أحد الحزبين توقّف حيضه ، والثاني تعرّض للخِصاء – ص 215 الرواية " ، ونعثر في الفصول على الكثير من سفاهة وانحطاط وابتذال الاحزاب الحاكمة ورموزها المتعفنة ، مبثوثة على شكل شظايا بين السطور .
ويحظى الوجود الأمريكي واحتلاله للعراق ، بتفصيل تاريخي ، رابط بين الفترتين ، القديم / ثقافة وتعليم ، عندما أسس الفاذرية اليسوعيْون الأمريكان " الرهبان الاربعة - الروم الكاثوليك " ثانوية كلية بغداد في 26/ سبتمبر / 1932 ، والجديد / الاحتلال في 2003 ، وتعبّر مشاهد الرواية عن ذلك ، بصور مباشرة وواضحة ، اضعها امام المتلقي للمقارنة :
" أذكر بعد ذلك ما حصل في صيف العام 1968 . اقتضى الحال تغطية رؤوس الفاذرية اليسوعيين بغية إهانتهم . بدأت التظاهرات تتوافد إلى كلية بغداد ، تطالب بتعريقها وطرد الآباء ، مما سبب بعض الإرباك للطلبة وأولياء امورهم حول مستقبل تلك المدرسة العريقة ، في نهاية العام الدراسي وفي صيف 1969 صدر قرار بتعريق الكلية ، وتم طرد الأساتذة الامريكان ، والذين سبق أن دفن أربعة منهم داخل حدائقها ، ما سبب صدمة لهم ، قابلها العديد بالبكاء ثم الرحيل الى بيروت – ص 65 ، 66 الرواية " .
" وصل المارينز . حفظتُ صوراً كثيرة ، ومزّقتُ كلاماً به بلاغة تافهة ، ونسيتُ كلاماً جديراً بالنقل فعلاً ، إلا تلك الواقعة التي نقلت في لقطة واحدة ، ولم تتكرّر قطّ : " نشرت في فيلم يصوّر ، ما يشبه المعركة ، تضمّ كائنات بشرية . جنّ جنون المراقبين العسكريّيْن الأمريكان عندما سمح أحد القادة الميدانّيين للمراسلين بمشاهدة فيديو رشّاش إحدى طائرات الأباشي ، وقد سجّل سرَاً في إحدى القرى العراقية ، وكان على ما أذكر في نهاية 2003 . وبدا في الشريط مراهقون – كانوا بعمري يوم تركتُ البلد – وهم يهربون في كل الاتجاهات وقد استبدّ بهم الرعب ، فيما تشطر رصاصات الهيليكوبتر , التي لا تمُكنهم رؤيتها ، كل جسد من أجسادهم نصفّيْن – ص 108 الرواية " .
الملاحظ أن الانتداب البريطاني ، منح الاستقلال للعراق في تشرين الاول / 1932 ، بينما تم تأسيس كلية بغداد من قبل الامريكان في 26 / ايلول / 1932 ، عملية استلام وتسليم .
طرب زوجة صميم ، نحاتة ، خريجة أكاديمية الفنون الجميلة ، قسم النحت ، متحفظة على البوح با لأسرار كلها ، طوال ثمانية أعوام بقيت تسافر اليها في باريس ، وحين تعود لا توكّد ولا تنفي ، وهي تقول :
من الجائز ، هي تعتقد أننا تركناها تضيع من بين أيدينا ،فنحن أيضاً توقّفنا عن الشوق اليها والبحث عنها . هكذا عناداً ، حَنَقّاً منها ، وعليها . ص 21 الرواية " . ثم تبدأ، بالتساؤل بفزع وخوف " هل نحن أسباب المرض ؟ كلا ، كلا ، لا أريد الحكم الأن " .
ومنحوتاتها الجدارية جميعها مغوية ، شبقية ، فيها مقاطع اباحية من نشيد الانشاد للنبي سليمان ، وابيات من ديك الجن وأبي نواس ، بهذا كله تطلق العنان لمخيلتها ، مما يؤدي بصميم بالحاق بها ، لكنه لا يرتوي منها رغم فارق السن بينهما ، فهي ملتهبة دائماً .
أما العم مختار فهو " محام ، سكّير ، ضجر ، مُسنّ غير هيّاب – ص 63 الرواية " ، فهو يمتلك الشقاء كموهبة ربانية مع ابنة اخيه عفاف ، ويرجع أسباب هذا الشقاء الى " تأتأة لساني المزمنة ، واهتزاز كفّي اليسرى ، وحَوَلُ عيني اليمنى الذي كان يستهوي عفاف كثيراً ، فهي ورثت بعضه – ص 66 الرواية " . وهو الشاهد الحي على التحولات السوسيولوجية التي تصيب مدينة بغداد من : دخولها في موجة الطائفية المقيتة ، وانتشار الامية والتخلف ، ونشوء طبقة من امراء الحروب ، والنهب والسلب ، وترسيخ الخرافة واعتمادها كدليل للمواطن في علاقاته الاجتماعية ، وما يصيب عائلته من انسحاق وتشتيت ، كل ذك يجعله يؤمن بحكمة نحن أحياء وأموات معاً .
رغم انه من زبائن الكلجية المزمنين ، الا انه كان يشتهي الخالة فتحية كلما يرها جالسة على كرسيّها الخاصّ ، فهي " أكثر امرأة اشتهيتها – ص 87 الرواية " ، لكنها كانت أقوى منه ، فتركها ، أما انتقامه من المارينز ، فكان يعتبره هو البقاء ، أي استمراريته بالحياة " وجودي وحده هو انتقامي الضعيف من المارينز – ص 88 الرواية " . وفي هذا الخطاب ، وخطاب الروائية يشخص " ويضمّن خطاب الآخر ، ويخلق له منظوراً ، ويوزع ظلاله وأضواءه ، ويصنع وضعيته وجميع الشروط اللازمة لإسماع رنينه . وأخيراً فإنه بنفاذه إليه من الداخل يدخل فيه نبراته وتعبيراته ، يخلق له خلفية حوارية " 10 .
أما هلال فلا أود أن اطيل ، وهذه الاسطر الاتية سوف تبين وضعه وحالته التي يعيشها في لندن ، التي وصلها عام 1969 ، لم يستطيع أن يجعل نفسه في وضع احسن من وضعه الذي كانه في العراق ، فاصبح في اسفل درجات الحياة :
" زواجي من سيّدة شبه خرفة وثرية ، أجمع لها كلابها الأربعة للقيام بنزهتها يوميّاً ، وصون حياتها ، والعناية بصحّتها ، واستحمامها اليومي ، وتنظيفها من البول اليابس ، ورفع غائطها من الشوارع ، على شرط أن لا يُسمع لي صوت – ص 124 الرواية " .
ويختصر الدكتور كارل فالينو ، وضع عفاف أيوب بعمق ، ورؤية ثاقبة ، من حيث وضعها الوجودي والصحي ، ومدى عمق علاقتها ببغداد وبباريس ، أي بالمدن التي تبدأ بالباء ، بين بغداد الفاسقة وباريس المستبدة :
" لم تكن سعيدة في المنفى ، ولم تحنق على بلدها ، فكانت وحيدة في المكانّين – ص 131 الرواية " .
إما يونس المشوش والمرتبك ، فقد أنشات الخالة سنية علاقة جنسية معه ، وكانا يلتقيان في شقته ، " سأتوقّف أمامها ، وهي مضطجعة على سريري في شقّتي ، وأنا أرى طيف عفاف في بهاء لحم ومسام وبطن وظهر سنية . تستلقي ولا تتحدث – ص 175 الرواية " . علاقة غير طبيعية ، غير متوازنة ، محكوم عليها بالفشل مسبقاً ، وهو " العوازة " كما اطلق عليه من قبل عفاف وطرب . علاقة تعمل على أطفاء حرائق الأثنين ، وخالية من الحب .
وسنية قامرت بكل ما تملك ، حتى جسدها قامرت به ، بالأضافة الى تزويرها لتواقيع أختيها في بيع الوقفيات ، واصبحت سنية " تشبه المدينة المكلّلة بالخديعة – ص 177 الرواية " ، وعلى اثر ذلك تختفي سنية ايضاً، هل غادرت خارج البلد ؟ هل قُتلت ؟ هل انتحرت ؟ لا أحد يدري ، فقط لا وجود لها . عائلة ملعونة ، لعنت بالموت ما بين الانتحار / الخال سامي ، والخطف / الاب أيوب ال ، والاختفاء / عفاف – سنية ، والفرار / هلال ، والبقية كانوا أحياءّ وأمواتاً معاً ، كالوطن الذي استباحه الفاذرية الجدد ليفعلوا به ما يفعلون .
في مقابلة في تلفزيون فرانس 24 ، تقول عالية ممدوح : " الكتابة هي الذهاب الى أقصى المغامرة " . أو الذهاب الى الأسطورة ، لأسقاطها على الواقع ، من هنا يتبين لنا لماذا طرحت عفاف أهم سؤال ، الذي هو : هل ارتحلت إيثاكا ؟ رغم انها تعرف مقدماً ، بان " إيثاكا شخصية سَرْديَة مُهلكة لمَنْ ينتظر الوصول إليها ، والمدينة على بُعد إصبع منه ، فلا يصلها – ص131 الرواية " ، ففي الأسطورة يلعن اوديسيوس ملك إيثاكا وبحارته بألتيه في البحر ، لمدة عشرة سنوات ، وتبقى زوجته بينيلوبي تنتظره ، وهنا يصبح من حق المتلقي أن يتساءل ، هل المدن الحقيقية أو الأسطورية انصرفت عنا بعيداً ؟ والانتظار أصبح كانتظار جودو الذي لا يأتي أبداً ، وهل الأمل اصبح وهماً ؟ أم شطبت كلمة الأمل في جميع المعاجم ؟ وتشعر الروائية بجاذبية " نحو كل ما هو غير منجز . وقد يظهر داخل مجال التصور لدى أي شخص من شخوص المؤلف ، وقد يصور لحظات حقيقية في حياته أو أنه يلمّح إليها فقط ، وقد يشارك أبطاله الحديث ، فيكون الكلام الذي يتصوره المؤلف على نفس مستوى الكلام المتصوَر ( بالفتح ) للبطل ، وقد تنشأ بينهما علائق حوارية وعلائق هجينة " 11 .
واخيراً ، هل نردد ما قالته الروائية بأن الرواية هي " رواية الخسرانين المتلعثمين في لسانهم الأصلي وعبر ألسنتهم الهروبية أيضاً " 12 .



















الهوامش والاحالات
*عالية ممدوح – التانكي " رواية " ، منشورات المتوسط ، ميلانو / ايطاليا ، 2019 .
** اعيد استعمال الاسم من قبل الجيل الجديد ، بُعيدّ الاحتلال ، لأن جثث المغدورين – في الاقتتال الطائفي – عام 2006 وما تلاها كانت تلقى فيه .
1- باتريشيا وُوه ، الميتافكشن : المتخيل السردي الواعي بذاته النظرية والممارسة ، ت : السيد إمام ، ص 13 ، دار شهريار ، البصرة – العراق ، 2018 .
2- م . ن . ص 45 .
3- تزفيتان تودوروف – القراءةُ بناءً ، القاريء في النص : مقالات في الجمهور والتأويل ، تحرير : سوزان روبين سليمان – إنجي كروسمان ، ترجمة : د. حسن ناظم و علي حاكم صالح ، ص 94 ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت – لبنان ، 2007 .
4 - عالية ممدوح – جدلية العنف في المسكوت عنه في الرواية العربية ، مجلة فصول ، العدد1 في 1/ يوليو / 1998 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة .
5- عالية ممدوح – حوار مع محمد ناصر الدين ، جريدة الاخبار العدد 3830 في 10/ 8 / 2019 ، بيروت – لبنان .
6- م . ن .
7- جيرالد برنس – قاموس السرديات ، ترجمة : السيد إمام ، ص 135 ، ميريت للنشر والمعلومات ، القاهرة 2003 .
8 – ميخائيل باختين – الخِطَابُ الرّوائيّ ، ترجمة : د . محمد بّرادة ، ص 149 ،رؤية للنشر والتوزيع ، القاهرة 2009 .
9 – عالية ممدوح - حوار مع محمد ناصر الدين ، جريدة الاخبار ، العدد 3830 في 10/ 8 / 2019 ، بيروت – لبنان .
10 – ميخائيل باختين – الخطاب الروائي ، ص 221 .
11 – ميخائيل باختين – الملحمة والرواية ، ترجمة : د . جمال شحيد ، ص 50 ، معهد الانماء العربي ، بيروت – لبنان ، 1982 .
12- جريدة الاخبار ،العدد 3830 في 10 / 8 / 2019 .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,751,458,334
- المأساة بين الواقع والخيال قراءة نصية سوسيولوجية لرواية ظلال ...
- النص المختلف في حفريات الموروث الديني والذاكرة المستفزة - لو ...
- اللعبة السردية في متخيلة المتلقي والنص
- شعرية الحياة في شفرات استعارة اللحظة
- قرائية الواقع بين الوهم والمتخيل
- عراب المتاهات وخْيَال الهاوية
- حوارية عين العنقاء : قراءة في المجموعة الشعرية - اغنية الغبا ...
- الدلالة اليومية في الصورة الشعرية
- تأريخية السيرة الذاتية في سردية المتخييل المؤول
- المثقف بين حلم التغيير والواقع المحبط
- قراءة التحولات في الرواية العراقية مابعد التغيير ؟
- هذيانات المخيلة في اكتشاف الجسد
- هوية الجسد خارج حكاية زهرة / الانثى
- جدلية الرمز المحتجب والواقع المكشوف
- جدلية الذاكرة والوعي في مجموعة - اقاليم قصية - ل غازي العباد ...
- المثقف بين الانتماء والاغتراب
- القصةوالرواية : ايديولوجيا وجمالية
- جدلية الذاكرة في سرد السيرة
- حوار - في الملحق الثقافي لطريق الشعب
- النصْ المتشظي في السرد المتجانس


المزيد.....




- كاريكاتير القدس- الأحد
- الصحة العالمية تطلق خدمة -واتسآب- باللغة العربية
- الشاعر عبد الله عيسى ضيف -طلات ثقافية- من روسيا
- الشاعر عبد الله عيسى ضيف -طلات ثقافية- من روسيا
- مديرية أمن بعقوبة ويوم المسرح العالمي / ثامر الزيدي
- الأوبئة في عيون الشعر العربي.. كيف ألهمت الشعراء العرب؟
- المسرح الجوال
- عمر عسر يكتب: “زيارة أخيرة لأم كلثوم” لـ علي عطا.. جدلية الو ...
- شفاء الفنان الكويتي عبد الله بوشهري من فيروس كورونا
- في زمن كورونا: كيفاش نهضرو مع المغاربة؟


المزيد.....

- البحث المسرحي بين دراماتورجيا الكتابة والنقد المقارن / أبو الحسن سلام
- رواية الملكة ودمعة الجب كاملة / بلال مقبل الهيتي
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- الأسلوبية في السينما الغربية / جواد بشارة
- مقالات في الرواية والقصة / محمود شاهين
- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل
- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة غانم - الصور السردية المتشظية في النص المتجمع