أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية(1-3)















المزيد.....

صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية(1-3)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6515 - 2020 / 3 / 15 - 23:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الصعود السياسي لرجل الدين وأزمة الأحزاب السياسية


إن صعود البنية التقليدية، أيا كان شكلها، هو بحد ذاته مؤشر على مستوى الانحطاط في فكرة البدائل العقلانية للمعاصرة. أما في ميدان الحياة السياسية، فان صعود القوى الدينية ومؤسساتها التقليدية هو بحد ذاته مؤشر على مدى انحطاط الفكرة المدنية بشكل عام والسياسية منها بشكل خاص. إذ لم يكن التحول السياسي في الوعي الاجتماعي صوب الرؤية الدينية (الإسلامية) في العالم العربي منذ سبعينيات القرن العشرين نتاجا لنمو الوعي الاجتماعي والسياسي المتراكم بمعايير الرؤية العقلانية للبدائل بقدر ما كان رد الفعل المباشر على فشل راديكالية النماذج القومية الدنيوية. وضمن هذا السياق يمكن فهم سر الرجوع إلى المصادر الإسلامية الأولى و«إسلام الحق» وما شابه ذلك، باعتباره جزء من تراكم الرؤية النقدية للواقع. دون أن يعني ذلك بالضرورة احتواءها على إدراك عقلاني للتاريخ والمستقبل. إذ لا يمكن تبلور رؤية واقعية وعقلانية للبدائل دون إدراك عقلاني للتاريخ والمستقبل. فالبدائل الواقعية والعقلانية للمعاصرة تفترض بالضرورة التحرر من رق الماضي أيا كان شكله ومحتواه. أما العلاقة الوحيدة التي تحكم الحاضر بالماضي فهي مرجعية المستقبل. وهي مرجعية حرة بالضرورة تماما بالقدر الذي تؤسس لفكرة الحرية بوصفها نظاما لوجود الأشياء. من هنا لا يعني الرجوع إلى البنية التقليدية في الحياة السياسية وإعلاء شأن «المرجعيات الدينية» إلى مصاف المقدس في رؤية المصالح الاجتماعية والوطنية وفكرة الدولة والنظام السياسي سوى الاستعادة الفجة لما سبق وان انتقدته تقاليد الإسلام الإصلاحية منذ أزمنة قديمة.
فالسؤال البسيط عن ماهية رجل الدين وسر صعوده إلى هرم الموقف السياسي في ظروف العالم المعاصر يحتوي بذاته على قدر وأقدار الانحطاط السياسي والدولة والأمة. وذلك لأن رجل الدين هو ليس «عالم الدين» بالمعنى الإسلامي الثقافي. إضافة لذلك أن صعوده بعد غيبوبة ألفية كاملة من الانغلاق بخبايا الفقه المحصور بمتطلبات «الشريعة» وفروضها «المقدسة» تجاه الجسد ومشتقاته العادية، لا يعني من الناحية الرمزية والواقعية سوى الانهماك بقراءة مومياء التخلف الروحي والذهني والفكري. وحالما يجري الابتهال السياسي بإخراج هذه المومياء من تابوت الانغلاق الديني إلى فضاء الحياة السياسية وعواصف المصالح المتضاربة، فان النتيجة سوف لن تتعدى ما سبق وان قاله الشيخ الجنيد عندما سألوه:
- يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب؟
- كثير!
- فيكون قلب بلا لسان؟
- نعم قد يكون! ولكن لسان بلا قلب بلاء، وقلب بلا لسان نعمة!
وتطبيق هذه الفكرة على حقيقة اللسان الناطق باسم مختلف الهيئات الدينية الحالية في العراق. إذ نعثر في محاولاتها الدخول معترك السياسة بمقاييس وقواعد الرؤية الإيمانية على نوعية الحال الذي وصفه الجنيد أعلاه. كما نقف أمام حالة معبرة عن «لسان بلا قلب» ينطق بمختلف المواقف التي لا تخرج في ظروف العراق الحالية عن شروط المؤامرة والمغامرة الملازمة للعبة «السياسة» في ظروف الانتقال الحرجة من التوتاليتارية إلى الديمقراطية والجارية في ظل الاحتلال الأجنبي.
إن تحول رجل الدين إلى مكون فاعل في الحياة السياسية، يعني الوقوع في تضارب لا يمكن حسمه. وذلك لأنه يبقي على تناقض التزي بلباس الإيمان والمقدس، والعيش والعمل بمقاييس اللعبة السياسية وتضارب المصالح. ولا تحل هذا التناقض عبارة «الدين والسلطان توأمان»، أو أي حديث موضوع (مزيف) يؤسس لوحدة الدين والسياسة. وذلك لأنها وحدة ممكنة ومعقولة في العالم المعاصر ضمن شروط المعاصرة فقط. بمعنى الوحدة المعقولة بأولوية الأبعاد الاجتماعية وفكرة الدولة الشرعية، والمحكومة بفكرة الاحتمال العقلاني وقيمها الدنيوية. وليس اعتباطا أن تطلق الثقافة الإسلامية منذ قرون عديدة عبارة «علماء السوء» على «رجال الدين» وليس علماؤها، أي على أولئك الذي يعانون من التضاد المشار إليه أعلاه. وقد كان مقصود الثقافة بذلك تلك الفئة التي تحولت إلى «فرقة» متميزة في خدمة السلطان.
وإذا كان من السهل اعتبار «علماء السوء» أنصاف علماء أو كاملي السوء، فإنه يبقى مجرد تقييم سرعان ما يفقد طابعه الجازم عندما نضعه على محك المقارنة الحية بين العلم والعمل، والفضيلة والرذيلة في ثقافات الأمم وتاريخها. وذلك لأن «علماء السوء»، شأن كل وحدة متناقضة في تقييمها، تستند إلى تراث متعدد الجوانب. وفي حالة الإسلام، فأن فضيلة العلم كانت منذ بداية الأمر وثيقة الارتباط بغايته الأخلاقية. إذ ليس العلم في حقيقته الإسلامية سوى علم الدين، أي فقهه. وقد افترض ذلك في أجنته غزل خيوط الوحدة الخفية بين العلم والعمل. حقيقة إن هذه الوحدة لم تكن ملزمة للجميع، أو بصورة أدق إنه ما كان بإمكانها أن تبتدع نفس العناصر الموحدة عند جميع «علماء المسلمين». ولعل تجربة الغزالي هي أحد أهم وأعمق النماذج بهذا الصدد. وليس مصادفة أن تكون تجربته في انتقاد «علماء السوء» في تاريخ الإسلام احد النماذج المعرفية والأخلاقية الراقية، التي لم تفقد قيمتها مع مرور الزمن.
طبعا إن تجربة الغزالي كانت وثيقة الارتباط، من حيث نقدها لشخصية «علماء السوء» المسلمين، بمقدمات معرفية وأخلاقية وبأسباب اجتماعية وسياسية. فقد رفع التصوف هذه المقدمات إلى مصاف الحقيقة المجردة، إلا أنها بقت ضمن المسار الواقعي لتجارب الإسلام الثقافي والسياسي، أي أن انتقاده استند إلى ما جمّعته «ثقافة الإخلاص». لكن الغزالي استمد مادته من حيث مضمونها وغاياتها العملية المباشرة من واقع الحياة الإسلامية آنذاك، التي كانت تشير في مجملها إلى معالم الانهيار السياسي والروحي للخلافة. فقد وجه انتقاده اللاذع إلى هذا الواقع من خلال نقد من دعاهم «بالمترسمين بالعلم»، أي أولئك الذين استحوذ «على أكثرهم الشيطان وأغواهم الطغيان وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفاً. فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا حتى ظل علم الدين منهم مندرسا. ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف». وهو موقف لم يكن معزولا عن تجربة الغزالي نفسه بدهاليز «العلم السيئ»، الذي أعطى له إمكانية تحديد هوية الوجود الشخصي في حدّه وحقيقته. كما عمّق في الوقت نفسه حساسية الرؤية النقدية، التي لم تعد مجرد رد فعل حار أو مجرد تأمل عقلي بارد، بقدر ما كانت نتاجا لما يمكن دعوته بوهج التقييم الذوقي، الذي يرى كمال العالم في وجوده بما في ذلك نواقصه. لكن إذا كانت النواقص فنوناً وأصنافاً، فإن كسادها في العلم هو تعجرف علمائه، أي كل ما يعطي لجهلهم قوة الهجوم ولرذيلتهم طعم الانتقام. وليس مصادفة أن يقول في إحدى عباراته الحادة بهذا الصدد «كيف تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وعبادتهم خدمة أغنيائهم، وذكرهم وساوسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم. فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من نور الإيمان؟! بإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها؟ أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران؟» وسوف يدفع هذا الانتقاد إلى إحدى درجاته القصوى عندما شدد في كتاب «الإملاء» على أنه «لا برّ يجمعهم بل اجتمعوا على الكفر. وأن قلوبهم تصفو على الخديعة والمكر. فهم الجهال في علمهم، البخلاء من الله بأنفسهم. لا يفلحون ولا ينجح تابعهم. لذلك لا تظهر عليهم مواريث الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تخفق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية، لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب».
وقد استقى هذه الفكرة من رؤيته الواقعية والأخلاقية تجاه من هو حوله، بعد أن قاسها بمقاييس بديله الإصلاحي الشامل في (إحياء علوم الدين). إذ لم يجد في اغلب من هو حوله من علماء عصره سوى «أهل سخافة ودعوى، وحماقة واجتراء، وعجب بغير فضيلة ورياء، يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا». وربط هذه النتائج المزرية لحالة «علماء المسلمين» المعاصرين له بالجهل بالنفس. فهو المبدأ الضروري والروحي للذات المفكرة. وذلك لأنه لا يمكن بلوغ حقيقة السعادة والحقيقة حسب نظره، خارج وعي الذات أو بمعزل عنها. فهي مقدمة إدراك حقيقة الحق. وآنذاك فقط سيكون بإمكانه معرفة علة أهل الباطل ودواء أهل الضعف وأهل القوة معاً. وإن غياب هذه المعرفة هو السر القائم وراء ما دعاه الغزالي باحتجاب «علماء السوء» بالجهل وسخافاته، والإصرار وتهاونه، ومحبة الدنيا وتطويل الغفلة، وإظهار الدعوى وكبرها ورياءها، أي كل ما يشير إلى حالة الزيف الديني الأخلاقي، التي أفرد لها مقاطع واسعة في كتاباته من أجل إماطة اللثام عنها في ظاهر «علماء السوء» وباطنهم.
ولم يقف في انتقاداته الشاملة للزيف بشكل عام وزيف «علماء السوء» بشكل خاص، أي أولئك الذين همهم خدمة السلطان (السلطة) والمناصب، بل وتعداه إلى كافة ممثلي النخب المفكرة، بما في ذلك متصوفة زمانه. إنه أراد الكشف عن أن الوحدة الداخلية بين أطروحات ومبادئ أهل الفكر وسلوكهم العملي هي معيار الحقيقة الأخلاقية. من هنا كان انتقاده لسلوك «علماء السوء» في مختلف الميادين والمستويات مرتبط بنظراته عن طبيعة العلاقة القائمة والواجبة بين العالم والعلم في تأثيرهما الفردي والاجتماعي، العلمي والأخلاقي. فالعالم أما مالك وأما هالك! ومن هنا لا يمكن تذليل التناقض بين الواقع والمثال، والعلم والعمل، إلا عبر تثوير عالم الروح الأخلاقي وتنويره. بعبارة أخرى إن الغزالي أدرك إمكانية استعمال العلم كوسيلة للعلو الاجتماعي والسياسي في نظر العوام بما في ذلك من جانب العلماء الصالحين، إلا أن العلم يتحول في هذه الحالة إلى ما يمكن مقارنته بالخبث الخفي المبطن. وعندما يطالب العلماء بضرورة العزلة وطلب الخمول ودفع الفتاوى فإنه لم يقصد بذلك سوى جبرهم على «امتحان النفس» من أجل امتلاك عنانها. فالحقيقة في نهاية المطاف هي الحق. والحق هو الحقيقة. ووضع هذه الفكرة في صلب انتقاده لكل فرق الإسلام، أو ما اسماه بأصناف المغرورين منهم.
فقد استند هذا الانتقاد إلى تدقيق ومحاسبة تاريخية وروحية وفكرية كبرى للغزالي رسم الكثير من ملامحها في أغلب كتبه المتأخرة، وبالأخص في «المنقذ من الضلال»، عندما صورها على مثال تجربته الخاصة بهذا الصدد. إذ نعثر فيه على تصوير دقيق لمعاناته النفسية والروحية والفكرية، المترتبة على أزمته الفكرية والأخلاقية. حيث كتب بهذا الصدد يقول: «كنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إليّ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة. حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب. فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة. وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب. ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج. إلا بأن يتروّح السر عن الهمّ الملّم».
لقد أراد الغزالي القول، بان «عالم الدين» الحقيقي هو من تتكامل فيه وحدة العلم والعمل، أي الحق والحقيقة. فهو الأسلوب الوحيد للتحرر مما دعته المتصوفة برقّ الاغيار، أي التحرر من العبودية لكل ما هو غير الحق. حينذاك فقط يمكن للعلاج أن يأخذ طريقه إلى روحه وجسده. وهو علاج نابع من الذات أولا وقبل كل شيء. بينما لا نرى عند رجال مختلف «الهيئات الدينية» والمؤسسات التقليدية للتدين المنهمك في صراع المصالح الضيقة المميزة للعراق في حالته الراهنة، على عقلة في ألسنتهم ولا حزنا في قلوبهم ولا انقطاع شهية في أكلهم و شرابهم! بل على العكس من ذلك، نرى انسياغ الثريد وهضم اللقمة وعدّ الدينار والدرهم (أو بصورة أدق الدولار) على أفضل حال. الأمر الذي يشير إلى أنهم لم يرتقوا إلى إدراك الحقيقة القائلة، بان الحق هو الحقيقة، والحقيقة هي الحق، أي أنهم لم يرتقوا إلى مقام التوبة التي تفترض التحرر كليا من رق الاغيار بالارتقاء إلى مصاف الإخلاص الشامل، أي إلى مصاف الدفاع عن الحق.
فالجوهري في الإسلام هو الحق، أي كل ما يفترض وجود النسبة الواقعية والعقلانية للعدل والاعتدال في المواقف تجاه الإشكاليات الفعلية التي تواجهها الأمة. بينما لم يكن «تاريخ» مختلف «هيئات العلماء المسلمين» و«المرجعيات» سوى زمن جاهلي في حقيقته! فقد كان الهمّ الشاغل لمكوناتها خدمة السلطان أو النفس. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن نمط وحجم ونوعية الإرهاب والإكراه الشامل الذي مارسته الدكتاتورية ضد المؤسسات الدينية أيضا. بمعنى محاولة سحقها وتحويل هشيمها إلى مسحوق تزيين الوجه القبيح للدكتاتورية، أو توظيفها بطريقة مبتذلة مهمتها الصلاة والإفتاء بقداسة الدكتاتورية!!
فقد مر العراق الحديث ويمر الآن بنفس الحالة التي تميز بأقدار مختلفة ظاهرة ما ادعوه بالمركزية الإسلامية، أي الظهور والنمو المتزايد «للعامل الإسلامي» في مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية والروحية والفكرية للمجتمع. وإذا كانت الحركات السياسية والاجتماعية والفكرية الإسلامية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال عن تأثير السلطة المباشر قبل استحكام التوتاليتارية البعثية، فإن الأمر تغير تدريجيا إلى أن اتخذ صيغة نوعية جديدة في ظل الدكتاتورية الصدامية. إذ أصبح «الدين» و«علماء الدين» و«المؤسسة الدينية» أجزاء تابعة للدكتاتورية. وجرى توظيفهم بصورة فجة في مجرى الحرب العراقية الإيرانية وبعدها. بحيث تحول الدين و«الصحوة الإيمانية» إلى أسلوب الابتزاز الشامل ضد الروح والجسد السياسي للفرد والمجتمع والدولة والثقافة. بحيث لم يبق شيئا في الوجود متحررا أو مستقلا أو حتى منزويا أو مختبئا عن حكم واستحكام «ولاية الدكتاتورية». مما أعطى لظاهرة «المركزية الإسلامية» في ظروف التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية أبعادا أخرى ونتائج لم تتضح معالمها وحدودها السياسية والاجتماعية بعد، بسبب الدمار الهائل الذي تعرض له المجتمع المدني.
ولعل إحدى نتائج الخراب الشامل بهذا الصدد تقوم في أن «العلمنة» البعثية و«الصحوة الإيمانية» الصدامية أدتا إلى صنع «كنيستين» سنية وشيعية. الأولى «كنيسة سنية» حكومية مثلت وتمثلت ما يمكنه دعوته بالتيوقراطية الذليلة. والثانية «كنيسة» شيعية شعبية، مثلت وتمثلت ما يمكنه دعوته بالمعارضة المتمردة. وهما «كنيستان» اخذ نجمهما بالصعود مع سقوط الدكتاتورية. وهي عملية متناقضة إلا أنها تشير إلى واقع انحطاط الفكرة السياسية، التي جعلت الصدامية منها فعلا همجيا وفاقدا لأبسط القيم الأخلاقية. من هنا الصعود المباشر والفعال للمؤسسات الدينية التقليدية التي حاولت امتصاص رغبة المعشر العراقي وأفراده في التمسك بعروة روحية تعطي له شعور الثقة بالنفس وإمكانية الخلاص من عذاب الذاكرة المؤلمة لسوط السلطة ورذيلة أجهزتها القمعية. وليس مصادفة أن تهرب هذه الأجهزة وكتلة السلطة الإرهابية وأعوانها بين ليلة وضحاها لتكشف عن خواء لا مثيل له جعل من سرقة كل ما يعود «للدولة» أمرا مثيرا ومفرحا ومغريا يصاحبه حبور العامة والخاصة، في الخارج والداخل، «لمصادرة» كل ما يمكن مصادرته. فقد كان الاشتراك الفعال للجماهير وحميتها العنيفة لتخريب كل شيء يعترض مسيرها وأنظارها، هو الوجه الآخر لخمولها المعنوي في سجون التوتاليتارية البشعة ومعسكراتها المتفننة في تفريغ الأجساد من أرواحها. وفي هذا يكمن سر الاندفاع العنيف والحمية المفرطة في التمسك بعروة المؤسسة الدينية التقليدية. وإذا كان اندفاع الجماهير الشيعية صوب الحوزة الدينية ومرجعياتها المتنوعة أمرا عاديا بسبب تاريخها الذاتي وخصوصية فعلها المادي والمعنوي بين شيعة العراق لقرون عديدة، فإن الأمر يختلف بالنسبة للمؤسسة الدينية السنية.(يتبع.....).




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,827,810,185
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال العقل الوط ...
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال العقل الوط ...
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال العقل الوط ...
- الأحزاب السياسية الشيعية : من ظلال الروح إلى ضلال الطائفية
- الاحزب القومية الكردية: تحزب العرقية الضيق
- صعود الأحزاب العرقية (الكردية) واندثار الأبعاد العراقية
- اندثار الأحزاب التقليدية وموت الراديكالية الدنيوية
- شخصيات الخوارج الكبرى(3)
- شخصيات الخوارج الكبرى(2)
- شخصيات الخوارج الكبرى(1)
- حقيقة الخوارج وإرادة التحدي الإنساني(3)
- حقيقة الخوارج وإرادة التحدي الإنساني(2)
- حقيقة الخوارج وإرادة التحدي الإنساني(1)
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(3)
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(2)
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(1)
- وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي(2-2)
- وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(3)
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(2)


المزيد.....




- شاهد.. اللحظات الأولى لاندلاع حريق هائل في مستودعات أمازون ب ...
- شاهد.. رئيس وزراء كندا يركع خلال مظاهرة ضد العنصرية
- علامة على الكاحلين قد تكون تحذيرا مبكرا للإصابة بنوبة قلبية! ...
- رئيس البرلمان الإيراني يرد على ترامب بآية قرآنية من سورة محم ...
- نائب رئيس البرلمان العراقي: نظامنا الصحي قد ينهار بسبب عدم ا ...
- إمارة عسير.. السعودية تحقق في تغريدات -تمس بعرض قبائل- أهل ا ...
- ممثل شهير مقيم في الكويت ينشر فيديو خادشا للحياء يثير غضب أه ...
- وول ستريت جورنال: ترامب أمر بتقليص القوات الأمريكية في ألمان ...
- وول ستريت جورنال: ترامب أمر بتقليص القوات الأمريكية في ألمان ...
- الكهرباء توضح الاتفاق الأخير مع ايران وتسديد 400 مليون دولار ...


المزيد.....

- الأوبئة والربح وشركات الأدوية الكبرى: كيف تدمر الرأسمالية ال ... / جو أتارد
- موقف الثورة البلشفية من مسلمى شعوب الشرق / سعيد العليمى
- كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ / محمود الصباغ
- هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا هولندا نموذجا: دراس ... / هاشم نعمة فياض
- قراءة نقدية لأطياف ماركس فى طبعته التفكيكية / سعيد العليمى
- الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- كتاب اللامساواة لبيكيتي-ماركس الحديث / محمود يوسف بكير
- المسألة السورية؛ محاولة للتأسيس- في الدولة / محمد شيخ أحمد
- قضية بناء الحزب - الإنتقال من الطور الحلقى الى الطور السياسي ... / سعيد العليمى
- غيتس قتل الملقحين / بيل غيتس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - صعود المرجعيات الدينية وهبوط السياسة المدنية(1-3)