أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سناء ساسي - أثر و إثارة الفنّان التشكيلي في السينما الوثائقية: قراءة لفيلم محّبة فيسنت















المزيد.....


أثر و إثارة الفنّان التشكيلي في السينما الوثائقية: قراءة لفيلم محّبة فيسنت


سناء ساسي

الحوار المتمدن-العدد: 6488 - 2020 / 2 / 10 - 20:37
المحور: الادب والفن
    


كرّست السينما الوثائقية مجالا شاسعا للصورة بوصفها نقلا للواقع بمختلف تمثلاته، تعكس حياة الإنسان و قضاياه بكلّ جزئياتها و إشكالياتها ، عمل السينمائي على خلق صورة أكثر تأثيرا ، تقدّم نفسها بكونها إستحضارا لواقع المجتمعات و الشخصيات،كتجربة جمالية تحاكي تجلّياته .
لم تخاطب السينما الوثائقية حاسّة البصر فقط إنّما خاطبت جميع حواس المتلّقي، فكّرت في متغيرّات واقعه وإشكالياته بإختلاف مضامينه ، هذا هو دور السينما التوثيقية ما عبّر عنه الناقد التونسي الهادي خليل من خلال قوله : السينما الوثائقية تفكر في متغيرات العالم ومتقلباته ، ما ولّد قيما إبداعية أضفت على المشهد الثقافي ثراء ذات قيم فنية.
تنوّعت الأنماط الفنّية للفيلم الوثائقي منها ما يحاكي واقع المجتمعات الإقتصادية والسياسية و الإجتماعية و منها ما يحاكي سير ذاتية لشخصيات عالمية (سياسية، رياضية ،أدبية أو فنيّة) تركت علامة و أثرا في ذهن التاريخ البشري ، ما سعيت إلى إستثماره في هذه الدراسة السيرة الذاتية لشخصية الفنان التشكيلي في السينما الوثائقية ، خاصّة شكّل مضمونا لعديد الأفلام الوثائقية ،تنوعت التجارب لمحاكاة الأثر التشكيلي الذي ترك بصمة و علامة في تاريخ الفنّ على مستوى قيمة الصورة كنتاج بشري فريد و على مستوى قيمة التجربة الفنّية للفنّان التي جعلت منه عبقري و مبدع إستثنائي ، لكل هذه الإعتبارات جاء إختيارنا للفيلم الوثائقي محبّة فيسنت ،أحدث الفنان فيسنت فان غوغ حيرة في حياته و وفاته ، لجنونه ولإبداعه ، شكّل حالة فريدة وإستثنائية أثارت غرابة و دهشة ، أثّر في المسار التشكيلي حتى سمي بأب الفنّ الحديث ، أثارت معاناته و إنتحاره تعاطفا كبيرا نحوه، حظي بالإعجاب والتقديرا بفنّه بعد وفاته، كل هذه الأسباب جعلت عديد السينمائيين يهتّمون بسيرة الفنّان الشخصية ، الإبداعية ، من هؤلاء السينمائيين المخرجة البولندية دوروتا كوبيلا والمخرج البريطاني هیو ولتشمن ، أخرجا فيلم محبّة فيسنت سنة 2017، أوّل فيلم سردت فيه لوحات الفناّن الزيتية حياته الذاتية بما فيها معاناته ، جنونه و إبداعه حتى وفاته .
أعتبر فيلم محبة فيسنت الأوّل من نوعه ، بحث في أسباب وفاة الفنان فيسنت فان غوغ وبحث في إمكاناته الفنّية التي شكّلت طفرة إبداعية في تاريخ الفن الحديث ، بإعطاء دور البطولة للوحاته كلغة بصرية ساردة لحياته ، ما سعيت إلى إستثماره في هذه االمداخلة هو إثارة علاقة التشكيل الفنّي بالسينما الوثائقية لنتساءل كيف سردت لوحات الفنّان حياته، مأساته ، معاناته و وفاته؟ كيف جعلت منّا السينما الوثائقية نفهم حياة فيسنت من خلال لوحاته؟ و لما تمّ إختيار فيسنت بالذات دون غيره من الفنانين ؟
ما الذي تستطيع السينما أن تقدّمه كإضافة للفن التشكيلي؟ وما الذي أفادته التجربة السينمائية من بطولة لوحات زيتية لفيلم متحرّك؟ ؟ إلى أي حدّ شكلت السينما الوثائقية جدلية الأثر و الإثارة للفنان ؟
ماعلاقة لوحات الفنان بحياته داخل السينما الوثائقية ؟
وهل إقتصرت لوحاته في التوثيق لحياة الفنّان ومعاناته أم أنّه أثار ذاكرة بصرية للممارسات الإبداعية ؟
كيف قدّم محبّة فيسنت الفنّان التشكيلي فان غوغ ؟ وكيف أسّست معاناته لسرّ إبداعه ؟ فإلى أي مدى نجح السينمائي في التوثيق بمصداقية لحياة الفنّان فان غوغ ؟
إلى أي مدى نجح الفيلم في التوثيق لصورة فان غوغ الإنسان و الفنّان ؟ هل أسست لوحات الفنّان سينمائيا لنوع آخر من الفنّ؟ وغيرها من الأسئلة التي تتبادر إلى الأذهان والتي سنحاول الإجابة عنها في هذه الدراسة.
1 – محبّة فايسنت توثيق لصورة فان غوغ الإنسان :
أعتبر الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ من أكثر الظواهر الثقافية والفنية التي أحدثت غرابة ودهشة و إثارة ، شكلّت حياته و إبداعه حيرة الناس و النقاد ، أثار إنتحاره فضول المجتمع الفنّي لمعرفة أسباب مأساته ، شكّل إختلاقه إثارة لصورة فان غوغ الإنسان وصورة فيسنت الفنّان، خلقت فرادته نوعا من التوجّس والخوف منه ، و نوعا من النبذ و الإحتقار، جعله يعيش نوعا من الصراع الداخلي مع نفسه و الخارجي مع محيطه بين أهله و مع كلّ من عرفهم، شعر بالإغتراب والوحدة والعزلة، صادق الفنّ للهروب من كلّ آذاه.
سمح لنا فيلم محبة فيسنت بأن نتأمّل لوحات الفنّان و نتمّعن جيدا مقدار معاناته ومأساته الإجتماعية و النفسية ، جعل من شخصيات لوحاته تتكلّم ، تحدثت عن ما عاشه من آلام، سردت نوبات جنونه التي كانت إلاّ ردّا على كل من عبثوا به .
جعل الفيلم منّا كمشاهدين نتساءل عن ما إذا كان فيسنت مجنونا أو عاقلا ، سكيرا يهذي فنّا أو عبقري أسيئ فهمه وحكم على شغفه بالهلوسة .
أعطتنا اللوحات حقه في الإعجاب به كفنّان ،أثارت فضولنا لما قدَمه ، عبرّت عن شخصيته ،عن فرادته وتميزّه ، إرتكزت على الجانب الحسّي الوجداني لفيسنت الإنسان ، على ما أحسّه فقط تجاه نفسه و تجاه الآخرين، أثارت لوحاته شغفنا ، جعلتنا نشعر بالشفقة على فنّان لم يعش الإحترام ، لم يجد من ثمّن فنّه أو من أعطاه مكانته و قيمته ، سردت لنا كمشاهدين محاولة تمرّده عن كل صراعاته ، آلامه ، أحلامه ، حدثتنا عن رغبته الجامحة لإثبات ذاته الفنّية ، صرخت في وجه الآخر الذي لم يحاول تفهمّه ، و في كل ما عاشه و ما شعر به ، كانت الألوان صارخة حدّ الإرباك حدّ البكاء، من عنف الناس وفضاضته ،منحنا صنّاع الفيلم من حقه في التمّعن بأهم محّطات حياته ، سمحت لنا برؤية فان غوخ الإنسان و فيسنت الفنّان العبقري ، تكلّمت عن ما بداخله من ثورة و إعصار وتمرّد ، كانت حالة تفكّر بفنّه، بصدقه وشغفه بالرسم بطريقة صادقة.
، تعامل السينمائي لوحات فيسنت المرسومة كموضوعات حقيقية ، عبرت عن ما به من حالة ، حاكت صراعه ، إنفعاله ، جنونه ، أضحت أعماله دراما تشكيلية متحرّكة ، قرّبتنا من فان غوخ الإنسان الممتلئ بالطاقة وبالحماسة، نقلت لنا طريقة رسمه و ألوانه عالمه الداخلي عن رغبته في الحب ، رغبته في إثبات ذاته ، في المقاومة من حياة النبذ والإحتقار في عيون من عرفهم، رغبته في الهروب من كل ما آلمه ، و من فشله المتكرّر في إيجاد طريقه ، كان فنّه تعبير حسّي عن الرغبة التي يخفيها في أعماقه على حدّ تعبير محمد عبيدو، وضعت لوحاته حالة جنون الفنّان إرتقت إلى مستوى التفكّر الجدلي الذي وضع الأنا في مأزق وجودي مع الآخر ، بحث عن ذاته و عن الحب في عيون محيطه ، كانت حالة تحاكي تجليات واقعه و إشكالياته الذي جعله يشعر بأنّه لا شيء سوى نكرة ، التهميش والإقصاء و الإحتقار جعلت حياته تنحدر إلى الأسوء.
بحث الفيلم في حالة جنون فيسنت كمجال بحث إرتقى إلى مستوى التفكّر فيه ليست كحالة للمعالجة إنّما كبحث وجودي حاكى واقع مزري أدّى إلى إغترابه و عزلته لم يجد سوى الرسم ، الذي كان حقيقته الوحيدة ، إستحضره صنّاع الفيلم دراميا بوصفه وضعا أنطولوجيا يترّتب عليه تشخيصا أركولوجيا، بحثت رسوماته في ترسبات حياة فان غوغ الإنسان والفنّان، التي وضعت فيسنت في مأزق وجودي مع من إحتقروه ، ومن أقصوه ، ومن سخروا من موهبته ، خاطبتنا كمشاهدين ، أثارتنا عبقريته الإبداعية و الفنية إستفزازنا تجاه الذهنية البشرية التي لم تستوعب موهبة فنّية فضّة ، إخترقتنا بصريا و وجدانيا، ثارت و تمرّدت على ما تعوّد عليه المجتمع الفنّي ، أخبرتنا بأنّه حالة إنسانية و فنّية إستثانية لم يدركها معاصروه ، سجلت لوحاته عبقريته في تاريخ الفنّ، أعادت له الإعتبار بعد زمن من التهميش والإحتقار،كان طفرة إبداعية لم يفهمها محيطه و لم يستوعبها المجتمع الفنّي أنذاك، حكم عليه بالجنون والهلوسة ، وضعه المخرجان كحالة تفكّر فلسفي ، زاد موقف الرفض من عزيمة وإصرار فان غوغ الإنسان على مواصلة رسم طريق فيسنت الفنّان ، مثّل الرسم موقف وجودي لإثبات ذاته ، كان ثورة لللواقع المزري الذي عاشه ، لمجتمع لا يقدّر الفنّ المختلف عن سابقيه و عن معاصريه وعن كلاسيكيات الفنّ ، لوحاته في الفيم جعلت من جنون فيسنت حالة تعقّل الوجود في الموجود ، حالة وعي من نوع آخر ،عكس عبثية واقعه ،جعلت من نوباته العصبية حالة وعي للجانب الآخر من الحياة.
تمثّلت لوحات فيسنت كثورة على الأوضاع الإجتماعية و النفسية التي عاشها بآلامها، تحدّثت كثورة وجودية وضعته في مأزق وجودي أمام الموجود وسط واقعه المرير، سمحت لنا بالتفكّر به كإنسان و كفنّان من نوع خاص ، تماهت أعماله مع واقعه التراجيدي ليس بالمعنى التطهيري الأروسطي إنّما بالمعنى الملحمي للواقع . كان فيلم محبة فيسنت رحلة في لوحاته تعجّ بكم كبير من الهموم الوجودية، طرحت علاقة فان غوغ الإنسان و الفنّان بمجتمعه و ما تفضيه طبيعتها التي قد تقتل كل حلم ، كان حالة تعبير يهان فيها فيسنت، كلّما صرّخ و عبّر من تعب الحياة ، هو حالة وجع سكنت نفسيته.
كانت لوحاته دراما تشكيلية متحركة، حاكت حياته ، علاقاته و رحلة علاجه و فنّه ،أظهرتلنا ما يفكر به فيسنت الإنسان و الفنّان المغترب بين محيطه ، كانت حلم و حقيقة ، أمل وتشاؤم، كانت صراع وجودي لداخليته المكتئبة و لمفارقاته من أجل البقاء، كانت ألوانها بحث فان غوغ الإنسان و الفنّان عن ذاته المغتربة و المسلوبة تحت التهميش و التحقير، كانت رحلة خارجة عن المعتاد دفعت بالحياة إلى مصير تراجيدي و تشخيص أركيولوجي تلاشى تحت وطأة التأثيرات الإجتماعية التي إنعكست على حياته النفسية . وضع الفيلم لوحات الفنّان كثورة على كلّ ماهو سائد ،كان صورة للأنا التي ترفض التأقلم مع واقع التهميش والإقصاء و الإحباط ، حالة وعي من نوع آخر، كانت زفرة مضطهد رسم كل ما يراه وجدانيا و عاطفيا، كانت مرآة لرحلة علاجه ، كيف تخلّى فيسنت عن سلبياته أصبح أكثر هدوءا و أكثرا تصالحا مع نفسه ولكن محيطه لم يرحمه و لم يتركه بحاله.
نشيد للفيلم بحسن الإختيار بإسناد البطولة للوحات الفنّان التي تحدثت عن خيبات فان غوخ العاطفية و الإجتماعية و الفنّية ، كيف إستمرّت خيبته العاطفية وصفة الجنون تلاحقه، ، كان فاقدا لكل مشاعر الحبّ ،ما عمّق شعوره بالإغتراب وبالإحتقار تجاه نفسه ،من خلال قوله في رسالة لأخاه ثيو: من أكون أنا غير نكرة لا قيمة لها ، أثار الفيلم شخصية فيسنت الإنسان المحّب الذي لم يجد الحب، الفنان الذي لم يجد تقدير لفنّه، سمح لنا برؤية الجانب الإنساني و العاطفي و الوجداني لدى فان غوغ ، وما ما لقيه من جفاء من قبل أقرب الناس إليه ( من والدته ، من قس الكنيسة ، من إبنة عمّه، من صديقه بول غوغان )، عمّقت عزلته ، إلاّ أنّها لم تثنيه بأن يكون قريبا من البسطاء و الفقراء و المجاهدين من أجل لقمة العيش في الحياة ، تعامل معهم بعاطفة كبيرة ،كان دائم الاقتراب منهم كعمال المناجم والمزارعين في الحقول ،شاركهم تعبهم ،كفاحهم و جهدهم في طلب الرزق .
لم يحتمل فان غوخ العذاب الداخلي الذي إختزل وجدانه، لم يتحمّل الوحدة والخيبات التي لاحقته طوال حياته، سواء من عدم بيعه للوحاته، أو من خلال هجران المقربين له وتخليهم عنه، كان أخوه ثيو هو الكائن الوحيد الذي رافقه وقدّم له الدعم المتواصل، سواء كان معنويا وماديا .

سردت شخصيات لوحاته معاناة فان غوغ الإنسان (المحّب، الصديق ، المجنون، الغريب ، الهادئ ، الثائر) التي إنتهت بإنتحاره ،كان مشهد الفنّان فيسنت مع أخيه ثيو مؤثر جدّا يذكره بحقيقة واقعه المرير متمتما إن الحزن يدوم إلى الأبد ، إقرار ضمني منه بأنّه مهما إبتعد ومهما ذهب لم يستطع التخلّصمن الحزن ، أثارت لوحاته لنا كمشاهدين في الفيلم إثارة عاطفية و وجدانية تجاه الفنّان ، كانت صورة لإنسان كافح طوال حياته ليثبت نفسه و لم ينجح، تعب و لم يصل رغم مجهوداته، حاولو لم يفلح، عرف الناس قيمته الإنسانية و الفنّية إلا بعد وفاته، كانت لوحات فيلم محبة فيسنت ذاكرة تاريخية وتخييلية، جعلتنا نشاهد آلامه الداخلية بصريا، وذاكرة تخييلية لنتخيل حياته لو كانت على نحو أفضل هل سيكون ذلك الفنّان المتفرّد بفنّه، أم أنه سيكون إنسان عادي لا ميزة له ، فنّان أثارت حياته و وفاته جدلا واسعا ، تكلمت لوحاته عنه، عبّرت عن واقعه التراجيدي، حاكت تساؤلاته القاتلة و شكّه الدائم الذي لازمه حدّ التعب، حدّ إنهاؤه حياته بالإنتحار لإنهاء عذاباته التي رافقته طوال حياته ، إذا كانت هذه صورة فيسنت الإنسان ، إذن كيف قدّم الفيلم لصورة فان غوغ الفنّان؟
2 – محّبة فيسنت أثر فان غوغ الفنّان :
سمح لنا فيلم محبة فيسنت برؤية فان غوغ الفنّان ، الشغوف برسمه ، الفريد من نوعه ، المحّب لفنّه ، الذي لم يدركه أو يقدّره أحد، كان الرسم وسيلته الوحيدة للتخلّص من عذاباته ، من آلامه ، لم يولي إهتماما برسم الطبقة البرجوازية بل إهتم بالبسطاء و الكادحين ، ، رسم معاناتهم و شقائهم في طلب الرزق، كان الرسم الحقيقة الوحيدة بالنسبة له ، كانت ثورته على الواقع ،على كل من إستبسل في إيذائه،كان تمرّدا على روتين الفنّ ، كان هروب من واقع مرير، صادقت رسوماته الفلاّحين وعمال المناجم و كلّ من عانى في الحياة.
آثر رسم التعابير المحفورة على وجوههم ، وضّح جهدهم وتعبهم ليشبعوا جوعهم، ، أدركنا معاناته من خلال كثافة طبقات الألوان المتكدسة في لوحاته، من إضاءتها و ظلامها ، من ثورتها و هدوءها ، إنبعث لوحاته من مصابح منازل الفقراء المتواضعة، من حقولهم ، إرتكزت رسوماته على التعابير الوجدانية بما أحسّه تجاهه كلوحة آكلو البطاطا 1885 أثارت شفقتنا كمشاهدين لما تعانيه هذه الفئة يوميا ، بينا لنا المخرجان كيف إستخدم فان غوغ الفرشاة لسكب آلامه و آلام الآخرين ، محاكاة وجدانية كيف حفروا الأرض بذات الأيادي الهزيلة والضعيفة التي يمدّونها الآن إلى الطبق، و كيف محاطين بجو من الألفة والمودة والدفء رغم حياة البؤس التي يعيشونها، رسمهم بتعابير دقيقة وصادقة بإستخدام الإضاءة الخافتة والدافئة وبإستخدام الألوان القاتمة، حمّلت اللوحة في الفيلم تعابير وجدانية بصفة دقيقة فاقت الواقع نفسه .
عرض الفيلم أيضا العديد من اللوحات التي أنتجها فيسنت أثناء رحلته العلاجية في المصحة النفسية ، كانت بطلب من أخاه ثيو بأن يسمحوا لفان غوغ الرسم لأنّها متنفسه الوحسد، أهمها لوحة ليلة النجوم 1889 لتعتبر من أعظم أعماله.

عبّر فان غوخ عن ما بداخله ،عن ما تجمعه بهم حالة تقارب الرؤية ، و من تقاسم معهم المعاناة و الحياة، أو من كان لهم أثر و تأثير عليه (كدكتور غاشيه) و إبنته ، أو صديقه ساعي البريد و إبنه و غيرهم من الشخصيات التي مرّت بحياته، هناك حادثة أثرّت في أعماق فيسنت و أفقدته توازنه رغم محاولاته ، أنّه رسم بورتريه للذي إعتبره صديقه الدكتور غاشيه لكن هذا الأخير لم تعجبه و ألقاها من الطابق العلوي ، ما أثار في نفس فان غوغ حالة من التوتر و القلق و العصبية و الإنفعالية ما جعله يثور ، و أثار حزنه معبرا عن هذا الحزن برسالة لثيو: أنا لا أرسم صورا فوتوغرافية بل أرسم تعابير وجدانية، أراها في عيون من أرسمهم .
وضع فيلم محبة فيسنت قوّة ألوان لوحاته و ما تحمله من العنف و القوّة و الإنفعال والحركة تحت المجهر، عند تأملها تحّس بنبضها ،بنشاطها ، بحيويتها و و بهيجانها ، ضربات الفرشاة بمثابة البركان ، كانت فلسفة لمفهوم الحياة و الفنّ ، إستدعت فرشاته دائما مظهر من مظاهر الفن و من مظاهر الحياة ، بحثت عن الإنسان حضورا و غيابا، نقل لنا حيوية العالم و ما يحمله من هموم للذات و للآخر، كشف عن هذا الوجود الذي يغمرنا، أصابنا بدوار البحث عن رمزياته و تمثلاته من أمل و تشاؤم ،حركة و هدوء، معبرا عن رؤيته للفن و للحياة قائلا : أريد أن أصوّر شيئا ما له روح ، إنّ الذي أبحث عنه لأتعلّمه ليس رسم يد بل رسم حركة و قوله أيضا : إنّني أكون دائما بين تيارين من التفكير ، الأوّل يتعلق بما يحيط بي من صعوبات و الثاني خاصّ بدراسة اللون ، إنّني أطمح دائما إلى إكتشافهما كي أعبّر عن الحب بين إثنين من المحّبين من خلال التزاوج بين لونين يكملان بعضهما ، من خلال إمتزاجهما و تعارضهما ، توافقهما و تنافرهما و أيضا من خلال الإهتزازات الغامضة للنغمات المتقاربة ، أريد أن أعبر عن جبين إنسان من خلال إشعاع نغمة لونية ذات خلفية معتمة ، و أعبر عن الأمل بنجمة ، تتوق روحي لشروق شمس بدل مجافاة الواقع ، عكست لوحاته في فيلم محبة فيسنت تراجيديا واقعه .
لينتهي الفيلم بواقعة غريبة في حياة فان غوغ يمكن أن تكون سبب في وفاته أو ٍربما بإقدامه على الإنتحار ،هذا ما حدثتنا عنها لوحته الشهيرة «حقل قمح مع الغربان» 1890، رؤية سربا من الغربان السوداء تهاجمه، وتشوش صفاء ذهنه و فضاء لوحته، وسماءها الزرقاء، ليعدّل ما كان يرسمه بريشته ، رسم سماء مظلمة وطيورا سوداء منذرة بالخطر مع طريقين متشعبين ينتهيان في نقطة ما من الحقل .
جعلنا الفيلم من خلال تساءلات إبن ساعي البريد ما إذا كانت هذه الغربان حقيقية كما نراها في الفيلم ، أو مجرّد تعبيرات عن القلق والنوبات العصبية التي لطالما إنتابت فان غوخ خلال رسمه، لتتشكل على هيئة غربان وسماء سوداء، ليقطع فان غوخ الطريق على وساوسه إلى الأبد بالإنتحار و هل فعلا إنتحر لينهي عذاب الوحدة والعزلة والكآبة التي تسكنه، ويطلق رصاصة أخطأت قلبه ليبقى في حالة من الغيبوبة جراء نزيف دموي ، ليرحل تاركا وراءه مدرسة فنية جديدة تأثرت بها المدارس الانطباعية والوجدانية والوحشية، التي لم يفهمها النقاد أثناء حياته بل احتفوا بعبقريتها بعد مماته.
أثارت حياة فيسنت فان غوغ حياة جدلا واسعا في الأوساط الفنية و الإجتماعية ، سردت أعماله حياته المليئة بالمعاناة، بالعذاب، بالصراع ، و تركت أثرا في ذاكرتنا كمشاهدين ، عمق الفيلم الإحساس به كفنان و كإنسان ، و أثارت لوحاته عتاب لمن عاصروه و لكل من ساهم في تعذيبه ،كان محّبا رغم كره الناس له ، كان فنانا رغم إستهزاء تجار الفن به، ولدّت معاناته فنانا على مستوى جديد من النضج و من الوعي ، أحدث ثورة و تغييرا في مفهوم الفنّ، تمرّد على كلاسيكياته ، أثارت لوحاته حياة فان غوغ الفنّان ، الشغوف بفنّه ، المهووس بالرسم ، كان الفن بالنسبة له حلّ لنسيان إكتئابه و صراعاته مع ذاته و مع الآخر، كان صدى لآلامه ، تجربة الحياة جعلت منه فنّانا عظيما ، فريدا و إستثنائيا ، ترك رصيدا هامّا من الأعمال التشكيلية التي لها أثر وتأثير في تاريخ الفنّ الحديث ،كان علامة فاصلة بين ما قبله وما بعده، جعلنا الفيلم نحّس بوجعه ، لوحاته كانت صدى لتعب الحياة و تعب الإقصاء و التهميش ، كانت رؤية لوعي متفرّد لوجه آخر من الحياة.

تواصل فان غوغ معنا من خلال لوحاته ، حاكانا كمشاهدين عن حياته ، عن رحلة المعاناة ، عن صراعاته و تقلباته و عن جنونه الذي إتهم به ، كان حالة وعي بوجه آخر للفن ، كان رؤية متفرّدة عن سابقيه و معاصريه ، لم يألفه رواد الفن الكلاسيكي و لم يتعوّد عليه المجتمع الفنّي،كان مبدعا إستثنائيا برسمه الذي لم يفهمه و يقدره الناس إنذاك، كان مبدعا بألوانه و حركاته فرشاته ، كان فيلم محبة فيسنت صورة لفلسفة الفنّان عن الحب و الحياة والفن، تكلّم بلوحاته ، منحنا الإحساس بالجمال و بالحب الذي إفتقده ، جعلنا ندرك جمال رغم بشاعة الحياة وقسوتها ، عبّرت مخرجة الفيلم كوبيلا عن ذلك من خلال قولها : بالرغم من الظروف القاسية التي مرّ بها فيسنت ونوبات إكتئابه المتكرّرة ، إلا أنّه أستطاع أن يستمر ، و أن يمنح العالم ما في قلبه من محبّة و إحساس بالجمال ، حمّلت لوحاته الأهّم من حياته و ليس المهم ، ضربات الفرشاة القوية و خطوطه المتقاطعة في آفاق لا نهاية لها ، و الألوان التي إستخدمها ، منحتنا الرؤية بشكل أعمق ، بشكل جعلها تتحرك في مخيلتنا و هي ساكنة ، جعلتنا نحس بحركيتها ، بتمرّدها و ثورتها ، بنشاطها وهدوءها ، هذا الإحساس بالحركة بصريا سجله الفيلم واقعيا ، إنتشرت شخصيات لوحاته لتكون حيّة ، تتكلم ، تتساءل ، تنفعل و تصرخ في الفيلم ، تبنت نظرته و رؤيته للحياة و الفنّ والموت ، هكذا بعث الفيلم للوحات الفنّان روحا سينمائيا ، روحا أستوعبت جيدّا حيثيات العمل التشكيلي وخصوصية الفنّان بكل مراحل حياته ، جعلوها تتكلّم بكل حبّ رغم قوّة و عنف ألوانها كلّمنا بحبه للفن و بشغفه له ، تواصل معنا كمشاهدين مؤكدين قولة الفنّان : نحن لا نستطيع أن نتكلّم سوى بلوحاتنا .


خاتمة :
كان فيلم محّبة فيسنت علامة فارقة في تاريخ السينما بإسناد لوحات الفنان البطولة المطلقة لتروي حياة فان غوغ الإنسان و الفنّان، ، خاطبتنا كمشاهدين ، كانت بمثابة دراما تشكيلية متحرّكة ، تحدث معنا عن بمحبّته العميقة وعن شغفه ، عن حياته و جنونه و حتى عن موته ، كانت عاصفة من الكره و الحب ، من العطاء و الحرمان ، من القلق و الهدور ، من الفقر و التشرّد ، و رحلة حافلة بالإبداع و بالعبقرية ، كانت لواته صورة لمحّب فاقد للحب، لصديق فقد أصدقاءه ، لفنانا إستثنائيا في عطائه ، متميز إبداعيا، إنّه المحب فيسنت .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,816,257,168
- الفيلم التونسي جنون رحلة وجودية في عبثية الواقع
- الإستشراق الفنّي في تونس : ذاكرة تاريخية و تخييلية
- الأنا و الآخر في الخطاب الإتصال السينمائي :السينما التونسية ...
- الصورة الفنية التشكيلية و السينمائية : مضامين واصفة للسلطة
- خطاب الجسد في السينما التونسية فيلم صفائح من ذهب نموذج
- الجسد صورة سينمائية برهانات جمالية و نفعية
- السِّينما التونِسِيَّة: الذاكرة السياسيَّة مُقاربة واصِفة فِ ...
- المصطلحات الفنّية:مقاربة واصفة للخطاب الفنّي
- العمارة الاسلامية تنوع في الخصائص ووحدة في المضمون
- الجسد في السينما التونسية صورة فنّية بمضامين واقعية
- الإتصال و التواصل الفنّي عبر الصورةعلاقة التشكيل الفنّي بالس ...


المزيد.....




- رحيل الشاعر والأديب اليمني الكبير حسن عبد الله الشرفي
- إقامة مهرجان البندقية السينمائي في موعده في أوائل سبتمبر
- قريبا ترجمة رواية -أفعال بشرية- للكاتبة الكورية هان كانج
- بيل كلينتون يصدر رواية بوليسية جديدة بعنوان -ابنة الرئيس-
- وفاة أحد فناني فيلم -الحرب العالمية الثالثة-
- في قلب الدستور.. استراحة سياسية ممكنة
- دبي تعيد النشاط الاقتصادي بفتح المتاجر ودور السينما ومرافق ا ...
- شاهد أول صورة للفنانة رجاء الجداوي من داخل مستشفى العزل بعد ...
- مصر.. أول صورة للفنانة رجاء الجداوي داخل مستشفى العزل بعد إص ...
- من أسماء الشوارع إلى شطحات المحامي...تجاوزات تقول كل شيء


المزيد.....

- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو
- رواية إحداثيات خطوط الكف / عادل صوما
- لوليتا وليليت/ث... وغوص في بحر الأدب والميثولوجيا / سمير خطيب
- الضوء والإنارة واللون في السينما / جواد بشارة
- أنين الكمنجات / محمد عسران
- الزوبعة / علا شيب الدين
- ديوان غزّال النأي / السعيد عبدالغني
- ديوان / السعيد عبدالغني
- مأساة يغود الجزء الأول : القبيلة، الدولة والثورة / امال الحسين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سناء ساسي - أثر و إثارة الفنّان التشكيلي في السينما الوثائقية: قراءة لفيلم محّبة فيسنت