أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عبدالحميد برتو - إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 3 من 10















المزيد.....

إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 3 من 10


عبدالحميد برتو
باحث

(Abdul Hamid Barto )


الحوار المتمدن-العدد: 6423 - 2019 / 11 / 29 - 15:12
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


محاولات الهروب

تَرَقُبُ الرحيلِ أشد مضاضة من الرحيلِ نَفسِهِ. والأصعب أن المُنْتَقِل لا يملك موعد السفر، ولا خط رحلته، ولا معلومات تفصيلية أو جزئية عن كل ما يتعلق بمحطات الرحلة. ولكن ما أن يخطو المسافر المهاجر الهارب الخطوة الأولى، تنشأ عنده هموم جديدة ومخاطر جديدة. وربما طريقة تفكير جديد تفرضها طبيعة المسؤوليات المترتبة وملموسياتها، مثل: الوصول الى الهدف المنشود، توفير التغطية اللازمة أمام عيون أجهزة الدول التي يمر بها الطريد. تطبيع الذات على الحالة الجديدة وفق الوثائق المزورة. مواجهة مسؤوليات الحياة الأولية المأكل والملبس وقبلهما السكن ووسائل النقل بين محطة وأخرى.

نجحت الرواية برسم لوحات دقيقة نابضة بالحياة، الحياة على حقيقتها، بكل ما فيها من قسوة ومخاطر وأمل مرتقب. تكبر أحلام الرحلة حيناً وتصدم أحياناً بالأحزان والمرارات. يشتد الخطر ويتراجع. نسمات وعواصف تتعاقب وتختلط وتمر بوتائر مختلفة. تختلط المشاهد بين قرى صغيرة ومدن كبيرة، جمال وقبح، حدائق غناء وصحاري مقفرة، إرتواء وعطش، إتساع الأمل وإنقباضه.

يحفر خطُ الرحلةِ في الذاكرة أخاديد. ولا يتشكل الأثر أو الجرح أو الأخدود بسبب أهمية المدينة أو القرية. إنما تلعب المصادفات دوراً كبيراً في خلقه. ويظل دور الكمائن بارزاً في خلق طيف الألون الذي يطبع طريق المسيرة. يصف الكاتب مدينة زاهدان بالمدينة الصغيرة التي تقع عند نقطة إلتقاء الحدود الإيرانية مع باكستان وأفغانستان. وكيف تبتلع الظُلمَـةُ الطريقَ والمسافر معاً. "فذابَ فيهـا بِقُدرَةِ قادرٍ !.. ظلمةٌ تُحدِّقُ فينا، وليلٌ يجأرُ في الفراغ !...

لم يكن حالُ المُطاردِ أفضلَ من ظلمةِ الليل. قال: "هدّني التعبُ، ونَزَفتُ ما تَبَقّى لي من قوىً. ومما فاقَمَ تَعبي حدَّ الإرهاقِ، أَنَّ البَرِّيَة َ إبتَلَعتْ القمَرَ الرضيعَ، وكَنَسَت السماءَ من نجومٍ برّاقة، سالَ بعضها، يُجرجِرُ خيطاً لامعـاً خَلفّه، لَـمْ تَلبَثْ أنْ لَملَمَتْه بسرعة، مثلما يمحو الأطفالُ في دفاتر المدرسة خطأً إملائياً.. فَرُحْتُ أَتَعَثَّـرُ، وبعصـايَ أَتّقي السقوطَ.. بينما يَلِحُّ مُرافقي أَنْ أُسرِع، كي لا يفوتَنا الموعِدُ في زاهِدان !.. ولمّا لاحَظَ عدَمَ جدوى نداءاته، تناوَلَ طرَفَ عصايَ، فيما بقيتُ مُمسكاً بالطرَفِ الآخر، عَلّنا نُفلِحُ في ضَبطِ إيقاعنا!.. (الرواية ص 195 ـ 196).

تُزيل المحنُ أيَّ صدأ يلوح في الذاكرة بل توقدها. وربما تغتني برقة عاطفية ناعمة ومبررة. ذلك عندما يتفاخر الدليل بقوة تحمله لمشاق التعثر في الظلمة. أو يقارن بآخرين لهم ظروف مختلفة. وهل تظنن أيها الدليل أن صاحبك لا يملك مبررات للتعجيل وحث الخطى. وهنا يبرز الدليل ساطعاً ومحفزاً: "قُلتُ وحَقِّكَ، أَنا، أيضاً لديَّ طفلةٌ صغيرةٌ، كَبُرَتْ سِتاً في غيابي!.. أَشتاقُ لرؤيتها وأَضُمُّها لصدري عَلّي أُعوِضُها، ونَفْسي، عمّا فاتَنا.".

لا تمنع ولا تحمي العصا صاحبها من إنزلاق "على الرملِ في فَمِ الحُفرَةِ". عندما تَلعبُ دورين إثنين: النظر والإتكاء. وإذا حلَّ عامل ثالث، كما جاء في الرواية: "قَذيفةٌ من ضياءٍ باهرٍ، إندَلَعَ من قَعرِ الحُفرَةِ لَمْ أحتَجْ وقتاً للتَأَمُّلِ، صِحتُ بِكُلِّ ما أُوتيتُ من قوَّةٍ وفَزَعٍ.." كَميـ!!..!.. ـنْ!.. ". وبأَسرَعِ ممَّا أَستَردُّ الشهيقَ، طُرِحتُ أَرضاً.. أَحسَستُ بالترابِ يُعَفِّرُ وجهي.. كادَ ذراعايَ ينَخَلِعانِ عن الكَتِفَينِ، عندما شَدّوا وِثاقي إلـى الظهر.. "ضَبَّطوا !.." وضعي بسرعَةٍ.. كَمَّموا فَمي وشِدّوا عصابةً على عيني ثُمَّ أَحكموا رباطَ القدَمينِ!.. حتى أَحسَسْتُ بنفسي مَرمِيَّاً على صفيحٍ بارِدٍ بظهرِ سَيَّارةٍ بيك أب، لا تَفتَأُ تَخُظُّني كَشِكْوِةِ اللبَنِ.. رَضْرَضَتْ كُلَّ عِظامي، مِمّا يشيرُ إلى أَنَّها كانتْ تسيرُ على طريقٍ غيرَ مُعَبَّدٍ، إنْ لَمْ يَكُنْ زراعيّاً.. تَواضَعَتْ الأُمنياتُ حَدَّ الرغبةِ في أَنْ نَصِلَ إلى شارِعٍ مُبَلَّطٍ يُريحُني.. ولَوْ لِحينٍ، من كَدَماتِ الحديدِ!.. (الرواية ص 200)

تصل الرحلة القصيرة والمتعبة الى نهايتها. ليبدأ فصل جديد يستلذه الجلاد. وقد يثير غضبه بين فترات وأخرى أيضاً. يسترد الضحية أنفاسه كل نهاية جولة تحقيق. وكل لحظة تحمل للجلاد يأساً أو حتى حالة تعب من تعذيب الضحية. ينقلب الدور ليجد الضحية لحظة فرح وسط المحنة. إنها المكابرة، الكرامة، الأمانة، قوة الأمل. في المحصلة العامة الوقت يتعثر في مشيته، لتكون الساعة الواحدة دهراً. وعلى أي حال لا تخلو لعبة التحقيق من إستخدام تقنيات. تخلقها مجريات التحقيق. وتستمد بعض خطواتِها من كامل مسيرة الطرفين المتقابلين. ولا تخلو لعبة الإستنطاقِ من لذة الصمودِ. وبديهي أن الشروط العامة غير متكافئة بين الطرفين.

تعاون المحققان أبو أحمد وملا جواد لإنتزاع "إعترافات". وبدأ التعذيب وطرح الأسئلة وكما هي العادة: "يا الله سولِفنّه.. تَرَه عدنه كل المعلومات، عَنّك وعن رَبعَكْ.. وإذا تجَذِّب، راح نصلَخْ جِلدَكْ!.. أوّلْ وتالي راح نْحَچّيك !ليش ما تسولِف من غير ما تنَشِّفْ ريكَنه.. تَوْنَه ترَيكَنَه..... فلدينا كل المعلومات عنك وعن جماعتك، وإنْ كذبتَ سنسلخُ جِلدكَ.. في نهاية الأمر سنستنطقُك رغماً عنك!.. لماذا لا تُسهل الأمر علينا وعلى نفسك.. ؟!.. (الرواية ص 202).

وبعد التأكد من عدم وجود خطر من الضحية، تبدأ عملية الإطلاق. ويُعجل في الأمر وجود مَنْ يساعد في ذلك الإتجاه. كانت لجهود المرافق في الطريق إلى زاهِدان أهمية في المساعدة على الخلاص. تحمل الرواية مشاهد عن إخراج عملية الإطلاق. ويعود الطريد الى طهران. وفي الحال بدأ الإعداد لمحاولة هروب أخرى. وقد إستغرقت عملية الإعداد إسبوعين. والرحلة الجديدة لن تكون أفضل حالاً من سابقتها. وعليه وصفت برِحلـةِ الضَنى، طهـران ـ مَشهَد.

أَقام المطارد في بيت بوسط طهرانَ. لم يخرج منه أبداً. توجه مع صاحب البيت لاحقاً إلى محطة القطار كي يلتحقَ بعائلة أخرى مع طفلين متوجهين إلى مدينة مشهَد. كعائلة واحدة. وللسكن في نَزلِ جواد عند مرقد الرضا. وتم حجزُ غرفتين مسبقاً. ولكن القطار لم يواصل رحلته الى مشهد. بسبب إنفجار صاروخ أخرج القطار من سكته. مما أدى الى خروج المسافرينَ مذعورينَ ومتدافعين، وبعضهم قَفَزَ من الشبابيك. أصواتٌ مخنوقة، أطفالٌ يبكون، نساءٌ ورجالٌ وشيوخٍ يبحثونَ في الظلامِ عن ذويهم. ضاعت العائلة المرافقة وسط الفوضى والظلام، ليبدأ المُطاردُ رحلة عذاب جديدة. تقاذفته الطرق حتى مشهد. كان طوق النجاة إسم النزل الذي ظل يردده لأهميته. لأنه الخيط الوحيد الذي يربطه بتلك العائلة. الى جانب وثائقه التي ظلت معهم. يقول الكاتب يحيى علوان: "وأمسيتُ عارياً إلاّ من قليلٍ من المال وعلبتين من السكائر في جيوب القمصلة، التي كنتُ أرتديها وكيسٍ صغير فيه قميص وجوارب.".

عثر في مشهد على النزل، وبعده على العائلة. ونام 24 ساعة متواصلة الى أن أيقظوه للغداء. وأخبروه بأنه سيقضي بضعة أسابيع في مشهد، قبل أنْ تكتمل "مستلزمات" عبوره إلى أفغانستان. وسيكون خط الرحلة من كراج مَشْهَدَ الى قريةِ "السَلامَاتْ". قيلَ له فيها مَنْ يعرِفُكَ، فلا حاجَةَ بكَ للبحثِ، لأنه سيناديكَ بـ" أبو فَلاحْ "، عندَ الضرورة !.. وعليكَ أنْ تَتَّبعَ تعليماته.. ولا تُعاكسه شأنَ الآخرينَ من" القَلَمجِيَّة.

في هذه المرة تضيء المكانَ أنوارٌ كشّافةٌ أيضاً. ويسمعُ وقعَ أقدامٍ كثيرة تتراكضُ وتتقافزُ كالأباليس في كلِّ الإتجاهات، تَلَتها رَشقاتُ رشّاشاتٍ. ويدفع نفسه الى الزريبة عند بيت المهرب. لتمر الكبسة بسلامة عدا الغثيان الذي إجتاحه من روث البقر.

على الرغم من أن إيهاب يتولى مهمة تهريب المُطارد. إلاّ أن كل ما فيه يثير القرف والضجر، وأحياناً المخاوف والقلق. ولكن سعيدة تخفف من وطأة الوضع. تغيّر من جو البيت، وتمنحه نسمة نسائية طيبة ورقيقة. وتعالج حالة الزريبة في كل مرة بعد توقف الأمطار، كادت المَطْرَةُ الأخيرة أن تخرب سقفها. عندما صعدت الى سطح الزربية لتسويته بأمر من زوجها إيهاب. بدت كأنها من حوريات البحر. سعيدة هيأت الفطورَ. وقدمت صينيةً فيها أرغفةٌ ساخنةٌ من الخُبز واللبن اللذيذ والبيضِ المقلي. وبإشارة من إيهاب بدأت مراسيم الوداع نحو الهدف.

تقدم الرواية تفاصيل فيها نفحات إنسانية مختلطة. تَوَكأُ يحيى على عصاه، وأَومَأتْ سعيدة مُوَدِّعَةً. صعد على الدراجة النارية خلف إيهاب. أَزكَمَتْه رائحةُ المهرب النَتنةٌ المُنَفِّرِةٌ، وهزته إرتجاجات الطريق الصحراوي. وفوق ذلك أَطفَأَ إيهاب مُحرِّكَ الدراجة "دونَ مُقَدِّماتٍ، وتركها تسير بصمتٍ. أشارَ الى المُطارد أَنْ يَقفِزَ إلى باطنِ ساقيةٍ جافّةٍ. وأَنْ يبقى منبطحاً حتى يأتي. وتمر ساعات الإنتظار بما تحمله من قلق الإنتظار ولحظات أقل وطأة تتيح الفرصة لإستعادة صورة سعيدة الممشوقة القوام في ذلك الجو المغبر. وكالعادة كلما يضيق الحال بالمُطارد يستدعي ذكريات وتساؤلات جريحة.

إن إمتحانات الإنتظار المشوب بالحذر كثيرة. ولكن أقساها عند نفاد الماء في صحراء مجدبة. يضع الإنسان بين خيارين، إما أنْ يَشرَبَ بَولَه أو يصل الى نهاية الحياة، ليكونَ وليمةً للضواري. رسمت الرواية صورة مروعة للمواجهة. كم هو بشع ذلك الموقف حين يصبح فيه البول إكسير الحياة. إكسير لا يستخدم لإطالة الحياة، إنما لمجرد البقاء لبعض الوقت الى أن يعود إيهاب. ومن سخرية الأقدار أن يشرب المرء بوله إنتظاراً للفرج على يد مهرب طماع، ولكنه المنقذ في الوقت نفسه.

تَحْمِلُ كلُ كلمةٍ في ذلك المشهد حالات مثيرة للأسى. لَمْ يكن إيهاب قريباً منه، مُنشغلاً عنه، يَرقَبُ شبحاً لا يأتي، هو دواءٌ، يَأخُذُ جرعَةً من البول، يُفَكِّرُ لَوْ أَنَّ "السائلَ" اللعينَ كانَ أقلَّ حرارةً، شَعَر بجوفِه يَغلي.. ثُمَّ يَتَحَوَّلَ إلى بُركانٍ، حاول مقاومة الوهن الذي يعتري بدنه. يسأل المُطارد نفسه: هل تَملِكُ شبراً من الأرض؟.. أيَّةُ أَرضٍ، أو حتى قبرٍ؟

تتواصل المرارات بعد أن يظهر إيهاب مجدداً. يطالبه بالإسراعِ للوصول الى الدراجَةِ. كان هو الآخر "يلهثُ مُغالباً تِنّينَ العطَشِ!". وياللخيبة فشلت المهمة. وينبغي العودة الى بيتِ إيهاب في القرية، التي لا تنام كلابُها. ولولا رجل إيهاب الخشبية وعصا المُطاردِ، لَكانَتْ النتيجة أن تحول أحدُ الإثنين الى صيد لمظاهرة الكلاب.

صاحَ إيهاب من بابِ الدارِ منادياً سعيدة. بعد أن نفدت قواه، وهو يقول: الماء الماء. هبت سعيدة مذعورةً لتقدم الماء والدعم وهي حافِيَةُ القدمين، حاسِرَةُ الرأسِ. إنحَنَتْ عليهِ تولول وتَلطِمُ وجهها وتَصفِقُ كَفاً بأُخرى. إستعادَ أنفاسَه ببطء. تَعاونَ الكاتبُ "مع سعيدة على حَمْلِّ إيهاب إلى الغرفة، نامَ فوراً على بطنه ودفنَ وجهه في الوسادة.

جاءتْ سعيدة بعد الغروب، وذهبتْ قبلَ الشروق. على صينيةِ الفُطورِ قال إيهاب بلغة حاسمة وواثقة: إنَّ العبورَ سيتمُّ هذا النهار دونَ عراقيل أو مناورةٍ مُرهِقَةٍ مثلَ يومِ أمس. "فرَفَعَتْ سعيدة وجهها ويديها إلى السماءِ بالدعاء لتحقيقِ ما نَوَيْتُما". وقدم إيهاب برهانه ودليله. حين "لَمْ يُكَلِّفْ سعيدة بتحضيرِ زُوّادةٍ للطريق، وإكتفى بقنينة ماء فقط". (الرواية ص331)

وصلت الرحلةُ الى نهايتِها المظفرة من وجهة نظر إيهاب. ولم يبق سوى التوقيع ليضمن ثمرةَ أتعابه. وإنَّ مهمته إنتهتْ هنا. وأَشارَ إلى شخص يعتمرُ عمامةً أَفغانيّةً، ويحمل سلاحاً، ويقف بعيداً مع دراجةٍ نارية. لا يوحي الوضع بالإطمئنان، لكن أَينَ البديلْ؟ يقول الكاتبُ: "خلفي جبهةُ حربٍ، لَمَّا تزلْ بكامل "عافيتها" وقيافَتها تُشعِلُ السماءَ وتحرقُ المدى.. وما بينهما !.. .... وأمامي حربٌ أَهلية في أفغانستان".

لم تنته رحلة العذاب حينَ يغدو المُؤمَّلُ كميناً!.. ولا تبخل الرواية في الوصف، وترى فيها دهليزاً للرياحِ، وما تحمله من حروفِ الإبهام وصفيرٍ كونيٍّ. وتُسرِفُ في إختبارِ قدرته على التَحَمُّلِ والإصطبار. تَحَرَّكَ المُنقذ الأفغاني بدراجته النارية. وبدل السعادة بأن الشريطَ الحدوديَّ صار خلفه. تاهَتْ عليه الإتجاهاتُ في لجة الرمل. بعد نحو ساعة تَوَقَّفَت الدراجةٍ النارية. وأشار صاحبنا الى عمودٍ من الغبارِ زاحفاً بإتجاهنا، يجرجِرُ خَلفَه صفيرَاً مبحوحاً. تُحاوِلُ العاصفة إقتلاعنا مع الدراجةِ النارية.

تم الإقتراب من الهدف، قال المنقذ الأفغاني: "هاتِ ما عندَكَ ."ولم ينفع القول بأن صاحِبُكَ الأعرَج، في الجانب الآخر، هو الذي رَتَّبَ الأمرَ وإستلمَ المبلغ. فقالَ: "لا شأنَ لي به، أريدُ أجرَ أَتعابي هنا، منكَ، وإلاّ سيكون مصيرُكَ مجهولاً، سأترُككَ هنـا وأمضي، لن أكونَ مسؤولاً عمّا يحصلُ لك !..قلتُ فَتِّشني وإنْ وجَدتَ نقوداً أو شيئاً ينفعكَ فهو لكَ. شَرَعَ يُفَتِّشُ جيوبي مُعَبِّسَاً، فما لَقِيَ سوى هويةٍ مزوّرةٍ.. تناوَلَ كيسَ البلاستيك، كانَت به بعضُ حاجياتي.. أدواتُ حلاقة، فرشاةُ أسنان، ملابس داخلية مُتسخة وجوارب تُزكمُ الأُنوفَ، كنتُ أَخفيتُ بها 1500 تومان إيراني، 500 على إنفرادٍ، وفي أَماكنَ مُختلفة من الكيس.. (ما يعادل 30 دولاراً، قيلَ لي أَنّ لها شأناً في أفغانستان) ولَفَفَتُ كاميرةً بعثَها لي صديقٌ من لندن إلى طهران كي أبيعها وأتصرَّفُ بقيمتها، لأن الشخص القادم رفضَ أن يحملَ معه نقوداً بالعملة الصعبة (كانت السلطات الإيرانية وقت الحرب مع العراق تصادر أيةَ عملة صعبة وتعوضها بالتومان، حسبَ تسعيرة البنك المركزي للصرف، منعاً لتهريبها وللحفاظ على ما تحتاجه منها).. كُنتُ لَفَفتُ الكاميرةَ بقميص وسخٍ منقوعاً بالعَرقِ، ووضعتُ راديو ترانزستور فوق تلكَ الكومةِ.. وعندما فتَحَ الكيس، صَدَمته الرائحةُ.. أدارَ وجهه مُعبِّساً وأرسلَ مَعَ بصقته عدةَ شتائمَ لَـمْ أفهَم منها شيئاً، عَثَرَ على 500 تومانٍ، ثُمَّ تناوَلَ الراديو بيده، رماه في الكيسِ، مُكَشِّراً بأحتقار.. لأنَّ ما كان عنده أفضل بكثيرٍ، بحجم علبةِ سكائر وبنظام رقمي (ديجتال). نظرَ إلـى ساعة يدي، نَزَعتُها على الفور قبلَ أَنْ ينطقَ بهـا، وإن كانت عزيزةً عليَّ، كنتُ إشتريتها من السوق الحُـرَّة بمطـار فينّا، قبلَ المجيءِ إلى الجبَلِ". (الرواية ص 358 ـ 359)

كلما تقترب المسافة تعود لتبدو أبعد. إنها لعبة إجتياز الحدود. قال المهرب: سنلتقي شخصاً آخرَ ليُكمِلَ "المشوار". أَخرجَ الآخرُ صفيحةً معدنيةً مدوَّرَة الشكل. أَشارَ علينا بجمعَ حطب ليصنع شاياً. إستغربتُ، أينَ يوجدُ حطبٌ أو خشبٌ في هذه البيداء !.. اشارَ: إذهبْ معه سيدلُّكَ هو. جَمَعنا بضعةَ عظامٍ لحيوانات نَفَقَتْ.

قبل وخلال وبعد شرب الشاي، سيتولى المنقذ الجديد سرد خرافات سمعها، أو إخترع قسماً منها. في وحشة الطريق يستعد الإنسان لسماع كل شيء. وربما يساهم في رش الملح عليها ليقوى على تقبلها. فهي أرحم من عصف رمال الصحراء.

قام الأفغانيان المرافقان بدفن دراجتيهما في الرمل، بعد تغطيتهما بما توفر، للحفاظ على تلكما الدابتين، على حد وصفهما لهما. وسار الثلاثة فوق الرمال ينتزعزن أقدامهم منها بصعوبة. ويزداد الأمر صعوبة عند إرتقاء الكثبان في طريقهم. وللجوع وأحماض المعدة وجفاف البلعوم جهد إضافي.

وأخيراً، جاء في الرواية: "وَصَلنا مبنىً متواضِعاً جداً، يحوي بضعَ غُرَفٍ يتجمَّعُ أمامه حشدٌ مـن الرجال المسلحين". في هذه اللحظة تسرب الكثير مما كان يقلق المُطارد. هنا في أرض يمكن التفاهم معهم دون مخاطر جدية. هذا على الرغم من أن الترحيب كان مُحترفاً، مُحايداً، ويخلو من أَيَّةِ نَفحةِ وِدٍّ.

سالَ الصمتُ، حتى مَلأ الغرفة. جميل أن يسيل الصمت، ويتيح للمُطارد تحسس رائحةَ جسده، الذي أضناه التعب والقلق والتَعرُّق. كانت إلتفاتةً جميلة من أحد شبان المخفر الأفغاني. إذ سُرْعَاَنَ ما بادر ذلك الشاب الصَموتِ الى وضع قِدرٍ كبير من الماء لتسخينه. كانت إلتفاتةً أكثر من كريمةٍ. يقول الكاتب يحيى علوان: "إغتسلتُ وغسلتُ ملابسي، وكَشَطتُ لحيتي فشعرتُ بنفسي خفيفاً، حتى دَهَمتني غَمامَةٌ من نُعاسٍ، أَلَـذُّ من الشَهدِ.. لكنْ كان عليَّ قبلها أَن أُجيب على أسئلةٍ مَنْ أكون، كيف، ولماذا عبَرتُ إلى أفغانستان؟.. وما هي وجهتي؟!.. لِتُسجَّلَ في محضَرٍ يرافقني أو أرافقه في كلِّ محطة يجري تسليمي إليها.. كأنّني البرهانُ على صحته أو العكس!..". (الرواية 370 ـ 371).

إنتهى هاجس الخطر. المُطارد اليوم بمعنى ما، بيد الرفاق الأفغان. ومن المعلوم أن إجتراح المتاعب غير إجتراح المخاطر. والتحقيق لتسهيل المهمة والتأكد من حقيقة الشخص، غير التحقيق من أجل إنتزاع المعلومات منه بأي ثمن. ولا تعادل بين حسن النية وبعض الظن وبين سوء الظن المضخم. الحال في قرية حدودية أفغانية غير الحال في قريةِ "السَلامَاتْ" الإيرانية. والحال أطيب في هِرات الأفغانية من مشهد. والمقارنة هنا من الزاوية الأمنية فقط، وليس حول غنى وجمال المدينتين.

يتبع




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,857,526,379
- إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 2 من 10
- إنشودة للإنعتاق 1 من 10
- الهيبة قوة عملية أيضاً
- عيد العمال ولعبة -الإنتخابات-
- ستبقى بيننا يا رفيق الدرب
- تشييع مهيب لمناضل
- رحيل الرفيق آرا خاجادور
- بيريسترويكا غورباتشيوف (9 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (8 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (7 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (6 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (5 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (4 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (3 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (2 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (1 من 9) بعض الأوليات كتاب غورباتشيوف
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 2 من 2
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 1 2
- مع الجواهري في بعض محطاته
- الإحتكام الى الشعب مرة أخرى


المزيد.....




- من يقف وراء -الهجمات- الغامضة على مواقع حيوية إيرانية؟
- روسيا ستطبق مبدأ "المعاملة بالمثل" رداً على العقوب ...
- السوداني يدعو إلى إعادة العمل بقرار سابق لاستيفاء الرسوم الج ...
- نائب : توطين رواتب الدفاع ستكشف الكثير من الفضائيين والغاء ح ...
- ارتفاع عدد ضحايا كورونا من الأطباء المصريين إلى 101
- حرس الحدود الإيراني يتحدث عن -العمل العظيم- ويوجه رسالة إلى ...
- -المذنب العملاق- يظهر في سماء هذه الدولة العربية
- قرارات على وشك الصدور... إجراءات قد تطول آلاف السعوديين في أ ...
- العدل الأمريكية: القبض على مواطنة كادت تسلم روسيا وثائق سرية ...
- أصحاب الدخل المحدود في العراق يطالبون بالتعايش مع وباء كورون ...


المزيد.....

- فريديريك لوردون مع ثوماس بيكيتي وكتابه -رأس المال والآيديولو ... / طلال الربيعي
- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عبدالحميد برتو - إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 3 من 10