أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير الأمير - العامية المصرية بين الانفعال والافتعال قراءة فى أشعار محمد عطوه وطارق مايز وهيثم منتصر وطاهر البرنبالى















المزيد.....



العامية المصرية بين الانفعال والافتعال قراءة فى أشعار محمد عطوه وطارق مايز وهيثم منتصر وطاهر البرنبالى


سمير الأمير

الحوار المتمدن-العدد: 6374 - 2019 / 10 / 9 - 16:51
المحور: الادب والفن
    


لعلنا نشهد تكاثرا مثيرا للشفقة فى عدد من يكتبون الشعر بالعامية المصرية فى هذا الزمن الذى خاصم فيه الجمهور معظم أشكال الفن والأدب التى تفرض على المتلقى أن يتفاعل معها تأملا أو تخيلا ، و ربما انصرف معظم الناس عن عادة القراءة بشكل عام واقتصرت ندوات الشعر فى غالب الأمر على الشعراء أنفسهم فبدا المشهد شبيها إلى حد كبير بالقراء حول المقابر، وهذا هو المثير للشفقة، فمن يكتبون العامية هم بشكل عام مسئولون عن جزء من أزمة التلقى لا أظنه جزءا صغيرا ومرجع ذلك إلى أن القصائد التى يلقونها لم تعد تعبر عن (شعراء) وإنما تعبر عن معرفة بمكونات الكتابة بالعامية وبطرائق التعبير التى أصبحت معروفة فغدت أكليشيهات ثابتة وأصبحت الندوات مكتظة بمن يقولون شعرا عن الحياة ليس انفعالا بها وتماشيا معها أو رغبة فى تغييرها ولكن فقط تعبيرا عن أزمة عدم القدرة على التحقق فى الواقع، ويا للعجب ! فليس شعرا إلا ما يقيم جدلا مع حياة الناس وحياة الشاعر، ولعمرى لو تحقق لكثير من هؤلاء الشباب القدر المناسب من طمأنينة العيش وطمأنينة البوح لأبدعوا حياة أجمل كثيرا من قصائد كتبوها كرجع صوت لقصائد أخرى فأصبحت قصائدهم شديدة الشبه بالشعر ولكنها ليست شعرا بأى حال، واعترف أننى لا أجد فى كثير من القصائد التى تتعامل مع موضوعة الحب والعلاقة بين الرجل والمرأة عند شعرائنا جديدا ولا سيما هؤلاء الذين دخلوا باب الشعر من باب التعويض عن عجزهم عن ممارسة الحياة الحقيقة فعلا وانفعالا ولا يهم بعد ذلك إن كانوا سيكتبون عنها أم سيكتفون بالتمتع بالعيشة ذاتها، من هنا فإننى أعلن دون مواربة أن مفردات كالهجر والخصام والبعاد و"العذال" والوجه الذى يشبه البدر و القوام الذى هو ذاته غصن البان والمبالغة فى التدله والمبالغة فى السباب واللعن وجلد الذات والندم على المحبة واكتشاف الخديعة وهجره لها من أجل ملذاته وخصامها له من أجل الرجل الغنى و... كل تلك المفردات قد تجاوزها الزمن ولم تعد تدل على انفعال كاتبها وإنما تدل على الافتعال والتقليد واغتراب كاتبها الذى لا ينبغى أن يتم تناوله وتناول أعماله فى الدراسات النقدية بل فى العيادات النفسية تحريرا له أولا من الضلالillusion)) الذى وضع فيه نفسه وأفسد فيه فرصته فى الدنيا وتحريرا لأنفسنا من صداع التكاثر المجنون فى عدد المتشاعرين الذين ما إن يحصلوا على عضوية اتحاد الكتاب أو ينشر لهم إقليم ثقافى كتبهم التى تشبه بعضها ركاكة وقبحا وتشويها حتى يتطاولوا على المبدعين الجادين ويعتبرونهم طواغيت يمنعونهم من التعبير عن إبداعهم وفى نفس الوقت يخنقون شبابا واعدا ومغايرا بما يسببونه من زحام، ولعلنا بحاجة لدراسة تختبر فرضية تنامى أعداد شعراء العامية فى مصر بعد إلغاء مكتب القوى العاملة وانتشار البطالة !


من هنا فإن التناول التحليلي أو النقدى للشعراء ( الشعراء) يأتى فى إطار التأكيد على كونهم تجربة إنسانية وأدبية بالغة الثراء ومن ثم تقوم ضرورة لفت الانتباه لمنجزهم الإبداعى وفى نفس الوقت يصبح تحليل نصوصهم إضافة لناقدها فضلا طبعا عن كون الاستماع إليهم من جمهور الشعر على قلته ليس مضيعة للمشاعر وإنما تقوية لها وتدعيما لكل الساعين لعالم أكثر جمالا وعدلا وحرية .
****
" صندوق ورنيش" ديوان الشاعر محمد عطوه

يبدو عنوان الديوان دالا بشكل مباشر على كونه تفاعلا مع واقع البسطاء وانفعالا به ومساءلة لنمط الحياة فى مصر فى هذا الزمن تحديدا وإن أطلت بعض الإحالات التاريخية فى بعض القصائد ولكنها جاءت كمعمق أو كمكثف لرؤية الشاعر لواقعه أو للواقع كما يشتبك معه،
فى القصيدة التى يعنونها الشاعر ب " مفتتح" يقول محمد عطوه ( مسجون كلامى خلف قضبان التردد من زمن/ نفس الحروف المستكينة لكل تشكيلة سكون/ ماعرفش ليه عقلى انتبه / فبقيت ممل ومرتهن/ رفضت ذاتى ونمت ليلي مرتجف حد الجنون) وأعترف أننى فى قراءتى الأولى لهذا المفتتح كنت عجولا فى الحكم عليه ظنا منى بأن مفردة الجنون استخدمت بمعناها السلبى ولكن المتأمل فى المفتتح يرى أنه يشكل عتبة وعى منذ السطر الأول إذ يدرك الشاعر أن التردد هو الذى سجن الكلام وربما سجن الفعل أيضا وظنى أنه هنا يحيلنا على هاملت وتردده الذى كان سببا لعجزه وهو أمر طبيعى إذ يتوافر "محمد عطوه" على إطلاع واسع فى الأدب يجعل حروفه البسيطة حاملة لإشارات بالغة الأهمية، ويصاحب يقظة العقل الإحساس بالملل الناجم عن رفض هذا السياق الموحى بالعجز فيرفض الشاعر ذاته الخانعة ويدخل فى رعشة تصل إلى " الجنون" والمعنى هنا إيجابى تماما بعكس ما ذهبت إليه أنا فى إحدى الندوات والمفتتح برمته يشير إلى قدرة العامية على تجاوز المضامين الشعبية الى قضايا الفلسفة والموقف من الذات والعالم برمته، ومن المدهش أيضا قدرة الشاعر على تناول القهر الطبقى والإحساس بالغبن تجاه تمييز معاملة الأجنبى ففى مربع يبدو بسيطا وطفوليا ولكنه يكتنز دلالات متعددة ومهمة يقول "محمد عطوه" ( يا مشيلانى كل أوزار الكبار/ ومحددانى تعويذة ودع/ النسكافيه فى المج للزوار وأنا طعم شايك لسه فى حلقى وجع) وليس مهما أن يكون هؤلاء غرباء طبقيين باعتبارهم من " الكبار" أو يكونوا أجانب وهو ما يميز المربع بتعدد الدلالات وفتح أفق للقارىء ليرى ما يرى.

إن "محمد عطوه" -وهو يشكل تلك الرؤية فى ظل رؤيته للحياة وخبرته وإحساسه وليس فى ظل الجدل الذى قد يقيمه( كتاب الشعر ) مع نصوص أغلبها لمجايليهم، "-محمد عطوه" يطالبنا بعدم الاكتفاء بظاهر الأشياء وبالتعمق فى الرؤية وفى تفسير المجريات فيقول فى قصيدة " سيرك"( فى اللوحة الوجه بيضحك جدا بس مداه فى الرؤية حزين/ طفلين على كتف الأم بيبكوا ما تعرف ليه/ يمكن ما ناموش من بعد ما عرفوا بمحض الصدفة أبوهم مات)
من الواضح إذن أن تأمل الحياة يشيع قدرا من السماحة فيشركك الشاعر فى هذا التأمل أو يدعوك إليه و ينأى بنفسه عن أن يفرض عليك هو تفسيره لما يشاهده ولا سيما حين يستخدم مفردة ( يمكن)، وبالرغم من شيوع ما يدل على العجز وقلة الحيلة فى مجمل الديوان إلا أن العين لا تخطيء بعض الإشارات الدالة على الأمل و مقاومة العجز، يقول الشاعر فى قصيدة صغيرة بعنوان " إصرار" ( مسنود على كتافك مهما الحمول تتقل/احلف برب الكون لا يموتو خوانك/ الضربة دى ف الجون والجاية ف المقتل) ويقول فى قصيدة " نهار" ( الفجر طالل من عيون الشمس بيصبح/ يكنس رصيف الليل ويوزع ساعاته نهار/ ويولف حدود القدرة على الأدوار) وهى قصيدة على بساطة لغتها تحتوى على وعى بأهمية معرفة الإمكانيات الواقعية لمجابهة الظلم والقبح ثم توزيع الأدوار على المقاومين بحسب قدراتهم وإمكانياتهم وهو الأمر الذى شكل عدم إدراكه خيبة الانتفاضات الجماهيرية التى بدأت بطاقة العفوية ودمدمت فى الخلاء و انتهت إلى عودة كل المشاهد التى سببت رفضنا و ثورتنا، ولعل قصيدة " شنط الهموم" فى هذا السياق المقاوم شاهدة على الوعى الذى يريد أن ينقله الشاعر لقارئه إذ تبدأ بتحديد الأزمة ( القطر وقف ف المحطة بدون سبب/ السكة تاهت بين غروب الفكر وشروق الدفا) ثم تصل فى منتصفها تقريبا لقول الشاعر ( الحلم دبلان ع الوشوش/ ما تصبروش بالنجمة والوعد الغبى) مرورا بتفاصيل ومفردات تصنع موقفا جديدا وقادرا على تحريك قطار الحلم فى اتجاه التحقق ليختتم الشاعر قصيدته بقوله( يام العواجز لملمى / حلمى النبيل من ع القهاوى وطبطبى/ يمكن يموت وشم السكوت على سكتى)، وفى قصيدة " صندوق ورنيش" التى حمل الديوان عنوانها يستخدم الشاعر غنوة الأطفال الشعبية " يابو الريش ان شالله تعيش " ويحملها بعدا طبقيا إذ يصبح " ابو الريش" هذا الغنى المستغل " المتريش" بالتعبير الشعبى،
ويعدد الشاعر مفردات الاستغلال والقهر ليصرخ " يابو الريش ان شالله ما عشت" إذ يرى أن عيشته تعنى استمرار الفقر والقهر وبهتان كل الصور إلا هذا " الأبو الريش"، غير أن قدرا من السماحة يخفف من ثورية الشاعر ويدفع بالنهاية إلى التعبير عن منهجه " الإصلاحى" الذى يتبناه إيثارا لتقليل خسائر الصدام فينهى قصيدته قائلا ( يابو الريش ان شا الله تحس وتعرينا من الأحزان)، وهى سماحة لا يستحقها " ابو الريش" فى واقع الأمر.
إن ديوان " صندوق ورنيش" هو إضافة لشعر العامية المصرية فى مجمله, وإن اعترته بعض مظاهر الإفراط فى التعبير بعد وضوح واكتمال المعنى كما فى المقطع الأخير من قصيدة " الزير شراقى" التى اكتمل معناها عند ( لسه ف إيديك احتمال/ شدنى لحدود مهارتك/ ننحت الصبح المحال)، أو تعقد بعض الصور وصعوبة إعادة إنتاجها فى مخيلة القارىء ومثال على ذلك قصيدة " علاقة عشق" إذ يصعب تصور علاقة " التأويل" بورقة الطلاق أو وصف إذاعة خبر الطلاق بأنه " مش محكم التنزيل" وربما كانت الرغبة فى " التقفية " وراء ما ذهبت إليه حول صعوبة تخيل العلاقة، وكذا قصيدة " ضل" حين يقول ( وانت واقفه عنيكي سارحة جوه منى بلون عتابك)، وأيضا كان هناك ميل عام فى الديوان لاستخدام ألفاظ " متثاقفة" مثل " كائن عبقرى" فى قصيدة " عشم" أو " المقابر" فى قصيدة " سكاتك" أو ( نزلت فى شرع الأحبة من نبي لدرجة مراسل بامتياز)
بكل حال يأتى ديوان الشاعر محمد عطوه " صندوق ورنيش" دليلا على استمرار نهر العامية المصرية الهادر القادر على التفاعل مع واقع البسطاء وأحلامهم وعلى دعوة الناس كل الناس لاستكمال سعيهم ونضالهم من أجل إنقاذ إنسانيتهم من براثن الجوع والفقر والمرض والعجز والجهل والتردد.
****


"مع إن يومها ما كانش عيد" ديوان الشاعر طارق مايز


فتحى عامر وطاهر البرنبالى وطارق مايز ثلاثة شعراء يجسدون التباين بين أجساد ضعيفة هاجمها المرض فى أوج الشباب وأرواح قوية مبدعة لم يستطع الموت أن يغيب تجلياتها الإبداعية والإنسانية، جمعتنى بالثلاثة صداقة ومحبة واحترام لما يمثلونه من تسامح مع أقدارهم مكنهم من المرور فى الدنيا دون شكوى أو ضجيج بالرغم من أن شكواهم لم تكن لتثير استهجان أحد فكل من عرفهم تيقن أن آلامهم كانت بالغة القسوة ولكن الله منحهم أرواحا فذة ومقاومة قوية وإنسانية متسامحة و محبة تفيض على من حولهم، وقد انعكس كل ذلك على مجمل قصائدهم، قاوم فتحى عامر الموت الذى كان يتوقعه حتى قبل أن يضرب ضربته بسنوات فصرخ قائلا ( أرى وردة حاصرتها التوابيت/ شرنقة تشرب الملح/ أرضا لا يرفع الرأس غير الشواهد فيها)

أما طاهر البرنبالى فأراد أن يثأر من الموت الذى غيب فتحى عامر وخالد عبد المنعم فراح يهتف بقوة ( مفيش بديل /غير اختيار المستحيل/ يا تعيش نبى / يا تموت ذليل)

لم يكن "طارق مايز" أقل إحساسا بالألم من زملاء معاناته من المبدعين وإن كان أقلهم شهرة و أنا هنا لا أقيس منجزه الإبداعي إلى منجزهم ولكن أعنى أن شروطا خارجية تحققت هناك ولم تتحقق هنا، فضلا عن أنى غير مقتنع بمبدأ المنافسة أو المسابقة بين شاعر وآخر فالشعراء مختلفون كأشجار الفاكهة التى لا تطرح ثمارا واحدة وليس من المنطق أن تفرض المانجو على من يحبون العنب ولا التين على من يفضلون الجوافة فلكل شاعر حقيقي مذاقه الخاص.
إن إيمان "طارق مايز" بقرب تحقق حلمه وحلم جيله فى حياة أكثر عدلا وجمالا كان إيمانا قويا مشوبا بحسن النيه ( كنا مصدقين قوى حلمنا/ وعشان كده روحنا نستنى النهار عند أول الممر)، لكن "طارق مايز" يضع أيدينا على جوهر الأزمة فى قصيدة " إمام" الروح فيقول فى نهايتها ( إمام بيخلى أوجاعى قمر ونجوم/ إمام بيخلي أفراحى / مطر وغيوم/ بينبش حزن أحزانى/ بيصرخ ف المدى تانى ولا الضالين/ وانا مأموم ومش قادر أرد وراه واقول آمين)
إنه إذن العجز الناجم عن كون المرء تابعا والذى يصل إلى العجز التام حتى عن مجرد ترديد ما اعتدنا ترديده ومن ثم فلن يكون غريبا أن نجد ( الزير ملان ساقعة وعطش/ رغم اتحاد النهر بالأرض البوار) ولعل السبب فى كل هذا يرجع إلى أن
( البلاد بتحض فى الغريب) كما يقول الشاعر فى قصيدة " الزير"
وفى قصيدة ( ليه) أيضا ربما نجد سببا آخرا لعدم الارتواء يتمثل فى " الخجل" من مشاعر الحب، يقول الشاعر( لما قلبى قال لعينى بصى ع البلكون هناك/ رجلى لزقت ع الرصيف / وايديا باشت م العرق)، لقد وصلنا إلى محطة " الفشل " وهو عنوان القصيدة السابعة فى الديوان ورغم الإحباط الذى يدل عليه العنوان واستخدام مفردات مثل ( الخلاعة والدعارة والكهانة) و ( الميوعة والسفالة والوهن) إلى إننا سرعان ما نكتشف أننا أمام رحلة معرفية تبدأ بالفشل كعنوان ومتن ولكنها تنتهى بدعوة لممارسة الفعل بانفعال يليق بذروة النشوة والتحقق فينهى الشاعر قصيدته قائلا( محروته بطنى فى انتظار الصهلله/ متخضبه بلون الوله/جاهزه لزرع البذرة من حضنك شجر/مرويه من نيل الشبق/ ابدرنى من ضهرك عيال تكسر قزاز البلكونات)،
فى قصيدة " بنتلاقى عشان نبعد" سيشخص طارق المرض دون مواربة وبمنتهى الحدة فيقول ( قاعدين نقزقز همنا على حافة النيل المخيف/ قاعدين بنلحس بعض ليلة بتنا فيها ع الرصيف) وهى صورة صادمة إذ تعبر عن أن الإنسان قد تم اختصاره الى كينونته الحيوانية، لكن الشاعر لا يستمر فى جلدنا وجلد ذاته إذ سرعان ما يجدل لنا حبل نجاة لكى نخرج من أزمة عدم إدراكنا للوجود والانفعال به، فيطلق دعوته قائلا ( تيجى نتهجى الوجع ونعيد صياغته من جديد/ نبدأ كلامنا بخد وهات ( لا حظ هنا أنه لا يوجد إمام ليقول ولا الضالين وينتظر أن نرد عليه بآمين كما جاء فى قصيدة " إمام الروح" )، ولكن هنا عتبة معرفية جديدة ولحظة تنوير فاصلة جوهرها " خد وهات" لا يوجد إمام ولا مأموم ويستطرد الشاعر فيقول ( تيجى نبدأ حلمنا من غير طرح ولا بابيونات) وهنا يمكن تفسير كلام الشاعر بأنه يدعونا للتحقق ولا سبيل لذلك إلا بمواجهة أنفسنا الحقيقية بعد تعريتها من الزيف،
إن الإنسان فى كفاحه ضد كافة أشكال وصور الظلم والجهل والقبح والزيف والاستغلال والإخفاق فى الحب يعاود حمل صخرته المتدحرجة لسفح جبل الحياة ولا ييأس أبدا وفى كل مرة يعيد محاولته مصرا ومصمما على أن يدفع همومه أمامه ليصل إلى قمة خلاصه ولكنه دائما يباغت بالموت وهو سؤال جوهرى لم ينسه الشاعر ولأننا قلنا فى البداية أننا نضع كل قراءتنا للشعراء الذين نتناولهم بين فرضيتى " الانفعال والافتعال" فسوف نثبت هنا أن طارق الذى غنى للحياة لم يكن غافلا عن الموت ولكنه واجهه بالانفعال والتفاعل مع الحياة التى رآها باقية
يقول طارق مايز ( إياك تموت قبل الأوان/ أو تموت وعنيك مفارقه حلمها/ موت وانت مش سايب ف سيرتك بقعه سوده للغسيل)، تموج القصيدة بالاعترافات المتعددة (بجرائم) النمو أو بفضائح النمو مثل ( قفلة الحمام كتير) أو ( لمس ضهر بنت فى ميكروباص) كل ذلك يعدده فى إطار غائم لا يجزم بحدوثه ولا ينفيه، لكنه فى النهاية يؤكد على أن وجوب تخلص الإنسان من كل ما قد يسيىء لسيرته أو يجعل أولاده يخجلون منه.
نستطيع أن نقول أنه بالرغم من الإطار الخاص والشخصانى لقصائد الديوان التى يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام عامة: قسم موجه إلى الأب والأم وقسم موجه إلى بناته اللائى ما غبن أبدا عن سعيه فى الحياة ولا سعيه فى الشعر وقسم عام موجه لنا وفى كل الأحوال كانت قضايا الوطن حاضرة دون ضجيج ودون افتعال، بل بانفعال حقيقي لا يرى الخاص إلا فى الإطار العام للحياة.

****


"حارة وسرداب" ديوان هيثم منتصر
ربما سنجد هذا الديوان مختلفا فى لغته عن الديوانين السابقين رغم انتماء الثلاثة شعراء لمنطقة جغرافية تحمل نفس الخصائص فالناس فى تمى الأمديد وديرب نجم وأولاد صقر يقومون بنفس النشاط السكانى من زراعة أو تصنيع مقاطير الجرارات أو تجارة، ويتحدثون بلهجة تكاد تكون واحدة إلا تباينات قليلة هى أصلا موجودة بين قرى المركز الإدارى الواحد، فما الذى إذن جعل اللغة عند " هيثم" مختلفة ؟ بالقطع تلعب دوائر الاهتمام المختلفة دورا فى اختيار لغة القصائد فمن يهتم بالعلاقات الاجتماعية وبالأخلاق ستكون لغته غير تحريضية بينما من لديه هموم سياسية سيعمد إلى لغة تستفز الجموع وتدفعهم للاعتراض والتمرد
يستهل هيثم منتصر ديوانه بمفتتح يقول فيه:( أنا مسكت القلم /والحزن ماسكني/لقيت فرحي اللي جوايا..بيملكني) هل تستطيع أن تمر بما كتبه هيثم هنا دون أن تذكر رباعية جاهين التى يقول فيها ( غمست سنك بالسواد يا قلم/ عشان ما تكتب شعر يقطر ألم/ مالك جرالك إيه يا مجنون/ وليه رسمت وردة وبيت وشمس وعلم) أظن أيضا أن ذلك سيطرح علينا قضية الغنائية فى الشعر التى تتهم عادة بفقر الرؤية ظلما وبهتانا باعتبار أن علينا أن نفرق هنا بين غنائيتين، واحدة تعتمد على مجرد كلمات وصور سابقة التجهيز لا يقيم معها المستمع جدلا وغنائية درامية تعتمد على التخييل ومشاركة المتلقى فى بناء المشهد والشعور بجماله، ولعل هيثم يطرح علينا تلك الإشكالية فى نهاية الجزء الثانى من الديوان ولا سيما فى الرباعيات التى أعطاها اسم معزوفات السرداب وهى رباعيات مكتملة من حيث معناها وإيقاعها بمعنى أن الشاعر يعرف كيفية كتابتها ولكن هل علم أن جاهين قد جاوز بمنجزه فى الرباعيات إلى آفاق لم يصل لها أحد قبله إذا استثنينا " مربعات بن عروس"، إن الرباعية قصيدة قصيرة جدا ولكنها تعوض قصرها بتفجير المشهد الذى بنته السطور الثلاثة الأولى بمفاجأة يطرب لها السامع ويعيد بناءها مندهشا بعد أن تكون قد مرت بوقت طويل وربما يحفظها ليستخدمها تعليقا على المواقف الحياتية التى يمر بها فهل علينا أن نأخذ ذلك بعين الاعتبار أم نكتفى بإتقان الصنعة على مستوى الإيقاع والتقفية؟
إن (الحارة) التى يكتب عنها هيثم منتصر ستختلف حتما عن ( الحارة) التى يكتب عنها علاء عيسى حتى وإن كانا يعيشان فى حارة واحدة وسيرجع ذلك إلى اختلاف زاوية الرؤية أو الى التباين فى طريقة التناول أو فى أولويات وانحيازات كل منهما وهو ما يذكرنا مثلا بأن شاعرا قد يكتب عن فلاح الأربعينيات الفقير غنوة تقول: - ( محلاها عيشة الفلاح مطمن قلبه ومرتاح) فى حين يكتب آخر معترضا على عيشته البائسة ومحرضا له على خلع أردية الصبر والقصاص من مستغليه وعلى القارىء هنا أن يختار ما يطرب له بحسب اختياره، وليس هنا أية معضلة على الإطلاق ولكن الكارثة تكمن فى أن يتبنى الشاعر موقفا على المستوى الذهنى لا يستطيع أن يعبر عنه فنيا بمشاهد تجعل المتلقى لا يسخر من المشهد برمته،
فى ( حارة) هيثم كما رصدتها قصيدته بيوت فقيرة تتساند على بعضها البعض ومخاوف وموت يترصد الطيبين فقط وقبور وثعالب وألعاب وعيش حاف وأطفال يذهبون فى الترحيلة وشوارع تائهة ومحنية وهو وصف دقيق لكل حارات مصر فى زمن ليس زمن ( هيثم منتصر) فحارة هيثم الآن يصعب فيها لعب الحجلة بالنظر إلى انتشار " التكاتك والموتوسيكلات وعربات البائعين التى تستخدم مايكروفونات تثير ضجيجا تجعل الثعالب تغادر لتختبىء فى قارات أخرى وليس أبدا فى المقابر المجاورة كما تقول القصيدة إلا إذا اعتبرنا أن هيثم يكتب عن حارة فى طفولته أو اعتبرنا أن الثعالب التى يقصدها ليست سوى مجموعة من اللصوص أو من الأعداء الذين يهددون الحياة فى الحارة أو يجعلون الشقاء يسيطر على أهلها وهو الأمر الذى لم أعثر له على دليل فى القصيدة ، وإن كنت أقبل المشاركة فى تصوره باعتبار أن الشاعر يدعونا لإعمال الخيال و عدم الاكتفاء بالتلقى السلبى لكننى لم أستطع أبدا أن أتبين وجه الدهشة فى العبارة التالية:-(والساعة الحائط /تلاقيها/بتيجي ف عز الليل/وتدق)، فما هو الجديد الذى أراد أن يقوله حين يخبرنا أن الساعة تدق؟

وبعد ذلك تتوالى قصائد الحب التى كتبها هيثم منتصر وسأتجاوز معظمها لكونى لم أنفعل بها ولكون التعليق عليها لن يكون منصفا للشاعر إذ ربما يجد فيها قارىء آخر ما يمسه وما يثير خياله وسأعلن انحيازى لقصيدة (حُوريه) لرشاقة إيقاعاتها
وجدة صورها فالوجه ( ليس بدر التمام) كما تقول قصائد كثيرة ولكنه حديقة بها ورد يحتاج أن يسقى بماء الود من قبل ( جناينى) يفهم فى (البستنه)، يقول هيثم منتصر (إن كان جمالك فرض /وعينيكي دي سُنَّه/ فسيبيني أتوضا/ أصلِّي كام ركعه
/يا ام الشفايف ورد/ أنا نفسي اسقيهم/ حنان وشوق علي ود/ وكمان عشان
الخد /صعبان عليّا يكون/ من غير جنايني يصون) ولأن محاولة اصطياد معنى جديد ابتعدت عن تقليد ما سبق قدر الإمكان سنلحظ أنه وفق فى نهاية قصيدته لاكتشاف جوهر علاقة الحب بين الرجل والمرأة، فنجده يقول فى نهاية قصيدته(وف آخر الحكايات/ متقولشي دي خلصت/ وتقوللي توته توته/عايزها ترسملي/ احساس ف حدوته/ تحكيلي عن روحها/ أحكي لها عن روحي/ تطلع حكايتنا/شاطر و بنوته) وهنا نتأكد أن الشاعر تحرر من الرؤية السائدة المتخلفة للمرأة وعرف يقينا أنها شريكته وصديقته وأن العلاقة تقوم على البوح المتبادل والفهم المتبادل والانفعال والتفاعل بين كائنين لهما نفس الحقوق والواجبات تجاه بعضيهما حتى يصلا إلى تحقيق إنسانيتهما كاملة التى تعنى وصولهما معا إلى جوهر السعادة عبر إدراك حاجة كل منهما للآخر
وما بين نجاح الشاعر فى الوصول للمعنى و بين الإخفاق فى التغلب على مرواغة القصيدة فإنه يراقب تجربته حتى أثناء الكتابة ولعل قصيدة "خبر مش عاجل" تحدثنا عن تجربة الكتابة ذاتها عند هيثم منتصر، يقول الشاعر :-(ضحكة الصلصال
كآبه /شكلي عايش بالرتابة/واقتنعت وغصب عني/ جوا مني تعيش سحابه/تبدر البسمه ف روحي /روح بتتحدي الكآبه/ تطرح ايه يامن بتسمع؟/ لو هتقري /مش هتلقيغير خنوع جوا الكتابه /صدقوني عايز أخلص/م القصيده ) فالصلصال هو المادة التى يشكل منها الفنان تمثاله وهى هنا طبعا " الكلمات" التى تشعره أنها رتيبة ولا تعبر عن السحابة التى اقتنع أنها بداخله وهيثم هنا يعبر عن أزمة الفرق بين الإحساس الحقيقي و عجز الكلمات عن التعبير عنه، إنه بالأحرى يعمل كناقد لنصه فيتهم كتابته بالخنوع ويعلن عن رغبته فى التخلص من كل ما لا يعبر عنه، وفى تقديرى أن تلك الرغبة التى تسكن المبدع فى أن يطرح جانبا كل ما لا يعبر بشكل أصيل وجديد عن إحساسه بعيدا عن التعبيرات الجاهزة والتقليدية هى طوق نجاته كإنسان أولا وكمبدع ثانيا ولعل من واجبى أن أحييه وأن أشد على يديه وأن أهمس فى أذنه قائلا " حسنا يا هيثم لقد أدركت جوهر وظيفة الإبداع ويبقى أن تتمسك بحسك النقدى ولكن ليس بالقدر المبالغ فيه لأن الوعى الذهنى الحاد قد يجعلك بوليسا على نفسك وقد يمنعك من البوح، فقط تأمل كلماتك وتأكد من تحرير صوتك من "غاغة" الأصوات التى تتداخل فى مشهد قلما يبين فيه التجديد من الترديد.
*****

طاهر البرنبالى الطالع لوش النشيد

لا يمكننا القول إن الموت غيب " طاهر البرنبالى" إذ الشعراء الحقيقيون لا يموتون، هم فقط يغادرون أجسادهم المنهكة الضعيفة والتى غالبا لا تقوى على تحمل قوة أرواحهم، يغادرون إلى رحابة لا حدود لها فتتجاوز أرواحهم حدود المكان والزمان المرتبطين بأشخاص يحملون بطاقات الرقم القومى إلى فضاءات تاريخ الوجدان القومى ذاته وتصعد نصوصهم مع أرواحهم لتجد مكانها كأوراق نضرة على شجرة كبيرة تمثل النص العام للحياة وللفن فى هذا الوطن،
وفى تقديرى أن من يخرجون على هذا التصور ليسوا شعراء وإنما هم متشاعرون لم تدركهم " حرفة الشعر" فأدركوا " كيمياءه" وجعجعوا وأثاروا الضجيج ليضببوا على المنشدين العظام الذين اصطفاهم الوطن ليكتبوا تاريخ الإنسان وأسفار مقاومة طمس الهوية ونهب الثروات وكبت الحريات، ويعلم الراسخون فى العشق أن ما يفعله هؤلاء الحمقى سيذهب جفاء، أو سيصبح هشيما تذروه الرياح وأنهم أبدا لن يفلحوا فى تغييب ما لا يغيب.
من هنا يمكننا القول أن للشعراء "الشعراء" خصائص عامة بارزة واضحة، تجعل من "طاهر البرنبالى" أحد أفراد قبيلة تبدأ من بديع خيرى وبيرم التونسى و يستأنس المصريون بنيرانها التى أشعلها فؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودى وسيد حجاب وعبد الرحيم منصور ونجم وفؤاد قاعود وزين العابدين فؤاد وسمير عبد الباقى ومحمد سيف، وجمال بخيت ومحمود جمعة ومحمود الشازلى وآخرون، حتى يأتى جيل طاهر البرنبالى الذى شهد ظاهرة "التشاعر" ورغبة المتشاعرين فى تصدر المشاهد الزائفة التى لم تكن أبدا تغري من " شبعوا من الرغيف الفذ " وكانت أشعارهم رسائلهم للحياة ولبسطاء الناس فى ربوع المحروسة كعمر نجم وخالد عبد المنعم وآخرين "منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
وربما يري البعض أننى كتبت كلاما احتفائيا أو منحازا فى السطور السابقة باعتبار أن طاهر وما ذكرتهم من شعراء ينتمون لنفس المواقف الجمالية والسياسية التى أنتمى إليها وهو اتهام يشرفنى قطعا، ويعجبنى هنا قول الأبنودى " لو كان حبك يا مصر خطية ونجاسة.. طين النجاسة يا نخاسة... بلغ باطى"، ولكى لا ننشغل كثيرا بالباحثين عن أسمائهم فى كل مناسبة سأوجز الخصائص والسمات التى جعلت من طاهر البرنبالى واحدا من قبيلة العشاق التى تحدثت عنها:-
*تتميز نصوص طاهر البرنبالى رغم أنها تكتنز تاريخ العامية المصرية بأن علاقتها بالحياة أكبر من علاقتها بالنصوص التى كتبها شعراء أحبهم طاهر وانتمى لمشروعهم الفكري والجمالى " قولى لابويا إن الولد طاهر /من فوق سطوح الألم حمحم بكفه للحمام غله"، ويقول طاهر أيضا فى قصيدته عن زوجته وهى القصيدة التى ولدت فى أتون الألم والمقاومة " طابت الآلام ف نفسى وف جروحى/ قمت شاعر/ م الهموم والمآسى والغيوم/ قمت انفض رقدتى وانثر مواجعى/امسكى الورقه وراجعى/ كل كلمة همستها ف ودنك حقيقة مش كلام/ مش ملاوعه/ أو هدف تافه وخدعه"
*يعتمد البناء الشعرى عند " البرنبالى" على تخييل بديع يبتعد عن الذهنية رغم احتواء المضمون على مواقف سياسية وأيدلوجية وتأمل معى قوله " الطمى ليل والحزن نيل / سرب الحمام عطشان هديل/ ومافيش بديل/ يا تعيش نبى يا تموت ذليل"
*طاهر الشاعر وطاهر الإنسان لا ينفصلان فسلوكه الشخصى لا يناقض شعره فمن يحترم إبداع طاهر لن تصدمه أية تناقضات مع هذا الإبداع إن تعرف إلى شخصه، فهو لا يعظ أبدا بجماليات لا يمارسها كإنسان.." غيبى عليا وطولى حبه/ نار اشتياقى فى الغياب بتزيد/ قلبى اللى بين شعرا وأطبه/ لازم يقابلك آخر المواعيد" ولعله لخص لنا كيف استطاع أن يكون طاهرا ومقاوما حين قال :-" قولى لابويا ابنك ما سابش للغبار حيله/ يرخى المدار ف الليل أو يتسند ع الحيط/ ابنك من الزمن البعيد/ طالع ربيع نعناع بيحب راس الغيط/ وبيستغيث بالبحر لما النزيف بيطيش / ويرج صحن البيت"
*يمتلك طاهر البرنبالى روحا قوية كانت عصية على اختراقات الزيف والادعاء والكذب التى أصابت معظم الكتاب الذين هجروا الريف للعاصمة ففقدوا ملامح طيبتهم ليتمكنوا من العيش بشروط المدينة "العاصمة" القاسية فتأسدوا وتذأبوا ثم سقطوا فى الصراعات الصغيرة وفى النميمة، بينما ظل طاهر ونفر قليل ممن تصطفيهم مصر العظيمة سفراء للقرى وللفلاحين وللصيادين والعمال، تقابله فى الندوات الشعرية والفكرية والسياسية وربما فى الوقفات الاحتجاجية المناصرة للحرية لكنك لا تجده أبدا فى أندية اللهو التى يشكل أكل لحم من يغيب عنها جوهر تسليتها وأساس انعقادها. وهو يؤكد على قوة مقاومته للتردى حين يقول.. " ولا واحد يقدر يخطف منى ومنك طعم الدهشة/ أو تنهيدة حزن قديم/ ولا يقدر يسرق ملح الجرح الغامض/ أو بسمة وش انطبعت تحت جدار الشمس/ ولا يقدر ياخد بهجة صخر الليل الوردى الساكن بطن الإيد/ يابو العيون ملو القمر أوصاف/ طالعين لوش النشيد"
* امتلك البرنبالى أيضا كرامة رفيعة وسموا وتساميا رغم ضيق الحال وسطوة المرض لدرجة أنه يكاد يكون مثالا يجسد التحدى ومقاومة الهزيمة وهو ما مكنه من حمل جسده المنهك لمدة عشر سنوات منذ بداية المرض وإرغام هذا الجسد المنهك على الوقوف والصمود والسفر لإلقاء الشعر فى ربوع المحروسة دون أن يجأر بشكوى، ويبدو أن طاهر كان يستند على صوته فقد كان يعشق تلاوة الشعر وكان بالتعبير العامى " قويل" - " وان كعبلتنا الظروف/ محناش عيال للخوف/إزاى يموت ؟/ هوه شهيد الوطن/ أنا مش باموت ما تلفونيش ف الكفن" ويقول طاهر البرنبالى أيضا فى هذا الصدد " ما تعيطوش لو مت متعكر/ أنا اللى كان ضحكى رايق/ تتباهى بيه الخلايق/ ما تعيطوش لو مت متعكر/ بكره اللسان اللى صان/ يجرى عليه السكر"
ولعلنا فى تأمل تجربة طاهر الحياتية والشعرية نلمح تشابها حد التطابق بين الخاص والعام وبين الشخصى والوطنى إلى درجة التماهى الكامل فلم يستطع أن يرى أزمة كبده إلا فى إطار أزمة " كبد الوطن" بمعناها الحرفى " أكباد المصريين" ومعناها الدلالى " كل أزمات الوطن وأوجاعه،
يقول "البرنبالى" وهو يتذكر خالد عبد المنعم " شوف ست سنين من عمرك فاتو ازاى من غير ما تحس !/ تيودور بلهارس ما كانش بيفهم ف الأشعار/ ولا طعم المر ف حلق المصريين/ الموضوع أكبر من طاهر واكبر من خالد/ أكبر من ابن امبارح وابن اليوم/ كبد الوطن مأزوم"
ترك لنا طاهر دواوين " طالعين لوش النشيد " الذى صدر سنة 1989 و طاهر وراء القضبان فكان مبشرا بحريته وحرية الوطن، ثم ديوان " طفلة بتحبى تحت سقف الروح" فى العام 1994 و احتوت قصائده على رسائل هامة فى تحرير الوعى والتأكيد على فلسفة المقاومة، ثم ديوان "طارت مناديل السعادة" فى العام 1999 و " طريق مفتوح ف ليل أعمى سنة 2004، وبعد أن خضع لجراحة ناجحة فى الكبد فى العام 2007 أصدر " طلعة ربيع دار الفؤاد " وفيه احتفى بأطباء مصر العظام الذين أجروا له الجراحة وطببوه وبعد ذلك جاء ديوان " طرطشات الذات والبنات"، كما كتب طاهر عديد الدواوين للأطفال فضلا عن كتابته للأغانى وتترات المسلسلات التى غناها محمد الحلو ومها البدرى وحنان ماضى وغيرهم وفى مجمل أعماله كان طاهر معبرا عن ذاته من خلال روحه التى لم تنفصل أبدا عن بلاده والتى تصلح درسا لأجيال قادمة ليتعلموا أن الذات لا تنفصل عن الموضوع وأنه لا صحة لفرد فى وطن عليل، ولا حرية لفرد فى وطن أسير وأن كرامة المواطن من كرامة الوطن، ولله ولمصر درك يا طاهر يا من علمتنا أن المشاعر أسمى من الشعر وأن الكرامة أهم من التكريم.
*****
خاتمة
لقد حاولت قدر الإمكان أن أفرق بين الشعر كتعبير عن تجربة الشاعر فى الحياة وبين التشاعر كتعبير عن قدرة الناظم على إعادة إنتاج ما كتبه سابقوه بحرفة قد لا يكتشفها إلا من ألم بالمنتج الشعرى المصري منذ بدايته ، ولا يعنى هذا أبدا أننى أذهب إلى مخاصمة هذا التاريخ لكى يكون الشاعر متفردا ، أو أننى أحارب " التناص" شكلا أو معنى، لا بالقطع، ولكن هناك فرق كبير بين التناص والتلاص وبين استيعاب النصوص داخل نص جديد ونسخ ولصق الأشياء لمجرد الرغبة فى أن يعلن الشاعر أنه مثقف وأنه قادر على إقامة جدل بين نصوصه ونصوص السابقين، وعلى أية حال فإن هذا مرض يمكن شفاؤه، أما ما يجب تحريره من ضلاله فهو من يكتب ما كتبه الآخرون انتحالا وإن بلغة جديدة ناسخا عن الأصل ليقدم لنا قصائده المسخ التى تفسد الذائقة وتنمذج الرداءة ، وللأسف الشديد مازالت مؤسساتنا الرسمية تصدر كتبا هى فى واقع الأمر جرائم فى حق المبدعين الحقيقيين المحرومين من النشر وجرائم فى حق الشعب الذى دفع الضرائب لتمويل تلك المؤسسات وجرائم فى حق المتشاعرين الذين يصعب إقناعهم بأنهم غير موهوبين فيستمرون فى متابعة سيرة شعرية متوهمة بينما كان من الأفضل لهم أن يتعرفوا على قدرات أخرى لديهم.
****
لمزيد الإطلاع
• صندوق ورنيش- الشاعر محمد عطوه- كتاب الرواد 2016
• مع إن يومها ما كانش عيد- طارق مايز- كتاب الرواد2016
• حارة وسرداب- هيثم منتصر- مخطوط
• طالعين لوش النشيد- طاهر البرنبالى-هيئة الكتاب 1989
• طفلة بتحبى تحت سقف الروح- طاهر البرنبالى-هيئة قصور الثقافة1994
• طارت مناديل السعادة- طاهر البرنبالى-هيئة قصور الثقافة 1999
• طريق مفتوح ف ليل أعمى- طاهر البرنبالى-هيئة قصور الثقافة 2004
• طلعة ربيع دار الفؤاد- طاهر البرنبالى-هيئة الكتاب 2007
• طرطشلت الذات والبنات- طاهر البرنبالى-هيئة الكتاب2008





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,152,936
- هشام السلامونى - جدل الفعل والانفعال-
- في مديح التفاهة
- تلقائية السرد عند الروائى حسين عبد العليم
- البخاري ومسلم و-مويان-
- كفاح المصريين كمتتالية روائية - حوار مع الروائى أحمد صبرى أب ...
- الشاعر حمدى عيد
- رحلة الفتى الدمياطى الذى جاوز الستين..
- ما الذى يجعل الماضى مستمرا
- لماذا تتعثر نهضتنا العربية الحديثة؟
- رواية-برسكال- رحلة المهمشين إلى متن الحياة فى القرية المصرية
- تكاثر الشعراء
- اللغة والهوية
- حوار مع جريدة الكرامة
- صلاح عيسى -الكتابة بقلب العاشق و بمبضع الجراح !-
- الفصل الأخير فى حكاية مقاومة الشاعر- طارق مايز -للموت
- ملحمة السراسوة أنثروبولجيا الريف المصري
- صندوق ورنيش_ ديوان محمد عطوه
- -شال أحمر يحمل خطيئة -نصوص لا نسوية--
- حرية سليمان ورواية - أسود دانتيل--
- وداعا عم سيد ندا أقدم عمال النسيج فى مصر


المزيد.....




- وزير الصحة الجديد يلتقي النقابات.. ويتخد هذه القرارات لانقاذ ...
- من هي سولي نجمة موسيقى ال -كي بوب- التي سببت وفاتها ضجة عبر ...
- لدعم الروائيين في قطر.. كتارا تدشن مختبرا للرواية
- الأربعاء.. انطلاق فعاليات المؤتمر المشترك الثاني لوزراء السي ...
- لوحة -الصرخة- ليست كل ما رسم مونك
- رانيا يوسف: لا أفكر بالزواج فكل الرجالة مصطفى أبو تورتة
- العنف في الثقافة العربية
- الداخلية تستعد لإعلان شغور منصب إلياس العماري بجهة الشمال
- مظاهرات العراق.. لماذا لاذ المثقفون بالصمت؟
- باليه -كليوباترا- يقدمه مؤلف مصري (فيديو)


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير الأمير - العامية المصرية بين الانفعال والافتعال قراءة فى أشعار محمد عطوه وطارق مايز وهيثم منتصر وطاهر البرنبالى