أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - زهير الخويلدي - مصطلح الإيديولوجيا عند غرامشي بين الاعتباطية والعضوية















المزيد.....

مصطلح الإيديولوجيا عند غرامشي بين الاعتباطية والعضوية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 6374 - 2019 / 10 / 9 - 09:34
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


" إذا كان الناس في علاقاتهم يبدون في الإيديولوجيا ، مقلوبين على رؤوسهم كما لو كانوا في الغرفة السوداء لآلة التصوير، فإن هذه الظاهرة تتولد عن مجرى حياتهم التاريخية"1
مفهوم الإيديولوجيا هو مفهوم إشكالي بامتياز ويحيل على عدد من المحطات التاريخية والتجارب الثورية والتوظيفات المتباينة ويتعرض إلى الكثير من سوء الفهم والأحكام المتحاملة والتشويهات والعنف التأويلي ويحتاج إلى الإبانة والتوضيح ورفع الالتباس الذي تعلق به وفصل المقال حول تاريخ تشكله واستعمالاته. لقد تحفظ ميشيل فوكو تجاه مصطلح الإيديولوجيا وذلك لصعوبة استعماله بالنظر إلى تعارضه الضمني مع شيء يعد على أنه الحقيقة في مستوى أول وإحالته بالضرورة إلى شيء يعتبر هو الذات في مستوى ثان ووجود هذا المصطلح في موقع ثانوي بالمقارنة مع شيء معين يمثل البنية التحتية في مستوى ثالث2 . كما يعتقد الدارسون أن كلمة الإيديولوجيا هي جزء من الجهاز المفهومي للنظرية الماركسية وذلك لكثرة استخدامها في الأدبيات السياسية للأحزاب الاشتراكية والشيوعية ولكن فاتهم أن المصطلح ظهر قبل تشكل العقيدة الماركسية من طرف عالم الاقتصاد دستوت دي تراسي الذي عاش بين سنة1745 وسنة 1836 في كتابه "مشروع عناصر لايديولوجيا"3 امتدادا لأفكار جون لوك ووظف من خصوم الماركسية لمهاجمتها وأطلق بصورة استهجانية على كل ممارسة سياسية وفكرة عقدية تتصف بالتصلب والانغلاق والجمود. في البداية تشير الإيديولوجيا idéologie في معناها الايتيمولوجي إلى علمlogie الأفكار idées إلا أن أنطوان دي تراسي حددها عام 1798 م بأنها "النسق الكلي للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للفعل الواقعي وتعمل على توجيهه"، ويضيف إلى ذلك أنها:"علم التفكير والأفكار المستندة على الملاحظة الباطنية والمعرفة الطبية"4 . بعد ذلك يستعيد ماركس وأنجلز في الإيديولوجيا الألمانية عام 1846م هذا المصطلح ليدلا به على نظرية مجردة ومحيرة وتزعم الاعتماد على العقل أو العلم وترنو إلى تشكيل النظام الاجتماعي على أساس منطقي كلياني وتوجيه الفعل السياسي نحو أغراض فئوية ضيقة5 . لكن ماهي الإيديولوجيا في مختلف تجلياتها واستعمالاتها؟ وهل هي ضرورية في الحياة الإنسانية أم يمكن الاستغناء عنها ؟ وما سبب وجود تحفظات حولها ؟ وهل الإيديولوجيا فاعلة أم عقيمة ؟ وما وظيفتها في السياسة؟ وماهي علاقة الإيديولوجيا بالدين واليوتوبيا والثقافة والعلم والتقنية؟ وكيف يمكن رسم حدود لها؟ وماذا يحدث لو تخترق أجهزة الدولة وهيئات المجتمع المدني؟ بأي معنى يتحقق شعار نهاية الايديولوجيا؟
عدد كبير من الفلاسفة اشتغلوا على الحقل الدلالي للإيديولوجيا يمكن ذكر ماركس وأنجلز في محاولتهما فهم الأسس المادية للإيديولوجيا وعلاقتها بالطبقات وإبراز فعاليتها ووقعها في القلب والانعكاس والتبرير ومن جهة ثانية تناولها لويس ألتوسير من حيث ماهيتها وحضورها بكثافة في الأجهزة الإيديولوجية للدولة ولكن غرامشي خلصها من الغموض واللبس وربطها بالبنية الفوقية وفرق فيها بين الاعتباطي والعضوي في حين ربطها كارل مانهايم باليوتوبيا والمنظور وكشف عن استحالة الاستغناء عنها في مستوى التخيل. يبدو أننا أمام الكثير من الاستعمالات لكلمة الإيديولوجيا والبعض منها يدرج في خانة السلب والاستهجان والبعض الآخر في خانة الإيجاب والمدح والبعض الثالث في منطقة وسطى أقرب إلى الحياد الموضوعي.
الاستعمال السلبي: الإيديولوجيا هي وسيلة للإخفاء والتمويه والتخريف نتيجة انعكاس تمثلات خيالية على سطح الوعي وتبني الناس رؤية معكوسة عن العالم وتكوين نوع من الإدراك الزائف للعلاقات الاجتماعية.
الاستعمال الايجابي: الإيديولوجيا ضرورية بالنسبة لتماسك المجتمع واستمراريته فهي التي توفر للناس قواعد السلوك ومعايير التفكير وتشكل عامل محدد للهوية والانتماء وتساعد الناس على الاندماج الجماعي.
الاستعمال المحايد: الإيديولوجيا هي نظرية علمية لتحليل الواقع المادي بطريقة منهجية تجمع بين الجانب العقلاني والمنهج التجريبي وتسمح بالتحرر من الأحكام المسبقة والمتحاملة وتشتغل على تطوير العلم.
صحيح أن بعض الإيديولوجيات تتصف بالطابع المحافظ وتتميز بالنظرة التشميلية الاختزالية وتقع في التعميم وتترك الناس فريسة الاغتراب الديني والثقافة الآمرة وتسببت في بروز تيارات الفاشية والشعوبية والشمولية ولكن في المقابل توجد إيديولوجيا مفيدة تساعد حركات التحرر على التخلص من الاستعمار وتمثل سلاحا ثوريا ومثلت إطارا نظريا للقوى الاجتماعية الصاعدة وتم استخدامها في التغيير الاجتماعي.في هذا السياق بذل أنطونيو غرامشي مجهودات كبيرة من أجل تصحيح الأخطاء التي وقعت في النظر إلى هذا المصطلح الماركسي ودعا إلى تفادي الوقوع في المعنى الشائع السيئ الذي شوه الكلمة وتبني المعنى المطابق وفسر سبب الخطأ بتعمد ربطها بالبنية الفوقية أو بالإنشاءات الخيالية الاعتباطية للأفراد. حول هذا الموضوع الإشكالي يقر غرامشي بانتماء الإيديولوجيا إلى البنية الفوقية ويتعامل معها ككيان مميز ويراهن على قدرتها على تغيير البنيات التحتية ويرفض أن تكون الإيديولوجيا غير كافية وغير ذات فائدة ومنظومة بليدة ومفلسة ومجرد مظهر محض ويعترض على القائلين بأن الحل الإيديولوجي ليس حلا ويشير إلى وجود فوارق بين الإيديولوجيا الاعتباطية التي تساهم في إنشاء حركات فردية وجدالات جانبية والإيديولوجيا العضوية التي تعد ضرورية تاريخيا ولها صلاحية نفسية وتساعد على التنظيم السياسي للجماهير وتشكل الأرضية المناسبة التي يتحرك فوقها الناس ويتصارعون ويكتسبون وعيهم بأنفسهم6 . لكن كيف يمكن تفسير وقوع بعض التصورات الإيديولوجية في الانتقاء والتمييز والاستبعاد والازدراء7 ؟ وما السبيل إلى التمييز بين العادي والمرضي في الإيديولوجيا التحديثية التي تتبناها بعض المجتمعات؟ وأليست كل إيديولوجيا في حاجة إلى زرع الحلم اليوتوبي وكل يوتوبيا تحتاج إلى الدافعية الإيديولوجية ؟
الاحالات والهوامش:
[1] Karl Marx et Engels Friedrich, l’idéologie allemande, traduit par Française de Renée Cartelle et Gilbert Badia, les éditions sociales, Paris, 1970, p50.
[2] ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، طبعة 1984 ، ص73.
[3] Destutt de Tracy Antoine, Projet d’éléments d’idéologie,1801, édition l’Harmattan, Paris,2005.
[4] Destutt de Tracy Antoine, mémoire sur la faculté de penser, édition Fayard, Paris, 1993, pp71-74.
[5] Karl Marx et Engels Friedrich, l’idéologie allemande, op.cit, p15.
[6] Gramsi dans le texte, traduit par François Ricci , Jean Bramant ,Gilbert Moget et Armand Monjo, éditions sociales ,Paris 1977, pp207-208.
[7] Nestor Capdevila, le concept d’idéologie, édition PUF, Paris, 2004. 326 pages.
[8] Karl Mannheim, idéologie et utopie, traduit par Jean-Luc Evard, éditions de la maison de science de l’homme, Paris, 2006, 272 pages.
كاتب فلسفي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,112,906
- بورتريه الفيلسوف من خلال أدواره في حياته العادية
- أصول تفسير الأحلام عند بن سيرين
- الدعائم الرياضية والطبيعية للفلسفة العقلية عند ابن باجة
- السرد الفلسفي للحياة الطبيعية عند ابن طفيل
- أهمية تدريس الفلسفة للأطفال
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور
- العملية الانتخابية والسلوك الديمقراطي
- الثورة الشعبية بين المد والجزر
- النظرة الحسية والرؤية الوجودية والإبصار المعرفي
- أدب المناظرة والتأسيس الديمقراطي للحياة السياسية
- السباق نحو الرئاسة في الانتخابات التونسية
- أسبقية الوجود على الماهية عند صدر الدين الشيرازي
- نور الدين البطروجي وميلاد علم الفلك الحديث
- الميزان الطبيعي عند أبي بكر الرازي
- مجمع الأنا وفرضية الرجل المعلق عند ابن سينا
- معنى حضور الإنسان في العالَم
- صدور كتاب تطبيقات فلسفية
- نظرية الأعداد وعلم الهندسة عند ثابت ابن قرة
- كيف يتحقق الاستقرار الاجتماعي في ظل التفاوت بين الطبقات؟
- تطور علم الميكانيكا عند ابن ملكا البغدادي


المزيد.....




- الحرس الثوري الإيراني يقبض على مدير موقع إلكتروني -عميل- للا ...
- الإعلام السوري: وصول قوات الجيش السوري إلى البلدات الشمالية ...
- تونس: الهيئة العليا للانتخابات تعلن فوز قيس سعيد برئاسة البل ...
- الانتخابات الرئاسية: لماذا صوت الشباب التونسي بكثافة لقيس سع ...
- تونس.. هيئة الانتخابات تعلن فوز قيس سعيد في الانتخابات الرئا ...
- خبير يكشف خطأ شائعا في تنظيف الوجه يضر بالبشرة
- شاهد: مراسم استقبال الرئيس الروسي من قبل العاهل السعودي في ا ...
- إدوارد سنودن يروي أول تجربة له في "القرصنة": كنت ف ...
- مقتل سائح فرنسي وجرح عسكري إثر اعتداء في مدينة بنزرت التونسي ...
- أجواء متوترة بين فرنسا وتركيا قبيل مواجهة كروية في تصفيات أم ...


المزيد.....

- إنسانيتي قتلت اسلامي / أمجد البرغوثي
- حزب اليسار الألماني: في الحرية الدينية والفصل بين الدين والد ... / رشيد غويلب
- طلائع الثورة العراقية / أ د محمد سلمان حسن
- تقديم كتاب -كتابات ومعارك من أجل تونس عادلة ومستقلة- / خميس بن محمد عرفاوي
- قائمة اليسار الثوري العالمي / الصوت الشيوعي
- رحيل عام مئوية كارل ماركس الثانية / يسار 2018 .. مخاطر ونجاح ... / رشيد غويلب
- قضايا فكرية - 2- / الحزب الشيوعي السوداني
- المنظمات غير الحكومية في خدمة الامبريالية / عالية محمد الروسان
- صعود وسقوط التنمية العربية..قراءة في أطروحات علي القادري / مجدى عبد الهادى
- أهمية مفهوم الكونية في فكر اليسار - فيفيك شِبير ترجمة حنان ق ... / حنان قصبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - زهير الخويلدي - مصطلح الإيديولوجيا عند غرامشي بين الاعتباطية والعضوية