أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - اقتصاديات المحبة أعظم من الرأسمالية – والاشتراكية















المزيد.....

اقتصاديات المحبة أعظم من الرأسمالية – والاشتراكية


محمد برازي
(Mohamed Brazi )


الحوار المتمدن-العدد: 6357 - 2019 / 9 / 21 - 00:15
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


إنّ وعود الثورة الفرنسية الرائعة : الحرية، والمساواة، والأُخُوّة، جعلت الشاعر الإنجليزي الكبير ويليام ووردزورث William Wordsworth، الذي كان بعمر 21 عاما، يشعر بالنشوة. وإذا عدنا إلى الماضي، إلى تلك الفترة، فسنجد أنه قد نظّم قصيدة مشهورة التي أثارت الحماسة في نفوس جيله من الشباب، حيث يقول: «هنيئا للذي كان حيّا في ذلك الفجر،/ ولكنها جنة عندما يكون المرء شابّا!» لقد شعر بالتأكيد هو وزملاؤه الثوار الذين كانوا يطمحون إلى تغييرات جذرية في المجتمع – «نحن الذين كنّا أقوياء في المحبة» – بالقدرة على عمل تغيير حقيقي هنا والآن: «ليس في العالم المثالي.... ولكن في العالم الواقعي هذا، الذي هو عالمنا أجمعين.»
وقد تمت ملاحظة حَمِيّة الشاعر الشاب ويليام ووردزورث عبر القرون الفاصلة. أما في القصيدة التي نظّمها في عام 1805م بعنوان The Prelude (بمعنى المقدمة)، التي تظهر فيها الأبيات أعلاه، فقد حظيت تفاصيل البرنامج الثوري الفرنسي باهتمام ضئيل. لأنه ما كان يهم هو الإحساس باحتمالات لا نهاية لها، والإثارة والفرح بتكاتفنا «نحن» معا لتشكيل عالم جديد.
تظهر هذه الإثارة في الأجواء مرة أخرى، عندما تبنّى مرشح رئاسي أمريكي بارز الاشتراكية، كما يفعل زعيم المعارضة البريطاني. وتتعجل الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا في استعادة جذورها في الحرب الطبقية، من أجل درء منافسيها من أقصى اليسار. ونمت العضوية بين الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا من ستة آلاف في عام 2016م، إلى حوالي ستين ألفا في عام 2019م. وأصبح لدى 51 في المائة من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر وتسعة وعشرين، وفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة جالوب عام 2018م، نظرة إيجابية عن الاشتراكية (45% فقط في المئة يقولون الشيء نفسه عن الرأسمالية.)
في أيامنا هذه، لا يتحدث كثيرا النشطاء الذين يسعون إلى أحداث تغييرات جذرية عن حياة الهناء، وهذا ما يمكن ملاحظته في الأقل على الصفحات الصريحة في المجلات اليساريّة، مثل مجلة «Jacobin» ومجلة «In These Times». ومع ذلك، هناك شعور بإمكانية تفتُّح أبواب جديدة للتغيير ومفاده أنه: قد حان الوقت الآن للتغلب على طغيان القوة الاستبدادية وسطوة الثروات، من خلال حركة تضامن جماهيرية.
يبدو أن معنى الاشتراكية يختلف من شخص لآخر؛ وكما كان الحال في أيام ويليام ووردزورث، لا تظهر تفاصيل برنامج محدد يقود الموجة المتطرفة. وبدلا من ذلك، فإنّ ما يسيطر على الناس هو شعور تحرري بوجود قضية للنضال من أجلها.
ولكن ما هذه القضية بالضبط؟إنّ أنصار الاشتراكية يعرفون الكيفية التي يضربون بها الرأسمالية بضربات فعالة، ولديهم شيء واحد على الأقل صحيح وهو : إننا نعيش في مجتمع يسوده غنى واسع وفقر مدقع، وهذه الحقيقة هي خطيئة عامة، التي لا يمكن لأي شخص من ذوي النوايا الحسنة أن يقبلها بسلام ويرتاح لها ضميره. وإنّ أيّ شخص يؤيد القاعدة الذهبية – «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به» – هو ملتزم أخلاقيا بالسعي لتوفير أساسيات الحياة نفسها للآخرين كالتي يرغبها لأسرته، مثل: الرعاية الصحية، والسكن اللائق، والتعليم، والأجر الكافي، والأمن في سن الشيخوخة. أما افتقار الملايين من الناس إلى هذه الأساسيات في أغنى حضارة عرفها العالم، فيجب أن يصدم الضمير.
«نحن لا نتحدث عن أشياء عظيمة، وإنما نعيشها.»
مينوسيوس فيليكس Minucius Felix
غير أن تشخيص المشكلة هو ليس العلاج حتى الآن. ويشعر الاشتراكيون في الواقع بالخجل عندما يتعلق الأمر بحقائق سيطرة الدولة على الاقتصاد بأكمله. وكتاب الكاتب السياسي الأمريكي بسكار سونكارا Bhaskar Sunkara على سبيل المثال الذي يحمل عنوان The Socialist Manifesto (بيان اشتراكي) الذي دار النقاش حوله كثيرا، يبدأ بفصل مضحك يحمل عنوان «يوم في حياة مواطن اشتراكي» حيث يتخيل المؤلف الولايات المتحدة في عام 2036م، حيث تم إلغاء العمل المأجور وتصبح وسائل الإنتاج عند ذاك مملوكة من قبل الحكومة. ولكن هذا الوصف الفاتر لشركة صلصة المعكرونة في نيوجيرسي المسماة «بونجيوفي» Bongiovi وللثورة العمالية بقيادة مغني الروك الشهير بروس سبرينغستين Bruce Springsteen هو وصف بعيد كل البعد عن الأمثلة الواقعية للحكم الاشتراكي، مثل الأزمة المستمرة في فنزويلا. وهكذا، فإنّ هذه النظرة السريعة إلى مستقبل بديل توصلنا إلى عكس ما نريد. فعلينا أن نؤمن هذه المرة، بأن التوافق الناجح بين الديمقراطية والنوايا الحسنة، سيؤدي إلى التغلب بطريقة أو بأخرى على سجل الاشتراكية الطويل المتمثل في الانزلاق إلى الديكتاتورية والقمع.
في هذه الأثناء، يشعر الرأسماليون اليمينيون بالضياع، فيما يتعلق بالغايات والوسائل. وإنّ العديد من المحافظين الشباب يستنكرون بحق الطرق التي تدمر بها الرأسمالية أواصر التضامن والمجتمع والأسرة التقليدية. فهم يرون أن النخب الليبرالية في الرأسمالية تخرب بشدّة القيم التي تعطي المعنى والكرامة لحياة العمال الفقراء، مثل: الزواج، وروابط الإيمان، ومُثُل الأنوثة والرجولة، والولاء للمكان، والشعور بالانتماء. وقد نشرت مجلة First Things (الأشياء الأولى) مؤخرا بيانا قويا يقول: «نحن نعارض مجتمعا عديم الإنسانية وقائم على الرفاهية الفردية.… ونقاوم الليبرالية المستبدة.…. ونريد دولة تعمل لصالح العمال.»
ويوجد لدى الموقعين على هذا البيان اقتراحات محددة، حول كيفية التقدم نحو هذه الأهداف. ورغم ذلك، فإنّ الملامح النهائية للمجتمع التي تفي حقا بتطلعاتهم، تظل غامضة بشكل محبط. وإنّ اقتراحاتهم لتوزيع الخيرات التي تظهر عبر الإنترنت المتمثلة في شعارات المصلحين مثل – ثلاثة فدادين وبقرة – وشعار استعادة هابسبورغ – تبدو كلها غير محتملة مثل الشيوعية المثالية لكارل ماركس.
وفي اتهاماتهم للرأسمالية، يشترك المحافظون والاشتراكيون ببعض الأرضية المشتركة الهامة، رغم أن الحلول التي يطرحونها متباينة جدا. ويقف كلّا من المحافظين والاشتراكيين ضد المدافعين عن النظام الرأسمالي الحالي، من أمثال المؤلف ستيفن بينكر Steven Pinker، الذي يذكر إحصاءات إيجابية عن الرأسمالية وتوضح ارتفاع دخل الفرد وزيادة متوسط العمر المتوقع، وانتعاش الحرية الشخصية، من أجل اتهام منتقدي الرأسمالية بنكرانهم للجميل. وردّا على ذلك، يستطيع نقاد الرأسمالية أن يشيروا إلى إحصاءات أخرى سلبية وقاتمة: فقد ارتفع معدل الأمراض العقلية في أغنى بلدان العالم، في حين أن ما يسمى بوفيات اليأس الناجمة عن الانتحار، وتناول جرعات زائدة من المخدرات، تصل إلى مستويات الأوبئة المُعدية. ويبدو أن انخفاض معدلات المواليد في البلدان التي ترتفع فيها مستويات المعيشة، يُمثِّل التشاؤم بشأن مستقبل البشرية. وهناك خطر يلوح في الأفق نتيجة للتغير الكارثي للمناخ، الذي تسببه الرأسمالية بشكل كبير. فيسأل نقاد الرأسمالية: أهذا حقا شكل الاقتصاد المُحِبّ للإنسانية؟
إنّ الحريصين على حياة أفضل من الرأسمالية، يجب أن يتخذوا قرارا حاسما، ويجيبوا على هذا السؤال: أيكمن أملهم الرئيس في استلام مقاليد السلطة الحكومية؟ فهذا ليس المكان المناسب لاستكشاف مجال استخدام السياسة وحدودها، لكن يجب على المسيحيين خاصة، أن يضعوا في اعتبارهم الجوانب السلبية الكامنة في أيّ محاولة لتأمين الصالح العام من خلال استخدام نهج الإرغام الذي تستخدمه الدولة.
ترتكز أيّ رؤية جادة للصالح العام على قناعات أخلاقية. ومع ذلك، فإنّ فرض الدولة للمعتقدات الأخلاقية هو بمثابة وضع ديانة رسمية للدولة. (حتى أن نداء مارتن هاجلوند Martin Hagglund للاشتراكية في كتابه This Life (هذه الحياة) يسميها «الإيمان العلماني.») ومهما كانت العقيدة، سواء كانت – ديانة الإلحاد الرسمية للسياسي الفرنسي روبسبير، أو التكاملية الكاثوليكية المناهضة للتعددية في المجتمع، أو نظام تدوين تطور سلوك الطالب، أو قانون الشريعة الإسلامية – ففي اللحظة التي تكون العقيدة فيها مدعومة بسيف الدولة، سوف تلعب دور المفتش الكبير الكافر في رواية دوستويفسكي، الذي يُقدِّم سعادة رخيصة الثمن مقابل الاستيلاء على الحرية الروحية أو حرية اختيار المعتقد.
يجب أن يخشى المسيحيون من القيام بهذا الدور باعتباره يشكّل تهديدا لفضيلتهم. لأن قوة السلطة تفسد الدين من الداخل، عن طريق استعمال الإكراه بدلا من القبول الحُرّ؛ وكلما اشتدّت ممارسة الإكراه، تعمَّق الفساد الروحي لدى الناس. كما احتج ترتليان الذي كان أحد آباء الكنيسة الأوائل بقوله: «من المؤكد أنه لا يوجد في الدين ما يفرض الدين.»
ومن أجل توضيح المسارين المتناقضين اللذين يمكن للمسيحيين اتخاذهما، دعونا ننتقل إلى الماضي وإلى الجذور الروحية للمجتمع الذي انتمي إليه، وهو مجتمع برودرهوف Bruderhof، في زمن الإصلاح الكنسي الأصولي في القرن الميلادي السادس عشر. فقد سعى المدعوون بالمصلحين الكنسيين القضائيين في ذلك الوقت، أمثال مارتن لوثر وجون كلفين، إلى تطهير انتهاكات الكنيسة في العصور الوسطى، من خلال التحالف مع الأمراء العلمانيين، مستخدمين سلطة الدولة لفرض ما اعتقدوا أنها تعاليم إنجيلية مُنَقّاة من الأخطاء.
على النقيض من ذلك، انبثق الإصلاحيون الأصوليون من حركة شعبية من أجل العدالة بين عامة الناس. وصاغ الفقراء مطالبهم في اثني عشر مادة، التي اُعتبِرت أول وثيقة معاصرة لحقوق الإنسان في أوروبا. وتضمنت مناشدات لإنهاء المعدلات القاسية للضرائب والعشور والعمل الإجباري، إضافة إلى دعوات للسماح لعامة الناس بالتمتع بخيرات الخليقة، التي قد أعطيت أصلا للبشرية جمعاء، إذ تقول الوثيقة: «إنه ليس من الإخاء ولا يتفق مع كلمة الله، أن لا يكون للإنسان البسيط الحقّ في صيد الطيور والأسماك.»
وعندما تحولت احتجاجات الفقراء إلى أعمال عنف في عام 1525م، أعلن كل من لوثر ورجال الدين الكاثوليك، إعطاء بركة الله على حملة القمع الدموية التي قام بها الأمراء بحقّ الفقراء؛ وقُتل ما يقدر بمائة الف. وقد وُلِدتْ حركة الإصلاح الكنسي الأصولي، في أعقاب هذا القتل الجماعي الذي أقرَّته الكنيسة. وبعد أن تعلمتْ الحركة دروسا مريرة حول حمل السلاح، كان قادتها يوعظون (في معظم الأحيان) باللاعنف. ثم إنّ حركتهم التي جسَّدت المطالب الاثني عشر اللازمة لبناء مجتمع اخوي، أُعيد صياغتها عند ذلك الوقت بإلهام مسيحي. ولأنهم أصروا على المعمودية الطوعية للبالغين بدلا من المعمودية الإلزامية للرضع، لُقَّبوا باسم أنابابتست Anabaptists(أي بمعنى المعمدين ثانية). وأصبحت «حركة أنابابتسم» جريمة تستحق عقوبة الإعدام في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وتم إعدام نحو ثلاثة آلاف من الأنابابتستيين في العقود التي تلت.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,572,044
- الإفلاس الفكري عند المبشرين المسيحين في الانترنت
- الموقف تجاه الحكومة
- الحرب باسم الله
- الفقر والمعاناة في العالم
- ولادة العنف المسيحي
- ثورة هذا العالم وثورة الله
- خيرات الأرض ملك للجميع اقتصاديات روبن هود
- ما الذي يكمن وراء الرأسمالية؟
- معركة هوية الرجل: منزل منقسم
- هذا العالم المنهار وترتيب الله القادم على حافة الكارثة
- تعرف على إنجيل مريم المجدليَّة
- الغَدُ آتٍ
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة الجزء 1
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة الجزء 2
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة الجزء 3
- الثنويَّة محمّد الشهرستاني
- المرقيونيّة في عالم الهرطقة الاسلامي
- رساله الى مسيحي البالتوك المنافقين: المحبة عمل وخدمة
- مذاهب المنانيَّة


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي يوافق مبدئيا على تأجيل البريكست بدون تحديد ...
- قطر... تدشين مشروع هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط
- متحدث بارع ولد في بلد أوروبي... من هو فيصل بن فرحان وزير الخ ...
- ماذا قال الجبير بعد إقالة إبراهيم العساف وتعيين وزير الخارجي ...
- روسيا تسبق أوروبا بتشييد المراكز التجارية الحديثة
- -طالبان-: جولة جديدة من مفاوضات السلام الأفغانية ستجري في ال ...
- الولايات المتحدة: نأمل بتخلي تركيا عن نشر -إس-400- ونواصل إب ...
- كوريا الجنوبية: نسعى لمعرفة نية بيونغ يانغ فيما يتعلق بأمر أ ...
- شاهد.. رفع علم تركيا وعلم الانتداب السوري في رأس العين!
- لحظات مؤثرة بين جندي لبناني والمحتجين


المزيد.....

- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - اقتصاديات المحبة أعظم من الرأسمالية – والاشتراكية