أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - الفيلسوف الذي لم تُنفذ وصيته















المزيد.....

الفيلسوف الذي لم تُنفذ وصيته


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 6349 - 2019 / 9 / 12 - 11:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أوصى شقيقته، قبل أن يموت، ويصبح جثة هامدة، بأن لا يقفوا على جنازته (ممن كانوا خصومه، بل اشد اعداءه، وهم رجال الكنيسة)، وأن لا يقرأون عليه ما اسماه بـ "الترهات". وقال: إنّه ساعتها لم يستطع الرد عليهم.
وبعد أن اصيب بالمرض الذي شل حركته، وفقد على اثرها لبه تماما، بحيث ظل على فراش الموت فترة ليست بالقصيرة، حتى لفظ انفاسه الاخيرة، ونام نومته الابدية. وكان من الاخلاق بمكان أن تُنفذ شقيقته الوصية التي القاها على عاتقها، لكن بكل اسف، لم يحصل ذلك، وحضر جنازته خصومه، وقرأوا على الجنازة ما كان قد حذر منه، مثلما توقع. وتوفي في 25 آب/ أغسطس عام 1900.
ولا يزال السبب وراء جنون فردريك نيتشة غير معروف، على الرغم من أن من الكتاب قد عزوه لأسبابٍ مختلفة: كالسفلس ومرض عقلي موروث وورم والإفراط في تناول العقاقير المهدئة. لكن لم نُعرف- على وجه الدقة واليقين- السبب الحقيقي وراء ذلك.
فلسفة نيتشة أثارت جدلا كبيرا، خصوصًا بالنسبة للأديان؛ حيث طرح القوة أو "إرادة القوة" على حساب إرادة الإله والأديان والأخلاق والقيم. القوة في مختلف جوانبها سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو جسدية أو سياسية، ولكنه ركز بالأساس على القوة التي يرتكز عليها الإنسان لكي يؤسس القيم ثم يتبعها في حياته كدستور. القوة لدى الإنسان التي قال بها نيتشة يجب إن تظهر في الإبداع والاستقلال والتحكم في النفس ومغالبة الظروف وقهر الصعاب كي یبقى الإنسان سید نفسه لا تتحكم به التأثيرات الخارجية مهما كان حجمها.
نيتشة هو الفيلسوف والشاعر والكاتب والناقد الثقافي الفلسفي، يعتبر من أبرز فلاسفة الغرب، حيث ترك لنا ارث فلسفي وادبي ثر. فقد كانت كانت لأفكار نيتشة وكتاباته الأثر العميق في الفكر الحديث. نيتشة علاوة على الفلسفة والادب وحبه العميق لهما، إلا أنه كان يعشق الموسيقى، وتولع بموسيقى فاغنر، حتى صار صديقه، ثم بالأخير وقعت الخصومة بينهما. لقد عاش نيتشة في عصر تشارلز دارون- نهاية القرن التاسع عشر- صاحب نظرية التطور في كتابه "أصل الأنواع" حيث أثبت أن الإنسان ما هو إلا حيوان تطور من أجل البقاء حتى وجد نفسه واعيا عاقلا. تلك النظرية التي لا تزال الى يومنا هذا محل جدال، حيث رفضها الفكر الديني. وكانت الجرأة التي يمتلكها نيتشة لم يمتلكها غيره، حتى أنه اعلن عن موت الاله، ويقصد اضمحلال القيم الحقيقية والاخلاق النبيلة، أو أنه قصد به- وهو ما نرجحه- موت اله رجال الكنيسة، اولئك الذين كانوا متنفذين وبيدهم زمان كل شيء، وكانوا كذلك يتحكمون بمصير الناس وبمستقبلهم، ويحصلون على الاتاوات بدون حق، فعدهم نيتشة أنهم لا يمتلكون اخلاق صحيحة، لأنه الههم الذي يفترض أن يوجههم ويعطيهم الاوامر الصحيحة غير المزيفة قد مات. وبالمقابل طالب نيتشة بانبثاق الانسان الاعلى، ولا يتحقق ذلك الإنسان الا هو بتخلصه من الأفكار الدينية القديمة، فلا يوجد إله حينذاك، بل يصبح الإنسان الأعلى هو الإله وهو ممثل القيم العُليا، تلك القيم التي ترتقي به نحو السمو.
اراد نيتشة للإنسان أن يعتمد على نفسه، ومن هنا أتت دعوته صريحة لتحطيم الأخلاق المسيحية التي أطلق عليها "أخلاق العبيد". وبالمقابل كان يدعو ﻟ "أخلاق السادة" المعتمدة على مبدأ القوة، والمستمدة من الحضارة الرومانية. فنيتشة يُعد أحد رواد الفلسفة الوجودية وما بعد الحداثة، معظم أعماله عن الإنسان الحديث، في عالم غاب فيه الإله، حتى اختلف في تفسير أعماله النقاد، نتيجة لعمق ما طرحه. اذ يرى احد الكتاب "إنّ هنالك كثيراً من الالتباس وسوء الفهم يحيط بأعمال هذا الفيلسوف، الذي تورط بمواقف وأفكار تمثل خلاصة فكر النخبة الأوروبية الأرستقراطية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي تعكس نزعاتها الموغلة بالترفع والاستعلاء والتمييز العنصري والجندري والديني. فهو كان شديد العداء لما يمكن أن نسميه اليوم الديمقراطية الليبرالية، بل وأي نظام يساوي بين فئات المجتمع بوصفه خطراً داهماً على الثقافة الرفيعة فيه، واعتبر دائماً أن أفكار التنوير التي تفشت في الفكر الأوروبي بداية من أعمال الفرنسي جان جاك روسو لم تتسبب فحسب في قيام الثورة الفرنسية - التي أقصت الأرستقراطية الرفيعة لمصلحة البرجوازيين محدثي النعمة، بل وأطلقت سموم الأفكار إنسانية الطابع في الفضاء الأوروبي، وهي الأفكار التي كان يراها تليق بمجتمعات العبيد المهادنة". الانسان الذي اراده هو الانسان السوبرمان. وكان للأسف الشديد أن النازية استغلت فلسفة نيتشة أيما استغلال.
ولد فريدريك نيتشة في ١٥ أكتوبر ١٨٤٤م ببلدة "روكن" الألمانية، لوالدة "بولونية" الأصل، وكان والده قسيسًا بإحدى الكنائس البروتستانتية، وكان أيضًا مربيًا للعديد من أبناء الأسرة المالكة في "بروسيا". وقد سماه "فريدريك" لأنه وُلد في نفس يوم ميلاد ملك بروسيا "فريدريك الكبير". قد توفى والده حين كان عمر فريدريك اربعة أعوام. تخرجه عام 1864، والتحق بجامعة بون لفصلين. ثم انتقل إلى جامعة ليبزينغ، حيث درس علم فقه اللغة، ومجموعة من الآداب، واللسانيات والتاريخ.
كان نيتشة طالبا نابغة اذ عين مدرسا للأدب اليوناني القديم في جامعة بازيل في ألمانيا، وهو في سن الرابعة والعشرين، ورث منذ طفولته مرضا مزمنا جعله يتعاطى الكورال كمخدر لتخفيف آلامه. ركزت كتاباته على النفعية والمادية والمثالية والرومانسية الألمانية والحداثة وغيرها. ومن الامور التي آلت الى نيتشة، واثرت تأثيرا مباشرا على نفسيته، هي استقالته من منصبه من جامعة باسيل عام 1879. وفي معظم أوقات ثمانينيات القرن التاسع عشر، عاش عزلة، وانتقل من سويسرا إلى فرنسا ومن ثم إيطاليا، وهكذا.
عندما اكمل نيتشة سن الثالثة والعشرين التحق بالجيش، بالرغم من أنه كان يعاني من قصر في نظره، وحساسية عالية بالعينين حتى أنه لم يكن يستطع أن ينظر تحت اشعة الشمس أكثر من ساعة ونصف في اليوم، وأعجب نيتشة بالضبط والربط، والطاعة، وتحمل المهام الشاقة. ولكن بعد خمسة أشهر سقط من على جواده فأصيب في صدره وجنبه الأيسر، وتم تسريحه والاستغناء عنه، وأمضى الفترة من 1869-1879م أستاذًا مساعدًا. للفيلولوجيا بجامعة باذل، وفي سنة 1870م عندما نشبت الحرب بين بلاده الألمانية وفرنسا، عاد وتقدم للجيش مرة اخرى، ولكن بسبب اعتلال صحته وضعف بصره لم يقوَ على المشاركة في القتال، فعمل في صف التمريض في فرانكفورت تحديدا سنة 1780م، وعندما رأى كوكبة من الفرسان اهتز وجدانه، ولمعت في ذهنه فكرة "السوبرمان" فصارت أبرز فكرة في فلسفته التي تسعى للقوة، فراح ينظّر لها في معظم كتاباته، وخصوص في كتابه "ارادة القوة".
صحيح أن الصدفة تلعب دورا، هذا ما حصل بالفعل لنيتشة، فعن طريق الصدفة وقع بيد نيتشة كتاب "العالم ارادة وتمثلا" للفيلسوف ارثر شوبنهاور، فراح يعتكف على قراءة هذا الكتاب بشغف، حتى شعر بمتعة، كأنه وجد فيه ضالته، فغدى يواصل القراءة في الكتاب، حتى اعادها اكثر من مرة، وقال فيه مقولته الشهيرة، بأن هذا الكتاب هو انجيله، حتى ملك عليه فؤاده، ولم يستطع أن ينفك عن هذا الكتاب الا بعد عشرين عاما كما صرح هو بنفسه، حيث ظهر تأثيره الواضح بفلسفة شوبنهاور، فكتب فيه كتابا هو "شوبنهاور مربيا" تعرض فيه الى عظمة شوبنهاور من وجهة نظره. وكان تأثير شوبنهاور واضحا على نيتشة حتى أن نظرته للمرأة كانت هي نفسها تلك النظرة التي تبناها شوبنهاور، حيث إنّ شوبنهاور مات ولم يرتبط بأي امرأة، ففعل نيتشة هو كذلك. وقد كتب في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" يقول: "إذا ذهبت إلى امرأة فلا تنسى أن تأخذ معك سوطك". بل قد صرح بأكثر من ذلك في نفس كتابه هذا بأن المرأة خلقت لمتعة الرجل، هي هذه رسالتها وغير هذه لا تصلح لشيء، وهذه نظرة عنصرية غير صحيحة، بل أن المرأة هي الشريك الحقيقي للرجل، والرجل لا يمكن أن يستغني عنها، فالمرأة هي ليست جنس وفراش وتربية اطفال، وعامل خدمة في بيت الرجل، وأن كان هذا العمل لا يقلل من منزلتها الاجتماعية.
وفي مقال لنا نشر على "الحوار المتمدن" بعنوان "نيتشة يفتي بجهاد النكاح" ذكرنا فيه أن نيتشة قال في قصيدة "الساحرة" المنشورة في ديوانه الشعري: "الحقيقة انها امرأة، ولا شيء أفضل. في حياتها ماكرة، ما تحبه أفضل-لا تريد معرفته- بأصابعها تخفيه- الى ماذا تخضع؟ فقط للقوة-اعتمدوا القوة، كونوا أشداء، أنتم ياأكثر الناس حكمة، وجب عليكم إرغامها - الحقيقة المحتشمة- لسعادتها لا بد من إرغامها- إنها امرأة - لا شيء أفضل...".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,524,079,073
- ابن التاجر الذي اصبح اعظم فيلسوف
- نهدان
- حينما تكلم البير كامو(2)
- حينما تكلم البير كامو(1)
- أهمية الدين في رواية (الطاعون)
- يتيمة
- النظرية التي غيرت كل المفاهيم حول نشأة الانسان
- وصية للاغبياء
- درس الطب ليس بمحض رغبته فحقق شهرة عالمية واسعة!
- العبقري الذي احتفظوا بمخه من اجل الدراسات المستقبلية
- الغجر مأساة انسانية خالدة
- بالفلسفة نغير العالم: النزعة العقلية: اكتشاف الهندسة التحليل ...
- بالفلسفة نغيّر العالم: ما هو العقل، وهل ممكن نقده؟
- مقالات في التصوف والعرفان(4)
- مقالات في التصوّف والعرفان(3)
- مقالات في التصوّف والعرفان(2)
- مقالات في التصوّف والعرفان(1)
- خدام الفلسفة:(2) إمام عبد الفتاح إمام
- لا منقذ للإنسان الا الموت
- اساطير وخرافات الطبري المؤرخ(3)


المزيد.....




- مقتل 40 مدنيًا على الأقل في هجوم على زفاف بأفغانستان وسقوط 2 ...
- ترامب: لا آخذ الأخبار عن عزلي من الرئاسة على محمل الجدّ أبدا ...
- القضاء التونسي يرفض كل الطعون في نتائج الانتخابات الرئاسية
- إدارة فندق تونسي احتجزت سياحاً بريطانيين لوقت محدد خوفاً من ...
- ترامب: لا آخذ الأخبار عن عزلي من الرئاسة على محمل الجدّ أبدا ...
- القضاء التونسي يرفض كل الطعون في نتائج الانتخابات الرئاسية
- إدارة فندق تونسي احتجزت سياحاً بريطانيين لوقت محدد خوفاً من ...
- هل مشكلة السيسي مع الجزيرة أم الشعب المصري؟
- قمة المناخ.. دعوة أممية لدعم -الصندوق الأخضر- ووعود مالية تج ...
- مشاركة عزاء للأستاذة الصحفية هديل غبون بوفاة والدها


المزيد.....

- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - الفيلسوف الذي لم تُنفذ وصيته