أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - قالوا: عيسى السعيد















المزيد.....



قالوا: عيسى السعيد


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 6322 - 2019 / 8 / 16 - 19:06
المحور: الادب والفن
    


*********************
توضيح

وقفات وليست مواقف، فالمواقف من ورائها غاية ما، والوقفات كلمات أو لحظات تَعِدُنا وتُعِدُّنا لنتخذ موقفًا، هدفي ليس هذا أو ذاك، هدفي توثيق بعض الكتابات عني في هذا المنبر، وفي هذه اللحظة الحاسمة من عمري الأدبي، وأنا أعيد زيارة الكتاب المقدس، وأتعرض لشتى ردود الفعل، وهي كذلك مناسبة لأرتاح.

*********************



حوار شامل مع الروائي د. أفنان القاسم

"من واقع التغيرات الجديدة في الواقع الاجتماعي والتاريخي سننظر إلى أدب الزمن الحاضر وسنقول عندئذ كلمتنا التي ستختلف حتمًا عما نقوله الآن"





لنا حكاية مع نص هذا الحوار، نرجو أن يطلع عليها كافة المثقفين والمهتمين بالثقافة، وخاصة الكتاب والشعراء والروائيين والقصاصين وكذلك الفنانين داخل الوطن-الحصار المحاصَر بل المتجاهَل من طرف أدعياء الثقافة!


ولكن قبل أن نذكر تلك الحكاية المهزلة، نود أن نؤكد على بداهة يعرفها القاصي والداني ألا وهي:


إن صفحة في مجلة أو صحيفة داخل الوطن وتحت الاحتلال تساوي كل الصحف والمجلات الصفراء القائم عليها أنصاف الأميين أدعياء الكتابة!


تعليل ذلك نجده في حكاية هذا الحوار الذي اتفقنا والمُحَاوَر معه على إرساله إلى مجلة فلسطينية ليتم تسليط الضوء على ما يُكتب في الأرض المحتلة، وعلى أسماء الكتاب داخل الوطن المحتل، خاصة وأن للدكتور أفنان القاسم العديد من المساهمات المتواصلة في مجلة "الفجر الأدبي" في القدس ومجلة "الجديد" في حيفا. ورغم أن هذا الحوار استَهلَكَ جهدًا جديرًا به، وتم في أيام كان الكاتب طريح الفراش، يقاوم مرضًا استطاع الانتصار عليه منذ عدة أيام فقط بعد سنين طويلة من المعاناة، ومن الحرب والمذبحة اللتين فعلتا به أكثر مما فعله الاعتلال... ولكن كان لا بد من حوار، فتثاقلنا عليه، كعادة كل الصحفيين، وحَمَلنَا الحديث إلى الرواية، وهموم الكتابة، وأوهام النقاد المترفين، كما تطرقنا إلى رواية "المسار" الملحمة، والرؤية الجدلية التي نلمسها في كتابات صاحبها، كذلك العزلة المفروضة على الكاتب من طرف أشاوس النقد، ثم ذهب بنا الحديث إلى الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال وإمكانية نشره وتعميمه والاهتمام به كالمساهمة في تطويره، وكذلك توقفنا أمام الحركة الثقافية داخل الوطن، وكيف تواجه صعوباتها، إضافة إلى التقصير بل التجاهل والحصار المفروض "من بره" حول الأدب والثقافة والإبداع تحت الاحتلال!


حين قمت بإرسال الحوار إلى مجلة فلسطينية فيما عساه أن يجد الاهتمام الكافي خاصة وأن نصفه حول أدب الوطن المحتل الذي "يتغنون" به و "يتعبدون" له، كانت المفاجأة المؤسفة، والتي إن عبرت عن شيء، فإنما هي تعبر عن أمية ذلك "المحرر الثقافي" الذي يدعي الحرص على الثقافة، فراح بقلم محاكم التفتيش الثورية يحذف ويقصم ظهر العبارات والكلمات والأسئلة والأجوبة حتى ظهر الحوار وكأنه يحكي عن كل شيء ولا يقول أي شيء!


إضافة إلى أنه حذف ستة أسئلة كاملة مع شطب نصف إجاباتها، فهي تدور حول النقد والنقاد في الوطن المحتل، الأدب والأدباء، التجاهل والحصار المفروضين على هؤلاء وأولئك من طرف "المتباكين" عليه!


إن ما تم حذفه وشطبه وقذفه في سلة المهملات بأيدي أميي الثقافة ليدلل على خطورة أولئك الذين نَصَّبوا أنفسهم حراسًا على الثقافة الفلسطينية بينما هي تذبح بأيديهم بكل بلادة ولا مسئولية، وذلك لخطورة مثل هذا العمل الذي لو... جاء باسم الرقيب العسكري في إسرائيل لكان مبررًا، أما أن يأتي من مدعي الثقافة الفلسطينية، فالأمر خطير، ومن الواجب وضع آلاف علامات الاستفهام حول هذا "الإجرام المزاجي" في حق الثقافة الفلسطينية التي كل سطر يُكتب منها يقابله أطنانٌ من العناء!؟


هذه الممارسات الممجوجة لن يمكنها أن تنال أبدًا من إبداع المبدعين وشرف المدافعين عن الكلمة-الطلقة، فلن نسمح لأنصاف الأميين الإشراف على الثقافة الفلسطينية التي انتشرت عَبر الآفاق بأقلام روادها ومبدعيها لا جهلتها وأمييها!




ها هو نص الحوار الذي قصم ظهره مقص ذلك المحرر:


* ثمة مآخذ على أفنان القاسم أنه روائي كثير الإنتاج؟


. بل على العكس من ذلك، أجدني لم أكتب كل ما أريد كتابته، هذا إذا ما تعلق الأمر بإرادتي ورغبتي الشخصيتين، أما إذا ما تعلق الأمر بتاريخ القضايا التي أعالجها، وفي المقدمة قضية فلسطين، فهو تاريخ عريض في حالة من الإنتاج المادي التي يلهث الكاتب من ورائه، وما الإنتاج المعرفي إلا صورة لهذا الإنتاج المادي الغزير للتاريخ. إنتاجاتي تحاول استيعاب هذه الغزارة المتوالدة والمتعددة، ليس فقط من زوايا متعددة لمرحلة تاريخية ولمضامينها، ولكن للمراحل العديدة التي يتشكل منها التاريخ الفلسطيني، للزمن في أبعاده الثلاثة، حيث المستقبل فيه سريع التطور.


ولكن ذلك لا يمنع الكاتب الجاد من محاولات أخرى في سباقه مع –ومن خلال- الحدث الفلسطيني الذي يقوم اليوم في زمنه الحقيقي، أي في حالة صحية من الصيرورة نحو حل قادم، رغم كل التآمرات اللاتاريخية والتعويقات التي تعمل على فبركتها الأنظمة المحلية والعالمية.


كان غسان كنفاني كثير الإنتاج، في القصة والرواية والمسرحية والمقالة، وكذلك بريشت وآراجون، ومن قبلهما دويستويفسكي وبلزاك وهيجو، أسوق هذه الأسماء الكبيرة كأمثلة فقط، وفي عصرهم كان الكثير من الكسالى والمتشدقين الذين أخذوا عليهم مآخذ مثل كثرة الإنتاج أو التكرار والمباشَرَة وعدم الإبداع!


* ولكن ألا تعتبر أن ما تكتبه في الرواية أو في القصة أدبًا استفزازيًا؟ ثم ألا ترى أن للأدب والإبداع ثمة مهمات غير تعميمات إيديولوجية معينة أو حتى شعارات ومواقف معينة؟


. هل تريد القول إن الأدب الاستفزازي هو أدب شعارات وتعميمات إيديولوجية؟


* هذا ما أقصده وأود أن توضحه.


. الأدب الاستفزازي أو أدب الصدمة كما أفضل، فأنا أسعى إلى صدم القارئ وهزه وتقديم ما لم يعتد عليه، هو أدب أولاً وقبل كل شيء وإن رفع شعارات جميلة، التحرير، الحرية، العدالة، الديمقراطية... هذه كلها شعارات لقيم يعبر عنها الأدب لا ليفرضها، ليستمدها من واقع يحبل بها، ويشير إلى ولادتها، هذا هو كنه الواقع الفلسطيني في بؤسه القائم حاليًا. المترف يرى في هذا البؤس استمرارًا وديمومة أبدية، فيلعن، ويتشاءم، ويجتر عزلته، مع أنه –أي البؤس- عابر ومؤقت ما أن ينتهي شرطه حتى ندخل في حالة جديدة للواقع، ومهمة الأدب أن يقف على عملية النفي هذه، على أبعادها الموضوعية، على إيجابيات تنفي السلبيات فيها، أو على سلبيات تشير إلى أسبابها، وتستفز بالطريقة التي أستخدمها أقول بالطريقة لنفيها واجتيازها في المستقبل إذا لم يكن اجتيازها ممكنًا في الحاضر.


هذا الأدب لا علاقة له بإيديولوجيا الطبقة المسيطرة، بل هو نقيضها. إنه لا يتماثل مع أدب نخبوي هو أدب الطبقة المسيطرة الذي يرى العالم سائرًا دومًا في أمان وسلام! ولا يشكل تكاملاً مع أدب تشاؤمي هو أدب البرجوازية الصغيرة "المترفة" مُسيطِرة كانت أم مُعارضة، والذي يرى بؤس الواقع في ظاهره دون أن يكشف عن "ميكانيزم" –حركية- الأشياء، فيعجز، ليجول ويصول في عالم لامعقول لاتاريخي (هناك عالم لامعقول تاريخي عندي) والأنا المعلقة في الفراغ (هناك أنا معلقة في الامتلاء عندي).


ومن ناحية أخرى، الأدب، أو الفن على العموم، عبارة عن مزيج من التجريد والتحديد، من الروحية والمادية، من الصورة والقول المباشر أو من الصورة والشعار، وهذه سمات أساسية للإنسان، لأفعاله التي تتكون منها حياته اليومية. حسب هذا المفهوم للأدب هل أنا معمم إيديولوجيا ورافع شعارات ومروج لمواقف؟


* يتضح لي أن هذا المزج بين التجريد والتحديد على علاقة بطريقة بريشت، أين تجد نفسك منها؟


. نحن نعيش في عصر تجاوز فيه الفن كل الطرق حتى طريقة بريشت التي تظل لبريشت وبريشت "حاف" بدون الطبقة التي ينتمي إليها، فقد انتهى الزمن الذي انتسبت فيه الرواية إلى الطبقة المحظوظة –البرجوازية- والحكاية إلى الطبقة الكادحة. اليوم يمكن للرواية أو للمسرحية أو للقصة أو للقصيدة أن تستوعب هموم قضية الكاتب مهما كان موقعه الطبقي، إذن ليس هناك نوع أدبي خاص بطبقة، وليس هناك نوع أدبي خاص بقومية، مثلما دأب عليه الكثير من النقاد العرب عندما طالبوا وما زالوا يطالبون بدافع رغبة جد ساذجة، برواية "عربية" أو بقصيدة "عربية" أو بمسرحية "عربية" أو بقصة "عربية"، إحلال الوهم محل اليقين، إحلال "العروبة" محل الفن، أي ما يطالبون به هو عروبة "روائية" أو عروبة "مسرحية" أو عروبة "قصصية" أو عروبة "شعرية"، وفي هذا "تمسيخ" للفن الذي له سمات عامة و... سمات خاصة، وعلى الخصوص تلك التي تتعلق بمضامينه ومواضيعه وليس في أشكاله التي لا تتميز عما هو عام فيها إلا من خلال الأسلوب الخاص بالكاتب فقط، إي بالإبداع "الشخصي"، ومن وجهة نظر هذا الإبداع "الشخصي" أرى علاقتي ببريشت الذي يمزج باستمرار بين التجريد والتحديد، غير أني في هذا "المزج" أبتعد أكثر عندما ألجأ إلى كل التيارات الأدبية: واقعية، سريالية، رمزية، مباشرية، وإلى كل الأنواع الأدبية: مسرحية، مقالة، شعر، قصة، وذلك عند اللحظة التي تتطلب فيها الكتابة ذلك. أي أن للكتابة مطلبًا أساسيًا على الكاتب أن يؤديه في وقته المناسب وفي مكانه المناسب وإلا فشلت ما اصطلح على تسميتها نقدًا "عملية الإبداع".


* هل ذلك يعني ما قاله عنك المستشرق الفرنسي أندريه ميكيل الذي قام بترجمة روايتك "النقيض" إلى اللغة الفرنسية، وفي معرض تقديمه للرواية، على أنها نوع من الرواية الجديدة؟


. نوع من رواية جديدة ابتكرها... ليس كما فهمت أنت انتمائي إلى تيار الرواية الجديدة، طيب، فليكن! هذا ما يؤكد فكرتي السابقة عن الرواية الجديدة كتيار أدبي مشتق من الرواية بإمكانه أن يستوعب قضايا المسألة الفلسطينية وليس فقط قضايا المسألة البرجوازية في سقوطها وتشاؤمها، وأنا إن اتفقت مع أندريه ميكيل حول تأكيد مفهومي النظري للأدب، أجدني لا أتفق معه (معك) حول اعتبار "النقيض" نوعًا من "الرواية الجديدة"، "الرواية السحرية" نعم، إلا إذا كان ذلك على علاقة بضمير المتكلم الذي اتخذته الرواية للبطلين الرئيسيين فيها، الفلسطيني والإسرائيلي، ضمير متكلم في حالة من التناوب الدائم، سواء تعلق الحدث بالفلسطيني علي أو بالإسرائيلي ريمي، وهذه الطريقة غدت اليوم كلاسيكية. أما عملية التقطيع الزمنية، أي الانتقال من الحاضر إلى الماضي أو المستقبل، فهي اليوم أيضًا كلاسيكية، وكذلك عملية التقطيع المكانية بين باريس وفلسطين. كل ذلك يتم عندي بشكل جد عقلاني، لا كما عند ناتالي ساروت أو آلان روب جرييه بشكل عشوائي.


* في "العصافير لا تموت من الجليد*، ثمة مكانان وشخصيتان كذلك لكنها تسير في زمن واحد، كيف تفسر ذلك؟


. في "العصافير" لا تختلف التقنية إلا من ناحية واحدة، ناحية الزمن الذي هو الزمن الحاضر دومًا، فلا يوجد تداعٍ للماضي، ولا ذكريات بعيدة أو قريبة، لحظة التداعي لحظة نفسية وقائمة في بنية الحدث ذاته، أما الراوي الذي هو دائمًا ضمير المتكلم، فهو إما العامل الفلسطيني في باريس أو شقيقه الفدائي في بيروت، وجهان لعملة واحدة، كانا بالنسبة لي عونًا على اختصار المسافة البعيدة بين مصنع باريس ومخيم تل الزعتر –الرواية قطعة من حرب السنتين الأهلية- بسبب موقعي ككاتب فلسطيني يعيش المنفى مرتين، بيروت تمثل المنفى الأول، وباريس تمثل المنفى الثاني، بسبب موقعي هذا، كانت تقنية المكانين والراويين، أقول "تقنية المكانين"، وأنا أعني الامتداد بينهما ليصبحا مكانًا واحدًا، فالمنفى واحد، وأقول "تقنية الراويين"، وأنا أعني التماهي بينهما ليصبحا راويًا واحدًا، فالراوي واحد، طالما يستعمل البطلين صيغة المتكلم. بهذه الطريقة إنقاذ لي من ورطة الكتابة عن "أمر بعيد"، مثلما يتهمني النقاد، ولكن أين الناقد الذي سيمنعني عن الكتابة عما أريد؟ عما أُرغَم على خوض معركة الكتابة لأجله؟


الكاتب اليوم في هذا الزمن الساخن اللاسع لا يريد كتابة شيء بقدر ما هو "مرغم" على كتابته، فمن يدبج لنا نظريات عشرات الكتب عن "التجربة" وعلاقة الكاتب بالواقع يكذب ويدجل ويبقى في عالم النظرية، إن لم يأخذ بعين الاعتبار هذه العلاقة النارية بين الكاتب وقضاياه –وليس قضية الكتابة- مهما كان بعده أو قربه منها. الرواية حتمًا ستختلف اختلاف المسافة، أما ما سيقوله، فهو مرغم على قوله، ولا شأن هنا بوصفه حقيقيًا أو صادقًا.


* هل هذه "العلاقة النارية" بينك وبين القضية هي الكامنة من وراء الرؤية الجدلية للصراع التي نلمسها في كتاباتك كنقيض للمعادل الوهمي؟


. الرؤية هي "موتور" –محرك- العمل الأدبي، أنا شخصيًا أجرؤ على الادعاء بأن لي رؤية علمية للعالم، رؤية جدلية للعلاقات الاجتماعية القائمة على أساس جدلي أيضًا. كيف جرى التعبير الفني عن هذه الرؤية العلمية للعالم، وهل نجحت أم لم أنجح، هذا موضوع آخر، ليس من اختصاصي.


طموحي بالطبع هو أن أقدم بعض الإبداع إن لم يكن كله، وأن أتقدم بالأدب الفلسطيني إلى الأدب الإنساني، هذا طموح كل كاتب صادق وحقيقي، صادق عندما يهذي، وحقيقي عندما يوهم. إذن الرؤية هي أساسية في العمل الإبداعي، علمية كانت أم ذاتية، ثورية كانت أم ترفية، يتشكل العمل حسبها، إي أنها كفكر لا تنتج مضمونًا فحسب، بل وتنتج شكلاً. لهذا لا يخرج الأدب العربي وليد الرؤية المثالية عمومًا عن هذا المعيار، فيأتي عدميًا أو عبثيًا أو انتهازيًا مداهنًا، هذا لا يعني أن الأدب وليد رؤيتي لا يريد أن يكون عبثيًا، أدبي برؤيته العلمية العبث فيه ليس هدفًا بل انعكاسًا، عندي العبث إنساني. هذا يعني أن ما هو سلبي ودافع إلى العبثية والعدمية موجود في مجتمعاتنا، لكنه غير موجود كقدر للإنسان والأشياء، الرؤية العلمية تضع كل شيء في مكانه، وهي إن تكلمت عن السلبي، فهي تكشف في الوقت نفسه –مباشرة أو غير مباشرة- عن الطريق التاريخي، أقول الطريق التاريخي ولا أضيف الحتمي أو الإيجابي، فأزايد على التاريخ. إنها في اقترابها من السلبي بنيوية في جدلها وجدلية في بنيتها، وفي اقترابها من الإيجابي بنيوية في جدلها وجدلية في بنيتها، وفيما بينهما السلبي والإيجابي بنيويان كذلك وجدليان، وليسا دوغمائيين ومحنطين، هما بعيدان كل البعد عن التقسيم البرجوازي للعالم إلى خير وشر، هذا التقسيم الذي هو صورة لتقسيم العمل، وتقسيم رغيف الخبز، وتقسيم الإنسان، وأحاسيس الإنسان!


* في روايتك الضخمة "المسار"، نلمس عدة روايات في رواية واحدة ودفعة واحدة، وهي متعددة الشخصيات، أكثر ما يميزها محاولة "نمذجة" البطل السلبي والبطل الإيجابي للشخصية العربية وكذلك للشخصية اليهودية؟


. في رواية "المسار" لا يوجد بطل إيجابي واحد، أقول هذا لتصحيحك، في رواية "المسار" أبطال سلبيون جدليون، أبطال إشكاليون –حسب مصطلح للوكاتش- إنهم غارقون في المشاكل، يحملون على أكتافهم عبء الزمان والمكان، ولكنهم لا يرزحون إلى الأبد تحت وطأته، هذا لا يعني أنهم سيقفون كالأسود في لحظة إرادوية للكاتب. إنهم يرزحون تحت عبء مشاكلهم، ويعيشون في الوقت ذاته شرط سقوطهم التاريخي. في هذه المعايشة إيجابية لا تجعلهم عبيدًا إلى الأبد، وإنما يكتشفون أو يكشفون دون أن يشاؤوا من خلال سقوطهم وبؤسهم قوة نهوضهم الذي لن يتحقق إلا حسب بعض الشروط التي هي أيضًا تاريخية، ولا علاقة للكاتب بها أو لقلمه إلا من خلال ما أدعوه بالحدس الثوري وحاسة التعجيل والحض والصدم –أو الاستفزاز مثلما يحلو لك تسميته- بشكل مباشر، أو عن طريق العبرة التي تُغني النص، بشكل غير مباشر. معنى "النمذجة" سلبًا أو إيجابًا أفهمه عندما يعيش البطل شرطه وشرط واقعه الاجتماعي-التاريخي، ومن خلال المعايشة الاجتماعية-التاريخية التي هي معايشة كتابية تجري مساهمة الفن في تثوير الواقع والحض على تغييره، لاحظ أنني ألح على مساهمة الفن لأدحض الادعاء القائل بأن للفن دورًا من بين أدوار هي لغيره، ناقلينه من محوره المادي –وإن كان في شكله روحيًا- إلى محوره الطوباوي! وكأن الفن صورة ميتافيزيقية للإله، يقول للأشياء كن فتكن! الفن –الإبداع- يساهم في تحويل الواقع إلى جانب الهندسة والطب والتكنولوجيا والإزميل والمنجل والريشة وكل أنواع العمل التي لها آثار مزدوجة مادية وروحية حتمًا.


أما من ناحية أن "المسار" عدة روايات في رواية، فهذا ممكن، لأن هنا لا يوجد الراوي بضمير المتكلم الذي ينفصل إلى رواة أو إلى راويين هما في آخر المطاف شخص واحد كما هو عليه في "النقيض" أو "العصافير لا تموت من الجليد"، ولأن الراوي الكلاسيكي الكلي العلم الكلي الوجود في "المسار" يروي قصة شعب بكافة طبقاته، وبكافة هموم هذه الطبقات، وتشعباتها، وامتداداتها. إنها تلتقي في النهاية من خلال البداية: القضية الفلسطينية كمركز محوري لكل طبقات الشعب الفلسطيني ولكل "قضايا" هذه الطبقات الشخصية والوطنية. ومن ناحية أخرى، تتعدد الروايات لتعدد الشخصيات، وهذه لتعدد الأزمان، ليس ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، ولكن للزمن في "مساره"، في جريانه المتبدل أو جريانه الساكن والمتشكل حسب مراحل هي تاريخ القضية الفلسطينية، لكل مرحلة رواية، ولكل رواية "بطل".


مثلاً شعبان يمثل رواية الفلاح في زمن الاستسلام، وشريف يمثل رواية الشاب في زمن البحث عن الذات، والمقاوم الذي صاره شريف أو غيره في زمن الثورة. هناك روايات عديدة لشخصيات متفرقة: شعبان، محمود، شريف، عدنان... كل منها ترمز إلى مرحلة من المراحل، إلى رواية من الروايات التي هي مجموع النص الروائي، وكل شخصية تجمع عدة شخصيات، السجين، الفلاح، المستسلم، المتمرد، الضابط ، والسجين المنسحق من جديد، التي هي شخصية واحدة، شخصية شعبان، لكل سمة عالمها وأدوات عالمها التي هي روايتها، إذن الرواية شيء معقد ومتداخل.


وكذلك الحال فيما يخص الشخصية اليهودية التي أنا مسحور بها ومأخوذ بتحليلها في كل إنتاجاتي، ريتا ويعقوب وهارون وإسحق وغيرهم لكل منهم زمنه التاريخي وزمنه السردي وأعني بهذا روايته، لكني أركز على الشخصيات اليهودية كحالات أكثر منها كمراحل، ربما لأن الصهيونية تطمس معالم الفرد وتاريخ الشعب أو تخلطه إلى درجة الفوضى!


أما عنها كحالة، فقد رأيت في شخصية ريتا الذين نزلوا إلى شوارع باريس من طلابي وإلى شوارع تل أبيب من الإسرائيليين ضد الحرب والقتل والدمار في لبنان وغير لبنان، علمًا بأني كتبت الرواية في أوائل السبعينات، هذا ما يعني أن تؤشر الشخصية الروائية إلى المستقبل، وأن تنطق بشرطها.


* بعد كل هذا ننتقل إلى سؤال آخر: هل العزلة من حولك -أقصد حول كتاباتك وإنتاجاتك- هل هي مفروضة أم كيف تراها؟


. أنا غير محسوب على أحد لا على يمين ولا على يسار، وأنا عازل حالي وبعيد ولا ألبي أية دعوة، أنا لا أعرف أحدًا، صديقي محمود موعد كتب كتابًا واحدًا "رباعية الموت والجنون" ولعلاقاته كتبوا عن أربع قصص له أربعمائة مقالاً، كان يحملها لي، وهو يدرس هنا، بالقفة، ولكثرتها لم يكن يقرأها. ومن النقاد هناك من كتب عن مجموعته دون أن يقرأها، فتصور ههههه!!! صديقي محمود الآخر، محمود درويش، كان يقول لي "العلاقات!"... كانت العلاقات عنده أهم من القصيدة، محمود قصيدته مهمة، لكن بدون العلاقات لم تكن لعالم النقد مهمة!!! إضافة إلى ذلك أنا تم تصنيفي على أساس أنني "مستشرق"، لغتي ركيكة، وأخطائي اللغوية كثيرة، بالطبع، كما تعرف، أعدت وسأعيد كتابة أعمالي، على الرغم من كل هذه المبالغة، لأن كتاباتي –على علاتها- تفرض مواضيعها نفسها على القارئ رغم "مؤامرة الصمت"، فلنسمها كذلك، لأن تجاهلي إلى هذه الدرجة لا يمكن تفسيره بغير ذلك في جو سلطوي "ثوري"، مؤامرة الأقلام الواطئة التي يحوكها ضدي السياسيون العرب قبل النقاد العرب الأشاوس!!! الذين هم ممسوح بهم، ويطفون على السطح!!!


بعد الحرب الأخيرة وحصار بيروت لم يعد ثمة فرق بين نقاد اليمين ونقاد اليسار وحتى نقاد الوسط، كلهم التقوا في جبهة التراجع والخذلان أمام البندقية تحت كل تجلياتها وأفنانها، فالمشكل إذن ليس أفنان!!!


رواياتي بقدر ما هي حاضرية هي في الوقت ذاته مستقبلية، والنقاد العرب الأشاوس هم ماضويون، فكيف يمكن التوفيق بيني وبينهم. سأقول لك شيئًا دامغًا: روايتي "النقيض" صدرت في باريس بالفرنسية منذ حوالي ثلاثة أشهر (وقت إجراء الحوار-المحرر) وقد نفدت اليوم طبعتها الأولى. لهذا بالطبع دلالتان، الأولى حالية الرواية المكتوبة منذ خمسة عشر عامًا، الثانية كونية الرواية وبعدها الإنساني باتجاه القارئ الأوروبي، فكسر العزلة النقدية العربية من حولي يبدأ من هنا، بطرق باب الأدب العالمي. لذلك تجدني أخوض غمار معركة ترجمة أعمالي، خاصة أنني أنهيت مع المستشرقة جاكلين كبايلي ترجمة "المسار"، وهناك موافقة مبدئية من دار نشر "دونويل" على نشرها، وهي دار من أهم وأكبر دور النشر في باريس.


أنا بالنسبة للنقاد العرب ستاندال عصري، هو أيضًا حبكوا من حوله مؤامرة من الصمت فشلت بعد أن حيا بلزاك أعماله.


* النقاد العرب لم يهضموا حقك أنت فقط، ثمة كثيرون نُهِشَت أجسادُهُم وأعمالُهُم!


. هذا صحيح. قل لي أين الناقد الجاد الذي كتب عن محمود درويش؟ هناك هوس بالصرعات، وهناك اقتراب هامشي لبعض الأعمال: أدونيس، حنا مينة، الطيب صالح، إميل حبيبي، غسان كنفاني، يوسف إدريس، الطاهر وطار، نجيب محفوظ... وهذا الأخير لم يظفر ببعض الاهتمام أو بكثيره إلا في آخر أيامه. ومع ذلك، الدراسات الجادة عنه قليلة، وهي إما وصفية تعيد قراءة العمل الأدبي بمصطلح تقني، وإما ماركسية دوغمائية، لأن الناقد الماركسي غير مستوعب للنظرية الماركسية، أو ربما لخلل فيها. أريد القول إن اهتمام النقاد البورجوازيين العرب –أعني نظرتهم البورجوازية إلى العالم فلست على الإطلاق ضد البورجوازية- إن اهتمامهم بإنتاج ما، يأتي بسبب "الدغدغة" التي يثيرها في نفوسهم هذا الإنتاج، ولا يتعدى ذلك إطار الترف بالمفهوم الإبداعي، وهم لذلك تجدهم سعيدين وراضين عن أنفسهم تمام الرضاء، لكن حركة الواقع تركلهم بقدمها تاركة إياهم بعيدًا من ورائها.


* طالما نحن بصدد الإبداع، هل لديكم ما تقولونه حول الرواية الفلسطينية؟


. الرواية العربية بخير، والرواية الفلسطينية بخير، هل سيتغير موقفي منهما في المستقبل بالمقارنة مع إبداعاتي، ستقول لنا هذا "عبقريتي" هههههه!!! فلسطينيًا يكفي أن نذكر كُتَّابًا مثل حبرا إبراهيم جبرا، إميل حبيبي، رشاد أبو شاور، يحيى يخلف، سحر خليفة، وفي مقدمة الكل غسان كنفاني الذي أغنى بمصرعه الرواية الفلسطينية، "أغنى بمصرعه" عبارتي هذه لاطمة للنقاد! وغيرهم من المبدعين غير المناضلين، فأنا أكره كلمة مناضل! لكل كاتب نظرته الخاصة إلى قضية القضايا، وزاويته الخاصة داخل الأرض المحتلة أو خارجها، وفنيته الخاصة. التكامل بينهم من خلال الاختلاف والتنافس شيء طبيعي، وحتى عفوي، لأنهم في نهاية المطاف يعبرون عن قضية واحدة تقض مضاجع إنسانيتهم، للبعد الدرامي الهائل للقضية أثره في وعيهم يكاد أن يكون متماثلاً. هم يرسمون الإنساني بوعي وحتى بدون وعي، البُعد السياسي للقضية بُعد إنساني، البعد الاجتماعي للقضية بعد إنساني، البعد الخياني للقضية بعد إنساني.


* وعلاقتك بالرواية كيف تراها؟


. أراها من خلال علاقاتي الأخرى بالقصة بالمسرحية بالنقد بتلاميذي ببناتي بأصدقائي بأعدائي (كل أولئك الأعداء وليس لي أعداء) وأعني بذلك علاقاتي اليومية بقضية الكادحين هنا في باريس تحت معنى استغلالهم أقل أو بقضيتي الوطنية هناك في فلسطين تحت معنى استغلالها أكثر. الرواية جحيمي، الرواية لعنتي، الرواية جِماعي الطويل! لهذا تجدني في التكامل الإبداعي الشخصي والخاص معي بعد أن وجدتني في التكامل الإبداعي والعام مع زملائي. الرواية مع القصة مع القصيدة مع المسرحية مع الدراسة، التكامل ليس ضرورة، التكامل إلزام، والتعدد إجبار، وإلا لن نكتب رواية بالفعل، رواية متعددة الأبعاد لكاتب متعدد الأبعاد وجمهور متعدد الأبعاد، فالغاية هي هذه: جمهور متعدد الأبعاد، لقضية متعددة الأبعاد.


* بناء على ما سبق كيف يمكنكم تثمين الأدب الفلسطيني المكتوب في الوطن المحتل 48 والوطن المحتل 67؟


. لن أخوض في الحديث –كما هو دأب النقاد العرب الذين لم يلسعهم في حياتهم عود كبريت- عن أدب ساذج وأدب رائج، عن أدب مباشر وأدب غير مباشر، عن أدب سطحي وأدب عميق، فالأدب تحت الاحتلال ابن لحظته "الثورية"، سيكون موقفي منه بعد انتهاء هذه اللحظة حتمًا غيره اليوم، اليوم كل الأدب الفلسطيني الذي يكتب تحت الاحتلال هو أدب مقاوم –يا سلام سلم على كافكا والا على كامو والا على عزرا باوند- وهو أدب مؤسس بالنسبة للمرحلة التاريخية، وبالنسبة لاستراتيجيا التشويه والطمس والتجاهل والتعتيم والتلعين التي تمارسها منظمة التحرير.


الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال هو أدب يومي إذن فهو ليومي –بكره بفرجها ألله- أدب حاد حامض حامز هادر شلال، لهذا هو مليء بالحيوية، حيوية الضرورة اليومية وبإملاء منها، أنا أسميه أدب الأربع رصاصات مثلما كان بريشت يسمي أدب الأربعة ملاليم، سياقي بالطبع غير سياقه، إنه أدب لا يعرف الهمس الذي دأب عليه النقاد المتبرجزي الرؤية والمتفأري السلوك في أبراجهم ومضاجعهم، أقول هذا أنا البرجوازي، لكن رؤيتي أناقة الكادح وحقل القمح. أنا أحب افتتاحيات على الخليلي، أحب أشعاره، قصيدته "انتشار على أبواب المخيم" بمستوى عال. أنا أحب قصص أكرم هنية، جمال بنورة، زكي العيلة، عبد الله تايه، عبد الرحمن عباد، غريب عسقلاني، عادل الأسطة، حسن أبو لبدة، مفيد دويكات... وغيرهم من الكتاب الشبان.


في المرحلة القادمة "بفرجها ألله" –كما تقول ماما-، مرحلة التحرر والاستقلال، في المرحلة القادمة ستستجد القيم الأدبية، وستحدث في الأدب تغيرات، ومن مواقع التغيرات الجديدة في الواقع الاجتماعي والتاريخي "سنحاسب" الأدب والأديب، وسنقول عندئذ كلمتنا التي ستختلف حتمًا عما نقوله اليوم. ولهذا أيضًا علاقة ذاتية، علاقة شخصية، علاقة أنا الكتابة، أنا الكاتب الذي هو في محاولة دائمة لتغيير قلمه، أنا لا أقول لتغيير الواقع، تغيير قلمه وتقديم ما هو جديد.


* يبدو أنكم تتابعون الحركة الثقافية داخل الوطن.


. أتابعها من خلال بعض الدوريات والنشرات الأدبية والسياسية التي تصلني، ولعلاقتي الشخصية ببعض الكتاب هناك خاصة أصدقاء الطفولة منهم، وأجد أن الحركة الثقافية هناك في تطور دائم رغم المعوقات التي تحول دون شرب ماء المعرفة، حتى شجر التين أثماره دون ماء، ورغم الرقابة، ورغم الحذف لمعارضته...، ورغم المعاناة. إنها تتقدم أكثر مما هي عليه في الوطن العربي المحتل كذلك، وذلك لشجاعة الكتاب هناك وإصرارهم على أن تشرق شمسهم في الليل، ولهذا الإصرار سمة أساسية في الأدب الفلسطيني ونكهة خاصة لا نجدها في الأدب العربي.


* أعتقد أن الأدب داخل الوطن المحتل طابعه الصدق، الواقعة يفرضها السياق، والسياق تقوده اللغة، فالظرف من المستحيل افتعاله أو تزويره.


. تمامًا، إنه الأدب الوقائعي لا الأدب الواقعي، بالنسبة إلى الوقائع التي يسطرها شعب أعزل محروم من كل شيء إلا من إيمانه بأحلامه.


* هل تساهمون شخصيًا في ما يصدر داخل الوطن؟


. أساهم بشكل متواضع جدًا، بسبب التزاماتي الأخرى، وموقعي البعيد، ورغم ذلك نشرت مسرحية "الابنة الشجاعة" مسلسلة عن حرب السنتين في لبنان في مجلة "الفجر الأدبي"، خلال حصار بيروت، وقالت على طريقتها الكثير مما وقع. كذلك نشرت العديد من القصص القصيرة في ذات المجلة وفي مجلة "الجديد" الحيفاوية، كما أعيد لي نشر بعض الأعمال في دار الأسوار العكاوية، وصادرت الرقابة الديمقراطية في إسرائيل قسمًا منها، ومنعت استيراد كتبًا أخرى.


بودي لو أساهم في نشر بعض أعمال كتابنا، ترجمة قصص قصيرة، ونشرها هنا، لتعريف القارئ الغربي، فقارئي السوربوني يعرف العديد من الأسماء التي أقوم بتدريسها كغسان ورشاد ويحيى. متى يأتي اليوم الذي يعرف فيه "أصحاب النفوذ" أن الأدب هو الساحة الواسعة التي يجدر اجتيازها إلى الرأي العام العالمي؟ فهمت إسرائيل هذا منذ أن بدأت الصهيونية حركتها الاستيطانية، يكفي أن أعطي مثلاً "طازجًا" على ذلك ما جرى مؤخرًا: عشرات الكتب والمقالات التي كتبها صهاينة وغير صهاينة ضد الإعلام الفرنسي الذي "بالغ" –حسب ادعاء القائلين- في نقل الحقائق المرعبة عن الحرب اللبنانية! الغاية بالطبع هي التعتيم على أسباب الحرب والتضليل وتمرير مطامع بيغن لبلع وهضم حقوق الشعبين اللبناني والفلسطيني وتبرير العدوان والمجازر.


* تقصد من ذلك أن ثمة تقصير فيما يخص ساحة الكتابة في الغرب وكذلك ثمة تقصير في دعم الأدب المكتوب في الوطن المحتل ونشره؟ الذي نحن صدى لمعمعته؟


. هذا صحيح، رغم أن حسن النوايا لا ينقصنا، لكننا تعودنا على الارتجالية –أرجو أن أكون مخطئًا- وعدم التخطيط واتخاذ القرارات الطنانة دون تنفيذها، أحيانًا بسبب قلة الإمكانيات وأحيانًا أخرى بسبب كثرة الإمكانيات! فنراوح في نفس المكان!


أرحو أن تكون حرب الثمانين يومًا قد جعلتنا نفكر ثمانين مرة قل اتخاذ أي قرار ، قبل تنفيذ أي قرار، فمعركتنا اليوم معركة عقلانية تنهج إلى التخطيط العلمي والتكتيك الواقعي الذي يدفع بالأدب الفلسطيني وقضية الأدب الفلسطيني إلى الأمام، معركتنا معركة حضارية يجب أن نعيها تمامًا.


حقًا إنه لمن المرعب أن نعيش كالوطاويط المعلقين في الفراغ كُتَّابًا كنا أم مواطنين عاديين، علينا أن نتقدم والقصية نحو الرجل العادل –الشخصية التي تعرفها في روايتي تراجيديات- لإنقاذنا من جرائم الخطأ العربي (والفلسطيني)، شعبنا اليوم يدفع ثمن هذا الخطأ، والشعوب العربية في الغد ستدفع ثمن هذا الخطأ، وعلينا أن ندعم الأدب على كل المستويات وبكل مستوياته، على المستوى الإعلامي خاصة وبمستواه في الأرض المحتلة، أن يكون لهذا الأدب مكانه الهام في إعلامنا قبل الإعلام الغربي، إعلام الداخل وإعلام الخارج، فلا اهتمام به عندنا، في مجلة "الكرمل" مثلاً.


أنا شخصيًا أطالب بالابتعاد أكثر، بإقامة مهرجان خاص بالأدب الفلسطيني في الداخل، يحتفي به الأدب العربي في الخارج، وذلك بدعوة الكتاب العرب والأصدقاء من كافة أنحاء العالم، فنتحاور مع كتاب "الأربع رصاصات"، ونتعرف عليهم. على أمل أن يتكرر المهرجان كل سنة، وفي العاصمة التي تكون شمسه، في العالم العربي وفي العالم... في باريس.


* سؤال أخير نود أن يكون جوابه صريحًا... حرب الثمانين يومًا... صبرا... وشاتيلا... والأزمان المجرمة... ماذا فعلت بكم؟ وهل ستحثكم على عمل شيء؟


. هذه الحرب قتلتني، أنا الآن أقوم من موتي. كل حرب مضت كانت حافزًا لي على كتابة أكثر من إنتاج، وأحيانًا كنت أكتب والحرب لم تزل دائرة –بربك كيف لا أكون غزير الإنتاج؟ وكيف يمكن للغزارة أن تكون تهمة؟- هذا ما حصل معي أثناء حرب 1967، عندما كتبت رواية "الغِربان"، اسمها اليوم "الكناري"، وهذا ما حصل معي خلال حرب 1970، عندما كتبت "الأجنحة" عن أحداث عمان، اسمها اليوم "اسكندر الجفناوي"، أما مع حرب لبنان وحصار بيروت، حرب الثمانين يومًا الهائلة –أصر على الثمانين يومًا- فلم أزل مشلولاً، أحس بنفسي منفيًا أكثر من أي وقت مضى، أحس بنفسي مركولاً، ومتعبًا، ومريضًا –كما ترى- قتلتني الحرب، المجزرة، الشهداء المنتصبون كأشجار السنديان، ولكني، مثلما قلت لك، أقوم من موتي، أنا مرغم على الخروج من شرط ليس شرطي. لهذا سأكتب عن هذه الحرب، ودومًا من موقعي في باريس، كيف صهرتني، وصهرت باريس معي، فالموقع ذريعة نقدية، والمعاناة إنسانية. الفكرة تدور حول صحفية فرنسية يهودية تذهب إلى قلب الحصار بحثًا عن حبيبها الفدائي الفلسطيني، فتجده قتيلاً. المهم ليس هذا فقط، المهم أنها تكشف كذلك عن جرائم جيش شارون في شعبنا الذي يتحول –أي شعبنا- إلى رمز لكل الشعوب في العالم، مأساته مأساة الكون بما فيها المأساة اليهودية، وفي نفس الوقت أصرخ في وجه أولئك الذين استعلوا المأساة لتحقيق مشاريعهم الجهنمية في حق الشعبين اليهودي والفلسطيني: ساندرا تجد العاشق بها قتيلا!



باريس





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,556,779
- قالوا: حسن حميد
- قالوا: على الخليلي (2)
- قالوا: خليفة بساسي
- قالوا: محمود أمين العالم
- قالوا: فيصل دراج
- قالوا: دانيال ريج
- قالوا: ناتالي زيلبيرمان
- قالوا: وداد عبد الرحمن الجابري
- قالوا: فدوى طوقان
- قالوا: بركات زلوم
- قالوا: غالي شكري
- قالوا: علي الخليلي
- قالوا: نافز علوان
- الكتاب المقدس 50
- الكتاب المقدس 49
- الكتاب المقدس 48
- الكتاب المقدس 47
- الكتاب المقدس 46
- الكتاب المقدس 45
- الكتاب المقدس 44


المزيد.....




- #كلن_يعني_كلن: لبنان ينتفض على وقع الموسيقى والرقص
- ضحايا وثوار ومضطربون.. لماذا نحب أشرار السينما؟
- -القراءة الحرام-.. غضب الكتّاب بسبب تجارة الكتب المزورة
- السينما المصرية والعدو الأول
- وفاة الفنان السعودي طلال الحربي بعد تعرضه لحادث أليم
- برلماني يجمد عضويته في حزب الميزان.. لهذا السبب
- اختفاء ممثل فائز بجائزة سينمائية فرنسية
- حياة صاخبة ومركز للقضاء.. غزة قبل الاحتلال في سجل وثائق نادر ...
- قيادات من الشبيبة الاستقلالية غاضبة بسبب -الاقصاء-
- بنشعبون يقدم مشروع قانون المالية أمام غرفتي البرلمان


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - قالوا: عيسى السعيد