أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد الباسوسي - ثوار غاضبون وتاريخ معلق















المزيد.....

ثوار غاضبون وتاريخ معلق


احمد الباسوسي

الحوار المتمدن-العدد: 6302 - 2019 / 7 / 26 - 10:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تزورنا هذه الأيام ذكريات التمرد العسكري لبعض الضباط المصريين على ملكهم السابق فاروق الأول في منتصف القرن العشرين الماضي، وتحديدا في الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 وقد نعت هذا التمرد لاحقا بالثورة. ورغم صدور المئات من المؤلفات لباحثين ومفكرين محليين وأجانب، وكذلك المذكرات الشخصية لقادة التمرد وبعض السياسيين الذين كان لهم دور "ما" في المشهد تحاول استجلاء الحدث وآثاره. لايزال غضب وتمرد ضباط يوليو في مساء ذلك اليوم، والآثار الناجمة عنه يولد حالات متعاقبة من الجدل واستثارة الدهشة. وربما يرجع السبب في ذلك الى مفاهيم على شاكلة تأثيرات " التراكم الكورنولوجي"، أو علم حساب الزمن، وهو العلم المسئول عن تحديد الاحداث حسب الفترة الزمنية. وتلك معضلة منهجية تواجه الباحثين في علوم التاريخ على وجه العموم.
ان من الموضوعية قراءة وتفسير الحدث في سياقه الذي حدث فيه لا أكثر، ويشمل ذلك كافة العناصر المتفاعلة داخله ايجابا وسلبا، محليا واقليميا ودوليا، ومن الخطأ أيضا التمسك بتفسير أو تبرير نفس الحدث في سياق زمني مغاير العناصر بكافة اشكالها. لذلك فان الذين يكتبون عن ثورة يوليو الآن في عصر الاتاحة الهائلة للمعلومات والمعرفة، والتعلم، ووسائط الاعلام الاجتماعية، وما يستتبع ذلك من تغيرات جذرية على مستوى الطموحات والتوقعات، والتغيرات الحادثة في القيم والنظم السياسية المجتمعية والدولية، مؤكد سوف تختلف قراءتهم وتفسيرهم للاحداث عن اولئك الذين كتبوا عنها أثناء مواكبتهم لها، وفي ذات السياق الاجتماعي/السياسي المغاير. ونستشهد على ذلك بعناوين الصحف المواكبة للحدث حينها، والمقالات التي تصدرت تلك الحقبة وقت حدوث الصراع في زمنه. وتختلف أيضا عن رؤية اولئك الذين عاصروا التغيرات الاجتماعية/السياسية/والاقتصادية التي حدثت في الحقب التالية، وتأثر بها الواقع المحلي تأثرا عظيما، وتعتبر محطات تاريخية في حياة المصريين بعد زلزال غضب الضباط وانقلابهم العسكري عام 1952 مثل أزمة تأميم وحرب السويس عام 1956، والهزيمة العسكرية المهولة من الكيان الصهيوني في يونيو حزيران عام 1967 ، ثم زلزال حرب تحرير الأرض في اكتوبر 1973 وتوابعه المتعلقة باتفاقية السلام مع العدو الاسرائيلي، وسياسة الانفتاح الاقتصادي السداح مداح وفق تعبير الكاتب الصحفي البارز احمد بهاء الدين، والسماح بتغلغل الاسلام السياسي في مفاصل الدولة المصرية، ثم أخيرا ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013 الشعبيتين ضد مظاهر الفساد والاستبداد المطلق بالحكم. الثابت تاريخيا ان السياق الاجتماعي/السياسي في المملكة المصرية قبل الثورة كان يمور بالاضطراب وعدم الوضوح، اشتد نشاط الحركة الوطنية الشعبية على مستوى المفاوضات ضد المحتل الانجليزي في فترة ما بين الحربين بزعامة حزب الوفد، الأمر الذي أفضى الى توقيع معاهدة 1936. هذه المعاهدة خصمت من رصيد حزب الوفد على المستوى الشعبي لأنها لم تحقق الاستقلال المطلوب الذي كان يتوقعه المصريون. وفي مارس 1950 طالبت وزارة النحاس الانجليز بالدخول في مفاوضات جديدة، وحدثت المماطلة من جانب الانجليز الأمر الذى اضطر النحاس الى الغاء المعاهدة، واعتبرت القوات الانجليزية في مصر قوات احتلال، وبدأ النضال المسلح يشتعل من جديد. كانت الاوضاع السياسية متأرجحة، والصراع على أشده بين الملك وحزب الوفد من جانب، وبين الملك والانجليز أو المندوب السامي الانجليزي الحاكم الفعلي للبلاد من جانب آخر. ورغم ذلك كان هناك نوع من الحراك السياسي/ الاجتماعي/ الثقافي يميز الواقع المصري، وصبغت الحياة السياسية في ذلك الحين بطابع ليبرالي متميز وجد صدى له في اوساط المثقفين والنخب السياسية سواء الحاكمة أو المعارضة على الرغم من المناخ التديني السائد في ذلك الوقت بين غالبية المصريين الفقراء، والذي حاول تنظيم الاخوان الذي تبنى أسلمة الشعب وفق رؤيته، لكن لم يفلح هذا التنظيم وزعيمه حسن البناء في النفاذ الى عقول وفكر هؤلاء المصريون الفقراء المتدينين بطبعهم. اعتبر حزب الوفد الليبرالي أعدى أعداء تنظيم الاخوان الذي انتهج اسلوب أسلمة الدولة المصرية من أجل السيطرة على الحكم. وفيما كان اضطراب الرؤى والصراع مستعر بين النخب ورموز وقادة الحياة السياسية والثقافية عنوان العقود السابقة على يوليو 1952كان الواقع المصري السفلي في منتهى السوء والتردي، هناك أكثر من احد عشر مليونا من الفلاحيين المصريين من المعدمين، ونسبة بطالة تجاوزت (46)% بين المصريين عامة، ونسبة فقر وأمية تعدت (90)% بينهم، وكانت البلهارسيا والأمراض الناجمة عن سوء التغذية تفترس قرابة نصف عدد السكان، ويذكر الدكتور رؤوف عباس في بحثه عن الحركة الوطنية في مصر (1918-1952) ان نسبة المعدمين من سكان الريف بلغت (67%) عام 1937 وارتفعت نسبتهم الى (80%) من المجموع الكلي للسكان عام 1952 وتفاقمت المسألة الاجتماعية تفاقما كبيرا نتيجة لسوء توزيع الثروات وغياب السياسات الاجتماعية. باختصار كان هناك غياب مفضوح للعدالة الاجتماعية وتوزيع ثروات الوطن لحساب الرأسماليين وكبار الملاك الذين استحوذوا على نحو (61%) من مجمل الدخل القومي للوطن على حساب الغالبية الكاسحة من المعدمين المصريين. لذلك لم يكن مدهشا ان يستولى جمال عبد الناصر القائد الفعلي للثورة على قلوب ملايين المصريين حينما تصدر المشهد بسياساته وقراراته التي اتخذت طابعا اشتراكيا منحازا لملايين المعدمين وحررتهم من ربقة الفقر في وقت ناقش فيه البرلمان المصري مشروعا قوميا لمقاومة الحفاء لدى المصريين في البرلمان المصري في عام 1941. ولم يكن مدهشا أو مستغربا أيضا التفاف الكثير من نخب اليسار بكل اطيافه حول الضباط الشبان ومؤازرتهم رغم تقلبات المواقف وتصارع السياسات والرؤى. ان السياق الاقليمي والدولي الذي خرجت من خلاله حركة الضباط الغاضبين في فجر الاربعاء 23 يوليو 1952 كان مستعدا لتقبل فكرة الاستغناء عن الاحتلال العسكري التقليدي لأراضي المستعمرات، خاصة بعد ان وضعت الحرب العظمى اوزارها وظهرت الولايات المتحدة الامريكية باعتبارها قوة عظمى ليس لها قوات عسكرية خارج اراضيها. وكان البديل لقوى الاحتلال الرئيسية انجلترا وفرنسا في ذلك الوقت التعامل مع جنرالات الجيوش والاستفادة بقدر الامكان من ثروات المستعمرات من دون صخب أو تكلفة مادية ومعنوية مرتفعة. لذلك ظهرت موجات متتابعة من الانقلابات العسكرية في كافة ارجاء المستعمرات في حقبتي الخمسينيات والستينيات هدفت الى تحقيق الاستقلال الوطني واعادة صياغة العلاقات مع المحتل السابق، وتم دعمها أو غض الطرف عنها بطريقة أو بأخرى من قبل قوى الاستعمار القديم، والاستعمار الحديث أيضا، كما في حالتي الولايات المتحدة الامريكية الرأسمالية والاتحاد السوفيتي الشيوعي، لكن لم تمر الأمور بمثل هذه البساطة، تطلب الأمر بطولات وتضحيات من قبيل هؤلاء الضباط، وربما خوض معارك عنيفة كما في حالة المستعمر الفرنسي مع الشعب الجزائري قبل ان يتم تقبل كل ذلك لاحقا، وكان الهدف استحداث طبقة جديدة من الجنرالات الحكام الديكتاتوريين الذين بفضلهم تم اجهاض مشروعات ليبرالية (في بلدان المستعمرات القديمة) كانت في طريقها الى الاستتباب، تقوم على أساس حرية الفكر والعقيدة والتعددية الحزبية وتداول السلطة، وفيما عدا الهند فقد تحولت كافة المستعمرات القديمة "الثورية" الى دكتاتوريات عسكرية، وربما كان قادتها أكثر تعاونا مع حكام المستعمرات القديمة مقارنة بحكومات ما قبل الانقلابات العسكرية. ان الوعي بالسياق مهم قبل ان نتجرأ بتفسير الذي حدث في ثورة الضباط الغاضبين في يوليو 1952 أو ان نصفهم بانهم كانوا مجرد ممثلين على المسرح يؤدون ادوارا مرسومة لهم بعناية فائقة، ان الأمر أعقد من ذلك بكثير، ان الذين خرجوا مع ذلك الفجر البعيد كانوا ابطالا بحق، ونبلاء بحق، لكنهم علقوا في التاريخ، أوقفوا عجلة الزمن، وربما عجلة الحياة عند رأي واحد وعقيدة واحدة ورجل فقط. وان الذين يكتبون عنهم الآن بمقدورهم معايرة حصاد 67 عاما من الحكم الثوري والتسلط والاستبداد، بنفس المدة الزمنية من حياة شعوب أخرى خاضت أهوال وحروب رهيبة، وقصف بالسلاح النووي، ويقارنوا البشر هنا والبشر هناك، والحجر هنا والحجر هناك، والحياة البدائية اللا انسانية هنا، (ونحن في القرن الحادي والعشرين)، بالحياة الانسانية الكريمة هناك. ان مجمل الحصاد النهائي لتجربة الثورة هو معيار تقييمنا للتجربة التي طال امدها، كما طال أمد ابتعاد المصريين عن المشاركة في تقرير مصائرهم، تلك هي الحياة الكريمة التي ينشدها المصريون وينتظرونها ولم تتحقق حتى في احلام الثوار الغاضبون ليلة الاربعاء عام 1952.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,086,986
- أنا ومراهقي
- خرزات الضوء (قصة قصيرة)
- الهزيمة والعدم في فقاعات الصابون للكاتبة فاتن فاروق
- ثلاثة مشاهد قصصية
- عائدة من السماء
- الديك الرومي قصة قصيرة
- كاميرات آدمية (قصة قصيرة)
- أزمة في الطب النفسي أم ازمة في الثقافة المصرية
- دراسة نقدية عن كتاب : ايام من الهمس والجنون يوميات معالج نفس ...
- كتاب نظرات مضيئة في القصة والرواية والنقد الأدبي للكاتب المب ...
- المصريون البسطاء بين مصر القديمة ومصر الحديثة، قراءة في كتاب ...
- ام كلثوم والشيخ كشك وعبقرية المصريون
- تجليات الرمز وتشكيل النصوص بالكلمة
- سائق الحافلة
- أفهم (قصة قصيرة)
- الكمساري (قصة قصيرة)
- طلعت رضوان والسباحة ضد التيار
- دراما رمضان 2016 وسياق متحي للثورات
- رجل المقشة
- رحلة السيدة العجوز


المزيد.....




- منها دبي والقاهرة..دليل -لونلي بلانيت- للسفر يُعلن عن أفضل 1 ...
- رجال يرتدون أغطية رأس ضخمة كالصقور.. فما هي الرسالة؟
- ألمانيا: هناك انزعاج لدى شركائنا في الناتو من مقترح إقامة من ...
- منظمة إنقاذ الطفولة: 1.2 مليون طفل إيطالي اليوم يعيشون في فق ...
- بوتين يلتقي أردوغان في سوتشي قبيل ساعات من إنقضاء مهلة وقف إ ...
- ترامب: السعودية دفعت 100% من تكاليف قواتنا لحمايتها في عملية ...
- شاهد: الأسد يصف أردوغان باللص خلال زيارة مفاجئة لمدينة إدلب ...
- بريطانيا تلغي حظر الرحلات الجوية إلى شرم الشيخ
- العراق: تقرير حكومي ينشر عدد ضحايا الاحتجاجات ويدعو إلى إقال ...
- مظاهرات لبنان: كيف رد اللبنانيون على ورقة الحريري الإصلاحية؟ ...


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد الباسوسي - ثوار غاضبون وتاريخ معلق