أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - بالأفعال وليس بالأقوال الجزء 2















المزيد.....


بالأفعال وليس بالأقوال الجزء 2


محمد برازي
(Mohamed Brazi )


الحوار المتمدن-العدد: 6289 - 2019 / 7 / 13 - 02:09
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


وبالرغم من أنني أوجه دعوتي في هذا الفصل بالدرجة الرئيسية إلى الأهالي من أجل الإخلاص والأمانة للرسالة التربوية وأيضا بالعمل الفعلي الملموس، إلا أن تلك الرسالة لا تنتهي بركوب المشورة للمئات من المراهقين خلال العقود الثلاثة الأخيرة فقد علمتُ أيضا مدى حساسية الشباب لمثل هذه الرسائل المتضاربة والحدود المتناقضة التي يرسمها الوالدان للسلوك لأولادهما، ومدى استعداد الشباب لرفض كلتا الحالتين على اعتبارهما علامة على رياء الوالدين. غير أنني تعلمت أيضا كيف يمكن حل أسوأ صراع عائلي بسرعة، عندما يتواضع الآباء ويعترفون بتضارب ما أرادوه من أولادهما وبعدم وضوحه أو بأنه غير عادل بحقّ أولادهما. وقد رأيت سرعة استجابة معظم الأولاد لذلك ومسامحتهم لوالديهم. أنّ الأولاد يشبهون جهاز الباروميتر الذي يقيس ضغط الهواء: أيْ بمعنى أنهم يسجلون بوضوح أيّ تأثير أو ضغط يؤثر عليهم، سلبا أو إيجابا. فغالبا ما نرى مظاهر البهجة والاطمئنان النفسي، والكرم والتفاؤل، واضحة على الأولاد بالدرجة الواضحة نفسها التي عند الوالدين. وكذا الحال مع المشاعر السلبية. فلو لاحظ الأولاد الغضب والخوف وعدم الأمان أو عدم التسامح لدى الكبار – خاصة إذا كانوا هم الهدف من ذلك – فلن يمضي وقت طويل قبل أن يقوموا هم أيضا بالتصرف بالطريقة نفسها.

وتذكرنا شخصية الأب زوسيما Zossima في رواية الأديب الروسي دوستويفسكي Dostoyevsky التي تحمل عنوان «الإخوة كارامازوف،» بأنّ مثل هذه الحساسية لدى الأولاد كبيرة جدا، لدرجة أننا نستطيع تشكيلهم بدون وعينا بذلك أيضا، كما أنه يوبخنا على أننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أثر كل شيء نقوله أو نفعله بحضورهم. فيكتب قائلا:

في كل يوم وفي كل ساعة. . . . تأكد من أن تكون شخصيتك لائقة وطيبة. فقد تمرّ بطفل صغير، وأنت شرّانيّ وتتلفظ
بكلمات قبيحة وقلبك مليء بالنقمة؛ وربما لم تنتبه أنت إلى ذلك الطفل، لكنه رآك، وقد تبقى شخصيتك غير الطيبة والمخزية في قلبه الأعزل. ومن دون أن تدري، فربما تكون قد زرعت بذرة الشرّ فيه، ويمكن لتلك البذرة أن تنمو فيه. . . . كل ذلك لأنك لم تُربِ في نفسك محبة عاملة، ومحبة معطاءة تتكرّم بحرارة وبسرعة.

إنّ الأولاد اليوم بعكس الأولاد الأبرياء في عهد دوستويفسكي، فهم معرضون إلى وابل مستمر من الصور والانفعالات التي قد يكون تأثيرها بصورة مجتمعة، أقوى بكثير من أكبر رعاية يبديها أحد الكبار في حياتهم العائلية. ونظرا لحالة ثقافة مجتمعات بلادنا، الذي يخرّب دور الآباء عند كل منعطف من منعطفات الحياة، فقد أصبحت تنشئة الأولاد مهمة شاقة. ورغم جهودنا المبذولة فإننا بعيدين كل البعد عن النموذج الصحيح الذي ينبغي أن نتّصف به.

فخذ العنف على سبيل المثال. فالجميع قلق بشأنه، ومتفق على انه شيء سيء للأولاد، لكن هل هناك مّنْ يقوم حقا بفعل شيء حياله؟ فبدءا بالقاعات المبجلة للكونغرس ونزولا، فلا يوجد شيء يُذكر. ويتشاحن السياسيون حول موضوع السيطرة على السلاح، ولكن هل هناك أية إجراءات حاسمة تم اتخاذها؟ وفي أثناء ذلك، تستمر موجة اطلاق النيران في المدارس، مُنجِبة أشخاص مقلدين لهم ويحذون حذوهم بشكل غير مسبوق.

وقد شرفني تقديم المشورة ولمرات عديدة إلى عائلات ضحايا الجرائم المذكورة أعلاه. وبطبيعة الحال، تحتاج تلك العائلات إلى وقت ليتحدث ويبكي بعضهم مع بعض على ما حصل معهم من جراح واضطراب نفسي، وهم ليسوا على استعداد الآن لتحليل الأسباب واستلام النصائح. إلا أن التطرق إلى الأسباب الجذرية للعنف المدرسي لا يمكن تجنبه أثناء الحديث معهم. وتكتب عن هذا الموضوع الكاتبة الروائية باربرة كنج سولفر

انه شيء سيء للأولاد، لكن هل هناك مّنْ يقوم حقا بفعل شيء حياله؟ فبدءا بالقاعات المبجلة للكونغرس ونزولا، فلا يوجد شيء يُذكر. ويتشاحن السياسيون حول موضوع السيطرة على السلاح، ولكن هل هناك أية إجراءات حاسمة تم اتخاذها؟ وفي أثناء ذلك، تستمر موجة اطلاق النيران في المدارس، مُنجِبة أشخاص مقلدين لهم ويحذون حذوهم بشكل غير مسبوق.

وقد شرفني تقديم المشورة ولمرات عديدة إلى عائلات ضحايا الجرائم المذكورة أعلاه. وبطبيعة الحال، تحتاج تلك العائلات إلى وقت ليتحدث ويبكي بعضهم مع بعض على ما حصل معهم من جراح واضطراب نفسي، وهم ليسوا على استعداد الآن لتحليل الأسباب واستلام النصائح. إلا أن التطرق إلى الأسباب الجذرية للعنف المدرسي لا يمكن تجنبه أثناء الحديث معهم. وتكتب عن هذا الموضوع الكاتبة الروائية باربرة كنج سولفر
دعونا ألا نقلل من مأساة رهيبة عن طريق التظاهر بأنّ تلك المجزرة لم يكن لها أيّ داعٍ أو معنى. فبقولنا أنها «بدون معنى» فإنما نريد بذلك قول أنها «بدون سبب،» وعليه لا تتطلب منا القيام بأي عمل أو إجراء. ثم وبعد فترة مناسبة من التحسُّر والأسف وتقليب كفينا على ما حدث، نعود إلى أعمالنا كالمعتاد ونستمر على الوتيرة نفسها. إلَّا أنَّ ما يتطلب شجاعة هو أننا نقرّ بأنّ هذه الحادثة فيها أكبر المعاني والمدلولات.

يعتاد الأولاد الاِقتداء بتصرفات الكبار على كل المستويات المتاحة لهم. فأولاد شعبنا يكبرون في بلد يلجأ أهم الرجال فيه وأكثرهم تأثيرا – سواء كانوا من الرؤساء أو أبطال الأفلام السينمائية – إلى حلِّ المشاكل من خلال قتل الناس. ويمكن التنبؤ تماما بأنّ بعض الأولاد الذين يتوقون إلى الشهرة والتأثير، سوف يحصلون على البنادق والقنابل كوسيلة لذلك. وليس من المستغرب أن يحصل ذلك في إحياء الطبقة الغنية؛ هذا وإنّ العنف الذي تمارسه المؤسسات الحكومية مزروع في بيوت الأحياء الميسورة في النواحي الراقية للمدن. فلا تنظر كثيرا إلى العصابات الموجودة في منزل أخيك قبل أن تتفحص البنتاغون في بيتك. [فهذه الجرائم المأساوية] كانت وليدة حتمية ولدت من حضارة تروِّج بكل تفاخر وبصوت عالٍ تصفية الحسابات على الصعيد العالمي بالإطلاق الفوري للنار. وهذه الحضارة هي نحن.

وقد يبدو لك بوضوح أنّ كل من النازيين والقوة البحرية الأمريكية وفيلم المبيد Terminator يقتلون لأسباب وجيهة متعددة، ولكن، وكما يعرف كل الآباء، أنّ الأولاد جيدون في تجاهل مكرنا المحبوك بل حتى قادرون على النظر من خلاله ومعرفة حقيقته.

وإنَّ ما يراه الأولاد هو كالآتي: القتل وسيلة سامية للعقاب والسيطرة. أما الأمريكيون الذين لا يؤيدون ذلك فيتعرضون للسخرية، لكن دعونا نواجه الأمر على حقيقته، فالقسم الأكبر
من الأمريكيين يعتقد أن سفك الدماء ضروري من اجل المحافظة على أسلوب حياتنا، حتى لو كان هذا يعني وجود خطر إطلاق النار بصورة خاطئة على الناس بين حين وآخر – مثل قصف المدنيين أو الحكم خَطَأً على الأبرياء بالإعدام.

. . . . فهذا ما صار يتضمنه معنى «أسلوب حياتنا» في المجتمع الذي يحتضن العنف. فقد علّمنا أولادنا بألف طريقة أنّ الشخص الشرير يستحق الموت، إما بالتلويح بالأعلام لإثارة المشاعر الوطنية، وإما بالمسلسلات التلفزيونية التي يصاحبها الضحك الوهمي.

من الواضح أنّ الطريقة الملتوية التي نتعامل بها مع العنف ليست ظاهرة اجتماعية أو سياسية فحسب بل أيضا ظاهرة لها جذور في كل غرفة من غرف المعيشة في بيوتنا. إذ يراها الأولاد إما على الشاشات وإما على أيادي أولئك الذين يُفترض بهم أن يكونوا حماتهم. والمسألة هنا ليست مجرد مسألة العنف. وبغض النظر عما إذا كانت المسألة رذيلة أو فضيلة، فإنه من غير المجدي محاولة تعليم أبنائنا عن العنف، ما دامت أفعالنا وكلماتنا على خلاف بعضها مع بعض. وكما يوضح عالم النفس كارل يونغ Carl Jung، فيقول: «لو أردنا تغيير وإصلاح أمر ما في الطفل، لوجب علينا تفحُّص نفوسنا أولا لرؤية ما إذا كان من الأولى تغييره في نفوسنا.»

وغالبا ما يكون السبب الجذري لذلك التناقض بين كلامنا وأفعالنا هو ببساطة: الكسل. وقد تكون هذه الكلمة قاسية، ولا يرغب أحد منا في أن تشمله هذه الكلمة، لكن علينا أن نصارح أنفسنا بهذا السؤال التالي: عندما نتواجه مع أزمة في حياة أحد أولادنا، ألا نأخذ الطريق السهل، ونردّ عليه إما بالانزعاج وإما بإصدار عقوبات فورية ليتحمل تبعات أعماله، ثم ننسى الأمر بعد ذلك حتى يحصل ثانية في المرة القادمة؟

وربما يرجع سبب ذلك إلى أننا مشغولون، أو مغلوبون على أمرنا، أو ببساطة متعبون. إلا أن كل ذلك لا ينفع شيئا، لأن
الأولاد يمكنهم التحسُّس بالخداع الموجود في هذا الرد التلقائي السريع. ولنفهم نقطة مهمة هنا في هذا الموضوع وهي كالآتي: فلو قام الولد أو البنت بتصرفات مغلوطة أو ببعض المشاكسات فهي في كثير من الأحيان محاولة لاختبار حدود صبرنا وسعة صدرنا، والسبب هو أنه (أو أنها) يسعى في طلب الحصول على حدود آمنة للسلوك التي نرسمها له للاتكاء عليها بحيث تكون مصدرا للاطمئنان النفسي له (أو لها). وبالرغم من أننا نحن الآباء نميل إلى اختيار حلول سهلة لحل مشاكل الأولاد (وهي سمة بشرية عادية) وفيها القليل من وجع الرأس لنا، إلا أنها نادرا ما تكون نهجا سليما للتربية. فيجب أن نسعى إلى مصلحة الولد ونكون له مئة في المئة لحل مشاكله وصراعاته من خلال التفرُّغ الفكري الكامل له وتخصيص الوقت اللازم بسعة صدر لشرح الأمور له وتلقينه الدروس والعبر وبكامل الهدوء للتوصل إلى حلول يفرح لها الضمير. لأن نفسه متعطشة لتدخلنا في حياته وتنادي إلينا لنعطيها الأمان.

ثم إنّ الفكرة القائلة بأن التربية هي بحد ذاتها «مشكلة» إنما هي فكرة سلبية. فقبل كل شيء، ينبغي أن تكون تربية الأولاد الذين ننجبهم إلى هذا العالم مسألة مفرحة ومشرّفة. إلا أن عدد الآباء الذين ينظرون بإيجابية إلى مسؤولياتنا الموروثة أخذ يقل شيئا فشيئا. ونتيجة لذلك، لم تعد الأبوة واجبا طبيعيا، بل فرضاً يجب على الحكومة إجبار الرجال على تنفيذه؛ أما الأمومة فتمّ الانقضاض عليها على الفور وصار يُنظر إليها على أنها أكبر تضحية؛ وتمّ اعتبار محبة الإنسان لطفله كنوع من أنواع الفنون أو المهارات التي تتطلب تدريبا خاصا.

غير أننا نرى الحكمة نفسها أمامنا ولا يمكننا التهرب منها سواء كانت في مجلات التربية أو في الكتب الشائعة، وهي كالآتي: قد يكون الأطفال حلوين ويجنّنون، لكن تربيتهم واجب لا شكر عليه. ولهذا تسعى هذه المجلات دائما إلى تقديم النصائح للأزواج من أجل الخروج وترك المنزل وقضاء عشاء رومانسي على ضوء الشموع، أو قضاء الوقت معا في عطلة أو
نهاية أسبوع طويلة لوحدهم. ولا تسألني: أين الأطفال من كل هذه المشاريع؟ فقلما يُذكرون – وهذا شيء محزن، لأن الساعات التي تقضيها مع أولادك خلال نشأتهم، هي بالحقيقة ستكون فيما بعد، من أجمل اللحظات الممتعة في حياتك الزوجية. أما فيما يتعلق بصراع الآباء وتضحيتهم والأوقات العصيبة التي يمرون بها، فهي بنّاءة وتكوينية للطفل مثل اللحظات الممتعة وبالقدر نفسه. فالذكريات السعيدة هي مجرد لحظات – ممتعة – أما الأوقات العصيبة فهي التي بالحقيقة تقوّي العلاقات والأواصر الأسرية.

فما بالنا نحن الوالدين نستميت في تجنب الجزء الصعب من الأبوة والأمومة، ونتعامى عن سبلها التي تساعدنا جميعا في النمو؟ وتقول كلير Clare بهذا الخصوص، وهي إحدى الأخوات من أفراد رعيتنا ما يلي:

ربما يرجع السبب إلى أنّ جيلنا لم يَنْمُ نموا حقيقيا على الإطلاق. فما زال العديد منا يسعى إلى شريك الحياة المثالي أو إلى السيارة المثالية، أو إلى أي نوع آخر من السعادة البعيدة المنال. فلا نعرف ماذا يتضمنه تقديم التضحيات، وما العطاء غير الأناني الذي يجب تأديته من دون ترجي الشكر والمديح. فلم نتعلم منذ صغرنا على تقديم التضحيات حتى بلوغنا سنّ الرشد.

قد نتجنب أحيانا بعض المشاكل الصعبة، لأننا بكل بساطة نشعر بالإنهاك وعدم قدرتنا على مواجهتها. في حين يرتبط ترددنا في أحيان أخرى بالشعور بالذنب، فيراودنا السؤال الآتي: لماذا أكون قاسيا على أولادي وأنا قد فعلت الأخطاء نفسها؟ أو كيف بإمكاننا تقديم نصائح واضحة وحياتنا وعلاقاتنا كأهل بحد ذاتها غامضة؟ وقلما يكون لتفكير كهذا تبعات فورية نراها بوضوح، لكنها ستلحق بنا قبل أن نلحق بها. وتحكي لنا بيا Bea، وهي من إحدى معارفي، مثالا مؤثرا، فتقول:
لدي صديقة اسمها كيت Kate حاولتْ الانتحار في المدرسة الثانوية ثلاث مرات. وكانت عائلتها تأخذها دائما بسرعة إلى غرفة الطوارئ، لتفريغ معدتها (فقد كانت تتناول الحبوب في كل مرة)، وبعدئذ تعود مباشرة إلى المدرسة. فلم تفعل العائلة أي شيء لمساعدتها مطلقا. . . . وكان والدا كيت قد تطلقا قبل عدة سنوات وكل منهما تزوج ثانية من شخص آخر، ولم تكن أيّ من الأسرتين ترغب رغبة صادقة ببقائها معها. فقد كانت كيت في نظرهما تمثل دائما ماضي العلاقة بينهما، أما هما فكانا يريدان أن يعيشا حياتهما الخاصة. فلم تتناسب كيت مع خطط حياتهما.

فما أكثر الأطفال الذين لا ينسجمون مع خطط أهاليهم الذين أعطوهم الحياة وأنجبوهم إلى هذه الدنيا! أو بالأحرى، ما أكثر إعطاء الأولوية لأنفسنا ورغبتنا في الحصول على «السعادة» و «تحقيق طموحاتنا» قبل احتياجات أطفالنا!

والجنس هو موضوع آخر يكثر فيه تشويش الأولاد ولا يتلقون وضوحا قاطعا فيه من قِبَل الآباء حتى من قِبَل الآباء الذين لديهم أفضل النوايا – وإن لم يكن هذا التشويش بسبب رياء الأهل ومساومتهم، فسيكون على الأقل بسبب الإيعازات المتضاربة التي يقدمها الآباء لأولادهم. وكما هو الحال مع العنف، كذلك هو مع الجنس: فهو واحد من أكثر موضوعات اهتمام الوالدين ومخاوفهم، ومن أكثر الموضوعات التي يتم الحديث عنها. إلا أننا في خضم قلقنا – كآباء – بشأن موضوع الجنس لدى أولادنا مثل: ماذا يجب علينا أن نقوله لننصح أولادنا وبناتنا؟ وكيف سنقوله؟ ومتى سنقوله؟ ينسى ويغفل العديد منا عن أهم عنصر في الموضوع وأهم عنصر في التربية ألا وهو الرسالة القوية التي يسلمها أولياء الأمور لأولادهم من خلال أفعالهم والتزامهم الشخصي بقيم الجنس الشريف وليس من خلال كلامهم وإرشادهم لهم. فما لم نبدأ شخصيّا بتطبيق قناعاتنا في الحياة، وما لم نطلب من أنفسنا الأشياء نفسها التي نطلبها من أولادنا،
فإنّ جميع جهودنا المضنية المتعلقة بالنموذج الأخلاقي سوف تتهاوى نحو الحضيض.

إنّ ما مقبول عن البنية الأسرية اليوم قد يرضي البالغين في علاقتهم (على الأقل لفترة من الوقت). فلو لم يروا في حياتهم عندما كانوا أطفالا زواجا وفيّا ومستقرا، لما كان لهم أي أساس يبنون عليه التزاماتهم الحياتية عندما يتزوجون ويصبحون آباء، وربما لا يكونون على وعي بمدى تأثير زيغانهم الشخصي على أولادهم الذين يشتاقون إلى الاستقرار الأسري.

وتشير الإحصائيات منذ فترة طويلة ولحد الآن إلى أنّ مصير الزواج يكون على الأرجح إما الانفصال وإما الطلاق، لكن الانفصال والطلاق لم يكونا مطلقا الحدث القانوني الوحيد الذي تنتهي به الأمور، فهناك تبعات كثيرة أخرى. ولهذا السبب – ومهما كان «الطلاق ضروريا» – فإنه من المستحسن أن نتذكر كيف يبدو الطلاق في نظر الطفل، ولاسيما الطفل الذي يحسّ بأنّ الطلاق سيترك بصماته على نفسيته وعلى عواطفه طوال حياته.

ومع ذلك فإنّ إدانة الأزواج الذين يتعرضون للطلاق يُعتبر تصرفا قاسي القلب؛ مثلما تراه آن Anne، وهي صديقة إنكليزية، هجر والدها البيت عندما كانت طفلة صغيرة، فتقول: «يشعر الكبار باليأس في الأزمات، ويفعلون ما يجب عليهم القيام به.» ورغم أن صديقتنا آن تقرّ بأن الأطفال يقعون عادة تحت وطأة النتائج، إلَّا أن الكبار يدفعون ثمنها كذلك. وتذكّرنا آن بأنه ليس من الضروري أن تكون نهاية كل قصة طلاق فيها آلام ومعاناة. فتحكي عن تجربتها الشخصية، وتقول:

كان لي أم رائعة، فقد ظلت وفيّة لي حتى من بعد أن قررتْ اختيار الطلاق (وهو الخيار الوحيد الذي رأته). فقد ضحّت بجميع أفراح الأمومة، واشتغلت دواما كاملا في سبيل دعم
احتياجاتي، وإخلاصها هذا هو الذي سندني في حياتي وأنقذني. فقد قدمتْ لي أعزّ سني عمرها – إحدى وعشرين سنة.

نعم، فالطلاق يطبع دائما بصماته الجارحة على كلا الزوجين، وإذا كان لديهما أولاد، فسيؤثر عليهما أكثر وأكثر. غير أنني أعلم من خلال ما مررتُ به، بأن قرار أمي في إعطاء الأولوية لاحتياجاتي قبل احتياجاتها، هو الذي أنقذني. فقد أتاح لي الفرصة للشفاء. وما أزال «في طريق الشفاء،» لكني اعلم بأن التئام شخصيتي والشفاء الكامل سوف يأتيان لا محالة.

لحسن الحظ أن الأولاد لديهم ميزة المرونة وقابلية الشفاء السريع مما يسببه لهم رياؤنا نحن الآباء من مشاكل وأضرار نفسية، فلولا هذه الميزة لأصبحت التربية في نظر الآباء عملا كئيبا خاليا من أمل الإصلاح. فمن خلال أمثلة كثيرة كقصة آن، يمكننا رؤية أنه مهما بلغت درجة وقوع المرء في اليأس والحزن بسبب الأخطاء التربوية الماضية إلا أنه من حقّ أي أب (أو أم) أن يتفاءل بالخير حتى لو كانوا من أسوأ الآباء.

وقد كتب مرة مالكوم اكس Malcolm X (الشخصية الأمريكية المسلمة المعروفة) فيما يخصّ مسألة إخفاقات الآباء، مذكرا إيانا بمصادر ذلك الأمل، فقال:

يقدم الأطفال لنا – نحن الكبار – درسا يجب أن نتعلمه، وهو: أننا يجب أن لا نخجل من الفشل، بل يجب أن ننهض ونحاول مرة ثانية. فأغلبنا نحن الكبار خائفون وحذرون جدا، «ومؤمِّنون» على أنفسنا كثيرا، فعليه ترانا منكمشين كثيرا على نفوسنا ومقيَّدين وجامدين لا نتحرك ولا نبدع؛ ولهذا السبب يفشل العديد من الناس. وقد استسلم للفشل معظم الكبار الذين ما يزالون في منتصف أعمارهم.

وبالرغم من أنني أوجه دعوتي في هذا الفصل بالدرجة الرئيسية إلى الأهالي من أجل الإخلاص والأمانة للرسالة التربوية وأيضا بالعمل الفعلي الملموس، إلا أن تلك الرسالة لا تنتهي بركوب الطفل الحافلة المدرسية. فيجب على المعلمين أيضا أن يتحملوا مسؤولية التربية. ففي الواقع، يمكن للمعلمين في المدارس التحسس ورؤية نوعية وطبيعة الحياة البيتية لكل طفل عندما يأتي إلى المدرسة، سواء كانت تلك الحياة مستقرة أو متداعية، إذ يكون الأمر واضحا جدا على الطفل نفسه وعلى الفصول الدراسية كذلك. وفي كثير من الأحيان، وعندما يتقاذفنا – نحن المعلمين – الغضب والتمرد من التلاميذ، فعلينا أن نتذكر بأننا مجرد أدوات لتفريغ شحناتهم فينا مثل مانعة الصواعق، ولسنا الهدف بحد ذاته. فنحتاج إلى قدر كبير من طول الأناة وسعة الصدر من أجل تقديم المحبة لطفل فقَد صوابه بسبب ظروفه الصعبة الخارجة عن سيطرتنا.

وللتربوية ساندي ميلر Sandy Miller تأثير كبير في حياة العديد من الأولاد. وقد عرفتها وعملت معها لما يقرب من ثلاثة عقود. وهي متواضعة ومعسولة الكلام، وتُعتبر بطلة الأولاد لا سيما المضطربين منهم وذوي الأداء الدراسي الرديء، وتقضي عادة ساعات لتعمل مع الآباء والمعلمين لإيجاد طرق مبتكرة لمساعدة كل ولد. وبالرغم من الطعن والتشهير بها أحيانا على قناعاتها الراسخة، إلا أنها تَعتبر عملها كدعوة إلهية أكثر منها كوظيفة. وعندما سألتها كيف تساعد موظفيها على العمل مع الأولاد المُتعِبين، أجابت:

لقد اعتَدْتُ دائما على إخبار الموظفين بأن يتعاملوا بالأسلوب المناسب مع هؤلاء الأولاد الذين يعيشون حالة من الصدمة النفسية أو الفاجعة الاجتماعية. لأن شيئا حصل في حياتهم. فينبغي الأخذ بنظر الاعتبار خلفية هؤلاء الأولاد والواقع الذي عاشوه حيث رأوا فيه على الأرجح شيئا في حياتهم ترك آثاره المدمرة عليهم. لقد شهدوا قسوة، جريمة، ضرب، وربما موت، فصُدِموا تبعا لذلك صدمة نفسية قوية بحيث لا يسعهم التعامل معها واحتوائها. فينبغي أن نولي اهتماما خاصا لمثل هؤلاء الأولاد. وهم بالحقيقة يصرخون طلبا للمساعدة – فهم يسيئون التصرف لأنهم لا يستطيعون التعبير عما مكبوت في داخلهم وما يشعرون به ويخافون منا. انهم يخافون حقا من هذه البيئة المنظمة والآمنة لأنهم لم يروا شيئا أفضل من بيئتهم.
وأناشد جميع المعلمين في مدرستنا ما يلي: تعرّفوا على التلاميذ الجالسين أمامكم. ولا تحاولوا تعليمهم على الفور، إلا عندما تتفهّموا خلفياتهم، وما يحملون من أمتعة في حقائبهم النفسية. وحاولوا تفهُّم ما يؤذيهم حتى نتمكن من مساعدتهم على التعامل مع مشاكلهم والشفاء منها هنا، لأنه لو لم تساعدوهم أنتم، فمن سيساعدهم؟

هذا السؤال صعب حقا ويضعنا أمام التحديات والرهان: فلو لم نساعد أولادنا، فمن سيساعدهم؟ ويذكرني هذا الموضوع بكلمات اللاهوتي المسيحي رافي زاكارياس Ravi Zacharias، فيقول:

إنّ أكثر ما نحتاج إلى إدراكه اليوم هو ما يلي: لو لم يسمع أولادنا وشبابنا إلى صوتنا ونصائحنا، لسمعوا إلى صوت شخص آخر. فنرى اليوم غزارة الشوارع السريعة المتعددة الطوابق لعالمنا العصري التي تسري إلى داخل قلب الإنسان وإلى روحه بحيث يصعب مواجهتها لأنها تغزو الخيال وتحارب المنطق السليم وتشوّهه، وفي أعمار يكون شبابنا فيها غير حصينين وأكثر عرضة للخطر. وكلما كانوا أصغر سنا وتعنّتوا صارت عملية إنقاذهم أصعب. ولا تنتظروا حتى تصل أعمارهم ستة عشر أو سبعة عشر، لكن ابدؤوا بتعليمهم وهم صغارا على كيفية تنمية مداركهم. ومن الضروري أن نعلّمهم على أن يكون لهم تفكير ناقد فهو أفضل هدية يمكننا تقديمها لهم. ولا أقصد هنا التفكير الانتقادي، بل التفكير الذي يعلم الإنسان على كيفية تقييم الحقيقة.

إنّ هذه نقطة جوهرية. فلا يزال هناك شيء يدعى «حقيقة» في عصرنا النسبوي الحالي كذلك، فالنسبوية Relativism هي إحدى وجهات النظر الفلسفية التي تدّعي أن جميع القيم ومبادئ السلوك أمر نسبي وليس له أي مرجعية مطلقة (إلهية) تقوم بتحديدها. ويجب علينا أن نبدأ بأن نكون صريحين مع أنفسنا بشأن الانقسام الموجود في داخل قلوبنا، وبشأن الفتور الذي يمنعنا من معالجة أية مشكلة والتواجه معها تواجها مباشرا. بعدئذ، فمن الضروري أن يتطابق كلامنا وأفعالنا مع مبادئنا. وينبغي أن لا نخجل من رأب الصدع في قلوبنا حتى لو تطلب
الأمر بعض التعب والجهاد الروحي. فلو رأى الأولاد الصراع الروحي الذي نخوضه فسوف يرون أيضا ثماره. وربما لا نحصل على شكر وثناء على جميع جهودنا. إلا أن المجازاة ستأتي عندما ينهض أولادنا لمواجهة التحديات التي تجابههم في حياتهم، ومن ثم يلتفتون وينظرون إلينا بكامل الاحترام والتفهُّم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,422,898,568
- عبادة العذراء عند الكاثوليك و الأرثوذكس
- الطفل الماديّ
- شاشات الانعزال عند الاطفال
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 2
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 6
- توقعات الآباء الكبيرة
- أبوكريفون يوحنا او كتاب خفايا يوحنا
- شهوات الجسد
- الهرطقه الغنوصة والغنوصيَّة المسيحيّةَ
- العقائد الثابتة
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 5
- الإيمان
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 4
- الاسلام يعلم الكذب النفاق و القتل
- قوة الإيحاء الذاتي
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 2
- الحياة الروحية
- الاهتداء و العبور


المزيد.....




- توأم رباعي مقدسي يتفوق في القرآن والثانوية العامة
- نواقص الاتفاق السياسي تصعّب التوافق على الإعلان الدستوري بال ...
- مصر.. محاولة هروب ماكرة من السجن والشرطة تحبط المخطط
- بعد إس-400.. توريد مقاتلات سو-35 لتركيا؟
- تركيا: وجهنا ضربة لمسلحي -العمال الكردستاني- في جبال قنديل ب ...
- البنتاغون ينشر توضيحا حول إسقاط طائرة مسيرة في مضيق هرمز
- إعلام إسرائيلي: أمريكا وإسرائيل طلبتا الحد من نفوذ طهران بلب ...
- سلطات كردستان العراق تنشر هوية أحد المطلوبين على خلفية مقتل ...
- فشل جهود تشكيل قائمة عربية موحدة لخوض الانتخابات الإسرائيلية ...
- سيناتور أمريكي يعد قرارا يدعو لفرض عقوبات على تركيا


المزيد.....

- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - بالأفعال وليس بالأقوال الجزء 2