أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - الطفل الماديّ















المزيد.....


الطفل الماديّ


محمد برازي
(Mohamed Brazi )


الحوار المتمدن-العدد: 6288 - 2019 / 7 / 12 - 13:45
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


في عالمنا الذي أصبح فيه المال يعكس بظله على كل ركن من أركان الحياة العامة والخاصة، يكمن الخطر الأكبر على الأولاد في العدسات الاقتصادية التي ننظر من خلالها إليهم. ففي الوقت الذي يجادل الأزواج الذين يترددون في الإنجاب ويطرحون حجة الأولاد بأنهم يشكلون حملا ثقيلا عليهم ومجازفة أو مسؤولية مالية للاستثمار في الأطفال، نرى من جانب آخر هناك تكتلات أخرى تقيّم الإنجاب على أساس الأسهم والفوائد.

وبعبارة أخرى، فإنّ هذه النظرة الماديّة التي تولِّد مثل هذا العداء تجاه الأولاد، هي نفسها التي ترحب بهم بأذرع مفتوحة عندما يكون لديهم مالا لينفقوه. وإذا كانت قوانين العمال قد أزالت الأولاد من القوة العاملة في العالم الغربي، فإنّ جيلنا الحالي لديه أسلوب مؤثر مماثل لأسلوب العبودية، ألا وهو: اكتشاف الطفل كمستهلك تجاري. وفي الوقت الذي يحاول فيه أصحاب الدعاية والإعلان النقر على جيوب الكبار المليئة الذين تعمل أموالهم على تشغيل أكثر المشاريع الاقتصادية ازدهارا في تاريخ العالم، فقد اكتشفوا أكثر الأسواق المريحة، ألا وهي: الأولاد. فإنّ أولادنا ومراهقي يومنا الحاضر، الذين يُعدون من أسهل الأهداف التجارية، وهم في الوقت نفسه من أكثر المتملقين إقناعا لوالديهم، قد نجحوا في ترويض والديهم ومسكهم من اللجام وجرّهم إلى المجمعات التسويقية الكبيرة والمولات لغاية الحصول على ما يريدون.
ما الشركات التجارية الكبيرة التي تضع الأطفال نصب أعينها ومن قبل أن يتعلموا التكلم فهي متورطة تماما في جريمة إساءة معاملة الأطفال. وتشير الدراسات إلى أن معظم الأطفال لا يمكنهم التفريق كذلك بين كلام الباعة لترويج بضائعهم وبين سرد قصة، لغاية سنة الثامنة.1 ثم إنّ الإعلانات التجارية تزرع الانقسامات بين الوالدين والأولاد. فتفرض حضورها أولا، سارقة دورنا لنكون حراس وحماة لأولادنا. فبدلا من القيام بدورنا، ترانا نحاول اللحاق بالركب، في محاولة لتصحيح فكرة سمعوها من مصدر يبدو مقنعا لمسامعهم. أما الآباء الذين يعارضون شعار «اِشترِ هذا الآن» فيرون أولادهم يتهمونهم بالخباثة وإساءة الفهم. فكم من مرة سمعنا هذه العبارات من أولادنا، «كل الناس عندهم من هذا» أو «كل الناس يفعلون ذلك»!

وقد توصلت الشركات التي تسوّق البضائع إلى مئات الطرق لتحط من قدر الآباء واستغلال ميل الطفل الطبيعي للتمرّد في وجه والديه ومعلميه، الذي هو بالحقيقة في أمس الحاجة إلى الاستماع إلى توجيهاتهم. فأي سلطة تربوية سيقبلون بدلا من ذلك؟ فهل من واجب الشركة أن تقول لطفلك عن أي أصدقاء ينبغي أن يصادقهم، أو ماذا ينبغي أن يلبس ويتحدث ويسلك ويفكر؟

وللأسف، يمكن للمدارس أيضا أن تصبح قنوات تسخرها الشركات لمصلحتها. إذ تحاول المديريات التربوية المشرفة على أقاليم كثيرة في جميع أنحاء البلاد إقناع مدراء المدارس على توقيع عقود مع شركات تجارية كبيرة للاستفادة من الحوافز المالية التي تقدمها تلك الشركات وبالتالي ستقوم تلك الحوافز بتخفيض المخصصات المالية التي تدفعها المديريات للمدارس لغرض شراء اللوازم المدرسية مثل حواسيب حديثة أو عُدَد رياضية أو آلات بيع الأطعمة الأوتوماتيكية، إلّا أنّ هذه الشركات التجارية تكسب بالمقابل من وراء هذه الصفقة حقّا حصريا كاملا لتسويق منتجاتها في المدارس إلى الجموع الطلابية الأسيرة أثناء أوقات الغداء والاستراحة.

ورغم أن الملايين من الأولاد حول العالم يعيشون في ظروف فقر مُدقِع، إلّا أنّ معظم الأولاد في الدول المتقدمة صناعيا مثل أوروبا الغربية والولايات المتحدة، لديهم أكثر مما يحتاجون إليه. فنحن نقوم بتربية جيل لا يمكن أن نطلق عليه سوى تسمية جيل العفاريت، لكن دعونا أن لا نلقي باللوم كله على التلقيم التجاري المستمر الذي يتعرض له الأولاد يوميا – فأعتقد أنّ المشكلة لها جذور أعمق.

فالأولاد المدللون الذين تم تخريبهم بالدلال هم نتاج الوالدين المدللين الذين يصرون على الاستمرار في أسلوب حياة يقوم على فكرة وهمية تقول إنّ الإشباع الفوري للرغبات يجلب السعادة. ولم يتم إفساد الأولاد بسبب وفرة الطعام وتكديس لعب الأطفال وكثرة الملابس والأشياء المادية الأخرى فحسب بل حتى بسبب الاستجابة لنزواتهم والاستسلام لأهوائهم. فكم من أمهات منهكات بذلن قصارى جهدهن لتلبية طلبات أولادهن، ومستسلمات لهم لمجرد إسكاتهم أو تهدئتهم!

فمن الواضح، إنّ تلبية رغبات طفل أمر يختلف تماما عن موضوع تأسيس بيت عائلي. لأن تأسيس بيت عائلي معناه خلق مكان للمحبة ولشعور الطفل بالأمان. وللأسف، تنقص الكثير من الأهالي اليوم معرفة المعنى الذي يتضمنه هذا. فتراهم مشغولين كثيرا ولا يقضون أي وقت مع أطفالهم. والبعض منهم مشغول جدا بوظائفهم أو بالأنشطة الترفيهية الخاصة بهم في أوقات فراغهم بحيث أنهم وعندما يرون أولادهم في نهاية يوم طويل، لا يبقى لديهم أي طاقة ليكونوا معهم. وربما يجلسون أحيانا في غرفة واحدة – أو حتى على الأريكة نفسها – لكن تفكيرهم في مكان آخر.
ولو ألقينا باللوم كله على وسائل الإعلام على ما تسببه لأولادنا من أنانية فلن نتمكن من معالجة الجشع القابع في قلوبنا، نحن كوالدين. فباستطاعة أولادنا رؤية بكل وضوح ما ننفقه من أموال على نفوسنا، نحن الآباء، وما نقضيه من أوقات على اهتماماتنا الشخصية. لذلك، فإنّ أفضل طريقة لمساعدة أولادنا للتخلص من الأنانية هي بمحاربة ظاهرة الجشع التي في داخلنا أولا وقبل كل شيء، والتواجه مع حب استحواذ الماديات التي فينا نحن كوالدين، حيث عادة ما تعيقنا هذه الأمور وتقف حائلا بيننا كآباء وبين خدمتنا لأولادنا. عندئذ يمكننا التحرّر والتوجه نحو أولادنا لخدمتهم وخدمة الآخرين أيضا.

وإنّ كل من جيفري جيه فرو Jeffrey J. Froh وجياكومو بونو Giacomo Bono اللذين ألفا كتابهما الذي بعنوان Making Grateful Kids (أي بمعنى تنشئة أولاد يتحلون بالشكر والعرفان) يشيران فيه إلى حل لهذه المشكلة كما يلي:

لو كان هناك دواء عجيب جديد في الأسواق يجعل الأولاد يحسّنون سلوكهم ودرجاتهم ويصبحون أكثر سعادة ويتجنبون التصرفات المحفوفة بالمخاطر، لصار العديد من الآباء والأمهات في جميع أنحاء العالم على استعداد لتفريغ حساباتهم المصرفية لشرائه والحصول عليه. إلا أن الشيء العجيب هو أن مثل هذا المنتوج موجود فعلا. وهو ليس خاضع لأحكام مديرية الأغذية والعقاقير، وليس له أي آثار جانبية سيئة، وهو مجاني تماما ومتاح لأي إنسان وفي أي وقت. فهذا العلاج المعجزة هو فضيلة الامتنان والعرفان بالجميل.2

أليس من الغريب أنه كلما زادت الهدايا التي يتلقاها الطفل، قلّ سماع كلمة «شكرا» منه؟ ونحن الآباء والمعلمين بحاجة إلى إعادة اكتشاف مفهوم «الأقل هو الأكثر» وتوجيه أولادنا وإرجاعهم إليه. ويحتاج هذا الأمر إلى عنصر الإبداع والتغيير من جانبنا. وأعرف أحد الآباء الذي أمضى وقتا مع ابنه البالغ من العمر ست سنوات، موضحا له أن بعض الشركات التجارية أوقعت أسرتهم في خدعة ماكرة لمجرد كسب المال. فحثّ الوالد ابنه على تفتيش غرفته وسحب جميع الأشياء التي قد حصل عليها من خلال الدعاية التجارية. ثم ذهب الوالد إلى غرفته وفعل الشيء نفسه! وأمسى الولد بسرير وكرسي وطاولة فقط. أما غرفة الوالد فأمست فارغة تماما، لكنه بالنتيجة حصل على المزيد من الوقت ليقضيه مع ابنه.

ولعبت أسرة أخرى مع أولادها وتظاهرت بأنها كانت مسافرة إلى ولاية كاليفورنيا بعربة كبيرة تجرها أحصنة، من أجل التخلص من كل هو غير ضروري. فلو اتّحد الآباء والأولاد ضد الدعايات التجارية، لأصبح الفوز بالمعركة العظمى مضمونا سلفا.

ومن أفضل الطرق لغرس الاعتراف بالجميل في نفوس الأولاد هو التواصل مع أولئك الأفقر حالا. فلا فائدة من محاولة جعل الولد يثمّن وجبة العشاء التي أمامه بالتعميم الكلامي الآتي: «الأطفال في أفريقيا يتضورون جوعا.» فلا أعتقد مطلقا بأن مثل هذا الكلام ينجح في إقناع طفل يتذمر دائما على الأكل. إلا أنه لو صارت الأسرة أو الصف المدرسي أصدقاء بالمراسلة مع طفل في أوغندا على سبيل المثال، وربما رعاية مصاريفه الدراسية، فسيتمكن الطفل آنذاك من استيعاب الموضوع. فعندما نتصور العقبات التي يجب على بعض الأطفال الشجعان في الدول الفقيرة التغلب عليها لمجرد تناول وجبة طعام واحدة في اليوم أو لمجرد الحصول على تعليم مدرسي بسيط، فيمكن لذلك أن يترك انطباعا في نفوس أطفالنا يدوم مدى الحياة وبناء علاقة صداقة مؤبدة مع أولئك التلاميذ الفقراء.

وهناك مقترحات أخرى للتواصل. فهناك بعض العائلات لديها أسلوب معين لعدم تراكم لعب الأطفال في منزلهم والتفكير بالمحرومين في آن واحد، ويسمون هذا الأسلوب «لعبة تدخل ولعبة تخرج؛» فلو اشتروا لعبة جديدة، فسوف تُهدى لعبة أخرى موجودة، فيرسلوها إلى طفل يحتاج إليها. غير أن تعليم الأولاد الامتنان والعرفان بالجميل ينبغي أن يتعدى مسألة اللعب والسلع المادية. فالعمل التطوعي في المطابخ الخيرية للشريدين والفقراء، لاسيما في الأعياد مثل عيد الشكر، يمكن أن يساعد الأولاد على فهم معنى الامتنان والشكر. بالإضافة إلى مساعدة بيوت ومعسكرات المهاجرين والنازحين واللاجئين التي لا تعد ولا تحصى.

وينبغي أن لا يخشى الآباء من أن يقوموا بخطوة شديدة أو تقديم جرعة قوية لأولادهم. لأن المبدأ السائد والمهيمن على النفوس والمترسخ في نسيج وجذور المجتمع يقول: «اِهتَمِمْ بمصلحتك دون مصالح الغير.» لذلك، ولمواجهة هذا المبدأ واقتلاعه من الأسرة نحتاج إلى اتخاذ إجراءات وقرارات شديدة بالقوة نفسها التي يملكها هذا المبدأ. لأن مجتمعات البلاد قد غرقت في هذه الرسالة الأنانية لفترة طويلة بحيث إجراء مجرد تغييرات طفيفة هنا وهناك لن تكون كافية لعكس هذا الاتجاه أو لمساعدة ولدك.

وهناك أم بريطانية هاتي غارليك Hattie Garlick دونت تجربة أسرتها بعد أن قررت عدم إنفاق أي أموال على شراء سلع للأطفال لمدة عام. وبعد ستة أشهر من التجربة، كتبت تقول:

بدأتُ أرى أن المال الكثير الذي كنتُ أنفقه كان بسبب فقداني للثقة بالنفس. فلم يكن لدينا أي أقارب يسكنون بقربنا لا من أقاربي ولا من أقارب زوجي حتى لو ذهبنا لمسافة ساعة بالسيارة من بيتنا. لذلك، فبدون أن يكون هناك سند من نصائح ودعم الأقارب، كنت أشعر في بعض الأوقات بالخوف والعجز والوحدة.

فأصبحتُ فريسة سهلة لمسوقي السلع التجارية. وأتذكر مرة كنت واقفة في ممر أحد المحلات التجارية لبيع سلع الأطفال، وبين يدي طفلي الرضيع المصاب بالمغص وهو يزعق بالبكاء، فاسودت الدنيا في عيني بسبب فشلي في تربية طفلي، ثم رأيت فجأة في ذلك المحل تلك السلع الجميلة المعروضة أمامي وكأنها قوس قزح ملون جميل، فانبهرتْ عيناي وأيضا عقلي بها، وكأنها كانت توعدني بإعطاء «التهدئة» و «التسلية» لطفلي الغضبان. وبما أني كنت أريد تقديم الشيء الأفضل لابني، فانتابتني أفكار سيطرت عليّ ووقعتُ في براثنها وحاولتْ تلك الأفكار إقناعي بأني غير كافية لتربية ابني لوحدي. فلو أردتُ أن أكون والدة جيدة فأنا بحاجة إلى كل هذه الدعائم الماديّة التي تسندني – مثل نشرة تعليمية توضع فوق سرير الطفل ويتعلق منها بخيوط أشكال حيوانات أو طيور أو أسماك أو ما إلى ذلك، لكن تلك التي رأيتها كانت حديثة جدا وتعزف قطع موسيقية للموسيقار بيتهوفن، وكان هناك أيضا دروس لتعليم اللغة للطفل بالإشارات، بالإضافة إلى شتى أنواع الأطعمة المهروسة الجاهزة للأطفال المعلبة والمطبوخة في المعامل. . . .

وبسبب توفر مختلف أنواع الدروس والدورات ووسائل الترفيه الباهظة الثمن في كل مكان من حولنا، فقد تولّد شعور سائد بين الآباء والأمهات، مفاده أننا لو تركنا الطفل يلعب خارج المنزل بمجرد أحد العيدان أو غصن شجرة فسوف يحسبون ذلك العمل بالتأكيد عملا كسولا، أو أسوأ من ذلك، خالٍ من العناية والرعاية والمسؤولية. غير أننا وجدنا في خلال تلك الشهور أن معظم الأنشطة التي نستمتع بالقيام بها معا هي، في الواقع مجانية ولا تكلّف، مثل: الطبخ، والزراعة، وقطف الثمار البرية في الغابات أو المناطق الريفية مثل شتى أنواع التوت البري والمكسرات وتحويل قسم منها إلى مؤن غذائية مثل عصائر الفواكه والمربيات، أو مجرد الجلوس مع الجيران لشرب القهوة و«للدروس الموسيقية» (حيث يجلب كل فرد أية آلة موسيقية لديه، أو مجرد القرع على القدور والمقالي، وندع الموسيقى تدوي). . . .

واكتشفتُ أن ابني جوني Johnny على استعداد لقضاء ساعات وبكامل الفرح ليلعب في بناء أي شيء من صندوق مستعمل من الورق المقوى، في حين لا يتسلى بلعبة جديدة نشتريها له سوى لبضع دقائق. أما الآن فنعتني بيرقات الضفادع وبزراعة الخضراوات في الحديقة، ويأخذ جوني الأمر على محمل الجد حقا. وعندما يمرون علينا أجداده في زيارة، يأخذهم هناك خارجا في جولة ليريهم ما يفعله، ويقضون معا مدة طويلة في هواية مراقبة الطيور والفراشات ويتحدثون عن كيفية نمو النباتات.3

إنّ الأطفال لا يرون المنافع المادية بالطريقة نفسها التي يراها الكبار. ولكي أعود إلى بعض ذكريات طفولتي في أمريكا الجنوبية، فأتذكر جيدا أحد الزائرين الذي زارنا من أمريكا الشمالية، وسألنا: أليست الحياة صعبة بهذا المستوى المعيشي البسيط؟ فنظرتُ إلى ذاك الرجل الغريب وتساءلتُ بيني وبين نفسي: صعبة؟ ماذا يعني بذلك بحق السماء؟ فلم أكن أتصور وجود طفولة أسعد من طفولتي. أما الآن فأدرك الأساس الذي كان لفرحنا. فبدلا من أن يعطينا والدينا أشياء مادية، أعطيانا وقتا واهتماما على صعيد يومي. ومهما كان جدول أعمالهما مليئا، حاولا دائما تناول وجبة الفطور معنا قبل ذهابنا إلى المدرسة في كل صباح.

ثم إنّ مبدأ التجمُّع كأسرة، لتناول وجبة طعام أو ببساطة لإنهاء اليوم معا، يفشل الناس في تحقيقه لقلة أهميته في نظرهم؛ وحتى لو رغبنا فيه فإنّ تضارب أوقات دوام العمل لأفراد الأسرة وطول فترات المواصلات غالبا ما تجعله مستحيلا. وبغض النظر عن السبب، فإنّ الأولاد هم الخاسرون، وأنا شخصيا لست مقتنعا بأن السبب هو دائما ضرورة اقتصادية.

فعلى الرغم من أن والداي كانا يعملان لساعات طويلة، إلا أنهما حرصا على تحديد وقت معين لنا نحن الأولاد في نهاية اليوم للدخول إلى البيت للتجمُّع وإعادة تشكيل الأسرة. ويحتاج جيلنا لاستعادة هذا المفهوم – مفهوم إرساء أركان الأسرة – لإعطاء الأولاد أساس لحياتهم. ويتطلب هذا الأمر تضحيات من كلا الوالدين، لكن النتائج التي نحصدها تستحق الجهود المبذولة استحقاقا كاملا.لقد شعرت بالدهشة خلال رحلاتي حول العالم، عندما وجدت أن بعض الأماكن الأفقر على وجه الأرض، مثل أفريقيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، يوجد فيها حب شديد للأسرة وللأولاد، رغم افتقارها إلى أي من المزايا المادية التي نجدها بشكل أكيد في المناطق المتقدمة في الغرب. ثم إنّ معدل الوفيات للأطفال الرضع مرتفع، والمياه ملوثة، والطعام قليل، والأدوية شحيحة باستمرار، هذا إن كان هناك دواء أصلا. وتتألف ألعاب الأولاد عندهم من العيدان أو علب الصفيح، وتصنع الثياب من الأسمال البالية أو القمصان القديمة. ولا يوجد لدى الأطفال الرضع زجاجات للرضاعة أو أسرّة للنوم أو عربات أطفال. ورغم ذلك، لم أرَ سوى في هذه الأماكن مثل تلك الابتسامات المشرقة، أو احتضان حميم من القلب، أو حنان حار بين الأهالي وأولادهم الشباب، وبين كبار السن والأطفال الصغار. فماذا ينقص بيوتنا المترفة جدا وصفوف مدارسنا الفارهة في بلادنا بحيث يصبح أولادنا بهذه الحالة المزرية، بالرغم من توافر كل المستلزمات الدراسية التي يحتاجونها؟ ربما يرجع السبب إلى عدم وجود قضية نعيش ونعمل من أجلها، غير السيارة الأحسن والبيت الأكبر.

وأنا لست مولعا بالفقر ولا أدعو إليه، ولست متعاميا عن حقيقة وجود العديد من الأطفال الفقراء حتى في ما يسمونه «العالم المتقدم،» بدءا من مخيمات المهاجرين في ولاية فلوريدا وكاليفورنيا وإلى الأحياء الفقيرة لمدينة نيويورك وإلى الطرف الشرقي من مدينة لندن المكتظ بالفقر والمهاجرين. ففي هذه الأماكن وغيرها التي يصعب ذكرها لكثرتها، يُحرم الأولاد من أغلب الحاجات الضرورية الأساسية، هذا لو تركنا جانبا الماديّات الإضافية الأخرى الجميلة التي يشعر معظمنا بأننا نستحقها ومن الواجب حيازتها. فيؤدي الحرمان إلى استفحال إهمال الأولاد والازدياد في سوء معاملتهم. وأصلي لأجل هؤلاء الأولاد يوميا، وتعتبر معاناتهم إدانة للمجتمع الذي يغصّ فيه أولاد آخرون بسبب الغزارة المفرطة للحاجيات التي عندهم. واعتقد اعتقادا جازما أن رفاه الطفل لا يتوقف على الثراء المادي وإنما على إحساسه بأنه محبوب.

قالت الأم تيريزا مرة بعد زيارة إلى أمريكا الشمالية، أنها لم ترَ سابقا مثل هذه الوفرة من الأشياء، لكنها أضافت قائلة: «أنني لم أرَ أيضا مثل هذا الفقر الروحي والشعور بالوحدة وإحساس الأولاد بأنهم مرفوضون. . . . وإنّ أسوأ مرض في العالم اليوم، ليس السل أو الجذام. . . . إنه الفقر الذي يولد نتيجة قلّة المحبة.»

ماذا يعني أن تقدم المحبة للطفل؟ إنّ العديد من الوالدين وخاصة الذين يبعدهم عملهم عن عائلاتهم لأيام أو أسابيع في بعض الأحيان، يحاولون التغلب على الشعور بالذنب من خلال إحضار الهدايا للبيت. وينسى هؤلاء رغم نيتهم الحسنة، أن ما يريده أطفالهم حقا ويحتاجون إليه، هو العناية وقضاء الوقت معهم، وإلى آذان صاغية وكلمات تشجيع.

ويعلم الآباء جيدا في أعماق نفوسهم، أن تربية الأولاد تستلزم أكثر من مجرد تزويدهم بما يحتاجون إليه من ماديات، أو تدريسهم وقت الامتحانات فقط. هذا وقلما نرى أب (أو أم) لا يعترف بضرورة قضاء المزيد من الوقت مع أولاده. وغالبا ما كان يقول والدي أن الاستثمار في الوقت الذي تقضيه مع أولادك أهم بكثير من الاستثمار في حسابك المصرفي.

ومما لاشك فيه، انه من المستحيل العيش بدون المال والأشياء المادية، فضلا عن ضرورة وجود معيل لكل بيت وتخطيطات للمستقبل. غير أن الشيء الذي سيبقى معهم أخيرا ولمدى الحياة هو المحبة التي نقدمها لأولادنا وليس الأشياء المادية. وهذا شيء ننساه كلنا بسهولة كبيرة أمام مغريات استلام راتب أكبر أو وظيفة أفضل.

وكان أحد أصدقائي واسمه ديل Dale يعمل في واحدة من اكبر الشركات القانونية في العالم. ورغم أنه كان يكسب من المال في عام واحد أكثر مما يكسبه العديد من الناس في حياتهم، إلا أن راتبه ومركزه لم يعنيا شيئا لعائلته – ربما لأنه لم يكن في المنزل لينعم بذلك معهم. وكان ما يقدمه من أعذار لا يجري قبوله قبولا رحبا على الإطلاق – سواء كان ذلك من زوجته أو أولاده. ولهذا قرر ديل أن يستمع إليهم بدلا من أن يقوم بالتمسك برأيه. وبعد أن سمع ما فيه الكفاية، قرر أن هناك شيئا واحدا يجب أن يقوم به ألا وهو: أن يترك الشركة. فها هو يقول:

قبل عشر سنوات، كنت عائدا مع أحد الزملاء من مسابقة لأشبال الكشافة في غابة من أشجار الصنوبر، وبينما كانت السيارة مليئة بالأولاد يلعبون ويضحكون في المقاعد الخلفية، تنحنح زميلي وبدأ يتحدث عن موضوع صعب، فقال لي: «ديل، لقد ارتكبتَ خطأ كبيرا بترك الشركة القانونية. هل تدرك ذلك؟» وكان يشير إلى قراري بتقديم رسالة إخطار بستة أشهر قبل استقالتي. ثم استمر في الحديث قائلا: «فلا يحقّ لك أن تفعل ما تريد، فلديك خمسة أولاد، ومن واجبك أن توفر لهم أحسن حياة ممكنة، وان ترسلهم إلى أحسن الجامعات التي يمكن أن يلتحقوا بها. انك تتهرب من واجبك.»

ومرت لحظات قليلة، ثم أجبت عليه في النهاية قائلا: «لم تكن هذه الفكرة فكرتي، لم أكن أنوي مطلقا أن أُقلّص ساعات عملي إلى أقل من عشرين ساعة في الأسبوع، لكن توسّلْنَ بناتي بي لكي أترك العمل.»

وهذا ما حدث فعلا، فقد نجحتُ خلال السنتين الماضيتين في جدولة عملي لكي لا أعمل أكثر من عشرين ساعة في الأسبوع في سلك المحاماة، وعليه وفرت أيضا عشرين ساعة في خدمة الرجال المصابين بأمراض مميتة مثل الإيدز أو السرطان. وكان هذا يعد تغييرا جذريّا في حياتي كمحام قضى معظم وقته في السفر بالطائرات، وفتح الحسابات في كل أنحاء البلاد، وعمل لفترة ثمانين إلى تسعين ساعة في الأسبوع. إلا أنه عندما حدثت حرب الخليج في العراق، ازداد عملي الجزئي في المجال القانوني فجأة وكأنه انفجار، وفي الحال وجدت نفسي أعود إلى جدول دوامي القديم الطويل.وبعد ستة أسابيع من هذه العودة، اختفت ابنتي التي كانت في الصف السادس من المدرسة: إذ ذهبنا بعد ظهر أحد الأيام لإحضارها، لكنها لم تكن هناك. وفتشنا عنها أكثر من ساعتين، ثم اتصلنا أخيرا بالشرطة. وقد وجدها فيما بعد أحد الأصدقاء وهي تسير وحدها على رصيف أحد الطرق وهي تبكي. وكان تفسيرها بسيطا، فقالت: «يا بابا، عندما كنتَ بعيدا عن البيت وتشتغل كل الوقت فلم أهتم، أما الآن فقد اعتدنا على وجودك هنا معنا، فلا أتحمّل أن تغيب مرة ثانية، فأريد منك أن تترك عملك في سلك المحاماة.»

فحاولتُ في البداية أن أطلب من ابنتي الأكبر منها التي كانت في الصف التاسع أن تتحدث إلى أختها الأصغر منها وتقول لها شيئا معقولا لإقناعها، فلم يجد ذلك نفعا، فلقد اتفقت معها كليا. ثم وضعتُ الأمر على قطعة من الورق لكي تفكران فيه، ولكي مجرد اشرح لهما عن العواقب الاقتصادية القاسية التي ستصيبنا: فهناك دفع فواتير الملابس والسيارة والبنزين والتأمين والكتب المدرسية والحفلات الراقصة والكلية والرحلات. . . . إلخ، ولكنهما لم تُعِيرَا الموضوع أي اهتمام، فلم ترغبا في شيء سوى أن أكون معهما.

ومع اقترابنا من شارة الضوء الأحمر أخذ زميلي يوقف السيارة، وقال لي بانزعاج: «شُفْ! إنك تتهرب من مسؤولياتك!» ومرت لحظات قبل أن أختم حديثي، لأنني شعرت بأهمية إنهاء الحديث. وكنت في تلك اللحظة أصوب نظري نحو مجموعة من الأشجار التي كانت ترفض أن تكون في خط مستقيم، وترفض أن تخضع للسيطرة، وترفض أن يجري قطعها ثم قصّها بقوالب محددة في المصانع.

فقلت له بلطف: «لا أوافقك الرأي. وأراهن بأنك أنت أيضا لا توافق على هذا في صميم قلبك.»





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,284,880
- شاشات الانعزال عند الاطفال
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 2
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 6
- توقعات الآباء الكبيرة
- أبوكريفون يوحنا او كتاب خفايا يوحنا
- شهوات الجسد
- الهرطقه الغنوصة والغنوصيَّة المسيحيّةَ
- العقائد الثابتة
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 5
- الإيمان
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 4
- الاسلام يعلم الكذب النفاق و القتل
- قوة الإيحاء الذاتي
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 2
- الحياة الروحية
- الاهتداء و العبور
- ها أنا أصنع كل شيء جديداً
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام


المزيد.....




- سلطات دونيتسك تؤكد احترام وقف إطلاق النار على طول خط التماس ...
- قصف لـ-أنصار الله- شمال حجة وسقوط قتلى من الجيش اليمني
- زيدان يهنئ المنتخب الجزائري وينعى أخاه
- هيئة الملاحة في بنما تقول إنها بدأت عملية سحب العلم من الناق ...
- دراسة: هكذا يمكن تجنب الخرف الوراثي
- لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
- ميركل تحيي ذكرى محاولة اغتيال هتلر بدعوة لمناهضة التطرف
- موقع أميركي: ترامب لم يدعم شركات الطيران الأميركية ضد الخطوط ...
- ريابكوف يلتقي مادورو ويناقش توسيع وجود الشركات الروسية في فن ...
- مؤسسة النفط الليبية تعلن حالة القوة القاهرة في ميناء الزاوية ...


المزيد.....

- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - الطفل الماديّ