أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - شام-الفصل العاشر














المزيد.....

شام-الفصل العاشر


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 6199 - 2019 / 4 / 12 - 16:11
المحور: الادب والفن
    


كتب لي أخي من هامبورغ بينما كان منهمكاً بإيجاد سُبل إلتحاقه بالجامعة لدراسة السينما. ذكر أيضاً عن مصاعب وضعتها السلطات الألمانية أمامه وتمنعه بموجبها ممارسة أي عمل في فترة الدراسة.

تباعدت أوقات ذهابي إلى مدرج كلية الهندسة، بسبب قبولي في كلية الفنون الجميلة من جهة، وتفرّغي للنقد السينمائي من جهة اخرى، علاوة على توسّع محيط صداقاتي وتنوعه، والذهاب إلى المقاهي والبارات التي كان يرتادها المثقفون، لأنني كنت أحسب نفسي عضواً في مجموعة من أناس غريبي الأطوار، والأغرب أنهم كانوا الطليعة التي تُمثّل الحياة الثقافية في مطلع سبعينات القرن الماضي.

ذهابنا بين الفينة والاخرى لخمّارة «فريدي» الصغيرة الواقعة على كتف زقاق يتفرّع عن شارع العابد، كان بمثابة فضّ ومسح المواقف العبثية في ساعات النهار بكأس عرق.
لم يكن في البار سوى أربع طاولات صغيرة كانت أكتافنا تتزاحم في ذلك المجال الضيق.

بائع الخضرة أبو مازن الصامت والهادئ أبداً، كان يركن عربته الفارغة على الرصيف، يجلس في نفس المكان. وبسرعة توضع بطحة عرق أمامه وإبريق ماء وكأس فارغة وصحن. يُخرج سكيناً صغيرة من جيبه وبقايا بندورة وخيار ويبدأ بتقطيعها بهدوء وتركيز، ثمّ يُرتبها على الصحن. أحياناً، كان يوزع البعض منها على بقية الطاولات، دون أن يقول شيئاً.
مرّة جاء طفل يبيع بطاقات اليانصيب، وصار، كما جرت عادة بائعي اليانصيب، يلحّ على شراء بطاقاته. كلنّا امتنعنا، البعض نهره « حلّ عنّا»، وآخرون لم يلتفتوا إليه حتّى.
وصل إلى أبو مازن الذي رفع يده بإشارة وكأنه يكشّ ذبابة، لكن الطفل ألحّ وصار يترّجاه. أخيراً، ودون أي تعبير على وجهه، اشترى إحدى تلك البطاقات، كي، على الأغلب، يُترك بسلام. قفز الطفل سريعاً نحو الباب وفتحه ليُغادر، فسمعنا جميعاً صوت أبو مازن، لأول مرّة، بزمجرة وغضب: «ولاك!».
تسمّر الطفل في مكانه كقطعة جليد، وساد الصمت البار الصغير. «مافي ميرسي؟». أكمل أبو مازن بصيغة سؤال.

صالة الكندي كانت تزخر بعرض أسابيع سينمائية، ممّا شكل لي مادة جيدة للكتابة. وتابع قاطع التذاكر إمدادي بالصور.

إحدى الأسابيع كانت لأفلام پيير پاولو پازوليني، الذي جاء بصحبة ممثله وخليله الشاب نينيتو داڤولي.
كلنا كنّا نعرف أن پازوليني كان مثلياً، لكن مؤسسة السينما حجزت لهما غرفتين منفصلتين، فجنّ جنون الرجل وطالب بإلغاء حجز إحدى الغرف. إدارة الفندق لم تقبل.
عمر أميرالاي، ممثّلاً لنادي سينما دمشق، كان يحادثه بالفرنسية، وأنا بالإنكليزية محاولين فضّ المشكلة، لكنه لم يقبل وكان يزداد غضباً. أخيراً، حُلّ كل الأمر ببقاء الحجز كما هو، وأن لا تتدخل إدارة الفندق في مسألة من ينام أين ومع من.

لم أشارك إلا بتقديم ثلاث مواد في إمتحانات نهاية السنة في كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية، ثم سافرت مباشرة إلى القامشلي بالطائرة ولأول مرة.

يا للراحة، ويا لسهولة الأمر وتوفير الوقت. السفر إلى القامشلي كان عذاباً يبدأ بالكراج وتغيير الباص بآخر في كراج حلب، ثم رحلة لا نهاية لها إلى القامشلي. فترات إنتظار قاتلة، وروائح المسافرين المزعجة، ناهيك عن تناول أطعمة محشوة بالسموم في الإستراحات، تجعلنا نُعاني من الزحار والإسهال وآلام المعدة لعدة أيام.

الطائرة كانت ترفاً هائلاً، لأن سعر البطاقة كان يُعادل مصاريف شهر كامل.
الرحلة الأولى لن تُمحى من ذاكرتي، ليس فقط لأنها المرّة الأولى، بل بسبب أحد الركاب.
قبل الهبوط في مطار القامشلي، صرنا نرى بوضوح القرى المنتشرة في السهل الذي يربط القامشلي والحسكة، وصاحبنا تعرّف، كما يبدو، على قريته فصرخ عالياً «هوب، هوب» (قف، قف).
لاذ بالصمت حينما بدأنا جميعاً بالضحك.

في القامشلي، كنت أتعامل مع قيظ الصيف بالإستلقاء في بركة من التعرّق ساعات الظهيرة نصف ميت، وفي الأمسيات، حينما يهبط قرص الشمس نحو الغرب وتتحول السماء إلى ألعاب نارية، كنت أقطع شارع القامشلي جيئة وذهاباً مع الأصدقاء ونتبادل النظرات مع الفتيات، ثم نلجأ إلى نادي الموظفين الصيفي قبالة مبنى السراي القديم من العصر الفرنسي، ونطلب اللحوم المشوية على الفحم والعرق والكثير من الماء والثلج.

في إحدى الليالي، جاء أخي بغتة عن طريق بيروت. حاملاً معلومات مُثيرة وجديدة.
كان قد سافر إلى الدانمارك، بغية اللقاء بصديقه صباح الفران (الإبن البكر لصاحب الفرن الشهير في قدور بك أبو صباح) والذي كان قد استقر في كوبنهاغن قبل عدة سنوات، وهناك استبدل بلد إقامته، من ألمانيا الغربية إلى الدانمارك.
وحين وصلتني نتائج الإمتحانات، لم أستغرب رسوبي في كل المواد، لكنني لم أفهم نجاحي في مادة القومية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,751,647
- شام-الفصل التاسع
- شام-الفصل الثامن
- شام-الفصل السابع
- شام-الفصل السادس
- شام-الفصل الخامس
- شام-الفصل الرابع
- شام-الفصل الثالث
- شام-الفصل الثاني
- شام-الفصل الأول
- سأطهّر المنطقة أولاً
- فصل جديد من رواية «كوبنهاون»
- الطيران مع «آنا»
- مرّة اخرى، القامشلي
- هنريك، ملك الدانمارك
- اوصماني برو
- معمارية متحف لوڤر أبو ظبي
- فصل من رواية «كوبنهاون»
- البازلّاء
- البعوض وحشرات اخرى
- العناكب


المزيد.....




- أقدم لؤلؤة في العالم تُكتشف في أبو ظبي
- #كلن_يعني_كلن: لبنان ينتفض على وقع الموسيقى والرقص
- ضحايا وثوار ومضطربون.. لماذا نحب أشرار السينما؟
- -القراءة الحرام-.. غضب الكتّاب بسبب تجارة الكتب المزورة
- السينما المصرية والعدو الأول
- وفاة الفنان السعودي طلال الحربي بعد تعرضه لحادث أليم
- برلماني يجمد عضويته في حزب الميزان.. لهذا السبب
- اختفاء ممثل فائز بجائزة سينمائية فرنسية
- حياة صاخبة ومركز للقضاء.. غزة قبل الاحتلال في سجل وثائق نادر ...
- قيادات من الشبيبة الاستقلالية غاضبة بسبب -الاقصاء-


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - شام-الفصل العاشر