أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عادل صوما - رسالة سفاح نيوزيلند إلى العلمانيين والمتزمتين (2)















المزيد.....

رسالة سفاح نيوزيلند إلى العلمانيين والمتزمتين (2)


عادل صوما

الحوار المتمدن-العدد: 6185 - 2019 / 3 / 27 - 08:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هنا الجزء الثاني والاخير من قراءاتي عن جريمة نيوزيلند وسفاحها.

عودة الطائفية
نبذ الغرب مسألة الحروب الدينية والطائفية بعد أهوال، واتجهت دوله بعد عصر التنوير والتخلص من لامعقولية ولا إنسانية القتل في سبيل الله، من اسقاط الملكيات التي حكمت بحق إلهي وتحجيم دور دولة الفاتيكان مانحة ذلك الحق، إلى الدول العلمانية التي نراها، لكن ما يسترعي الانتباه، في ما تجاهلته معظم وسائل الاعلام، هو أن سفاح نيوزيلند كتب في وثيقته عن ضرور استرجاع القسطنطينية، والخونة البيض لعرقهم، وتحول بعض أحياء باريس إلى أماكن مغلقة، وعدمية الانسان الاوروبي الذي ينشد الاستمتاع بالحياة ولا يبالي بسقوط وطنه شيئا فشئياً، كما تحدث عما أسماه "الاستبدال الكبير" وعنى به حلول جنسيات أخرى محل الانسان الاوروبي في غضون سبعين سنة، إذا لم يتجاوز الاوروبي عدميته ولامبالاته.
ظل سفاح نيوزيلند يردد داخل سيارته نشيداً حماسياً لوحدات قومية صربية شبه عسكرية عرفت باسم "التشتنيك" خلال الحرب البوسنية بين عامي 1992 و1995، وتمّجد الأغنية الزعيم الصربي رادوفان كاراديتش المُدان في عملية إبادة جماعية وجرائم حرب، كما كتب على سلاحه والاحزمة التي تحيط بصدره أسماء رجال مدانين بقتل مسلمين ومسلمين مهاجرين. فما الذي أيقظ هذه المشاعر التي نبذها الغرب في دور عبادته ومدارسه ونواديه وكوادر سياسيه وأحزابه؟
كما كتب السفاح على إحدى قطع أسلحته عبارة "من أجل روترهام"، في إشارة إلى فضيحة اعتداء واستغلال جنسي لحوالي 1400 طفلا في بريطانيا، كانت الشرطة على علم بكل تفاصبيها والشبكة من أصول باكستانية التي تديرها لمدة ثلاثين لكنها تكتمت على الجرائم، أو قالوا في أفضل تبريراتهم أنهم لم يصدقوا ما جاء في التقارير!
أشارت كلمات السفاح الأخرى المكتوبة على أسلحته إلى معارك تاريخية نشبت بين البلدان الأوروبية والإمبراطورية العثمانية. وهو أمر يشير بوضوح إلى غايات اليمين المتطرف المسيحي الذي أقامه الإرهاب المتكرر واضح الأهداف من قبور النسيان، لأن أوروبا نفسها قبرت هذه الحروب في كتب التاريخ لتبدأ حياتها العلمانية الجديدة، لدرجة أن القارة العجوز وقفت في وجه الامبراطورة الروسية كاترين العظمى، التي وضعت استعادة القسطنطينية (اسطنبول) على اجندتها لما لها من أهمية عند المسيحيين، فقد كانت عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية، ولم تسمح أوروبا للإمبراطورة كاترين بتنفيذ أجندتها، وقد استوعب يوسف ستالين الدرس، وفهم أن أوروبا قبل وبعد الحرب العالمية الثانية توزع المغانم على أسس اقتصادية وليس دينية، وهكذا لم يضع الزعيم الحديدي، الذي لم يبال بالتضحية بالملايين من أجل إنشاء الاتحاد السوفياتي، استعادة القسطنطينية على مائدة مفاوضات ورثة الامبراطورية العثمنلية كموقع ستراتجي حيوي لبلده وليس رمزا دينياً، بل وضع بناء مرافىء في ليبيا يسيطر عليها الاتحاد السوفياتي.
فما الذي أعاد هذه الامور إلى عقل سفاح نيوزيلند؟ ولماذا وجّه سلاحه إلى المسلمين طالما هو ملحد وفاشي وقومي وعنصري؟ الجواب الاولي واضح وهو الدفاع عن عرقه الابيض والعلمانية التي تحميه هو وأمثاله ليكون ما يكون بدون تهديده بنص ديني.
هل هذه الجريمة تستحق فعلا حورارت فكرية معه أو مع اليمين المتطرف علانية وأمام الاعلام من المهتمين بشأن ترهيب وتقويض العلمانية بدءا من معقلها أوروبا وصولا إلى كل الغرب ودول العالم، أم أن الامر سيقتصر على هيئة محكمة ستسأل عن عدد الطلقات التي أطلقها ونوع السلاح الذي حمله وتوقيت الجريمة ونوع السيارة التي قادها لمكان الجريمة وعدد المنكوبين والمصابين، ثم تودعه في حبس إنفرادي كما قالوا مسبقا وقبل المحكمة؟
حبسه الانفرادي لن يمنع صعود اليمين المتطرف الذي يبدو أنه سيستخدم سلاح الارهاب أيضا.
بازار النعرات
يبدو أن الآتي واضح تماما، فقد واجهت رئيسة وزراء نيوزيلند جاسيندا أرديرن هذه الامور التي تستلزم التفكير بعمق، وسمعت الدينا صدى رصاصها التي أطلق من بلدة كرايست تشيرتش (كنيسة المسيح) بحملة علاقات عامة لا تليق بما يواجه العالم من أفكار كارثية وليس ظلامية، فارتدت الحجاب وذهبت لتعزية أهالي المتوفين، وافتتحت أول جلسة للبرلمان بتلاوة القرآن وهو ما لم يفعله الاخوان المسلمون عندما حكموا مصر لمدة سنة، ولم يفعله عبد الفتاح السيسي سواء بالنسبة للإعتداءات على كنائس مصرية أو حتى نسف مسجد الصوفيين الذي راح ضحيته ثلاثمائة قتيل في تشرين الثاني 2017، وصرحت رئيسة الوزراء بأن يواجه منفذ اعتداء كرايست تشيرتش "كل قوة القانون" في نيوزيلندا بعد ارتكابه اعتداء على مسجدين سقط على إثره 50 قتيلا و50 جريحا.
فما أهمية بروتوكولات العلاقات العامة هذه التي مجدها الاعلام؟ وما العمق في كلماتها؟ وكيف ستحل مشكلة موجودة في نيوزيلند كانت مخفية عن العالم حتى ذلك اليوم الدامي؟ مشكلة موجودة في الصين وروسيا واستراليا وأوروبا وغيرها، ويستحيل أن كل هذه الدول تُزايد على وهم تتوهمه أو كما يشيعون فوبيا.
وبسطحية غريبة صرحت رئيسة وزراء نيوزيلند أنه من خلال هذا الاعتداء كان المُنفذ يسعى إلى الشهرة ولذلك وعدت بعدم لفظ اسمه أبدا، ثم وعدت بإصلاح قانون حيازة الأسلحة في نيوزيلند وأقرت بأن الحادثة كشفت عن مكامن ضعف في هذا القانون، ما يعني انها ربما لم تقرأ تقرأ وثيقة السفاح برينتون هاريسون تارانت وخلفياتها، نظرا لانشغالها ببروتوكولات العلاقات العامة، أو قرأتها ولم تستوعب عمقها والانقلاب الكبير والاستبدال الكبير اللذين بدأا يحدثان في الشارع الغربي، بينما الحكومات تبدو للمواطن وكأنها مُغيبة عن بدء زوال العلمانية والحداثة ونتائجهما بسبب مصالحها.
مقابل بروتوكولات العلاقات العامة التي اعتقدت رئيسة وزراء نيوزيلند (وربما تكون محقة بسبب الخوف من المجهول الذي لا تملك خطة واضحة لمواجته) إنها قد تلطّف الاجواء المحمومة، أثار الرئيس رجب أردوغان غضب أستراليا بعدما حذّر من أن الأستراليين المناهضين للمسلمين، مثل منفّذ مجزرة مدينة كرايست تشيرتش النيوزيلندية، "سيرسلون في نعوش مثل أجدادهم" في معركة غاليبولي في الحرب العالمية الأولى، وقال أردوغان تصريحه وهو يقوم بحملة للانتخابات المحلية، وزايد كعادته واعتبر أن ما حصل في كرايست تشيرتش بنيوزيلند "جزء من هجوم أكبر على تركيا والإسلام".
رجب أردوغان مسلم يميني متطرف. الامر واضح جدا من عبارته، وربطه هجوم نيوزيلند بتركيا، رغم أن المسافة بينهما 16.587 كيلومترا، مجرد تمهيد لإعلان نفسه خليفة المسلمين في غضون سنوات، إذا لم يمت بأزمة قلبية حادة بسبب نوبات غضبه الجامح سواء من الذين لا يؤيدونه من الاتراك (إما أن يبايعوني أو يُقضى عليهم/ هم سينتحرون أو يُنحرون إذا لم يخضعوا لي) أو من صعود اليمين المتطرف في أوروبا، والواقع إنه هو شخصياً بتصريحاته المتهورة غير المسؤولة أحد أهم أسباب صعود ذلك اليمين المسيحي المتطرف.
البيئة والبشر
بدأ أول اعتداء على المسلمين بعد إرهاب سبتمبر 2001، في النرويج في تموز 2011 عندما قُتل سبعة وسبعين شخصاُ في هجومين إرهابيين للمطالبة بوقف تدفق عشرات الألوف من اللاجئين، وفي نيوزيلند ردد السفاح الكلام نفسه.
فهل ستظل شركات صناعة الاسلحة تصم آذانها وتخلق الحروب ومن ثمة تزداد الهجرة التي لم يعد يهتم بها نخبة الناس وصفوة العقول من أجل فرصة أفضل، بل أعداء العلمانية والحداثة والتنوير، ولذلك عمت الفوضى وانتشرت الاحياء والمدن المغلقة وتزايدت فروع جامعات الارهاب والظلامية بعد أن كانت تقتصر فقط على الجبال والاماكن المقفرة، وكان اتباعها من الجهلة وأشباه المتعلمين والمتزمتين.
عمت الفوضى وانتشرت المدن المغلقة في الغرب لأن الهجرة الجماعية ضد قوانين الطبيعة ومنطق المجتمعات، ودفع مخصصات شهرية للمهاجر العاطل عن العمل لأنه لا يعرف لغة البلد، دعوة صريحة للمزيد من عشرات الألوف من أمثاله للحضور، وبداهة يستحيل أن يبني الباحث عن مخصصات شهرية أي دولة يحل فيها، بل سينجب المزيد لتزداد مخصصاته.
إذا كان القيمون على الحزام الأخضر الافريقي لمحاربة التصحر قالوا أن الحزام يجب ان يتكون من اشجار متأقلمة مع البيئة الافريقية وتشمل سبع وثلاثين نوعاً من الاشجار لأن وجود اشجار لا تتأقلم مع البيئة سيؤدي إلى كارثة بيئية، فكيف لم يكلف القيمون على الهجرة والمرحبون بالمهاجرين أنفسهم عناء السؤال: هل هؤلاء المهاجرون سيتأقلمون مع بيئاتهم الجديدة؟ هل قيمهم تتفق مع قيم الغرب؟ هل يمكن أن يصبحوا مواطنين أو مجرد جاليات تعيش بنفس طريقة "الغيتو" اليهودي حتى القرن التاسع عشر؟
الجواب هو الكارثة التي نراها اليوم، وما خفي منها للمستقبل كان أعظم، لأن سكان أوروبا لا عقيدة واضحة لهم، وبدون عقائد قومية أو سياسية أو دينية لا تستمر الشعوب، وماسونيات أوروبا ليست عقائد بل جمعيات منافع وستساهم في تقويض أوروبا كما قوضت القيصرية في روسيا.
أما رفض الاوروبيون الانجاب وتكوين أسر فيعني انقراضهم أو تحولهم لأقليات بعد جيلين، سواء كان المواطنون الجدد مسلمين أو من سكان شرقي آسيا وهم الفئة الثانية الأعظم عددا في أوروبا وأستراليا وكندا، لكنهم يعيشون ويتكاثرون في صمت بدون هجومات إرهابية أو أحزمة ناسفة أو نشر الكراهية ضد من ليس من العنصر الاصفر.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,547,751
- رسالة سفاح نيوزيلند إلى العلمانيين والمتزمتين (1)
- لماذا لا يطلق السيسي وبوتفليقة لحيتيهما؟
- مطلوب سحب صفة الانسانية مع الجنسية
- رواية -عواصم السماء-
- كل سنة وأبطال العلمانية بخير
- القتيل الأغلى سنة 2018
- قتلنا الفرعون.. اهرب بارك الله فيك!
- التستر على القاتل نفاقاً
- حرب نصف الألفية الاولى
- رسالة إلى حامد عبد الصمد
- ما المانع أن يكون مسلماً كاهنا؟!
- الملاك الذي طار من البلكون
- كتاب -امام العرش مرة أخرى-
- الخطر ليس في تآكل الديموقراطية بل زوال التنوير
- نظرية الثقب الاسود الدينية
- مانديلا: وقائع وراء الاسطورة
- العقوبات بأثر رجعي ومفعول ابدي
- الدعوات لم تشفع لخير الفرق
- -عوالم خفية- وراء صناعة الفساد
- ولهم في علمانية أوروبا مآرب أخرى


المزيد.....




- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...
- بسبب المخاوف الأمنية.. نيوزيلندا تسيّر دوريات مسلحة تجريبية ...
- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عادل صوما - رسالة سفاح نيوزيلند إلى العلمانيين والمتزمتين (2)