أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 8














المزيد.....

تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 8


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6150 - 2019 / 2 / 19 - 21:10
المحور: الادب والفن
    


على غرار تاجرنا الغريب، وجدَ نفسَهُ جدُّ أبي " رومي " مثل نبات في بيئة جديدة. إلا أنّ موغادور كانت كذلك حتى بالنسبة للمغاربة، طالما أن تأسيسها صاقبَ وصول " مسيو كورنو " إليها في مستهل العقد السادس من القرن الثامن عشر، وذلك ضمن بعثة علمية فرنسية. ولم يطل الأمرُ بالمهندس المعماريّ، المكلّف بتصميم مرسى المدينة المستحدثة، لكي يكتشف مدى هشاشة مناعة السلطنة المراكشية. لقد وجدها متآكلة من الداخل، لا تكاد تتمتع حتى بوضعية الدولة الإقطاعية، المتيحة للأمراء بعض الاستقلالية. السلطان، كان ينمي ثروته من عائدات الضرائب والمكوس، المرهق بها رعيته، وكذلك يحتكر المتاجرة بعدد كبير من السلع. تحت حجة تأديب القبائل الممتنعة عن تأدية خراج الدولة، كان العاهل يقوم بين فينة وأخرى بحملة ( أو حركة وفق التعبير المتداول )، تخلف الخراب والضحايا، إلى فرض غرامة باهظة فوق الضرائب المستحقة، علاوة على مئونة عسكره نفسه.
ظلت السلطنة، على الأقل لوقت تدفق تقارير البعثات الأولى، عالماً مكتنفاً بالغموض في أذهان ملوك سلالة آل بوربون. وكل مجهولٍ، كما هوَ معروف، يوحي بالمهابة والرهبة. فبتقدير الفرنسيين حتى ذلك الحين، أن بلداً تعذر احتلاله على الفاتح العثمانيّ، لا بد أن يكون على جانب وافر من القوة والبأس. أما غيرهم من الأوروبيين، وتحديداً الأسبان والبرتغاليين، فإنهم جربوا مبكراً التحرش بجيرانهم المسلمين. ولكن أقصى ما حظيَ به هؤلاء، كان بعض النقاط المنعزلة على السواحل، تم تحصينها بالقلاع؛ كمزان البرتغالية وسبتة ومليلة، الاسبانيتين. البلدان كلاهما، كانا يتغذيان على ذكريات حكم المسلمين للأندلس: كان ما يقلقهما في هذا الشأن، أنّ من الممكن لتلك الحقبة، التي استمرت لنحو سبعة قرون، أن تتجدد ما لم يتم إضعاف السلطنة المراكشية، أو حتى احتلالها إن أمكن.
السلطنة من ناحيتها، يبدو أنها أُخِذت على غرة، بما أنّ ذاكرة سلالاتها الحاكمة كانت ضعيفة. اهتمام كل من تلك السلالات، المتعاقبة على حكم المغرب، كان منصباً على العثمانيين، المسيطرين على معظم شمال أفريقيا بما فيها الولاية الجزائرية المجاورة. إجراءات مجابهة قلاع الغزاة النصارى، لم تتعدّ على سلسلة من الرباطات، تشكلت من قصبات محصنة معتلية التلال، تراقب تحركاتهم عن كثب. على أنّ قوة رد السلاطين، في المقابل، كانت ثمة في عمق البحر: القراصنة، من مسلمي البلاد وغيرهم من المغامرين، حصلوا على دعم السلطنة لدرجة أن سفنهم لم تجد ملاذاً آمناً في مراسيها حَسْب، بل وأيضاً ما يلزمها من تموين وذخيرة.
إن تأسيس موغادور نفسها، كان لهذه الغاية على الأغلب؛ بعدما شكا القراصنة من صعوبة رسو سفنهم في المياه المحاذية لوادي الرقراق المجاور، بسبب كثافة الطمي المحمّل من السيول، التي تصب في البحر. السلطان ( على ذمة مذكرات المهندس الفرنسيّ )، كان يقوم ذات مرة بحركة لتأديب قبائل المنطقة، لما أشرفَ على مشهد البحر من ذلك المكان، فانتبه إلى إمكانية جعله مرسى. الطبيعة، هيَ من وفرت التحصين اللازم، بوجود جزيرتين مقابلتين للبرزخ المفترض أن يُشكّل المدينة، بينما الصخور السوداء العصية تقف شاخصةً مقابل البحر ـ كمردة خرافية لا تهزم.
مع ذلك، أمر السلطان بإشادة الأسوار المنيعة ورفدها بقلعة بحرية، ستُدعى منذئذٍ ب " السقالة ". كون بعثة ملك فرنسا تضم مهندساً معمارياً، وهوَ " مسيو كورنو " كما علمنا، فإنه دُعيَ شخصياً من لدن العاهل المسلم للمثول بين يديه. على الأثر، حط في المدينة المستحدثة جيشٌ كامل من عمال السخرة، بهدف الاستفادة من عضلاتهم في إنشاء المرسى والسقالة. كانوا بمعظمهم من الأسرى الإسبان والبرتغاليين، وقد عُرفوا على لسان مستعبديهم بنعتٍ مشنوع؛ " العلوج ". أفرد لهم حيّ خاص، يقع بإزاء أسوار السقالة الداخلية، منعزلاً عن مركز المدينة. وما لبثت أحياء أخرى أن تأسست، وكان ساكنو كل منها ينتمون لمنطقة معينة سواءً من إقليم السوس القريب أو من سفوح الأطلس البعيدة.
بترك المهندس الفرنسيّ ديانةَ قومه، واتخاذه لنفسه اسم نبيّ الإسلام، " أحمد "؛ بذلك، كان يؤكد على رغبته في الاستقرار ببلد راقَ له من ناحية الطقس والطبيعة، وربما أعجب بمواطنيه البسطاء أيضاً. الآن، وبدلاً عن إرسال المهندس ملاحظاته الشخصية من خلال تقارير تصل إلى باريس، فإنه صار يدونها في دفتر يوميات علّها تحيي ذكراه لدى أولاده وأحفاده. إلا أنه لم يرزق سوى بابن واحد، بعدما قضت والدته بعيد الولادة بقليل. بقيَ أرملَ، وفاءً لذكرى الراحلة. هذا برغم أنه بات رجلاً مسلماً، وفي وسعه تجديد زواجه بأكثر من امرأة. وإنها مدونته، مَن أسهبت في تفصيل أحوال السلطنة. وكان يتوقع لها الانهيار من الداخل، مثلما حصل مع موطنه الأول، الذي عصفت بها ثورة شعبية قطفت رؤوس أفراد الأسرة الحاكمة وكل من يمت لهم بالقربى أو الولاء.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,473,907,254
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 5
- الرسالة
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 4
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 3
- تاجر موغادور: مستهل الفصل الخامس
- تاجر موغادور: بقية الفصل الرابع
- تاجر موغادور: تتمة الفصل الرابع
- تاجر موغادور: الفصل الرابع/ 4
- تاجر موغادور: الفصل الرابع/ 3
- الصراطُ متساقطاً: الفصل المفقود 5
- الصراطُ متساقطاً: الفصل المفقود 4
- الصراطُ متساقطاً: الفصل المفقود 3
- الصراطُ متساقطاً: الفصل المفقود 2
- الصراطُ متساقطاً: الفصل المفقود 1
- المزحة
- تورغينيف وعصره: القسم الأخير
- الصراطُ متساقطاً: بقية فصل الختام
- الصراطُ متساقطاً: تتمة فصل الختام


المزيد.....




- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويل التعاوني
- مجلس الحكومة يصادق على مقترح تعيينات في مناصب عليا
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بإحداث دوائر وقيادات جديد ...
- ابراهيم غالي في -الحرة- : خبايا خرجة فاشلة !
- المصادقة على مشروع مرسوم بإحداث مديرية مؤقتة بوزارة التجهيز ...
- بالصور... من هو الممثل الأعلى أجرا في العالم لسنة 2019
- كشف تفاصيل هامة عن الجزء القادم من -جيمس بوند-
- تمثال للفنان حسن حسني يثير ضجة
- معرض فني عن مايكل جاكسون في فنلندا لا يسعى لتمجيد الفنان الم ...
- كاظم الساهر يحيي حفلا ضخما في السعودية


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 8