أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عصام بن الشيخ - مصيدة ربط الحقوق بالمفاوضة الابتزازية.. من بحث سياقات الفعل إلى تفكيك سلوك الفاعل: الحركات الاجتماعية في التجربة التعددية الجزائرية خلال ثلاثة عقود (1988 2018)، وتحولات ما بعد 2019.















المزيد.....


مصيدة ربط الحقوق بالمفاوضة الابتزازية.. من بحث سياقات الفعل إلى تفكيك سلوك الفاعل: الحركات الاجتماعية في التجربة التعددية الجزائرية خلال ثلاثة عقود (1988 2018)، وتحولات ما بعد 2019.


عصام بن الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 6141 - 2019 / 2 / 10 - 21:07
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


مصيدة ربط الحقوق بالمفاوضة الابتزازية.. من بحث سياقات الفعل إلى تفكيك سلوك الفاعل:
الحركات الاجتماعية في التجربة التعددية الجزائرية خلال ثلاثة عقود (1988 ـ 2018)، وتحولات ما بعد 2019.
د/ عصام بن الشيخ
***************************************
تشهد فرنسا موجة احتجاجات لافتة، جعلت الباحثين يقبلون على البحث عن أهم المقاربات التفسيرية لظاهرة الحركات الاجتماعية، ولعل هذا الاهتمام البحثي سبب غزو عشرات الباحثين لحسابي في ريسرش غايت وأكاديميا للاطلاع على كلّ النظريات التفسيرية لهذه الظاهرة، لأن ما يحدث في فنزويلا والسودان، لا يتوفر على الشروط النظرية ليصنف كحركة اجتماعية بالأساس.
لقد شكّل صعود حركة السترات الصفراء ردّ فعل طبيعي على ظاهرتي تآكل الشرعية الحزبية في فرنسا وصعود الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون الذي صنعه جاك أتالي وبنك آل روتشيلد ووصل إلى الحكم عبر حركة اجتماعية "إلى الأمام"، شكّل سببا في مناقشة أسباب وصول حركة النجوم الخمس في إيطاليا، وأسباب الصدام الأوروبي الأوروبي، وخروج بريطانيا بريكسيت واحتمال ظهور فريكسيت مشابه قد يهدّد حلم الولايات المتحدة الأوروبية، شكّلت التجربة الفرنسية تطبيقا حقيقيا لعلم الحركات الجتماعية لأنه استوفى الشروط النظرية للحركة العفوية، عكس ما يحدث في فنزويلا والسودان، والذي تتأكد فيه اليد الأمريكية والغربية، في تأليب المعارضة على الأحزاب اليسارية الحاكمة في دول جنوب إفريقيا، والمؤامرات الخارجية على السوادن رغم التقسيم.
أما في التجربة الجزائرية محلّ البحث في هذا المقال، فقد ركّزت فيها على مسيرة حراك قابلته الحكومة الجزائرية بشجاعة، وكانت تجربة جديرة بالمتابعة بحقّ، لأنّ نضال الحركات الاجتماعية لم يتمأسس نظرا لطابعه غير الرسميّ، غير أنّه شكّل لبنة للعمل المدني وتدعيما للنضال النقابي في جانبه المهني (الحركات الاجتماعية العفوية من داخل المنظمات الوظيفية)، وهو ما سيجعلني أغوص أكثر في الحالة الجزائرية، على النحو التالي.
حين خرج سكّان منطقة القبائل الكبرى والصغرى إلى الشارع بربيع البربر عام 1981 تلقى النظام السياسي الجزائري الأحاديّ أولى إشارات الانفجار الشعبي المحتمل بسبب تهميش الأمازيغ ولم تنجح محاولته لحصر ذلك الاحتجاج مناطقيا أو على أساس الهوية الإثنيّة، وحين انفجر الشباب والأطفال في أحداث (أكتوبر 1988) وصلت الأزمة إلى ذروتها مع الانهيار الكبير لأسعار النفط وتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتسبّبها في فقر الطبقة الوسطى وانتشار الفساد (الثراء الفاحش لبعض رموز القطاع الخاص)، وإلى هذا التاريخ كانت الاحتجاجات الشعبية غير منتشرة وقليلة العدد، لكن بعد إقرار دستور (فبراير 1989) والتحوّل من الواحدية السياسية إلى التعددية الحزبية، انفجرت الاحتجاجات والإضرابات المصاحبة للاضطرابات السياسية والأزمة الاقتصادية المتواصلة، وبعد عقد من الدماء ومكافحة الإرهاب (1991 ـ 2001)، وثلاث مراجعات دستورية عميقة أو شكليّة أعوام (1996، 2002، 2008)، جاء الدستور الإصلاحي الأخير في (مارس/ آذار 2016)، والذي رافقته تعديلات قانونية عميقة مسّت قوانين الأحزاب والجمعيات والعمل النقابيّ، لكنّها عجزت عن إيجاد إطار قانوني لتنظيم الحركات الاجتماعية العفوية، التي تطلق احتجاجات مفاجئة خارج الأطر الرسمية والقوانين واللوائح المؤسسيّة الداخلية، وإن برع النظام الجزائري في استيعاب معظمها بلجوئه السريع للاعتراف بأية تجربة حزبية أو جمعوية أو نقابية مستقلة تبدأ في شكل حركات اجتماعية، والاعتراف بها بشكل مؤقت قبل الانقلاب على التجارب التي لم تستطع الاستمرار في الرسوخ بسبب فصور دورها أو انتشارها "المجهريّ" ــ كما تصفه وزارة الداخلية ــ، فإنّ الحركات الاجتماعية تظلّ الظاهرة الأكثر إزعاجا للسلطة، بسبب طبيعتها التمرّديّة على الأجهزة الأمنيّة، واختيارها الشارع وسيلة مفضّلة لإجبار السلطة على التفاوض، بطريقة ابتزازية، بعد أن أثبتت التجربة قوة وزارة الداخلية، والتفافها المتكرّر على الحقوق المهضومة، بوعود كاذبة؟.
السكن كمحدّد لدراسة وضعية الأسرة الجزائرية، حملة (#خليها ̲ تصدّي) 2017 و2018 لمقاطعة شراء السيارات جزائرية الصنع كمحدّد لقياس القدرة الشرائية للمواطن وبحث مستويات الإفقار وانتشار البؤس العام "غياب الرفاه"، احتجاجات الأساتذة والمعلمين كمحدّد لقياس انضباط الإطار التدريسي لعشرة ملايين تلميذ واستخدام الباكالوريا كورقة ضغط في التفاوض، إضراب الأطباء المقيمين 2018 كمؤشّر لبحث أسباب انتشار الأمراض المعدية ونقص العلاجات بسبب التقشّف ونقص الأدوية في الصيدليات، إضراب الصحفيين عن الطعام كمؤشّر على تشديد وزارة الإعلام على رموز السلطة الرابعة وتشتيت أقطابها وإضعاف كبريات العناوين الوطنية للجرائد واليوميات البارزة والقنوات التلفزيونية المستقلة، احتجاجات الشبّاب البطال كمحدّد لقياس تحركات الشباب والنساء بوصفهما أكثر الشرائح الاجتماعية استقطابا للأزمات في الجزائر..، هي نماذج لبعض آخر الاحتجاجات الاجتماعية في مجتمع يعرف معدل 30 احتجاجا شهريا في كلّ ولاية جزائرية (من بين 48 ولاية عبر الوطن)، ومعدّل احتجاجات بلغ ذروة 11 ألف ثورة صغيرة عام 2010، إبان اندلاع احتجاجات الزيت والسكّر، تحوّلت فيه الحملات الإعلامية عبر اليوتيوب الى وسيلة مفضّلة لتشجيع المنتخبين على مقاطعة الانتخابات التشريعية والمحليّة للبلديات، مثل حملة العزوف الانتخابي (#ما_نصوطيش) وحملة اللامبالاة والاستقالة السياسية (#راني_زعفان)، أو حملة ساكنة مدينة عين صالح جنوب غرب الجزائر ضدّ استغلال الغاز الصخري (#NON_AU_GAZ_DE_SCHISTE!)؟!، وهي حملات دفعت أجهزة الشرطة الجزائرية إلى التحقيق حولها وإحالة المتسببين فيها إلى القضاء.
هكذا تمّ تشتيت رأس المال الاجتماعي الجزائري في حركات اجتماعية عفوية نتيجة تراكب العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من مرض رئيس البلاد، إلى أزمة السكن، التعليم والصحة، انتشار المخدرات، عجز القضاء عن ردع الفساد، انخفاض أسعار البترول، زيادة الجبايات والضرائب، تآكل شرعية الأحزاب السياسية، غياب البرلمان، تغوّل الحكومة، نواقص الديمقراطية التمثيلية وبطء تنفيذ الديمقراطية التشاركية التي لم تبدأ في شكل إجراءات عمليّة لتمكين المواطن من المساهمة في إثراء المداولات على مستوى المجالس المنتخبة، إذ لا تزال ثقافة الديمقراطية والتعبير الحرّ عن الرأي ضمن خانة التعبير الفوضويّ، ولم يتعوّد المواطنون على رفع عرائض موجهة لمجالس الجماعات المحلية، ويبقى الشارع الفضاء المفضّل للتعبير عن السخط الشعبيّ، لأنّ وزارة الداخلية لا تزال إلى الآن في مرحلة إثراء ميثاق التشاركية الذي لم يصدر إلى حدّ الساعة!.
هذه هي التجربة "البروتستوكراسية/Protestocracie" الجزائرية لديمقراطية الاحتجاج، التي أدت فيها ظاهرة إغرائية الفوضى وجاذبية الغليان إلى جعل الشارع فضاء مفضّلا للتعبير عن الرأي رغم دسترة حقّ المعارضة في دستور 2016!، فقد أضحت "ورقة الشارع" الوسيلة المفضّلة لمخاطبة السلطة!، لكن وكما يقول مثل قانوني شهير: "الدستور كريم، والقوانين بخيلة"، فقد انتهى "عصر الوعود الدستورية" الجزائرية إلى "دولة القانون" الدولة الحارسة دون "دولة الحقّ والقانون" دولة الرعاية لسبب بسيط، هو عدم نفاذ هذه الوعود في أرض الواقع، وعدم تمتّع المواطن بجميع حقوق المواطنة.
تدرك الحركات الاجتماعية الجزائرية أنها ستعامل كجمهور جانح/ Audience Delinquent" كما يحدث في كلّ التجارب المجتمعية في بقية دولة العالم، قبل أن تلتفت لها السلطة لتقديم وعود المفاوضة، إذ سيتمّ اتهامها تلقائيّا بإشاعة الفوضى والنزعة "السوقيّة" الغوغائية في الاحتجاج، بما يحرّك "الحياة المتوسطة" نحو الأعلى دون احترام الآليات التقليدية للحوار في المؤسسات المهنية والمجالس المنتخبة، الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدنيّ. فحتى تحصل هذه الحركات على الاعتراف بشرعيتها، وتتمكن من المفاوضة وتقديم خططها الاقتراحية/ Proposed Plans" كما يسميها المفكّر الأمريكي إيريك هوفر Eric HOFFER (1902 – 1983)، لا بدّ عليها أن تجرّب مرحلة التهميش والاستصغار والصدام، حين ينعت المحتجّ بـ:"السيد الصغير الراضي عن نفسه" كما يقول المفكر الاسباني خوسيه أورتيغا إي غايست José Ortega y Gasset (1883 – 1955)، ويمارس "الديمقراطة المفرطة/ Excessive Democracy" المباشرة لـ: "فرض مقولات المقهى، ومنحها قوة القانون"!، وفرض "عصر التسويات/ Era Settlements" في الشارع بأسلوب ديماغوجيّ شعبويّ، واستخدام القدرة على "التجمهر"، لخلق "واقعة امتلاء" تراهن على "منهجيات العمل الجماعيّ"، لفرض فوضى سوقية كما يسميها الفيلسوف الفرنسيّ غوستاف لوبون Gustave Le Bon (1841 – 1931)، تفرض على السلطة التفاوض، قبل أن تواجهها بالفيتو السياسي "الحقّ في الاعتراض الشعبي Le Veto Politique"، فعندما ينجح الإضراب والتظاهر والتجمهر والاحتجاج والاعتصام، تخشى السلطة انفجار الثورة الشعبية، فالدولة الراعية/L’Etat Providence تختلف عن الدولة الحارسة/L’Etat Gendarme التي تقوم على مرفق البوليس ومرفق الجيش ومرفق العدل، ويمكن لأسلوب الدولة الأخيرة أن يؤدّي إلى وقوع سيناريو الحرب الأهلية. وفي كلّ هذا التدرّج تصديق نظريّ لما توصّل إليه الباحث الأمريكيّ الراحل تشارلز تيلي Carles Tilly، الذي يعتبر الحركة الاجتماعية بوابة دخول ومشاركة الناس العاديين في السياسة.
يقول الفيلسوف الوجودي الفرنسي الراحل ألبير كامو /Albert Camus (1913 – 1960) أنّ "الإنسان المتمرّد هو الذي يتمرّد ضدّ الظلم المتأصّل في الدولة، فإذا نجح هذا التمرّد، فإنّه يصبح ثورة"، ويرى عالم الاجتماع التونسي محسن بوعزيزي أنّ تقلّص الفضاء العام في بناء علاقة الصراع بين المجتمع المدنيّ والمجتمع السياسيّ، دليل على وجود فشل مؤسسيّ في منح الفرص للمجتمع المدنيّ الرديف في الفضاء العام، لذلك يلجأ الجمهور إلى افتكاك هذا الفضاء الذي يفقد معناه في ظاهرة (اللاّمعنى/ Le Non-sens)، وتتعطّل دلالاته بسبب تآكل شرعية وترهّل أداء الحزب السياسي والجمعيات وهيئات المجتمع المدنيّ، فيتشكل فراغ تستغله الظواهر الانتهازية والزبائنية والتابعة للخارج، ليزداد الخناق على الحركات الاجتماعية في (اللاّمجال/Le Non-Espace)، فتصل الأزمة إلى الذروة، وتندلع "الحركة – الزوبعة" Mouvement Tourbillon/ Movement Whirlwind، منطلقة من تعبيرات المجتمع المكبوتة والمكتومة، فتطال قوتها التدميرية كلّ السلطات، ويتلقفها الشعب لما لـ: "إغرائية الفوضى، وسحرية غير المتوقع، وجاذبية الغليان"، في نفس الفضاء العام الممنوع والمحتكر سابقا.( )
فالحركة الزوبعة حسب الباحث محسن البوعزيزي، هي آخر ما سيتبقّى من تعبيرات المجتمع الضاغطة، التي صمدت أمام طغيان سلطة الدولة ونفيها للفضاء العام، لتعيد تصحيح الأشياء، على أمل أن يعاد إحياء مفهوم "الدولة المسنودة بالمجتمع المدنيّ"، وتتوقّف الدولة عن التذكير المستمرّ بقوتها المتعاظمة أمام هشاشة المجتمع، ففي الغالب تعتبر مثل هذه الوضعيات التاريخية، أنسب مداخل قابلية التدخّل الأجنبيّ وضياع هيبة الدولة، بعد نجاح الثورات الشعبيّة.
أصبح الدور السياسي لفئة الشباب والنساء متضمنا في ديناميات "السلوك الجماعي/ Collective Behavior" للحركات الاجتماعية، وأضحى سببا في اعتبار الشباب والنساء ــ أهمّ الشرائح استقطابا للأزمات ــ وطلائع اجتماعية احتجاجيّة وفق مقاربات الماركسيين الجدد، لذلك تحوّل الشباب والنساء إلى: "عناصر اجتماعية دائمة Permanent Elements" ضمن "هراركية/تراتبية" جيليّة اجتماعية معقّدة، قابلة للتحوّل إلى "أناركية/فوضوية" طاغية، إذا نجح الشباب والنساء في تعبئة الموارد Resource Mobilization ، واعتماد "استراتيجية الاحتجاج الاجتماعي" The Strategy of Social Protest، فإنّ فعّاليّة الناشطية بإمكانها أن تحوّل النشطاء إلى كوادر سياسية تشكّل احتياطا بديلا للحياة السياسية والحزبية، عند الانسداد المزمن والجمود القاتل للحياة السياسية. وبدل أن يكون الجمهور "ألعوبة المحرّضات" كما يقول غوستاف لوبون، تشكّل منهجيات العمل الجماعي خبرة اجتماعية وسياسية تراكمية، يمكنها اكتساح المشهد السياسي عند تآكل شرعية الأحزاب السياسية كما حدث في انتخاب رئيس الجمهورية الفرنسية الحاليّ، الشاب ايمانويل ماكرون، الذي قاد حركة اجتماعية حرّة، تفوقت على أحزاب سياسية عتيدة، رغم عمرها القصير.
عند كلّ استحقاق رئاسيّ تتوقع الأجهزة الأمنية الجزائرية تزايد عدد ونطاق الاحتجاجات الاجتماعية، فتصنّفها وفق العديد من المعايير، فحين تكون مؤطّرة مؤسسيا يتحوّل الدور الأمني إلى مجرّد مرافق صامت للحدث، أما إذا كانت عفوية وغير معلومة المصدر، كانت المؤسسة الأمنية في ورطة، وغالبا ما يتم البحث عن قادة الحركة الاحتجاجية للتعرّف على مطالبها، وبما أنّ تنظيم الحركات الاجتماعية لم يرد في قانون الجمعيات طوال التجربة التعددية، فإنّ الإصلاحات لا تزال بعيدة تماما عن مواجهة الظاهرة بكل عقلانيّة، وهي التي تعتمد على المقاربات الحكمانية الرشيدة للتشاركية والتدوالية والحوار، الجوارية والقرب والمفاوضة؟؟، دون أن تبحث عن التجارب الدولية في التعامل مع الحركات الاجتماعية وفق القوانين.
في مصر استطاعت حركة تمرّد المنبثقة عن حركة كفاية أن تلفت نظر المؤسسة العسكرية إلى سيناريو إسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي العيّاط عام 2013 دفاعا عن علمانية الدولة ضدّ مشروع الأسلمة الذي يرهن مستقبل الدولة المصرية لمشروعات أجنبية وحاول تحويل مصر إلى نموذج الدولة الثيوقراطية الإكليروسية، لكن بعد تحوّل (30 يوليو 2013) وجدت نفس الحركة نفسها عاجزة عن الوقوف في وجه المؤسسة العسكرية كما هو الحال تماما في الجزائر. وفي لبنان استطاعت حملة (#طلعت ̲ ريحتكم) أن تلفت النظر العالمي لأزمة النفايات وانسداد التسيير البلديّ لهذا القطاع الحسّاس الذي يهدّد صحّة المجتمع، وفي ريف المغرب انطلقت حركة اجتماعية يقودها الناشط ناصر الزفزافي الذي حكم عليه القضاء بعشرين عاما سجنا، لقيادته حراكا جهويا في منطقة الأمازيغ، ولا تزال الحركات الاجتماعية العربية تنطلق بعفوية بين الحين والآخر، غير أنّ تفسير أسبابها ودينامياتها بحاجة إلى تعمّق كبير لرصد المكامن الخفيّة للمطالب الاجتماعية الشرعية، ومآلات صدامها المحتملة والحتمية مع السلطة؟.
تمنع الجزائر بشكل رسميّ الجمعيات المعترف بها من الحصول على التمويل الخارجيّ مهما كانت المبررات فما بالك بالحركات الاجتماعية غير الرسمية وقد شكّل ذلك سببا كافيا لاتهام نشطاء اجتماعيين بالعمالة للخارج بينهم مدونون وروّاد أنترنت يحسنون إطلاق الحملات وإعداد العرائض الشعبية. والتحقت مصر بهذا التوجّه بعد اتهام القضاء لبعض الحركات الاجتماعية بتلقي تمويل خارجي مثل (حركة 06 إبريل) المحلة، فلقد تسبّب السماح بالتمويل الأجنبي للجمعيات والمنظمات غير الحكومية بتسريع تفكيك الاتحاد السوفياتي السابق باعتراف الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف صاحب سياسة الإصلاح والبيروستويكاLa Glasnost et La Perestroïka. وتدرك الحكومة الجزائرية أنّ التساهل أمام هذه الظاهرة سيؤدّي إلى تفجير الأوضاع الداخلية ووقوع أزمات سياسية كما حدث سابقا مع باريس والكيان الصهيوني وغيرهما، ففي ظلّ ضعف المعارضة السياسية في الجزائر وغياب المؤسسات، وركونها في خانة الهيئات ــ على حدّ وصف رئيس الحكومة الإصلاحيّ السابق مولود حمروش ـــ، تحوّلت المؤسسة العسكرية إلى الهيئة إلى المؤسسة الوحيدة القادرة على تشكيل سلطة مضادة Contrepouvoir، قادرة على مواجهة تغوّل السلطة، لذلك تجد الحركات الاجتماعية الجزائرية نفسها قوية في حال اتفاق توجهاتها مع توجهات المؤسسة العسكرية، وتقابلها صعوبات مضاعفة إذا كان الجيش في صفّ السلطة المركزية، وفي كلتا الحالتين فإنّ المؤسسة العسكرية في الجزائر ممنوعة من التدخّل في الحياة السياسية، وإن طالبت الجماهير بذلك، ما حدث في أزمة استغلال الغاز الصخري عامي 2015 و 2016 في مدينة عين صالح.
الإطار النظري لدراسة الحركات الاجتماعية الجزائرية:
رصدت 42 مقاربة مختلفة لدراسة الظاهلاة المبحوثة، ويمكن توضيح أهمها في ما يلي:
مقاربة أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci لدراسة سلوكات التطوع والعمل الخيري غير الربحي في المجتمع المدني، وهل تعتبر الحركة الاجتماعية ضمن نفس التصنيف عملا تطوعيا خيريا وغير ربحيّ (Volunteerism، Charitable work، Non-profit)؟. ومقاربة السوسيولوجي الفرنسي آلان توران/ Alain Tourain الذي بحث سوسيولوجية الحركة الاجتماعية وفق مقاربة تتحول من دراسة الفعل الاحتجاجي إلى دراسة الفاعل (المحتج) الذي أضحى لاعبا ثقافيا بعد انمحاء الفضاء الاجتماعيّ!
مقاربة الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون الذي درس منهجيات العمل الجماعيّ للثورة والاحتجاج ضمن مقاربات نقدية لا تعترف بحقّ المحتجّ في التظاهر والاحتجاج خارج القانون، وينتقد ما يتسبّب فيه هذا السلوك من صعود للسوقية والغوغاء في المشهد السياسيّ، وهو منظور يوصف بالعنصرية وقد أنتقد لوبون كثيرا حوله خصوصا مع موقفه السلبي من مشاركة المرأة في السياسة أيضا!.
مقاربات الباحثين سيغموند فرويد و آلبير كامو، لدراسة سيكولوجيات التمرّد في وطرق تفكير وسلوك الثائر والساخط، وعلاقة سلوكه بالرهانات السلطوية، وكيف يتمّ تبرير هذا السلوك الثوريّ. ومقاربات الباحث لويس كيليان Lewis Killian، الذي درس روابط أعضاء الحركة الاجتماعية والعلاقات التي تنبني بينهم خلال العم الاحتجاجي، وفق مقاربات بنيوية تدرس الدور والوظيفة، الهيكل والبنية.
مقاربات الباحث جون ماك كارثي John McCarthy، لدراسة كيفية تعبئة الموارد لدى الحركة الاجتماعية وكيف تتم عمليات التخطيط للحملات الاجتماعية وما هي أهداف الحركة الاجتماعية. إضافة إلى مقاربات الباحث ويليام غامسون William A. Gamson، الذي درس إستراتيجيات وتكتيكات الاحتجاج الاجتماعي ومكامن نجاحها وأسباب فشلها وكيفيات السعي إلى إعادة إحيائها. ومقاربات الباحث نايل سمالسر Neil Smelser، لدراسة القيم والهياكل والحراك والتكتيكات في منهجيات السلوك الجماعي.
مقاربات الباحث دووغ ماك آدم Doug McAdam، الذي درس موقف الحركة الاجتماعية من الانتخابات وكيفيات تنظيم حركة اجتماعية في التجارب الديمقراطية المتقدمة. ومقاربات الباحث سيدني تاراو Sidney Tarrow، الذي درس البنى والهياكل والأطر الثقافية لأعضاء الحركة الاجتماعية. ومقاربات الباحث رالف. ه. تورنر Ralph H. Turner، الذي ركّز على دراسة تبادل المعلومات والموارد وهندسة الجماهير، ومقاربات الباحث تشارلز تيلي Carles Tilly، الذي درس مشاركة الناس العاديين في السياسة، وكيف تتسبّب الناشطية في الحركة الاجتماعية في تجنيد وتأهيل البسطاء والعموم، وتثقيفهم، وتحويلهم إلى كوادر سياسية تزيد من رصيد الاحتياطيّ السياسي في رأس المال الاجتماعي.
منظور الباحثة تشارلوت ريان Charlotte Ryan، حول مقاربات التشاركية والتساهمية والتداولية في البناء والحركية لدى الناشطية الاجتماعية، إضافة منظور الباحثة دوناتيلا ديلا بورتا Donatella Della Portaوالباحث ماريو دياني Mario Diani، حول شرعية العمل الجماعي وأزمة المشروعية السياسية في نواقص الديمقراطية التمثيلية، إضافة إلى مقاربات الباحث أنتوني أوبرشال Anthony Oberschall، حول عقلانية الحركة الاجتماعية ودورها في ممارسة المساءلة والرقابة الاجتماعية والمحاسبة القيمية. وتجدر الإشارة إلى أنّ الأبحاث التي تدمج متغير النوع الاجتماعي (الجندر) مهمة جدا على هذا الصعيد، لأنّ للحركات الاجتماعية النسوية دور كبير في تطبيع الحراك الاجتماعيّ والسماح بانتشاره نسبيا، خصوصا إذا كانت الحملات اجتماعية وثقافية، ولا تتضمن رهانات سلطوية خفيّة (مضمرة، وغير مرئية).
أبحاث جايمس لاوسن James Lawson لدراسة الحركات الاجتماعية التي تتخذ حملات اللاعنف وسيلة لرفع عرائض الاحتجاج كما هي في تجربة النضال عند الماهاتما غاندي ونيلسون مانديلا، وطرح التساؤلات حول سرّ قوتها وانتشارها خصوصا في المجتمعات المتقدمة، إضافة إلى أبحاث راي تاي Rey Ty، المنظّر من أصول هندية أمريكية، والذي يركّز على مقاربة حقوق الإنسان والدفاع عن العدالة الاجتماعية للدفاع عن حقوق المواطنة، وهو ما يقتضي بحث المفاهيم التي أصّل لها المفكّر الأمريكي هنري دافيد ثورو Henry David Thoreau حول مفهوم العصيان المدني ونماذجه غير العنفية، التي تمّ تجريبها على يديه ضدّ الإدارة المركزية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتسببت في انتشارها في كافة أنحاء العالم، وتراهن على تحولات سلطوية وفق تقنيات دقيقة للعصيان المدني القائم على انتشار التضامن المدنيّ لمجتمع الأهالي في وجه سياسات رموز المجتمع السياسي.
ما قدمه الباحث بيل موير Bill Moyer، في خطته من ثمانية مراحل لسحب الثقة من أيّ رئيس أو مسؤول سياسي منتخب (وقد اكتشفت أنها أعتمدت في خطة حركة تمرّد مصر)، وهي الأكثر بحثا في المجتمع الأمريكيّ الذي يطرح التساؤلات عبر محرّك غوغل عن كيفيات إسقاط الريس الحال دونالد ترامب دون الإضرار بالتجربة الديمقراطية الدستورية الأمريكية!. كما ستبحث الدراسة أسباب انتشار ترجمات كتب الباحث جين شارب Jin Charp، لمواجهة الأنظمة الدكتاتورية عبر الثورة الجماهيرية، إذ تبدو مؤلفاته كدليل يرشد المجتمعات إلى تغيير مصيرها عبر ثورات التغيير الشامل، ويقصد بها المجتمعات النامية، حيث لا تصلح مؤلفات جين شارب للمجتمعات المتقدمة التي تمتلك ثقافة ديمقراطية راسخة، وتحتاج الحركات الاجتماعية لمؤلفاته التي تقدّم مبرّرات وجيهة لمثل هذه النزعات التحرّريّة.
كتابات الباحث إيريك هوفر Eric HOFFER ، الذي بحث بأسلوب جذّاب الأبعاد السيكولوجية لواقعة التجمهر والامتلاء في الساحات العامة واحتلال الفضاء العام، والعمل على صنع تاريخ جديد من التغيير الأسطوريّ، بتحويل شباب عاديين إلى أبطال ثوريين، وقد ساعدت طائرات الدرونز (بدون طيّار) في تسهيل تصديق المجتمعات العربية بأنّ الساحات العربية تحمل مليونيات من المحتجين والمتظاهرين، فيم كانت في الواقع خدعة بصرية تستغل واقعة الامتلاء لخلق مشهد التمسرح، الذي يسهّل تحويل مقتل النشطاء إلى عمل بطوليّ، ويبدو أنّ كتابات هوفر ستخضع لتدقيق كبير خصوصا وانّ مؤلّفه الهام "المن الصادق" قد ترجم على يد المثقف السعوديّ الوزير الراحل غازي القصيبي، فهل قام بترجمة كتابه بما قد يسمح بحدوث ثورات في المجتمعات الخليجية مثلا؟. كما تندرج كتابات هوفر مع بحث الفيلسوف والسوسيولوجي والصحفي السياسي الإسباني الراحل خوسيه أورتيغا إي غايست José Ortega y Gasset، الذي فكّك الصور النمطية للمتمرّد عن السلطة والعكس، وبحث السلوك الثوريّ للتمرّد بموضوعية وجرأة تستدعي قراءة مؤلفه باستفاضة وإمعان.
لاحظت في ورقة إعلان عن منحة زمالة لمركز بحث لبناني (مركز دعم لبنان) "باسم شيت" أنموذج الناشطية وفق أربعة مقاربات: (1ــ الهوية والانتماء المذهبي والقبلي والإثني، 2ــ العنف والقمع، 3ــ تناوب النخب الاستقطاب وإعادة الإنتاج، 4ــ أشكال الترقية السلطوية)، وفق مقاربات تفكيكية تبحث سيرورات الحراك من الأسفل. وقد بحثت شخصيا عن دراسات الباحثين المذكورة أسماؤهم في مشروع هذا المركز ولم أتوصّل إليها، لكنني سأسعى إلى طلب الإطلاع عليها بكلّ تأكيد، لأنها تدخل ضمن منطقة معتمة في التنظير الذي توصلت إليه، وآمل التوصل إلى منحة الزمالة للإفادة منها وتوسيع زوايا النظر عبرها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,230,851,529
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ...
- -ضيّع نفسك، تجدها-... إبراهيم الكوني، ومعضلة تحرير الإنسان ا ...
- الصمود المعرفي لأطروحات عبد الله الغذامي وأحمد الصرّاف: المج ...
- تفكيك بنية الأصوليّات البروتستانتية في العالم الإسلاميّ: مقا ...
- حول ظاهرة -انمحاء الأكاديمي- الاجتماعي، وتأثيراتها في الحالة ...
- ثالثة الأثافي... ساسة -دمية الميدان-: فقر فكريّ وفساد ماليّ ...
- أوروبا موحّدة ب: -وتائر- متفاوتة- لا -سرعات مختلفة-: وصفة مو ...
- بناءات ومقاصد الخطاب الغربيّ المعادي للإسلام قديما وحديثا: ت ...
- مشكلة تمويل صناديق التقاعد في دولنا العربية: محاورة لأستاذنا ...
- -إطحن أمو-... استحالة الهروب إلى الأمام في المملكة محسن فكري ...
- الانفتاح والانغلاق.. المواجهة السرمدية في السياسات العربية
- أحلام -هنري كيسنجر- والاختبار التركي... التخطيط للحرب العالم ...
- في نقد فلم: -فضل الليل على النهار/ Ce que le jour doit à la ...
- إشادة فلاسفة الغرب السابقين ب: -حكمة النبي محمد-: -الحلقة ال ...
- -تعريب الغشّ-، و-عولمة تسريبات الاختبارات ومباريات الامتحان- ...
- تجربة العمل السياسي للحركات الإسلامية في ثورات الربيع العربي ...
- خطط الإجهاز الدوليّ على -الفرائس العربية-... ظاهرة -الرباعية ...
- الروائي الكويتي سعود السنعوسي محلقا ب: -ساق البامبو-
- أداء المعارضة الجزائرية في ضوء -مبادرة الإجماع الوطني-... ضب ...


المزيد.....




- اشتباكات بين متظاهرين والشرطة الفنزويلية على جسر الحدود مع ك ...
- الرياحي يستقيل من -نداء تونس-
- الأمن الوطني يبدأ حملة اعتقالات تستهدف معارضي التعديلات الدس ...
- صحافي ليبرالي كاره للشعب: يونس دافقير مهاجما نضالات المفروض ...
- لم يعد ملاذ الفقراء.. أغنياء تونس يزاحمون على أسواق -الفريب- ...
- شرطة الجزائر تقر باعتقال عشرات المتظاهرين وناشطون يطالبون بإ ...
- عشرات الآلاف بغزة يشاركون في مسيرة وعرض عسكري في ذكرى انطلاق ...
- بيان عاجل من رئيس حزب التجمع لتحديد موعد لتنفيذ حكم أصحاب ال ...
- أكثر من خمس سنوات من “الحرب على الإرهاب”: من المسئول الحقيقي ...
- مساهمة في إعادة قراءة ماركس (9)


المزيد.....

- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا
- الرد على تحديات المستقبل من خلال قراءة غرامشي لماركس / زهير الخويلدي
- الشيعة العراقية السكانية وعرقنةُ الصراع السياسي: مقاربة لدين ... / فارس كمال نظمي
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية / عمرو إمام عمر
- في الجدل الاجتماعي والقانوني بين عقل الدولة وضمير الشعب / زهير الخويلدي
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر
- حوار مع نزار بوجلال الناطق الرسمي باسم النقابيون الراديكاليو ... / النقابيون الراديكاليون
- حول مقولة الثورة / النقابيون الراديكاليون


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عصام بن الشيخ - مصيدة ربط الحقوق بالمفاوضة الابتزازية.. من بحث سياقات الفعل إلى تفكيك سلوك الفاعل: الحركات الاجتماعية في التجربة التعددية الجزائرية خلال ثلاثة عقود (1988 2018)، وتحولات ما بعد 2019.