أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناصر بن رجب - قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (6)















المزيد.....

قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (6)


ناصر بن رجب

الحوار المتمدن-العدد: 6115 - 2019 / 1 / 15 - 01:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


3- الوصيّة المتواترة منذ بدأ الخليقة
إنّ مفهوم "الوصيّة" الكونيّة التي نجدها بغزارة في التّراث الإسلامي بشقَّيْه السنّي والشّيعي، وبالخصوص هذا الأخير، هو أساس "عِلْم النبوّات" الاصليّ في الإسلام. وهذا العلم يتناول أساسا مجموعة من المسائل التقليديّة مثل: تعريف النبوّة، وُجوب النبوّة أم عدم وجوبها، أعراض النبوّة، دلائل النبوّة، أعلام النبوّة، براهين النبوّة، إثبات النبوّة... إلخ.
كما أنّ هذا المفهوم يندرج في مفهوم أعمّ هو "التّناسخ النّبوي" عبر الأجيال. وقد ألمح إلى ذلك سيف بن ذي يزن، عندما بشّر عبد المطلّب بمولد حفيده محمّد، بقوله "قَدْ وَلَدْنَاهُ مِرَارًا"(1). وهذه الصّيغة "وَلَدْنَاهُ" أزعجت كثيرا العلماء المسلمين فأنكروها خوفا من أن تُفهَم على أنّها تعني تناسُخ محمّد أو ولادَته، مثل يسوع المسيح، ولادة مُعجِزة من الرّوح القدس؛ أَفَلمْ يَقل القرآن بأنّ الله "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ". ولذلك شاهدنا تغييرَ هذه العبارة في كثير من طبعات كتاب الأغاني، وحتّى في كتب أخرى، وتعويضها بعبارة "وأَوْجَدْنَاهُ"(2). أو بجملة "وَأَعداؤُه يكيدونَه مِرَارًا" كما جاء في نسخة كتاب شرف المصطفى(3).
4- تقلّبّ النبيّ في الأصلاب الطّاهرة
وقد اعتمد التّفسير الإسلامي على الآية 219 من سورة الشّعراء: "وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ"، لتأكيد هذه النّظريّة. فعندما سُئِلَ ابن عبّاس عن المقصود من هذه الآية، قال: "مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ، وَمِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى أَخْرَجَكَ نَبِيًّا" [أي محمّد]. ونفس التّفسير نجده عند الشّيعة. فالإمام الخامس محمّد الباقر قال يشرح نفس الآية: "وتَقَلُّبَك في أَصْلابِ الأنْبِياءِ، نَبِيٍّ بعد نَبِيٍّ". ونجد أيضا حديثا عند الرّازي يقول فيه محمّد: "لم أَزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرين إلى أَصْلاب الطّاهِرات"(4).
ونجد عند الطّوسي، المفسِّر الشّيعي، تدقيقا أكثر إذ يذكر أسماء مَن تَقَلّب محمّد في أصلابهم حيث يورد الحديث التّالي: "وقال قوم من أصحابنا إنّه أراد تقَلُّبَه من آدَم إلى أبيه عبد الله في ظُهورِ المُوَحِّدين، لم يَكُن فيهم مَن يَسْجِدُ لِغَيْر الله"(5).
كما أنّ هذا المفهوم يُحيل إلى فكرة "أسبقيّة الوجود" وتوارث النبوّة أبًا عن جدّ، التي تحفل بها أيضا المصادر اليهوديّة والمسيحيّة، وهي تتمثّل في العقيدة الإسلاميّة في فكرة "نور محمّد" [الغُرَّة]، وهو عبارة على كيان نبويّ مُضيئ سَبَق وجوده خَلْق محمّد في شكله البشَري. وتلك "الغرّة"، التي تظهر على شكل نور يشعّ على جبين كلّ من يحملها، يُقال أنّها وُضِعَت في صُلْب جدّ محمّد الأوّل، أي آدم. وظلّت فيه إلى حين ولادة ابنه "شِيث"، بعد أن انتقلت إليه عبر أمّه حوّاء، الذي شَعّت الغرّة على جبينه حين ولادته. ثمّ ظلّت تنتقل بنفس الطّريقة عبر أجداد محمّد الأطهار، من أحدهم إلى الآخر، إلى أن وصلت إلى محمّد نفسه. وأشهر أجداد محمّد هم آدم، شيث، نوح، إبراهيم وإسماعيل. وقد انتقل هذا "النّور" من إسماعيل إلى ابنه قِيدار، ومن قيدار إلى بقيّة نَسْل إسماعيل جدّ العرب. والمقصود بالوجود المسبَق هنا أنّ الشّخص المعني وُجِد قبل ظهوره على الأرض وحتّى قبل خلق العالم. وهو اعتقاد كان متداولا عند قدماء اليهود والأمم السّاميّة القديمة مفاده أنّ عظيم الأشياء التي تظهر أحيانا على وجه الأرض توجد في السّماء منذ الأزل. وهذا الوجود السّماوي يتمّ على وجهَيْن: الوجه الأوّل، وهو الغالب، يتمثّل في الإعتقاد بأنّ الكيانات ذات الأهميّة الكبرى تكون موجودة في معرفة الله، كجزء من خطَّته للعالم وما قدّرَه له؛ والوجه الثّاني، وهو أقلّ تواترا، يتمثّل في الإعتقاد بأنّ الكيانات تكون موجودة في السّماء، وبصورة مستقلّة بذاتها.
وأحد العناصر التّي تميِّز صورة محمّد ما بعد قرآنيّة، أي تلك التي فبركها علماء الإسلام بعد قرون من وفاة نبيِّهم، عن صورته القرآنيّة، هو وجوده المُسبَق منذ خَلَق الله آدم. وقد وقعت دراسة المأثورات الإسلاميّة بخصوص هذه النّقطة بالذّات ولكن لم تقع أبدا دراسة السّياق الذي ظهرت فيه صورة محمّد ما بعد قرآنيّة بالمقارنَة مع صورته القرآنيّة. وقد قام الباحث أوري روبين(6) بمحاولة في هذا الصّدد حلّل فيها كيف استنبط التّفسير الإسلامي ما بعد قرآني أفكارا من القرآن نفسه تضع محمّد في منظور مُتسامي الوجود يتجاوز بكثير الأبعاد المتواضعة نسبيّا للصّورة التي يقدّمها عنه القرآن " قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ" [الكهف، 110]. ويأخذ الباحث كمثال على ذلك الآية 219 من سورة الشّعراء التي ذكرناها أعلاه. وهي على الأرجح الآية الوحيدة في القرآن التي تَعَامل معها المفسّرون لتطويعها لفكرة الوجود المُسبَق لمحمّد.
وبالفعل، من المهمّ جدّا أن نعرف كيف عُظِّمت شخصيّة محمّد بصورة تدريجيّة خلال القرون الأولى للإسلام. فإذا كان محمّد يمثِّل بالنّسبة للأجيال الأولى شخصا استثنائيّا اصطفاه الله وحمّله رسالة الإسلام، فإنّه في نهاية المطاف، كما جاء في القرآن، يبقى مجرّد بشر. ثمّ بدأ عبر السّنين والقرون يتحوّل إلى شخصيّة "معصومة"، يَعلَم كلّ شيء، يأتي بالمعجزات وكلّ ما يقوله أو يفعله أو يقرّره هو بإلهام من الله. ولكنّ هذا الموضوع الأساسي لمعرفة تبلوُر ملامح الشخصيّة المحمّدية وتطوّرها حتّى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من التّقديس الذي يكاد يكون مطلقا يفوق عند المتطرِّفين قدسيّة الذّات الإلهيّة، يتطلّب بحوثا دقيقة ومعمّقة أرجو أن يتصدّى لها مجموعة من الباحثين العرب خاصّة. والأسئلة التي يجب محاولة الإجابة عنها(7)، من بين أسئلة كثيرة بطبيعة الحال، هي: كيف كُتِبَت سيرة محمّد مع التّذكير خاصّة بما جرى بعد المُنعَطف التّاريخي الذي حدث في بداية القرن التّاسع مع انتشار أفكار الإمام الشّافعي، وإعلان الخليفة المأمون مبدأ "خَلْق القرآن" عام 833 م، ثمّ كيف تمّ إلغاءه من طرف الخليفة المتوكِّل بداية من عام 848 م؟ ثمّ كيف أنّ هذا المُنعَرج أفضى إلى الغلوّ في تعظيم صورة النبيّ وتضخيم دوره داخل المذهب السنّي؟ كما أنّه من المهمّ جدّا التّذكير بالموادّ التي استُخْدِمت في مختلف مراحل تدوين السّيرة وبالخصوص كيف جمعها ابن هشام ثمّ غربلها؟ ما هي وجوه اختلافها مع الرّوايات الأخرى؟ ما هو المنهج الذي يجب اعتماده لتمحيص محتوياتها قصد غربلتها وفرز ما هو معقول منها وما هو خارج نطاق ما يمكن للعقل أن يقبل به؟ ثمّ أيضا كيف طُعِّمَ صَرْح هذا البناء "التّاريخي" لشخصيّة محمّد "النموذجيّة" بواسطة مصنَّفات "إيمانيّة" بحته انطلاقا من "الشّمائل المحمّديّة" للتّرمذي إلى "كتاب الشّفاء في حقوق المصطفى" للقاضي عياض؟ هذا دون أن نُهْمِل، بل بالعكس، كلّ ما أفرزته المذاهب الإسلاميّة الأخرى وبالأخصّ عُلماء الشّيعة بشتّى فروعهم.
نلاحظ أنّ المأثور الإسلامي، أثناء مسار عمليّة التّقديس هذه، إلى تجاوز حدود ما هو معقول بالضّرورة، فهو يجعل من محمّد أصل الخليقة، وما آدم إلاّ أداة أراد الله لها أن تحمل في صلبها "نور محمّد" ويَحُلّ فيها، ولهذا فإنّ روح نبيّ الإسلام سَبِقَت روحَ آدم. فقد رُوِيَ عن سهل بن عبد الله أنّه قال: "لمّا أراد الله تعالى أن ينفخ في آدم الرّوح نفخه باسم محمّد، وكنّاه أبا محمّد، وليس في الجنّة ورقة من أوراق الجنّة إلاّ مكتوب عليها اسم محمّد، ولا غُرِست شجرة في الجنّة إلاّ باسم محمّد وبه الإبتداء"(8). وهذا النبيّ يروي لنا شخصيّا، عن عمر بن الخطّاب، أنّه: "لمّا اقترف آدم الخطيئة رفع رأسه إلى العرش، وقال: أَسْاَلُك بحقّ محمّد إلاّ غَفَرتَ لي؛ فقال الله تعالى: يا آدم كيف عرفْتَ محمّدًا ولم أَخْلُقه؟ قال: لأنّك لمّا خلقتني بيدِك ونفخت فيّ مِن روحك، رفعتُ رأسي فرأيْتُ على سَاق عرشِك مكتوبا: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فقُلْتُ: إنّك لم تُضِف إلى إسمك إلاّ أحَبّ الخلق لديك، فقال: صَدَقتَ يا آدم، إنّه لأَحبّ الخلق إليّ، وإذا سألتني بحقّه فقد غفرتُ لك، ولولا محمّد ما خَلقْتُك(9). وجاء في حديث آخر أنّ محمّد قال: "إنِّي عند الله لَمَكْتوبٌ خاتَم النّبيّين، وإنّ آدم لَمُنْجَدل في طينَته"(10).
وذكر عبد الرزّاق عن معمر عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: سَأَلْتُ رسول الله عن أَوَّلِ شيء خلَقَه الله تعالى، فقال: هو نُورُ نبيِّكَ يا جابر..."(11). وهو حديث طويل يسرد فيه الرّاوي أنّ كلّ شيء خلقه الله في هذا الكون هو من "نور محمّد" ويروي المسعودي(12)، صاحب "إثبات الوصيّة للإمام عليّ بن ابي طالب"، عن الخاصّة والعامّة، أنّ الملائكة "عَرفت محمّدًا وفَضْله قبل أن تعرِف آدم"، وأنّ الله أمر آدم أن يتعهّد بأن لا يُودِع محمّد [أي نور محمّد]: "إلاّ في الأصلاب الطّاهرة"، فأجاب آدم: "نعم إلهي وسيّدي قد أخذته بعهدك وميثاقك على أن لا أودِعه إلاّ في الطّاهرين من الرّجال والمُحصنات من النّساء، ورُويَ أنّ المحصنات هنّ الصّالحات العفائف". ثمّ يُضيف بأنّ نور رسول الله كان: "يُرى في دائرة غُرَّة جبين آدم كالشّمس في دوران فلكها وكالبدر في ديجور ليله". ونرى آدم وقد أخذ كامل الاحتياطات اللاّزمة، كما نقول في يومنا هذا، حتّى يُؤمِّن انتقال "نور محمّد" ضمن الشّروط التي فرضها عليه ربُّه: "فكان آدم، كما يُخبِرنا المسعودي، كلّما أراد أن يَتَغشّى حوّاءَ يَتَطهَّر ويتطيَّب [ولكنّ المسعودي، للأسف الشّديد، لا يذكر لنا هنا بأيّ عطر من عطور ذلك الزّمان كان آدم يتطيَّب] ويأمُرُها أن تفعلَ ذلك، ويقول: يا حوّاء تطهّري، فلعلّ الله أن يَستَوْدِعَ هذا النّورَ المستَوْدِع ظهري عن قليل طهارة بطْنِك"(13).
طوّر علماء الشّيعة تفسيرا عجائبيّا لنظريّة خلق العالم يختلف اختلافا جوهريّا عن كلّ التّفاسير المتعارَف عليها في مأثورات الإسلام السنّي وبقيّة الدّيانات السماويّة الأخرى. فقد ذهب بعضهم إلى حدّ القول بأنّه "ثَبَت عنْدَهم"، دون تقديم أي دليل مادّي بطبيعة الحال، على أنّ محمّد هو: "أوَّلُ مخلوق في العالم، أي أوّل روح مخلوقة؛ وآدم أوَّل شبيحة مخلوقة، إذ أنّ آدم مَظهَر من مظاهره [أي محمّد]، ولا بدّ للجوهر أن يتقدَّمه مظهر، فكان آدم متقدِّما في الظّهور، في عالم التّصوير والتّدبير، وسيّدنا محمّد مُقدَّما في عالم الأمر والتّقدير، لأنّه حقيقة الحقائق، وسراج المشارق في كلّ المغارب..."
وكما هو متوقَّع، فإنّ هذا النور النبويّ-الإلهي، الذي يُحفَظ في تابوت سماوي، كلمّا فارق نبيّا ووصيّا من الأوصياء إلى نبيّ ووصيّ آخر إلاّ وانطفأ في وجهه وانتقل ليُضيء في جبين النبيّ المُرتَقَب. وهذا ما حصل مثلا مع قيدار عندما عجز عن فتح التّابوت فذهب يطلب المعونة من يعقوب وهو بأرض الشّام. فلمّ وصل قيدار متعبا خائر القوى سأله يعقوب: "ما لي أرى لونَك متغيِّرا وقوَّتك ناقصة، أَرْهقَك عدوّ أم أتَيْتَ معصيّة؛ فقال [قيدار]: ما أرهقني عدوّ ولا أتيت معصيّة، ولكن نُقِلَ مِن ظهري نُورُ محمّد (صلعم) فلذلك تغيَّر لوني وضعُف ركني، بخ بخ شرفا لك بمحمّد، لم يكن الله عزّ وجلّ لِيَخْزِنه إلاّ في العربيّات الطّاهرات يا قيدار..."(14). ثمّ يبشِّره بأنّ "الغاضرة"، وهي زوجة قيدار كانت: "قد ولدت في هذه الليلة غلاما"(15).
ثمّ يظلّ "النور النبويّ" يتنقَّل من ظهر نَقيٍّ إلى ظهر أنقَى، ومن رَحِم طاهر إلى رحم أطهر، مِن آدم إلى آمنة بنت وهب إلى محمّد مارّا بأنبياء بني إسرائيل وآبائهم وأمّهاتهم إلى جدود محمّد المباشرين من العرب وأهمّهم وأشهرهم إسماعيل (الذي يقول المأثور الإسلامي أنّه أوّل من نَطق بالعربيّة)، وهاشم وعبد المطّلب(16).
5- عبد المطلب هو "إبراهيم الثّاني"
يُعتَبر هاشم وعبد المطّلب من الشّخصيّات الرئيسيّة في عمليّة تنقّل "النّور النبوي" عبر الأجيال الطّاهرة وخصوصا في الفرع العربيّ القرشيّ. وقد ذكر صاحب "إثبات النبوّة أنّ هاشم "كانت صفته وحليته على حلية إسماعيل"(17)، وقد خصَّه الله "بالنّور واصطفاه على العرب وفضَّله على سائر قريش"، وأنّه لمّا خلقه أشْهد الملائكة قائلا لهم: "قد طهَّرت عبدي هذا من دنس الآدميّين، وأحدثْتُ نُطْفَة محمّد في ظهره"؛ ومنذ ذلك الحين، يُضِيف صاحب "إثبات النبوّة: "كان يُرى على وجهه كالهلال والكوكب الذي يتوقَّد شُعاعه، لا يمرّ بشيء إلاّ سَجَد له...". ولكن سرعان ما انتقل "نور محمّد" من هاشم إلى ابنه عبد المطّلب لأنّ الرّواية الإسلاميّة لم تُمهِله إلاّ ثلاثة وثلاثين عاما من عمره، إذ سرعان ما تُوُفِّي ليس فقط صغير السّن، مثل حفيده عبد الله، ولكن أيضا في نفس مدينة غزّة أو خلال العودة منها حسب اختلاف الرّوايات. ولهذا السّبب فإنّ المأثور الإسلامي لم يركِّز طويلا على شخصيّة هاشم. فقط نجد بخصوصه بعض الأخبار المتفرِّقة ذكرها الرّواة للتّأكيد على رِفعة مقامه بين العرب عامّة وقريش خاصّة وأنّه أوّل مَن سَنَّ الرِّحلتيْن: رحلة الشّتاء إلى الشّام ورحلة الصّيف إلى الحبشة، إلى النجاشي.
أمّا عبد المطلب، الذي أعطاه المأثور الإسلامي عمرا طويلا، بين ثمانين ومائة وأربعين سنة، حسب الرّوايات، فإنّ شخصيّته ملأت كُتَب السّيرة المحمّديّة والأخبار عن قريش في الجاهليّة. وقد قدَّمه الأخباريّون والقُصّاص كشخصيّة تركّزت فيها مبادئ الدين الإسلامي، قبل ظهور الإسلام، فأسنَدوا له دورا عَقَديّا وتشريعيّا مِحوريّا ممّا نزل به وحي القرآن وما أقرّته سنَّة حفيده محمّد. فاليعقوبي، على سبيل المثال، يؤكِّد لنا أنّ عبد المطّلب لم يرفض فقط "عبادة الأصنام ووحَّد الله"، بل أنّه "سنَّ سُننا نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنَّة من رسول الله بها..."(18)؛ فهو إذن، بشكل أو بآخر، حَلقة الوَصْل بين "دِين إبراهيم" ودين محمّد. ولذلك فإنّ اليعقوبي يضيف مؤكِّدا هذا الدّور المفصَلي: "فكانت قريش تقول: عبد المطّلب إبراهيم الثّاني"(19). وفي بقيّة رواية اليعقوبي نعثر على خبر مُهمّ لم نذكره في المقالات السّابقة عندما تعرّضنا لأصحاب الفيل. وهذا الخبر يتفرَّد به اليعقوبي، حسب اطّلاعي إلى حدّ السّاعة، إذ يذكر أنّ الشّخص الذي بشّر قريش بما أصاب أبرهة وجيشه وفيَلَته لم يكن إلاّ ابنه "عبد الله بن عبد المطّلب أبو رسول الله، وقد رأينا في حديث مَعمَر عن الزّهري أنّ عبد الله لم يكن قد وُلِدَ بعد. فقال عبد المطلب: قد جاءكم عبد الله بشيرا ونذيرا [وهذا يذكّرنا حتما بما يقوله القرآن عن محمّد في أكثر من آية قرآنيّة]. فأخبرهم بما نزل بأصحاب الفيل. فقالوا: "إنّك لَعَظيم البركة، لَمَيْمون الطّائر [كإيحاء للطّير الأبابيل] منذ كُنْت"(20).
وها هو حفيده، نبيّ الإسلام، يربط بين إبراهيم وبين جدّه في عبارة توراتيّة مُبينَة حيث رُوِي عنه أنّه قال بعد بِعْثَته: "إنّ الله يَبْعَث جَدّي عبد المطّلب أُمَّةً واحِدةً في هيئة الأنبياء وزيّ الملوك"(21)؛ وعن ابن عبّاس أيضا وفي مواضِع كثيرة، عن النبيّ: "يُبعثُ جدّي عبد المطلب يوم القيامة في زيّ الملوك وأُبَّهة الأشراف (...) ويُبْعَث أمَّة واحدة". والجدير بالذّكر أنّ أهل السّنة المتأخِّرين، وخاصّة الوهّابيّين منهم، ينكرون هذا الخبر ويعتبرونه "خرافات وبِدع الشّيعة" لأنّ الصحيح عندهم كما يقولون أنّ عبد المطّلب مات "غير مُوحِّد"، أي "كافرا" مَثَله في ذلك كمثل ابنه أبو طالب عمّ الرّسول. هذا بالرّغم من الزّخم الكبير من الأشعار والاقوال التي أوردها أسلافهم من قدماء أهل السنّة والجماعة في كتب السيرة والتاريخ الإسلامي العام لهاتيْن الشخصيَّتيْن يظهر فيها بجلاء إيمانهما بالله وتصديقهما بنبوّة محمّد. ولكنّهم كالعادة، يقولون لمن يُحاجّهم في ذلك أنّ أسانيد هذه الأخبار والأشعار والأقوال جاءت بغير أسانيد، أو أنّ أسانيدها غير صحيحة، وأنّ المؤرِّخين الّذين ذكروا ذلك اشتَهَر عنهم أنّهم "وضّاعون"، وضعَّفهم فلان وفلان من العلماء مَتْنًا وإسنادًا.

(يتبع)
_________________
(1) الأغاني، ج 16، ص 74.
(2) أنظر:
Julia Bray, ‘Abbasid Myth and the Human Act: Ibn ‘Abd Rabbih and Others, in On Fiction and Adab in Medieval Arabic Literature, 2005 p. 22.
(3) كتاب شرف المصطفى، ص 191.
(4) الرّازي، تفسير، ج 24، ص 173.
(5) الطوسي، تفسير، ج 8، ص 68.
(6) أنظر:
Uri Rubin, More Light on Muhammad’s Pre-existence, in Books and Written Culture of the Islamic World, 2015.
(7) أنظر:
Pierre Lory, Mystique musulmane, Annuaire de l’EPHE, 2015.
(8) كتاب شرف المصطفى، ج 1، ص 179-180.
(9) كتاب شرف المصطفى، ج 1، ص 165-166.
(10) ابن تيميّة، الفتاوى، ج 11، ص 96-98.
(11) الجزء المفقود في الجزء الأوّل من المصَنَّف لأبي همام الصّنعاني، ص 63-66.
(12) المسعودي، إثبات الوصيّة، ص 99.
(13) نفس المصدر، ص 100.
(14) نفس المصدر، ص، 106.
(15) نفس المصدر.
(16) كتاب شرف المصطفى، ج 1، ص 166-180.
(17) إثبات الوصيّة، ص 110.
(18) تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 331.
(19) نفس المصدر، ص 332.
(20) نفس المصدر، ص 332.
(21) نفس المصدر، ص 335.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,167,042,080
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (5)
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4)
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (3)
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (2)
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (1)
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل!
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2)
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1)
- سورة الفاتحة: هل هي مدخَل شعائري لصلاة الجَماعة؟ (2)
- سورة الفاتحة: هل هي مدخَل شعائري لصلاة الجَماعة؟ (1)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (خاتمة)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (6)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (5)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (4)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (3)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (2) بعض الأفكار حول تاريخ ا ...
- لماذا وكيف يصبح النَّص مُقدَّسًا؟ (1)
- المُطَّلِب: إِلَهٌ في نَسَب مُحمَّد (3)
- المُطَّلِب: إِلَهٌ في نَسَب مُحمَّد! (2)
- المُطَّلِب: إِلَهٌ في نَسَب مُحمَّد! (1)


المزيد.....




- حصري: هروب المدنيين من آخر جيب لتنظيم -الدولة الإسلامية- في ...
- بالفيديو.. مسلمون ينظفون حدائق واشنطن في تحدٍ لإغلاق ترامب
- الكونغو الديمقراطية: الكنيسة الكاثوليكية تترك باب التساؤلات ...
- ندوة بالبرلمان الأوروبي تطالب بالتحرك ضد قانون يهودية إسرائي ...
- ندوة بالبرلمان الأوروبي تطالب بالتحرك ضد قانون يهودية إسرائي ...
- يكره المهاجرين ويحارب المساجد.. هذه مواقف وزير داخلية إيطالي ...
- موند أفريك: حرب صامتة بالمغرب على ما تبقى من مجموعة بن لادن ...
- تحرك يهود البرازيل بسبب لوحة كاريكاتورية ساخرة (صورة)
- السعودية... -الشورى- يطلب من -الأمر بالمعروف- معلومات دقيقة ...
- استئناف المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة في الدوح ...


المزيد.....

- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناصر بن رجب - قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (6)