أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الاصطدام بالشخصيات المقدسة (7)















المزيد.....


الاصطدام بالشخصيات المقدسة (7)


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 5999 - 2018 / 9 / 20 - 00:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الاصطدام بالشخصيات المقدسة (7)
طلعت رضوان
الدكتورمصطفى محمود كان نجمًـا من نجوم الثقافة السائدة المصرية (والعربية) وقد ساعدته على تلك النجومية الشهرة التى لصقت به بعد صدوركتابه (الله الإنسان) الصادرعن دارالمعارف المصرية سنة1955..وسبب تلك الشهرة الهجوم الذى شنــّـه عليه الأصوليون الإسلاميون، الذين اتهموه بالإلحاد والكفرلأنه فى هذا الكتاب- حسب زعمهم- أثارالشكوك حول الله..وبعد موجة الهجوم ارتكب عبدالناصرالخطأ الفادح الذى تسبب فى اتساع شهرة مصطفى محمود، والسبب أنّ عبدالناصرأمربسحب كتاب (الله والإنسان) من الأسواق..وعدم طباعته مرة أخرى..ولكن الكتاب أعيد طباعته فى عهد السادات.
فهل مصطفى محمود تجرّأ على الذات الإلهية فى الكتاب المذكور؟ كما قال الإسلاميون. المؤلف - من وجهة نظرى- كان يطرح بعض الأسئلة (المشروعة) التى سألها ملايين البشرعن خالق الكون..إلخ وليس في الكتاب فقرة واحدة تدل على إنكاروجود الإله..والدليل على ذلك قوله ((إنّ الله أقرب إلى الذين يجتهدون فى فهمه، من الذين يؤمنون به إيمانــًـا أعمى)) فهل هذا كلام شخص لايعترف بالأديان؟ وأعتقد أنّ الشاعرالغنائى الكبيركامل الشناوى، استطاع تلخيص الموقف فى رده على الذين اتهموا مصطفى محمود بالإلحاد، حيث قال ((إذا كان مصطفى محمود ألحد، فقد ألحد على سجادة الصلاة..وكان يتصورأنّ العلم يمكن أنْ يساعده فى فهم ما عجزعن فهمه..ولما خاب أمله فى العلم لجأ إلى الأديان وخاصة الإسلام))
وبالرغم من اختلافى مع الشاعركامل الشناوى حول جملة ((خاب أمله فى العلم)) لأنّ هذا المبرر- بفرض صحته- غيرمقنع للتحول إلى الإسلام، أى التحول من النقيض إلى النقيض، فإنّ ما كتبه الشناوى كشف (ربما دون أنْ يقصد) عن حقيقة وجوهرمصطفى محمود.
ولعلّ ما حدث بعد أزمة كتاب (الله والإنسان) يؤكد ما أذهب إليه.. حيث الصعود الصاروخى لنجومية مصطفى محمود بعد صدوركتابه (الماركسية والإسلام) الصادرعن دارالمعارف المصرية سنة1975وهوأقرب إلى الكتابة الصحفية بهدف تشويه الفكرالماركسى لصالح الإسلام. والكتاب مكوّن من 79صفحة من القطع المتوسط..وبعد أنْ كتب الإسلاميون قصائد المديح فى الكتاب، إذا بمسئولين سعوديين يتبنون إعادة طباعة الكتاب..وتوزيعه فى معظم الدول العربية والإسلامية بسعرزهيد..وبعد ذلك الفصل فى حياة مصطفى محمود، قفزإلى أهم وأخطر المحطات، أى التربع على عرش التليفزيون، خاصة بعد برنامجه (العلم والإيمان) الذى كان التليفزيون (المصرى) يدفع ثمن الأفلام التسجيلية التى صنعها وأنتجها أوروبيون، عن عوالم الحيوانات والطيوروالبحار، ثم يكون تعليقه الدائم (سبحان الله) ولكنه لم يكتف بذلك وإنما سبّ وهاجم بضراوة العلماء الأوروبيين..واختص ثلاثة بشكل دائم: دارون، فرويد وكارل ماركس.
وبسبب برنامجه هذا (العلم والإيمان) ومقاله الأسبوعى فى صحيفة الأهرام..وسلسلة مقالاته بعنوان (التفسيرالعصرى للقرآن) فإنّ (تاج القداسة) صارفوق رأسه..وبهذا التاج كان من الطبيعى أنْ يكون صاحبه من الشخصيات المحظورالاقتراب منها بالنقد، أوحتى بالاختلاف، وبالرغم من إدراكى لهذا المحظوركتبتُ..ولم أفكرفى مصيرالنشر..ولكن ما كتبته أفادنى وأنا أكتب سيرتى الذاتية فى الفصل المُـخصص لتجاربى مع الثقافة المصرية السائدة..وتناولتُ فيه موقف مصطفى محمود من حكاية (الغزوالثقافى الأوروبى) وبدأته على النحوالتالى:
000
العداء للديمقراطية ولكل آليات الليبرالية وللعلوم الغربية والآداب والفنون الغربية، أخذ فى الثقافة المصرية السائدة البائسة اسمًا حركيًا (الغزوالثقافى الأوروبى) وإذا كان من المفهوم أنْ يُردّد ذاك التعبيرعتاة الأصوليين الإسلاميين، نظرًا لدفاعهم عن التراث العربى/ الإسلامى، وموقفهم غيرالعلمى بالنظرإلى الغرب على أنّ ((كله شر)) فقد تمثلتْ الكارثة التى حطــّتْ على شعبنا المصرى، عندما انضم من ادّعوا أنهم مع (العصرية والحداثة) إلى عتاة الشيوخ الأصوليين، فردّدوا كلامهم وإنْ حاولوا التظاهربمظهرمختلف مع هؤلاء الشيوخ..وكان من بين هؤلاء الكـُتاب د.مصطفى محمود الذى كان التليفزيون (الحكومى) يستورد له الأفلام العلمية ليُعلــّـق عليها بطريقته الخاصة فى برنامجه الشهير(العلم والإيمان) وهى أفلام يتم إعدادها وإخراجها بواسطة (الكفار) فى بلاد (الغرب الكافر) وفق رأى ورؤية كل الأصوليين الإسلاميين. ورغم أنّ د.مصطفى محمود ليس له أى فضل فى (المادة العلمية) التى يعرضها على المُشاهدين ويُتاجربها، فإنه (وبلا وازع من الضمير) يشن حملة مسعورة ضد الغرب تحت ذات الاسم الحركى المُضلــّل (الغزو الثقافى الغربى) (صحيفة الأهرام 6، 20/7/91 على سبيل المثال) فإذا كان الغرب (شريرًا) وعلينا أنْ نتجنــّـبه حتى لاتغزونا ((قيمه الفاسدة المُنحلة)) فما القيم التى يجب علينا أنْ نتبنــّاها؟ إنها قيم البداوة وعقلية المجتمع الرعوى. وقد عبّرعن تلك العقلية- التى يُريد لنا أنْ نقتنع بها– من خلال موقفه- على سبيل المثال– من المرأة فكتب ((نسمع هذه الأيام صيحات التمرد التى يُـطلقها نصفنا الآخراللطيف، وأكثرهنّ زوجات لرجال أثرياء يُطالبنَ بالخروج من البيت للعمل، ويلقينَ بأولادهنّ إلى الشارع. وتصرخ الواحدة فى وجه زوجها بأنها تريد أنْ تــُحقق ذاتها، وأنّ رأسها برأسه سواء بسواء. ويُحيّرنى هذا المنطق: فأى تحقيق للذات تـُريد أنْ تـُـصبح هذه المرأة أوتلك؟ سكرتيرة لفلان، أومهندسة للمجارى، أوصرافة فى بنك، أو بائعة فى سوبرماركت. إنّ (الذات المفقودة) هى فى كل تلك الوظائف. إنّ تحقيق الذات هوكلام روايات وطلب للتغييروالصرمحة)) (نقلا عن د.سامية خضرصالح– مقال " قضية المرأة- بعيدًا عن المزايدات- أهرام 12/5/92) وكما امتلكتْ د.سامية خضرصالح شجاعة الرد على مصطفى محمود فعلتْ نفس الشىء المخرجة المُبدعة أنعام محمد على فى ندوة نشرتها مجلة روزاليوسف 29يونيو92.
إذن فإنّ ملايين الأمهات فى رأى مصطفى محمود والجدات الشريفات اللائى عملنَ فى الغيطان والمصانع والمدارس والمعامل، فى التمريض والهندسة، فى الزراعة والبناء ، لايُمكن لهنّ– مهما عملنَ– أنْ يُحققنَ ذاتهن، لأنّ ((الذات المفقودة كلام روايات وصرمحة)) ويكون البديل، حتى نـُحافظ على ((شرف حريمنا)) هوأنْ تبقى المرأة المصرية فى البيت تطبخ وتتزيّن فى انتظارعودة بعلها (البعل فى اللغة العربية هوالزوج، كما أنه كان اسم صنم لقوم إلياس– مختارالصحاح– المطبعة الأميرية بمصر- عام 1911- ص 71) وكلمة بعل اسم مدينة كان فيها معبد الإله. وتعنى الكلمة رب أوسيد)) (د.جواد على- تاريخ العرب قبل الإسلام- هيئة قصور الثقافة- عام 2010- ج 2- ص 216) وهو ما أكد عليه القرآن عندما عاتب الذين رفضوا الإسلام قائلا ((أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين)) (الصافات/ 125) ولوأنّ شعبنا تبنى تلك الدعوة فى العهود التى كانت المرأة المصرية (تتصرمح) لما سمعنا عن عالمات فى علم الذرة (سميرة موسى نموذجًا) أوأول فتاة مصرية تقود طائرة سنة1932(لطيفة النادى) ولا أول فتاة مصرية ترتدى روب المحاماة سنة 1932 (نعيمة الأيوبى) ولما سمعنا عن مصريات عالمات فى الهندسة الوراثية والأبحاث النووية والطب والهندسة. ولما سمعنا عن مصريات فى مجالات المحاماة والفن والأدب إلخ ناهيك عن ملايين الفلاحات المصريات اللائى (يتصرمحنَ) فى الغيطان منذ آلاف السنين بجوارأزواجهنّ. فلو قــُـدّرلشعبنا وابتلع الطـُعم ودخل مصيدة الأصوليين الإسلاميين وصدّق مقولة (الغزوالثقافى الأوروبى) وبالتالى انتصرالغزوالثقافى الرعوى البدوى، يكون السؤال: وماذا تـُريد الرأسمالية العالمية أكثرمن ذلك؟ فهل دعوة الدكتوروأمثاله من الشيوخ الدكاترة أوالدكاترة الشيوخ تختلف عن دعوة الأصوليين الإسلاميين الذين يمتهنون إنسانية المرأة بحبسها فى البيت أوحبسها داخل خيمة إذا خرجت للشارع ويُطاردها (المُطوف) ويضربها بعصاته إذا رأى كعب قدمها؟ أى أنهم يختصرون المرأة/ الإنسان فى معنى (الأنوثة) وأنها مجرد موضوع لإمتاع الرجل فى الفراش .
000
ذاك هو د.مصطفى محمود الذى صنع منه التليفزيون (الحكومى) نجمًا ليسب ويسخرمن العلماء والمُفكرين الأوروبيين، وبصفة خاصة كان هجومه على ثلاثة بعينهم وبشكل دائم: الأول تشارلزدارون مؤسس علم التطوروالانتخاب الطبيعى فى كتابه (أصل المخلوقات) الشهيرفى ترجمته العربية (أصل الأنواع) الثانى كارل ماركس بسبب كتاباته عن تطورالمجتمعات الإنسانية. وعن الجدلية المادية والجدلية التاريخية. الثالث سيجموند فرويد بسبب كتاباته فى علم النفس وكتاباته التاريخية خصوصًا كتابه (موسى والتوحيد)
والشيىء المُلفت للنظرأنّ الأصولية الإسلامية فى مصرفى حاجة إلى مُبدع يمتلك موهبة كـــُـتاب مسرح العبث لإظهار(التناقض الكوميدى) داخل الأصوليين، فبعد أنْ نشرمصطفى محمود سلسلة مقالاته فى صحيفة الأهرام عن (التفسيرالعصرى للقرآن) ثم جمع تلك المقالات فى كتاب انتقدته د. بنت الشاطىء، وكان خلاصة كلامها أنّ القرآن كتاب دين وليس كتابًا فى التاريخ أوالعلوم. أما الشيخ عبد الحميد كشك فلم يمتلك موهبة د. بنت الشاطىء فى نقدها الموضوعى، فقال فى خطبة من خطبه موجودة على موقع You Tube عن د.مصطفى محمود أنه ((بائع الكرات المصرى صاحب كتاب التفسيرالعصرى، التفسيرالأمريكانى للقرآن)) وفى فيدوآخرشنّ هجومًا قاسيًا علي مصطفى محمود لأنه كتب مقالافى الأهرام نفى فيه أنْ تكون (اللحية) من تعاليم الإسلام. وأنّ من يُربون اللحية ليس معهم النقود اللازمة للذهاب إلى الحلاق، فكان تعقيب الشيخ كشك (الكوميدى) وهل ((كان النبى صلى الله عليه وسلم لايملك درهمًا ليذهب إلى الحلاق؟)) فعل الشيخ كشك ذلك (هووكل من انتقد مصطفى محمود من الأصوليين) رغم أنّ مصطفى محمود كان يُدافع عن الإسلام وعن العروبة لدرجة أنه خصـّص حلقة فى برنامجه (العلم والإيمان) ليُثبتْ فيه أنّ ((اللغة العربية أصل جميع لغات العالم)) وعندما سمعتُ تلك الحلقة كدتُ أفطس من الضحك، لأنّ كلامه ليس له أدنى علاقة بعلم اللغويات، بل وصل به الشطط أنْ خصّص حلقة أخرى تكلم فيها عن أنّ ((بناء الأهرام مذكورفى القرآن)) وهذه الحلقة أيضًا موجودة على موقع You Tube وفيها كـَذبَ وسَخرَمن أنّ جدودنا المصريين القدماء هم من بنوا الأهرام وقال إنّ ((هذا كلام فارغ))
فى ذاك الواقع (المصرى) الذى جمع بين مسرح العبث وبين (الواقع الكابوسى) الذى ينتظر مُبدعًا يمتلك موهبة الكاتب التشيكى فرانزكافكا (1883- 1924) مؤلف الروايات الخالدة (المحاكمة)، (التناسخ)، (أمريكا) و(الغائب) وهى الروايات التى انتقد فيها التناقضات الاجتماعية بأسلوب الكوميديا السوداء داخل مجتمع كابوسى، فأنّ شعبنا لم يجد مُبدعًا مصريًا استطاع التعبيرعن واقعنا المُحاصربمنظومة كابوسية.
وبالرغم أنّ مجتمعنا المصرى فيه الكثيرمن ذاك الواقع الكابوسى، فإنه لم يحظ بمُبدعين أمثال الكاتب المسرحى الفرنسى/ الرومانى (أوجين يونسكو) مؤلف العديد من المسرحيات ضمن (مسرح اللامعقول) مثل مسرحية (الكراسى أوالمغنية الصلعاء) ومسرحية (الخراتيت) ومسرحية (الملك يحتضر) أوالفيلسوف والروائى والمسرحى جان بول سارترمؤلف المسرحية المهمة (الذباب) أوالفيلسوف الوجودى والكاتب المسرحى والروائى (ألبيركامو) الفرنسى والمولود فى الجزائر(من أب فرنسى وأم إسبانبة) ومؤلف (السقوط)، (الطاعون) و(الغريب) إلى آخرقائمة المُبدعين الأوروبيين الذين سخرمنهم مصطفى محمود، ولكن الكارثة ليست فى ظهورأمثال مصطفى محمود. الكارثة الحقيقية تتمثل فى: (1) الميديا التى صنعتْ منهم نجومًا وفرضتهم على شعبنا رغم دورهم التضليلى (2) صغار وكبار المتعلمين المصريين المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة البائسة، الذين هلــّـلوا لأمثال مصطفى محمود وكتبوا عنه أنه ((مفكروفيلسوف وعالم)) رغم أصوليته ورغم دوره التخريبى فى الثقافة المصرية. ولم يقولوا كلمة حق عن أهمية وخطورة الكلمة المكتوبة، مثلما فعل فرانزكافكا الذى كتب ((أنْ تكتب يعنى أنْ تهجرمعسكر القتلة. الكتابة انفتاح جرح ما (لذا) يجب أنْ يكون الكتاب فأسًا للبحرالمُتجمّد فينا))
000

وبعد أنْ انتشرشعار(الصحوة الإسلامية) بعد حرب أكتوبر1973كان مصطفى محمود أحد (نجوم) المُـروّجين لهذا الشعار..وبالرغم من (تاج القداسة) الذى وضعته الثقافة السائدة على رأس مصطفى محمود، فإنّ المفكرالكبير(د.فؤاد زكريا) لم يـُـرعبه ذلك التاج..وامتلك شجاعة (نقد) محمود بأسلوب علمى..وذلك فى كتابه (الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل- دارالفكرالمعاصر- ط 2 عام 1987) فى بداية الكتاب يرصد الحقيقة التى يتعمد كثيرون تجاهلها وهى أنّ أمريكا هى من أكثرالمهتمين بظاهرة (الصحوة الإسلامية) والسبب ((لأنّ أمريكا هى راعية الاستراتيجية الغربية بأكملها..والحارس الذى يسهرعلى أمن وسلامة النظام الرأسمالى فى العالم..وهكذا بدأتْ موجة عارمة من الإهتمام بالإسلام، تبدوأكاديمية فى ظاهرها، ولكن كل دراساتها موجهة إلى معرفة ما يدورفى عقول سكان هذه المنطقة حتى لا تحدث مفاجأة فى المستقبل..وكل من يعرف شيئًا عن الجوالعلمى الحالى فى الجامعات ومعاهد الأبحاث الأمريكية ، يعلم جيدًا أنّ الأبحاث المتعلقة بالإسلام، حتى فى أدق تفاصيله وأكثرجوانبه خفاءً، لها فرصة هائلة فى الحصول على التمويل السخى وعلى كل ما يلزم القائمين من تيسيرات.. وقد أثم ذلك بالفعل مشاريع بحث تفصيلية عديدة، يـُـشارك فى الكثيرمنها- للأسف- باحثون عرب أوعرب أمريكيون، مع أنهم يعلمون حق العلم أنّ أبحاثهم سوف تصب نتائجها قطعًا بعد تحليلها وتنظيمها، فى ملفات الشرق الأوسط على مكاتب صناع القرارالسياسى من الأمريكيين..كما أنّ (الصحوة الإسلامية) تُـقـدّم أيديولوجية بديلة عن الشيوعية أوالاشتراكية التى كانت تتبناها معظم الحركات المضادة للامبريالية الغربية)) (ص 13)
وعن الفصل الذى خصصه لمصطفى محمود، أعاد د.زكريا نشرمقاله عنه فى مجلة روزاليوسف (سبتمبر1976) وقال فيه إنّ آخرما ظهرمن (عطارة الفكر) كتاب (الماركسية والإسلام) الذى ظلّ فترة طويلة يحتل المكانة الأولى بين الكتب الأوسع انتشارًا، فى القوائم التى تنشرها صحف هلــّـلتْ للكتاب..ولكن هل يـُـعبرهذا الانتشارعن قيمة حقيقية للكتاب؟ أم أنه نوع من انتشارفيلم (بمبه كشر) على حساب فيلم (المومياء)
قال محمود فى كتابه ((لم يكن ضعفــًـا فى القرآن أنه لم يـُـحدد منهجـًـا سياسيـًـا..ولم يرسم دستورًا محددًا..وإنما كان ذلك أحد أدلة قوته وإعجازه..فقد أراد الله أنْ يفتح سبيل الاجتهاد..والأخذ بالعلوم دون تكبيل بمنهج سماوى جامد مُـحدد..واكتفى القرآن فى موضوع السياسة بإصدارتوصيات عامة لها صفة الأزلية..وعدم التغييرعبرالعصور))
فكان تعليق د. زكريا ((إنّ أى كاتب يذهب إلى أنّ القرآن لم يـُـحدد منهجـًـا سياسيـًـا..ولم يرسم دستورًا محددًا، يقف معارضًـا لرأى آخريؤكد أصحابه أنّ فى القرآن دستورًا مفصلا ومنهجـًـا سياسيـًـا كاملا..ومذهبـًـا اقتصاديـًـا شاملا))
ولكن د. محمود حمل على الفكرة القائلة بثبات الأحكام السماوية فى الأمورالتفصيلية حملة قاسية، تجلــّـتْ فى استخدامه تعبيرشديد اللهجة، مثل وصف المنهج السماوى الثابت بأنه (جامد) ووصف التقيد بتفاصيله بأنه (تكبيل) فإذا كانت الأحكام الدينية تقتصرعلى العموميات..وتترك التفاصيل لاجتهاد العقل البشرى..وفقــًـا لظروف الإنسان المُـتغيرة..فمن أى مصدرنستمد هذه التفاصيل؟ لابد أنْ يكون ذلك من مصدردنيوى..ومُـستلهم من فكرإنسانى واجتهاد بشرى.
والنتيجة المُـستخلصة من كلام محمود تؤدى إلى القول بأنّ العقيدة الدينية..من حيث هى مصدرللتشريع الاجتماعى ليست مُـكتفية بذاتها..وإنما هى فى حاجة مستمرة إلى مذهب إنسانى يـُـكملها..ويملأ ما تتركه من فراعات..فإذا كانت الماركسية لاترضى د.محمود كمذهب اجتماعى وسياسى..وإذا كان الإسلام- كما يؤدى إليه كلامه- فى حاجة إلى تكملة بشرية تملأ التفاصيل التى غابتْ عن النص الدينى..فمن أين تأتى هذه التكملة؟ هذا ما سكت عنه د.محمود.
لقد أفاض محمود فى نقد الماركسية..وصوّب إليها كل ما يملك من أسلحته الهجومية..واستخدم فى وصفها أقوى الألفاظ تعبيرًا عن الكراهية..وإذا كان ذلك رأيه فى الماركسية..فإنّ أحدًا لن يستطيع أنْ ينكرعليه حقه فى مهاجمتها..ولكن بشرط ألاّيتناقض مع نفسه فى هذا الهجوم..وألاّ يرتكب أخطاء فادحة فى فهم ذلك المذهب..ولكننى أزعم أنّ د.محمود وقع فى تناقض شديد من جهة..وأساء فهم الماركسية بطريقة مؤسفة من جهة أخرى.
وفى الوقت الذى صبّ فيه محمود نقمته على الماركسية (من جميع جوانبها) إذا به يبذل جهدًا مُضنيـًـا لكى يثبت أنّ الإسلام يتضمن (كل المبادىء) التى يدعوإليها الماركسيون.
كتب مصطفى محمود: لونظرنا إلى الإسلام لوجدنا فيه نبعـًـا من الأفكاروالحقائق تسبق (الاشتراكية والرأسمالية) ووجدنا (كل) ما حسبناه جديدًا فى الاشتراكية العلمية هوأمرقديم قدم ثلاثة عشرقرنــًـا فى الإسلام..فقد جاء الإسلام من البدياية مُـقررًا مبدأ المساواة فى الفرص..ومبدأ الملكية الخاصة والملكية العامة (هكذا) وهذا الكلام لومسحنا اسم محمود ووضعنا اسم الشيخ كشك أوالشعراوى وغيرهما من الشيوخ..فهل هناك فرق؟
ثم يواصل مصطفى محمود تهويماته فذكرأنّ الإسلام لايسمح بالطبقية..ويرفض التفاوت الفاحش فى الثروات..وأنّ ثروة الغنى لاتكون مشروعة إذا كان فى المجتمع فقيرواحد لايجد القوت..وزايد فى شطحاته فكتب ((بل إنّ الإسلام عرف المنطق الجدلى أوالديالكتيكى)) (ص70، 71من كتاب الماركسية والإسلام)
وكان تعقيب د.زكريا: إذا كان الإسلام قد تضمن كل المبادىء التى دعتْ إليها الماركسية، فلا معنى- إذن- للحملة على الماركسية ووصفها بأقبح الصفات..وإذا صحّ ما يقوله محمود فإنّ مهاجمته للماركسية تــُـصبح مظهرًا من مظاهرضعف الإيمان وتزعزع العقيدة..وبدلامن سب ماركس كان المُـفترض أنْ يشفع للماركسية وجود تلك المبادىء التى رأى محمود أنها موجودة فى الإسلام..ولابد من تسجيل أنّ هذا التناقض ليس قاصرًا على مصطفى محمود..فقد شهدتْ سنوات الستينيات ((سيلامن الكتب التى ظهرتْ فى مصر(وفى بلاد عربية) تتحدث عن (الاشتراكية والإسلام) ثم تــُـهاجم الماركسية بعنف..وهذا أمرشاذ، فإما أنْ يـُـهاجموا الماركسية (وهذا حقهم) ويـُـدلــّـلوا على أنّ الإسلام مخالفٌ لكل مبادىء الماركسية..ولايتضمن شيئـًـا مما تدعوإليه..وإما أنْ يـُـؤكدوا (اشتراكية الإسلام) ويحترموا الماركسية لأنها تضمنتْ بعضـًـا مما دعا إليه الإسلام (كما يزعمون) أما أنْ يتفقوا على محاربة الماركسية بضراوة..وتأكيد سبق الإسلام إلى مبادئها الأساسية..فهذا ما لايقبله عقل ولامنطق.
وذكرد. زكريا أنه فى الكتابات السوقية عن الماركسية، شاع القول بأنها مذهب يجعل الإنسان عبدًا للمادة..وشاع انتقادها بالقول إنّ فى الإنسان ما هوأسمى من المادة..وأنّ الفكرالماركسى لايعترف إلاّبالماديات..ويـُـسقط من حسابه كل العوامل الروحية والقيم الخلقية..وكان تعقيب د. زكريا أنّ القائلين بهذا التفسيرالمُـبتذل إما أناس يـُـردّدون ما سبق أنْ قرأوه فى كتب رخيصة وتافهة، دون الرجوع إلى النصوص الأصلية التى كتبها ماركس..وكان مصطفى محمود قد انساق وراء هذا الاتجاه فى كتاباته..ومن المُـستبعد أنْ يكون قد قرأ مرجعـًـا أصليـًـا واحدًا فى الماركسية..وكم فى بلاد الغرب من نقاد للماركسية..ويـُـناصبونها أشد العداء..ولكنهم يـُـناقشونها على مستوى متعمق يدعوللإحترام، أما قصة جرى الماركسية وراء الماديات فلم يعد أحد يـُـرددها إلاّفى الأنظمة المتخلفة.

وماركس- فى نظرمصطفى محمود- يقول ب (بهيمية التاريخ) والناس فى المجتمعات الاشتراكية ((لايفهمون أنّ الإنسان ليس مجرد بطن وغرائز)) وفى كل صفحة من صفحات كتاب محمود الخلط الشائع بين لفظ (المادية) كما كتبه ماركس وإنجلز..وبين السعى وراء الماديات..وإشباع البطن والغرائز. ثم طرح سؤالاعلى محمود قال فيه: ما رأيك يا دكتورمصطفى محمود فى العبارة التالية ((الإنسان يصبح ثريا بقدرما يكون، لابقدرما يملك)) أتدرى من قائلها؟ إنه كارل ماركس فى كتابه رأس المال.
وهل قرأتَ يا دكتورمحمود عن (تشيؤالإنسان) وهوالتعبيرالذى نحته ماركس فى نقده للنظم الرأسمالية التى تستغل العمال. لقد كان من الواجب عليك أنْ تقرأ شيئـًـا من ذلك قبل أنْ تنشربين الناس كتابـًـا عن الماركسية..وإذا كنتَ قد قرأت فكيف أبحتَ لنفسك أنْ تـُـردّد الأحكام المبتذلة عن الماركسية..ومن المستحيل على من قرأ ورجع إلى المصادرالأصلية، انْ ينقاد إلى مثل هذه التفسيرات المبتذلة..وأخيرًا أتمنى أنْ تكتب كتابـًـا عن (الرأسمالية والإسلام) هذا ما كتبه د. فؤاد زكريا فى كتابه (الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل- دارالفكرالمعاصر- عام1987- من ص211- 222)
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,684,760,159
- كتابة التاريخ وإلى أية درجة الالتزام بالموضوعية (2)
- شكر وتقدير
- الاصطدام بالشخصيات المقدسة (6)
- الاصطدام بالشخصيات المقدسة (5)
- كتابة التاريخ وإلى أية درجة الالتزام بالموضوعية (1)
- الاصطدام بالشخصيات المقدسة (4)
- الاصطدام بالشخصيات المقدسة (3)
- تجاربى مع النشر(2) الاصطدام بالشخصيات المقدسة
- تجاربى مع النشر بشكل عام (1)
- تجربتى مع مجلة فصول
- هل فى مصر(مثقفون) وفق التعريف العلمى؟
- مقالاتى الممنوعة من النشر (1)
- فتوة الحارة وفتوة العالم
- تجربتى مع صحيفة الدستور- الإصدارالأول
- الإعلام والثقافة السائدة ومساندة الإرهابيين
- رابعة والنهضة وغياب التحليل الموضوعى
- ما مصدرقوة الحزب المقاوم والمعادى للشيطان
- من تجاربى مع الثقافة المصرية السائدة
- نماذج من تجاربى مع الثقافة المصرية السائدة (1)
- نفى الآخر بالمعتقد الدينى


المزيد.....




- ماكرون يزور المسجد الأقصى وحائط البراق
- السودان... تعرض وزير الشؤون الدينية والأوقاف لحادث مروري خطي ...
- إسرائيل تقرّ بناء ملجأ للمشردين فوق قبور إسلامية
- المسماري: الإخوان إرهابيون ولهم مخطط مخابراتي ضد الشعب الليب ...
- شاهد.. ماكرون يوبخ ضباط الاحتلال بالقدس ويطردهم من أمام الكن ...
- الحرب في سوريا تتسبب بتهجير المجتمع المسيحي
- معالم دينية وكنائس أرثوذكسية روسية في القدس
- ضابط في خفر السواحل كان يخطط لـ-تخليص أمريكا من اليهود- يواج ...
- أكاديمي بريطاني: الإمارات تستغل الصوفية لإيجاد قاعدة أيديولو ...
- مصر تكشف مخطط قيادات جماعة الإخوان الموجودة في تركيا لضرب ال ...


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الاصطدام بالشخصيات المقدسة (7)