أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - المنصور جعفر - من تغيرات الثورة الفرنسية وآثارها















المزيد.....


من تغيرات الثورة الفرنسية وآثارها


المنصور جعفر
(Al-mansour Jaafar )


الحوار المتمدن-العدد: 5939 - 2018 / 7 / 20 - 13:13
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    



الفترة الأولى، موات القديم:
تشمل عشرات السنوات قبل انتصار الثورة. عطبت في تلك الفترة الزراعة وتجارتها مرات ومرات، وإزدحمت المدن، وزادت الأسعار والضراتب، وقلت المشتروات والأعمال، وبعسس التراخيص والجباة أشتد عسف سدنة الدولة والكنيسة على الكادحين وعلى البرجواز من متوسطي وسادة الحرف والمتاجر الذين كانوا في مجموعهم يشكلون عصب الحياة.

إعتملت المعيشة بالفقر وتفاقم الغلاء والكساد مع العسف وصعوبة التراخيص ومصائب الضرائب، وزاد نشاط المتكلمين والجمعيات الثقافية-السياسية، وإحتدمت النفوس، وكثر حدوث التمردات: فلاحية وقروية وعسكرية وحرفية وفنية وفكرية، وإضرابات، وتظاهرات وتأججت نواحي المدن.

ضد عسف الدولة على الكادحين والبرجوازية، وضد عنصريتها تجاه غرباءهم ويهودهم، وضد تعالي سادتها إرتفعت مع الدعاية الثورية ضد الدولة كلمات "الحرية" و"الإخاء" و"المساواة"، حيث كانت كل كلمة منها تلخص كماً كبيرأ من التأريخ والفلسفة والأدب والأخلاق والآمال، إضافة إلى الأعمال المتكلمة بإصطلاحي "السياسة" و"الثورة"، وقت كانتا مفردتين عصيتين على فهم الناس الذين تسودهم الأمية، ويستلبهم شقاء الحياة ويستهلكهم العمل المضني والأجر الظالم (إن وجد العمل) مثلما يستنفذ توفير الماء والخبز وجودهم.


الفترة الثانية، الإنفجار:
ظهر التحول من حالة التمردات المتفرقة إلى إنتفاضة كبرى في يوليو 1789 مع قيام بعض كبارعمال الدولة بالتعاطف مع مطالب الناس وتحركاتهم، خارقين بهذا التعاطف قواعد التسلط التي تشكل أساس نظام الحكم، وكذا زاد عصيان بعض آحاد وتجمعات الناس للأوامر الإدارية أو العسكرية، كما تكاثرت الإختلافات بين بعض الأمراء وقادة النظام مع أقرانهم، فتعاون بعضهم مع الجمعيات السياسية المحرضة للجماهير ضد خصومه، وأخيراً وليس أخراً حدث خوران عزيمة بعض الضباط والجنود المكلفين بحماية بعض مراكز الحكم، ففي 14 تموز 1789 إمتنعت بعض الوحدات العسكرية التي أرسلت لقمع الناس في منطقة سجن الباستيل عن قتل المتظاهرين، حيث خجلت قوة المواجهة أن تقمع النساء (وقد كشفن صدورهن) والصبية والأطفال، ولأهداف شتى تكثر بعض القصص من المبالغة في قوة أو عنف أحداث سجن الباستيل وما بعدها.


الفترة الثالثة، الخلاف على نوع الديموقراطية:
بعد إحتجاز الملك والأمراء وكبار الوزراء وقادة أجهزة الدولة وسدنة رب الكنيسة وكبار موظفيها ومتموليهم، وضح الجزء الأول من ملامح الثورة كرفض للحكم القديم ومعالمه الرئيسة الذي تحقق فعلاً بكسر الناس لأسس وأشكال الأرستقراطية. وبحكم طبيعة المستوى الفكري والتنظيمي في تلك الأيام، بدأ إختلاف كبير في شق قوى الثورة، حيث إنقسمت أراء طلائع فئات الكادحين والبرجوازية الصغيرة والبرجوازية، حول كيفية نظم الدولة وترتيبها بشكل جديد يحقق أهداف الثورة.

نما الخلاف بين الطلائع الثورية للكادحين والطلائع السياسية للبرجوازية على ما سمي منذ القرن العشرين "نوع الديموقراطية" وأي شكل لها يناسب تحقيق أهداف الحرية والاخاء والمساوة؟ ولعل منطق الاسئلة إمتد آنذاك إلى كيفية إجراء الأهداف الثلاثة في أو لشؤون الحكم والعمل والمجتمع، ومتطلباتهم المادية والتنظيمية؟ وإلى كيفية ترتيب المقاليد النظرية الضابطة والمحددة لتحقيق هذه الشعارات؟ وهي التي نشأت لتحقيق الإنفتاح وإنعتاق وجود الإنسان من القيود وعوامل الإستغلال والدونية.

تركز الشق الأول من الخلاف في رأي سانده أشهر المنتسبين لمصالح وحقوق الكادحين ودار حول: تكوين جمعية عمومية/مجلس شعب، يتمثل فيه الناس من كل حرفة كونه مجلساً لشؤون المعيشة والعمل. وكان المثال الأعلى لهذا الرأي مستلهماً من "الجمهورية" لأفلاطون، ومن الشذرات التي بلغت جمهورية فينيسيا في ايطاليا من "آراء أهل المدينة الفاضلة"، ومن نظام الكومونات في سويسرا وشمال أوروبا، ومن أسلوب إدارة بعض مجالس الحرف، ومن أسلوب ادارة بعض المستعمرات/التعاونيات في أميركا.

أما الشق الثاني من الخلاف فقد كان رأياً مدعوماً من (نجاحات) وخبرات ونفوذ ومصالح بريطانيا وألمانيا فكان برجوازياً يميل مع مستوى الظروف الثقافية والحرفية آنذاك إلى دعم الإنفراد والإحتكار الرأسمالي، و(حق) بعض الأفراد وحريتهم في تملك أي شيء بما ذلك موارد حياة ومعيشة المجتمع بل والعبيد! رغم أن الثورة الفرنسية قد نشأت ضد إنفراد وإحتكار الملك وجماعته لموارد الحياة والدولة والمعيشة!

فبحساب المصالح والمئآلات إتجه البرجواز الليبراليين (أنصار حرية التملك) منذ ذلك التباين وإلى يومنا هذا، إلى تفضيل ديمقراطية محدودة في برلمان لمناطق السكن، يكون فيه النواب عن تلك المناطق أشخاصاً من ذوي القدرة العلمية والمالية العالية، أي معبرين بشروط ترشحهم وممارسة النيابة وفق تلك الأسس الإمازية عن وحدة "حرية التجارة ومصالح الوطن"!

مع فترة إضطراب، حكمها مديرو هيئات الدولة حتى 1793 فاز رأي البرجواز لأسباب عدداً منها فقر الكادحين المالي والاعلامي والتنظيمي، وكثافة العمل وإستهلاكه مع صعوبة المعيشة معظم فترات يومهم وسنتهم، وضعف إمكانات الكادحين وفهمهم لعملية "السياسة" كانوا يظنونها "العدالة" آنذاك لم يدرأكثرالكادحين إن السياسة ليست "عدالة" وإنما "إدارة مصالح" بما في ذلك من إدارة تفكيروإدارة مواقف وإدارة مبادئي.

كذلك تكرس ضعف الزراع والعمال وعموم الكادحين مع تفشي الأمية فيهم، وضيق منظماتهم، وغرقها في الشؤون المحلية، وتشتتها، ولجهلهم معظم أكاذيب البرحوازية وقدراتها التضليلية والزيف الذي تعبئه في شعارات خلب مثل: "المصلحة الوطنية"، "الأمن القومي"، "الوحدة الوطنية"، و"الأمن والنظام"، إلخ، يضاف إلى أسباب تمكن رأي الليبراليين، إرتفاع تعليم وقوة إمكانات الفئات البرحوازية في مجالات الإلمام والتنظير والعمل وشؤون الحكم والإدارة والقانون والعلاقات الدولية، وكذلك التنظيم المتكامل لجهودهم ودعايتهم.


الفترة الرابعة، صراع الباقي من الثورة والدولة:
في الصراع المعروف منذ القرن الـ 20 بأنه صراع بين "الثورة" و"الدولة" بالإمكان القول أن الثورة الفرنسية بدأت في التحلل بشكل تدرجي منذ مايو 1789 أي قبل بدايتها الرسمية. فتحت ضغط الإنهيار الإقتصادي وتزايد المطالب والتظاهرات، أستدعى الملك لويس السادس عشر "مجلس للامة" للإنعقاد بعد 175 سنة من تعطيله ومنعه من الإنعقاد منذ سنة 1614. وكان ذلك المجلس ثلاثة كتل واحدة للسادة وثانية للكهنة وثالثة للشعب، وكان نظام التصويت فيه بالكتل، أغلبيته تشرع القوانين والقرارات بمجموع صوتين. وبحكم المصالح والتوافق بين البابا والملك، ورسوخ المبدأ الديني لطاعة الحاكم. كان الكهنة يتبعون السادة، ويعارضون معه الشعب.

آنذاك بدأ تبدد الثورة حتى قبل إعلانها وبدأ تمكن الدولة فقد قامت كتلة العموم برفض نظام التعيين ونظام التصويت المثني التكتل، بل وبادرت بإعلان إستقلالها عن سلطة الملك ورئيس المجلس، وإنفرادها بتقرير شؤون الدولة، بإعتبار إنها الممثلة الوحيدة لإرادة الشعب. ومن ثم حاصرتها حكومة الملك، ورفضت لها عقد إجتماع تنفرد فيه بتقرير أمور الدولة.

إثر ذلك عقد الشعبيون في يوليو 1789 إجتماع معروف في التاريخ في ملعب تنس مجاور لمبنى مجلس الأمة (شبه المنحل). ضم ذلك الإجتماع كافة ممثلي العموم في مجلس الأمة وكثرة من كتلة الكهنة الممثلين للقرى والأحياء، وبعض البرجواز. وقد أعلنت تلك الجمعية التأسيسة دستوراً جديداً لفرنسا (شمل وثيقة حقوق الإنسان والمواطن) وبذا إنفرط رسمياً مجلس الأمة القديم، وبطلت إلى حد ما سلطة الملك.

مع كسر (الدستور) الجديد جزءاً كبيرأ من سلطة الملك أقر نفس النواب نظاماً نيابياً إشترط في شخص المترشح للنيابة مقاماً علمياً وقدرة مالية كبيرة، وهي شروط قد حرم منهما النظام الإقطاعي القديم أكثر الناس.

كانت لهذه الشروط الإنتخابية الإقصائية التي تكسر مبدأ المساواة أثرها السلب على إنجاز أهداف الثورة التي كانت شعارات الإخاء والتعاضد في تملك الموارد وفي العمل وفي التنظيم السياسي تطمح إلى تحقيق تغيير جذري لحالة معيشة الناس والوصول إلى نوع من الحياة الجمهورية الفاضلة لكن شرط التميز المالي والأكاديمي جعل الجمعية الجديدة وديمقراطيتها مطية للبرجواز وحبهم للتملك والإنفراد والإحتكار.

بهذا التسلط الرأسمالي فقدت الثورة أساس شعبية تأسيسها، وتحولت كثير من أمورها إلى عملية تآمر سياسي بين فئات البرجواز التجار والصناعيين والمصرفيين وما يتبعهم أو يعشم فيهم من مدراء وضباط وكتاب صحافيين، يرومون السيطرة على الحكم بإسم خدمة الشعب والوطن. إضافة إلى المهمة الليبرالية الرئيسة في إبعاد أو تعطيل عناصر وسياسات الكادحين وعناصر وسياسات الأرستقراطية الباقية من النظام الملكي وإقطاعاته ومخلفاتهم.

في نفس فترة 1792 توافق صد الجيش الفرنسي لهجومات أجنبية، مع محاولة الملك الهروب من حالة الإحتجاز حيث قبض عليه في يونيو 1792 وإتجهت الإتهامات إلىه في أغسطس نفس السنة بأنه وزوجته قد نادوا الجيوش الأجنبية للتدخل لتعزز وضعه وتوجه القرار الفرنسي لصالح سيطرة الملك وضد سيطرة الشعب، وأكتشفت مئات مراسلات منسوبة للملك مع بعض قادة مطالب "الشعب"، تؤشر إلى تدخله في "شؤون الثورة"، وإلى محاولته تفتيتها.

إحتدم الغضب الشعبي على تهاون القادة وعلى خيانة الملك، فتوافق اقطاب الجمعية على تخدير الشعب الكادح ومحاكمة الملك التي طالت أكثر من شهر. وبعد صدور الحكم بإعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري انطونيت، تم تصويت برلماني على إقتراح بقبول الشعب للحكم .

فاز الإقتراح بأغلبية كبرى (683 نائباً من جملة 749 نائباً ) ونفذ حكم الإعدام في الملك في 21 يناير 1793 في قصره، وفي زوجته في 16 أكتوبر من نفس السنة. وبقطع رأس الملك إنهار النظام الملكي الأوتوقراطي والأرستوقراطي والثيوقراطي الذي كان الملوك يمتلكون به القرار الأول والقرار الأخير في كل شيئ.

وبدلاً لذلك النظام الذي يتناصر فيه الجبروت والكهنوت محتكرين أكثر خيرات عمل الكادحين ومجتمعات المستعمرات بدأ نشوء النظام الليبرالي لتحكم السوق في حياة المجتمع، وهو النظام الذي تمتلك فيه رؤوس الأموال القرار الأول والقرار الأخير في كل ما تمتلكه أو تخضعه. في شكل برجوازي لممارسة وتحقق هدف "الحرية" آنذاك.

كانت خلاصة هذه الأحداث والتغيرات أن شكل الحكم قد تغير وأن فئات الطبقة الحاكمة قد تغيرت، وحتى الشكل العام في الإستغلال تغير هو الآخر من العمل الزراعي في إقطاعيات السادة مقابل أجرة سنوية بائسة، إلى العمل في الورش والمصانع لصالح أصحابها مقابل أجر شهري في حدود سد الرمق. أي أن مضمون الإستغلال بقى حياً، وعاشت إلى اليوم أسسه وملامحه.

بعد تنفيذ أحكام الإعدام وتأهب ملوك النمسا وبريطانيا وبروسيا الالمانية وروسيا لإجتياح فرنسا، تأجج الصراع بين القوى المنتسبة للكادحين والقوى البرحوازية التي بالكاد فرضت سيطرتها على الثورة وعلى الدولة، وعلى أجزاء كبرى من الأراضي والسوق.

مع موت رأس الدولة، وتشتت أهداف فئات مجتمعاتها، وتفرق مصالحها وقواتها، وإختلاف تقديرات قضاتها ومحاكمها، وإضطراب قرارات هيئاتها وموظفيها، وتباين سريانها أو تأصيلها أوتفسيرها تزايدت تناقضات الإنتقال الثوري والحكومي في كل مجال.

وقد تعددت أزمات ذلك الإنتقال ومتطلبات حلها بحكم إختلافات الخروج والتحول والتغير من النظام القديم الذي تم قطع رأسه، وبحكم تنوع ظروف وأساليب الإعتراض والقضاء على ترتيبات الإنفراد والإحتكار والإقصاء التي أقامت خلال الألف وثمنمائة عام قبل الثورة النظام الأوتقراطي في الحكم والإرستوقراطي في المجتمع والثيوقراطي في الثقافة.

يضاف إلى هذه الفروق إختلاف الرؤى والوسائل في الإنتقال من نظام الإنفرادات والإحتكارات والإقصاءات إلى نظام الحرية (حرية رأس المال) الجديد والجمهوري الشكل، الذي رغم رفعه رايات "المصلحة العامة" كان سادته يحاولون تنظيم مهمات ونشاط الدولة الجديدة وترتيب قراراتها وقوانينها وفق جدل مصالح سيطرتهم عليها أو مصالح إبتعادهم عن سيطرتها.

لتيسير وتسيير إنتقال الدولة من النظام القديم تم إقصاء أكثر (الكفاءات) القديمة وطرد أهل الخبرة في كل قطاع عمل عسكري أو حكومي أو ديبلوماسي، ووضع مكانهم أهل الثقة سواء كانوا خبراء أو جدد على نشاط عملهم. ومن لمامة من الهتافيين والساكتين وبعض الدهاقنة وبعض المخلصين البرجواز تكونت في 1794 حكومة تكنوقراط برجوازيين لتسيير أمور الدولة و بدستور يوافقها.

بحكم طبيعتها الطبقية وتباين ميول وزراءها في تقدير المصالح وإضطراب قرارات التشريع والإوقاف فشلت حكومة التكنوقراط البرجوازيين مرة إثر أخرى. وعجزت تلك الحكومة التي جمعت أصحاب الشهادات الأكاديمية الكبيرة عن وقف نمو التناقض الداخلي في المجتمع الفرنسي بين البرجواز أصحاب الرغبة والإمكانات في الربح والسيطرة على موارد المعيشة، والمعذبون في الارض بفعل السيطرة الملكية القديمة وبفعل هذه السيطرة الجديدة ذات المقاليد والنشاطات والسمات التي تبدو لطيفة. إضافة إلى التناقضات بين الفئات المختلفة في كل طبقة.

مع توالي فشل التكنوقراط وتكثف الإحتجاجات ونشاط القوات الأجنبية وإرتفاع تهديدات الأباطرة والملوك الأجانب بكسر ما سموه "الفوضى" و"قوانين الغوغاء" و"حكم الرعاع" تجمع الباقون على قيد الحياة والنشاط السياسي من قادة الثورة والدولة والجيش لتنظيم نوع جديد من الحكم عسكري التنظيم كينونته ثلاثة قناصل جرى إهتمامهم على نسق عسكري وإداري ومالي وقضائي.

نُصب ذلك الحكم المثلث كبديل للحكومة التكنوقراطية في اليوم الشهير في التاريخ 18 برومير السنة 8 حسب تأريخ الثورة، الموافق 9 نوفمبر 1799 وصعد بذلك الحكم نجم القنصل الاول الضابط المثقف الثوري آنذاك نابليون بونابرت القائد في "المدفعية" (أقوى تكنولوجيا حربية في ذلك الزمن)، وفاتح مصر والطريق إلى الهند، ليقود منذ سنة 1799 الدفاع عن وجود الثورة/الدولة ضد المتسيبين الداخليين وضد الأعداء الخارجيين.

غلب في ذلك الدفاع الحس العسكري ضد الدول العدوة لفرنسا (النمسا وتابعتها إيطاليا، وبروسيا الألمانية وتوابعها، وروسيا، وبريطانيا والخلافة الإسلامية العثمانية) فخفت حروب نابليون لبعضها، وهزم أكثرها، قبل أن تكيد له الضربات والخيانات والخدع وتدحره.

كان حكم نابليون دون معرفة أو دون رغبة في ازالة التناقض الرئيس داخل فرنسا بين فئات البروليتاريا وفئات البرجوازية، في الريف وفي المدن. حيث كان البرجواز ولم يزلوا قد ورثورا إستبداد الأرستوقراط مع المواقع السيدة في الدولة والتجارة وزادت -مع بعض التجديدات- صنوف الإستغلال، فبعد أن كان مترسخاً في عهود الإقطاع بدعاوى "القدر" و"التفويض الإلهي"، حضر الإستغلال وعسف جهود الكادحين في العمل في عهد "الحرية" بشكل علماني، تعلو رماحه شعارات ملحدة من نوع "الحرية" و"الإخاء" و"المساواة"! نقلت معيشة الناس من الرزح القديم تحت سطوة الملوك إلى رزح جديد الشكل تحت سطوة أصحاب البنوك.


الفترة الخامسة، تزايد التناقضات:
قام نابليون الزعيم الجديد لنظام "الحرية" بصد الأعداء وتوسع في تحرير جنوب أوروبا وشرقها من حكم تحالفات الملوك والارستقراط والكهنة، بل وكورقة مساومة وتكتيك بارع قام نابليون بإعتقال البابا الذي كانت إشارته تحرك ملايين البشر داخل فرنسا وبافاريا وايطاليا والنمسا واسبانيا وبلجيكا إلخ، وبدأ فتح أجزاء من روسيا وتكسير سلطة القيصر والارستقراطية والكنيسة عليها، كما كسرت فرنسا الملكية سلطان بريطانيا على نصف أمريكا الشمالية.

لكن الإنتصارات التكتيكية لنابليون على القوى الخارجية في معارك كثيرة، وكذا بإعتقاله البابا، لم تشكل نصراً إستراتيجياً، بل ولدت مشكلات وأزمات سببت هزيمته بعد سنوات قليلة. ففي خضم تعزيز نابليون شعارات وحكم "الحرية والإخاء والمساواة" قام بتعيين بعض أقاربه وأصدقاءه من البرحوازيبن الليبراليين وزراءاً وحكاماً وسادة على شؤون ومناطق فرنسا وعلى البلاد التي (حررها).

أثارت هذه المحسوبية ومكاسبها أو خسائرها خلافات بين من داخلتهم، وفي المناطق والبلاد التي عينوا فيها، وفي نفس الوضع المتوتر بدأ سادة البنوك في فرنسا السيطرة على مواردها وعلى بعض موارد المناطق التي سيطر عليها نابليون، ونشأت مع تنازع السيطرة بين ملكية عامة وملكية خاصة إختلافات ونزاعات إدارية وقضائية شتى، وتمردات.

تبع هذا التوتر إستصدار نابليون لقرار من الجمعية الوطنية باعلانه حاكماً أعلى لكل البلاد التي أخضعها، وبذلك القرار صار قائد الجمهورية -على نهج حكام روما- إمبراطوراً في دولة تكون نظامها الجديد الشكل على أسس "الجمهورية" و"حقوق الانسان" و"الحرية والإخاء والمساواة! وعلى أية حال ولدت سلطته الجديدة خلافات أشهر.


بعض الخلافات التي زادت تآكل الثورة الفرنسية وأضعفت دولتها:

كان الخلاف الأول اقتصادي السمة حيث إتجه نابليون إلى إلغاء نظام العملة المضمونة بذهب البنوك والمراببين واصدار عملة مضمونة ببنك وذهب الدولة/الشعب، وبهذا الإتجاه إلى إصدار عملة شعبية وتأسيس نظام مصرفي حكومي لمصلحة الشعب فاز نابليون بغضب أصحاب البنوك وعلاقاتهم العالمية.

أما الخلاف الثاني فكان ضد الأكاديميين، الذين عارض بعضهم مشروعات تنظيم الدولة للاقتصاد بحجة تعارض بعض أسسها أو تحقيقها مع "مبادئي الثورة" وإتجاهها آنذاك لتأسيس وضبط الأعمال بشكل علمي، فهاجمهم نابليون بأنهم حرفوا المعرفة لصالح البرحوازية. ولما استقدسوا عليه بـ"الآيديولوجيا" -وكانت علماً لضبط عرض الأفكار بصورة علمية- إتهمهم الإمبراطور الجديد بأنهم حرفوها الى رغبات سياسية وتصورات بعدما كانت في بدايتها ثورية تتناول الضبط العلمي لتقديم الأفكار والمقترحات النظرية، أي أنهم حوروها إلى ضبط لمحتوى الأفكار! على حسب هوى/تقدير/رأي المتكلم بها. وبهذا الهحوم فاز نابايون بغضب ارستقراطية العلم والتدريس وبراجزته، والمثقفين الدائرين في فلكهم إضافة لفقد الثورة مثقفيها الاوائل .

أما ثالثة الأثافي فكانت بالخلاف حول إدارة الجيوش والمناطق (المحررة) فبممارسة نابليون لواجبات القائد الجديد في ترتيب الجيش بتخفيضات وترقيات، وتهميش حدات وإلحاق إخرى بمهمات خشنة أو ناعمة، زاد التوتر بين ضباطه، وكذلك بين جنوده. كذلك بفتوحات أو غزوات هذه الجيوش كسب الجيش الفرنسي وقائده عداوات شرسة من جنود الجيوش المهزومة، ومن سكان المناطق المتضررة من حركة الجيوش وتوابع المعارك. وقد زادت هذه الخلافات بضعف التكوين والتفكير الديبلوماسي، لأركانه، ففاز بعداوة ثلاثة دول كبرى في وقت واحد (روسيا، وبروسيا الألمانية، وبريطانيا، اضافة إلى العداوات الشعبية والبرجوازية والأرستقراطية التي كسبها داخل المناطق التي زعم تحريرها بما فيها إيطاليا وإسبانيا إلخ)، وقد صار عندهم -بجيشه واتباعه وضرائبه- مجرد غاز جديد.

زاد تبدد الثورة الفرنسية وزاد ضعف دولتها بهذه الخلافات الثلاث: الإقتصادية وآثارها الضارة على المعيشة، والفكرية وآثارها الضارة على الآيديولوجيا الناشئة، والعسكرية وملحقاتها من جبايات وتغييرات إدارية وآثارها الضارة على سلامة الجيش وتماسكه وعلى المجتمعات المحيطة به وعلاقتها مع الوجود الفرنسي وتقييمها للوجود الفرنسي كغزو لا كتحرير، إضافة إلى كثير من الفوضى الإدارية.


الفترة السادسة، موات القديم وولادة نظام جديد:
بدأت بعد هزيمة نابليون الأخيرة سنة 1815،ّ ونفيه، فإلى اليوم وحتى إلى المستقبل، بقى التناقض الفكري بين الفهم الشعبي للثورة كعملية تغيير ضد مظالم المعيشة وأسسها، والفهم البرجوازي للثورة كعملية تغيير لزيادة تملك وتحشيد الموارد وفتح التجارة والسيطرة الخارجية كسبيل ومعنى وحيد لـ "التطور الوطني"، فعند البرجواز يتحقق معنى التطور الوطني بنجاحهم في السيطرة على كادحي المجتمع وزيادة إستغلالهم، وبالسيطرة على أوطان الآخرين ومجتمعاتهم ومواردها، ونهب أكبر قدر من خيرات عملهم.

في اطار قيام بعض الكادحين (الشعب) بمواجهة آثارهزيمة الجيش الفرنسي في بروسيا 1870 ثارت الأجزاء الشعبية من باريس وشكل كادحوها "كومونة باريس" أي حكم الشعب المحلي لمدينة باريس. وقد أصبح رجال ونساء وأطفال هذه الكومونة مثالاً في الوفاء لروح الثورة والإدارة الشعبية لشؤون الوطن. لكن بعد قتال دام شهرين قضت عليها في 28 مايو 1871 الضربات والمذابح التي قامت بها الوحدات العسكرية للجيش البروسي الغازي والقوات الفرنسية المستسلمة له.

منذ عام 1871 أدت محاولات معرفة وسد نواقص الثورة الفرنسية، إلى تكوين ذخائر نظرية كبرى في عمليات تشكيل الفكر الثوري وفي التحول من التجويد المتفرق لحياة الناس إلى تجويد الفكرة الإشتراكية وتحويلها وتطورها من تقديرات وآمال إلى مجال البحث العلمي في أسسها ونشاطها وتجديدها. أدى تطور هذا التجويد وزيادة حساباته والوعي بها إلى بداية أول ثورة إشتراكية في التاريخ، وتأسيسها في العالم أول دولة للعمال والمزارعين وعموم للكادحين.

على رسل الثورة الفرنسية أسهمت الثورة والدولة الإشتراكية الأولى بدورها في حرية عشرات البلدان من الإستعمار، وفي إيضاح خطر الإمبريالية وإمكانات قوتها والتناقضات المؤدية لوفاتها، كذلك قام الإتحاد السوفييتي كمولود من خبرات الثورة الفرنسية وما بعدها بتحريرالعالم من خطر "النازية" وكانت النازية أعلى أشكال تجمع الإستثمار الرأسمالي وتقنياته المادية والفكرية مع نزعة التعصب القومي والوطنية الزائفة.

والنازية قديمها وما يجدد منها وباء يلده النظام الليبرالي وتناقض سادته في الداخل وفي الخارج في حساب ضرورة الإخاء الإجتماعي والتداخل الإنساني. فهم يقبلون التداخل لأنفسهم كما في نزعة الإستعمار والإستثمار وفي نزعات الفرنسة، والآرية إلخ، لكن نفس سادة الأموال يرفضون التداخل والكسب لغيرهم من المجتمعات ومن الدول الأخرى كالصين والهند والبرازيل وعموم افريقيا، ويزيد هذا الفصام بتوسع الاستعمار والعولمة ومكاسبهما وما يتبع هذا التوسع من ضيق في معيشة كادحي الداخل، وجملة الأمر أن إتساع العولمة وزيادة ربح براجزة المركز منها، وضيق المعيشة في الداخل والتضليل في فهم أسبابها، أديا ويؤديان معاً عبر الإعلام المرسمل إلى ضيق الأفق الوطني. وتزايد صرف المجتمعات عن مراقي السلام والإشتراكية والتضامن الأممي.

الخلاصة:
أن أحداث فترات الثورة الفرنسية في تداخلها وفي تفككها -رغم تبدد أكثر الملامح الأولى لتلك الثورة- لم تزل تمثل مادة ثرة لفهم طبيعة التغييرات الثورية والتحولات السياسية في أمور الطبقات والمجتمعات والدول.


المنصور جعفر





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,278,675
- ثلاثة أسئلة من تغيرات العراق وسوريا
- سيد البحراوي
- نحو تجديد ثوري
- التأثيل: فكرة الأصالة عند العلامة عبدالله الطيب
- من اثار انتصار ثورة اكتوبر على روسيا والسودان
- ضرورة الشيوعي لحرية العالم من تناقض بنى التدين والدولة
- تأثيل الماركسية اللينينية ضد التعامل العشواء مع ظواهر الإلحا ...
- ديالكتيك شيوعي للغة العالم والحزب والزعيم
- ديالكتيك بداية -العقل- ومواته
- تأثيل حكاية -أنا- مهزومة عن طبيعة الحزب
- تأثيل أطوار المعرفة وبعض تغيرات التفكير والنخب (نقاط من مهدي ...
- نحو تقييم آخر لصراعات الحزب
- تعقيب على موضوع بدأ سنة 1903 ومستمر في السودان منذ حوالى 26 ...
- التحليل المعرفي لطبقات التاريخ .. التأثيل: نهاية مرحلة العقل ...
- ((التأثيل)).. لمحة مستقبلية من التاريخ السياسي لتراكم وتطور ...
- القطيعة المعرفية في التقدم الفكري
- مصر بين عشرتين
- محجوب شريف مناضل شيوعي شديد الكفاح
- الديمقراطية والتكنقراطية في أعمال القانون والمحكمة الدستورية
- لمحة من الإعتقادات في مصر القديمة وعهودها الرومانية المسيحية ...


المزيد.....




- أمر قضائي بالقبض على ضابطين اثنين تسببا في مقتل متظاهرين بال ...
- بنعبد الله: التقدم والاشتراكية سيمارس معارضة حقيقية بخطاب را ...
- هيئة تحرير الاشتراكي نت تعزي الرفيق معاذ النظاري بوفاة ولده ...
- الاشتراكي اليمني يدين الغزو التركي للأراضي السورية ويحذر من ...
- ندوة سياسيّة تحت عنوان (جمال عبدالناصر؛ 49 عاماً و ما زال را ...
- القضاء العراقي يأمر بالقبض على ضابطي شرطة تسببا بمقتل متظاهر ...
- أردوغان: قررنا تصفية -وحدات حماية الشعب- وحزب العمال الكردست ...
- الحركة التقدمية الكويتية تدين العدوان التركي على سوريا وتدحض ...
- Veste Blanche // قبل الحرب القادمة ...
- حسن أحراث// الكنفدرالية تطوي صفحة -المقاطعة-!!


المزيد.....

- كتاب ثورة ديسمبر 2018 : طبيعتها وتطورها / تاج السر عثمان
- من البرولتاريا إلى البرونتاريا رهانات التغيير الثقافي / محمد الداهي
- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا
- الرد على تحديات المستقبل من خلال قراءة غرامشي لماركس / زهير الخويلدي
- الشيعة العراقية السكانية وعرقنةُ الصراع السياسي: مقاربة لدين ... / فارس كمال نظمي
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية / عمرو إمام عمر
- في الجدل الاجتماعي والقانوني بين عقل الدولة وضمير الشعب / زهير الخويلدي
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - المنصور جعفر - من تغيرات الثورة الفرنسية وآثارها