أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - كعبةُ العَماء: خاتمة















المزيد.....

كعبةُ العَماء: خاتمة


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5919 - 2018 / 6 / 30 - 21:21
المحور: الادب والفن
    


يُقال عادةً في النقد، أنّ الرواية هيَ كتابة أخرى للتاريخ. وبما أنّ التاريخَ موضوعيّ، فلا فائدة تُجنى من تقديم أيّ عبرة أو درس عند الانتهاء من كتابة خاتمة صنوه؛ أي الرواية.
إذا كانت الرواية صنوَ التاريخ، على ما يزعم أهلُ النقد الأدبيّ، فإنّ الخيالَ يُصبح أكثر شحاً وربما أيضاً خارجَ المعادلة. وعندي أنّ الكتابة بشكل عام، لا تعدو عن كونها محاولة باطلة لتكريس أسطورة خلود الإنسان وإبعاد شبح الموت ما أمكنه الابتعاد. يبقى الحب، الثمرة الحقيقية للحياة، والمقدّر له أن يخلّد بقاء الإنسان في بستان العالم، المزروع بشتى أنواع الأزهار والأشجار، الأشواك والأعشاب المتطفلة. إنها حقيقة، تماثلُ زهدي في العيش تحت سماء الوطن؛ أعني، فترة الأعوام العشرة، الممتدة من يوم تركي لمراكش وإلى يوم اشتعال ما أسميَ ب " ثورات الربيع العربيّ " ضد الأنظمة الفاسدة والمستبدة!
هذا ما أقوم به هنا، في مختتم سيرتي الروائية عن سنواتٍ خمس قضيتها في مراكش. السنوات الخمس الأخرى، التالية، كانت بلا أحداث مهمة عموماً؛ بما أنني كنتُ خلالها معزولة عمن بقيَ من أبطال السيرة، أو في أحسن الأحوال، أتصيّد أخبارَ بعضهم عن طريق مرافقتي المغربية. وهيَ عزلة، أشعرُ بوطأتها الآنَ؛ أنا مَن أسجّل الكلمات الأخيرة للكتاب في منفى الروح الأخير، على الطرف المقابل للمحيط الأطلسي.. تحت سماءٍ ربيعية، متجهمة، آيلة إلى العتمة رويداً مع رياحٍ مفعمة بحبّات الطلع، لن تلبث أن تلقّحَ براعمَ شبيهة بأجساد إنسانية.. أجسادنا، المرهقة من ثقل الخطايا والتي وهنت عظامها وأعصابها تحت ضربات الحياة.

*
مرة أخرى، أجدني مجبرة على التنويه بفضل محقق هذه السيرة المراكشية، سواءً لناحية تشجيعه على نشرها أو لناحية عمله المخلص في تنقيحها. وإنه هوَ من طلبَ مني كتابة خاتمتها، أسوةً بمقدمتها المشكّلة للفصل الأول. إذ تمكنتُ بوساطة كلا الكتابتين، المرهونتين بين دفتيّ كتاب ـ كمجاز بداية ونهاية حياة الإنسان ـ أقولُ، تمكنتُ بوساطتها من زرع نفسي مجدداً في التربة الخصبة، المائلة للون النبيذ، والتي أعطت لمراكش لقبها؛ " المدينة الحمراء ".. مدينة، أختتمُ سلسلةَ الكتابة عنها، ككيان قائم بذاته؛ وهيَ المستهلة من لدُن أشخاص مشرقيين، بدءاً من " تاجر موغادور " في منتصف القرن التاسع عشر، ثم مروراً بمؤلفَيْ مواطنَيْه الدمشقيين، الشقيقين، اللذين مهدا طريق إيابي إلى ذكريات تلك السنوات الخمس من أواخر القرن العشرين. دونما أن أهمل الإشارة لكاتب خامس، من الغرب الأوروبيّ؛ " مسيو غوستاف "، المعروضة سيرته ضمن سيرتي هذه.
" فرهاد "، كان أول من حثني على الكتابة ( مثلما جرى الحديث في شأنه بمقدمة سيرتي ) وذلك من خلال رسائله إليّ، القادمة من العاصمة الروسية. وإنه لأمرٌ مستغرب، ولا غرو، أن أعلم متأخرة جداً بحادثة رحيله، المفجعة، وعن طريق محقق هذه السيرة بالذات. الأغرب، أن يتفق رحيلُ صديقي مع مستهل عام كتابة سيرتي. ففي ذلك العام، صادفَ أيضاً رحيلُ ثلاثة آخرين من أبطال سيرتي الروائية، وكما لو أنهم كانوا على موعدٍ مع أسطورة " شيرين وفرهاد "!
أسطورة أخرى، عليها كان أن تنعكسَ على أرض مراكش. إذ وصل أخُ " فرهاد " غير الشقيق إلى المدينة، على أثر سماعه خبرَ وفاته. ومن ثم حاول العودة إلى الشام مع ابنة أخيه، الوحيدة. بيْدَ أنّ الأسرة المُحسنة، المحتضنة الطفلة، رفضت الفكرة. " سيامند "، وهذا هوَ اسمه كما سبقَ وعلمنا، أثبتَ بفعلته تلك أنّ خصلة الخير متجذّرة في نفس الإنسان مهما كان مسلكه يتسمُ بالأنانية والأثرة وعبادة الذات. الصفة الأخيرة، لعلها هيَ من قرّبته للحركة الراديكالية الكردية، التي ما تنفكّ متماسكة كالفولاذ وذلك بفضل شخصية مؤسسها؛ ومَن يتزعمها إلى اليوم مع كونه وراء قضبان سجنه في جزيرةٍ معزولة وسط بحر مرمرة. لقد اتفقَ أن وُجِدَ " سيامند " بالمغرب في الفترة نفسها، الشاهدة على وصول الزعيم الكرديّ إلى دولة أفريقية أخرى بهدف تأمين حمايته من ملاحقة سلطات أنقرة بعيد طرده من سورية. فكم أُشبِهَ بحدث محاولة تهريب سلفه، " الأمير بدرخان "، من أسر المنفى العثمانيّ في جزيرة كريت اليونانية إلى كنف ملك المغرب ـ كما قرأنا عنها فيما مضى في المخطوطة المنشورة، " تاجر موغادور "؛ فاتحة هذه الخماسية الروائية!

*
" زين ومَميْ آلان "، هيَ أيضاً أسطورة حب كردية عتيقة، تملك جذوراً مغربية، غامضة وملغزة. كان من العسير على القارئ فهمَ الأسطورة، على خلفية اسم سكرتير مكتبي السابق وشقيقته؛ مرافقتي السابقة. ربما كان ذلك بنفس صعوبة الكلام عن الحب في عالمٍ من المثليين، شكّل جانباً مهماً من مجتمع المثقفين في مراكش؛ وإن كان بعضه مزيفاً ( كحالة مسيو غوستاف، مثلاً ) أو على سبيل " الموضة الأدبية ". كانت نتفاً من أخبار سكرتيري السابق، وشقيقته أيضاً بالطبع، تصلني عن طريق مرافقتي مثلما سلفَ ونوهتُ. ذات مرة، لمّحت المرأةُ الطريفة لعلاقة حب كانت تنمو بين " آلان " وابنة تلك الأسرة المُحسنة: " يلوحُ لي أنّ منافسة ما حصلت بين صديقنا وعم خَجيْ الصغيرة، الذي كان دائب التواجد في منزلهم. ولو صدقت روايةُ من نقل إليّ الخبرَ، فإنّ سيامند سيعوّض خسارته بفتاة قريبة لمنافسه ذاك.. "
" لِمَ هذا اللعب بالكلمات، طالما أنني لستُ من الغباء ألا أدرك بأنك تقصدين شقيقته، زيناً؟ "، كنتُ قد أوقفتها لقذف هذه الملاحظة اللاذعة. ولكن ما فاتني ملاحظته، إنما التعبيرُ المكتسي به وجه المرافقة في كل مرة تنقل إليّ خبراً يتصل بصديقي القديم، " فرهاد "، بشكل أو بآخر. عندئذٍ كانت تبدو مثل ولد مذنب، مستعد للبكاء عند أول صرخة مؤنّبة من قبل الأهل. الآن، أدركُ أنها كانت تتعذب بسر موت صديقي القديم، الذي علمت به مبكراً وفي ظرف لا يقل التباساً: فتاة سويدية، كانت قد حضرت إلى مراكش كي تسأل هيَ الأخرى عن أحوال ابنة " فرهاد ". بحَسَب المفهوم الأوروبي، كان للفتاة صفة شريكة حياة لصديقنا الراحل. لقد بقيت نحو شهر في المدينة، دونما أن ينمّ إليّ أي خبر عنها. " للّا عيّوش "، حبكت هنا أيضاً شباك لعبة الأسرار. إنها امرأة متدينة، تعلم يقيناً أنّ الموتَ حق.. فما هوَ سببُ هذا الإخبات، إذاً؟ لعله سبب دنيويّ، والحالة تلك، يُحيل إلى طبعها الموسوس، الذي يوهمها بأنّ علاقة جديدة لسيدتها مع أحدهم/ أحدهن، ستعني فقدانها الحظوة لديّ ـ كمرافقة ومدبرة منزل وقائدة سيارة!

*
أعوام عشرة، قضيتها في مراكش، المُسماة " مدينة البهجة ". إنها منحتني الثروة في يد، ولكنها أخذت مني السعادة بيد أخرى. وتسمّى أيضاً " مدينة النخيل "، رغم أنها تسمية مراوغة طالما أنّ أهلها استوردوا أنواعاً من ذلك الشجر من أماكن أخرى واستنبتوها في تربة مدينتهم، الحمراء. " نخلة واشنطن "؛ لقد سبقَ وسألتُ العديدَ من مواطني المدينة عن مغزى هذه التسمية، مع العلم بأن شتاء العاصمة الأمريكية بارد جداً بحيث لا تستطيع أشجار النخيل تحمله. صديقي الراحل، " الأستاذ الشاعر "، قدم لي في حينه أكثر الأجوبة بساطة وإقناعاً في آنٍ معاً: " واشنطن، أو أمريكا، تعني عند المغاربة ما وراء المحيط؛ أي أقصى بقاع العالم بعداً ".
وها أنا ذي في أمريكا، فيما وراء المحيط، وكلمات أستاذي الشاعر تلك ما فتأت تنضج في رأسي مثل ثمار النخيل. وجدتني هنا، لأنني كنتُ أريد الخلاص من مراكش؛ مدينة الأصدقاء الموتى والذكريات المحتضرة. لن أصدع رأس القارئ بتفاصيل الهجرة الجديدة، كونها خارج موضوع سيرتي الروائية. مع أنني، في المقابل، كتبتُ ببعض الإسهاب في مقدمة السيرة عن جوانب من حياتي في هذا المهجر، أو المنفى؛ أين سأتوغل في مجاهل شيخوختي، وأنا أكثر عزلة مما كنتُ في السنوات الخمس الأخيرة من إقامتي المراكشية.
تلكم يا قارئي كانت رحلة حياتي في المدينة الحمراء، بكل ما فيها من أحداث ومآسٍ ولحظاتٍ مضيئة. إنها إحدى محطات حياتي ( على قلة عدد تلك المحطات )، بوسعكَ وحدك تقدير أهميتها أو تفاهتها. ولعلها تساعدك في رحلة حياتك نفسها، تماماً كما فعلت معي كتابات الآخرين إن كانت معاصرة أو كلاسيكية.

*
غير أني على أملٍ أن تنتهي مياه هذه السيرة في مصبّها الصائب والصحيح، فنياً وواقعياً؛ في جزء الختام منها، المنوّط بصديقنا المحقق انجازه لكونه الشاهد الأخير على مصائر أبطالها ومآل حيواتهم. أتخيله الآنَ يقرأ كلماتي، التي ربما تشيع في وجهه الشاحب نوعاً من الضيق، الملازم للكاتب الأديب عند عزمه على تحقيق مشروعٍ يلزمه قدرٌ معقول من الكتمان. في هذه الحالة، فإنني مدينة له أيضاً بالاعتذار فوق كلمات الشكر، المضاعفة. مع أنّ ناشر السيرة، في واقع الحال، هوَ مَن تعهّد في مقدمته الحديثَ عن جزء خامس قد يظهر على الأثر!
يحق لي الاستطراد إذاً، فأغبط المحققَ وأنا أتخيله مشرعاً في رحلة الكتابة من بدايتها الضبابية، الشبيهة ببعض أمسيات مراكش في خلال فصل الشتاء. الحق، أنها لن تكون بداية جديدة كل الجدّة. فالكاتب، سبقَ له أن نشرَ ثلاث مقالات عن المدينة من نوع أدب الرحلات. وإنها تلك المقالات، المقدّر لي أن أتعرف فيها على الرجل، كأديب قبل كل شيء، ومن ثم كإنسان عبرَ مراسلاتنا عن طريق الايميل. الملاحظتان الأخيرتان، سبقَ أن عرضتهما للقارئ في مقدمة سيرتي الروائية. تكرار عرضهما هنا، كان ضرورياً على اعتقادي. إذ أنها تسهم في ترسيخ الانطباع لدى القارئ في مقدرة أديبنا على انجاز ما أظنها، شخصياً، الحلقة المفقودة في هذه السلسلة من السيَر الروائية، المنذورة لمراكش.. لمدينةٍ، عاشت في ذاكرة عدد من الأغراب، الذين حظوا بالعيش فيها لفتراتٍ مختلفة ـ كاختلاف منابتهم وأمزجتهم وأفكارهم ومصالحهم وأهوائهم ومصائرهم.
من يدري..؟ فلعل السيرة القادمة لو أنجزت، فظهرت ساطعة كشمس مراكش، أن تكون كذلك متعددة الأصوات؛ يتورط فيها غرباء آخرون ممن احتضنتهم المدينة وأبت إلا أن تعشش في ذاكرتهم؛ مثل طائر " مالك الحزين "، المعتلي بمهابة أسوارها الخارجية والداخلية، حارساً لأحلام ساكنيها من مواطنين ومقيمين.

> الرواية الأخيرة من " خماسية مراكش "؛ هيَ قيدُ التنقيح والتنضيد





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,930,541,310
- إلِكْترا: بقية الفصل العاشر
- إلِكْترا: الفصل العاشر 1
- إلِكْترا: بقية الفصل التاسع
- إلِكْترا: الفصل التاسع 3
- إلِكْترا: الفصل التاسع 2
- إلِكْترا: الفصل التاسع 1
- إلِكْترا: الفصل الثامن 5
- إلِكْترا: الفصل الثامن 4
- إلِكْترا: الفصل الثامن 3
- إلِكْترا: الفصل الثامن 2
- إلِكْترا: الفصل الثامن 1
- سيرَة أُخرى 70
- إلِكْترا: الفصل السابع 5
- إلِكْترا: الفصل السابع 4
- إلِكْترا: الفصل السابع 3
- إلِكْترا: الفصل السابع 2
- إلِكْترا: الفصل السابع 1
- إلِكْترا: الفصل السادس 5
- إلِكْترا: الفصل السادس 4
- إلِكْترا: الفصل السادس 3


المزيد.....




- العثماني يلزم أعضاء حزبه بعدم الرد على تصريحات الطالبي العلم ...
- إطلاق وتوقيع كتاب -حياة في عنق الزجاجة- للكاتب الفلسطيني هما ...
- مؤسسة عبدالحميد شومان تعلن أسماء الفائزين بجائزة أدب الأطفال ...
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...
- مصطَبة الآلهة السومرية: هل سترحل من لندن إلى أبو ظبي؟
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...
- -بديت أطيب-.. فضل شاكر يؤكد عودته للغناء بلون خليجي
- -يوم الدين- فيلم روائي بطابع إنساني يتطلع للعالمية
- المحامون يؤسسون هيئة للترافع دوليا حول القضية الوطنية
- فنانة خليجية ترد على قائل -يا رب وجهك ينفجر- بعد إصابتها ببك ...


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - كعبةُ العَماء: خاتمة