أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شهربان معدي - ما.. .. .. بعد حيفا..!! ما بعد خيفا...!!















المزيد.....



ما.. .. .. بعد حيفا..!! ما بعد خيفا...!!


شهربان معدي
الحوار المتمدن-العدد: 5858 - 2018 / 4 / 27 - 02:44
المحور: الادب والفن
    


استيقظت العجوز ذات السبعين خريفًا، قبل وميض الغسق، توجّهت نحو المشرق وبسطت يديّها نحو السّماء، وبدأت تُصلي من أجل أولادها وبناتها الذين شبّوا عن الطوق، وغادروا المنزل، ولم يؤنس وحدتها بعد رحيل زوجها، سوى حفيدها المدلل عمير، الذي أصَّر أن ينتقل للسكن معها.. ولطالما قبّل جبينها الذي نالت منه السنون، مؤكدًا لها انه لن يسمح للوحدة أن تنال منها، ما دام يخفق في صدره قلب! ولكنه اضّطر أن يفارقها قبل سبعة أشهر، لينضم إلى إحدى الوحدات العسكرية، بعد أن فُرض قانون التجنيد الإجباري، على كل الشبان من أبناء الأقليات في تلك الدولة الفتية، التي لم تنعم بالأمن والأمان منذ نعومة أظافرها..

الجدة خّيزران؛ الإمرأة الخضلة كالبيدر، الباسقة كالنخلة، الدافئة كرغيف الخبز، كانت سعيدةً جدًا، بل تُكاد تطير من الفرح! فاليوم ستُكحل ناظريّها، برؤية حفيدها الغالي.. بعد غياب دام إحدى وعشرين يوما في كتيبته، التي تضم غالبيتها، جنودًا يهودًا، ولكن هذا لم يكن يهم الجدة، بقدر ما كان يهمها أن تُدغش لتلف له طنجرة ورق دوالي، وهي أكلة عمير المفضلة، بالإضافة إلى الكمية الكبيرة من الكعك األأصفر، المزين بالجوز والسكر، والتي جهدت في تَحضيرها الليلة الفائتة مع والدته، لتُطعم كل كتيبة عمير الغالي، وكرمالك يا عين تكرم مرج عيون..

فتحت دولابها العتيق، الذي يعبق برائحة ثيابه الغالية لتأخذ الرقية الصغيرة، الملفوفة بقطعة جلد بُنية، والتي كانت تنوي أن تمنحها لحفيدها، فالدولة على قاب قوسين أو أدنى من حرب ضروس، قد تشتعل في كل لحظة، وهي تخاف عليه..؟ حتّى من نسمات تشرين! ّدسّتها في زنارقمبازها الجديد؛ المطرز بخيوط الصبر، والذي تفوح منه رائحة القرنفل والحبق، وهي التي لم تلبسه قط، منذ رحيل زوجها.. بالإضافة إلى ورقة نقدية بقيمة مائة دولار أمريكي، وفّرتها خصيصًا من تأمين الشيخوخة، لتمنحها لقّرة عينها عمير، ومن أعّز من الولد إلّا ولد الولد..!!

وصلت المركبة للمكان المخصص لإجراء المراسيم؛ ترجلت من المركبة، بخفة ابنة عشرين، وكانت تبحث عن حفيدها، بعينين كحلهما الشوق والحنين، متجاهلة نظرات الآخرين المشبوهة لها، وكأنها امرأة عادت من َسفر الزّمان.. بلباسها القروي التقليدي، وكانت هذه النظرات الحَذِرة، نتيجة الوضع المشحون بين اليهود والعرب؛ ونتيجة العمليات الإستشهادية كما يسمونها العرب، والإرهابية كما يسمونها اليهود!! ُ

ولكنها تجاهلت نظراتهم المُريبة لها، عندما رأت عميرًا مقبلاً نحوها ونحو والديه، يرمح كالغزال، وقد صلُب عوده واشتدّ، وكانت طلته الرائعة وهامته العالية، تشبه طله جده، وكم كانت مؤملتًا نفسها..؟ أن يسميه والداه على اسم جده المرحوم، ولكنهما اصرّا على تسميته باسم "عمير" ليُسهل انخراطه في مؤسسات الدولة اليهودية، على حد قولهم..؟ وانفرجت أسارير عمير، عندما رأى جدته الحنونة التي احتضنته بروحها وقلبها قبل راحتيها.. دسّت في جيبه الورقة النقدية والرقية المباركة، ودعته لتناول أوراق الدوالي اللذيذة، متجاهلة نظرات والدته التي تنم عن ُمنافسة عقيمة بين كل النساء، امتدت منذ الأزل، وستستمر للأزل..

تناولت الجدة خيّزران، ِسِدر الكعك الكبير المزين بالجوز والسّكر، "رغم ُمعارضة والد عمير".. وبدأت بتحلية كل العائلات القريبة من الطاولة الخشبية المستديرة، والتي رتّبت عليها والدة عمير ما لذ وطاب من طعام.. وسرعان ما عرقلت ثابت خطواتها، وبعثرت باقة آمنياتها، المضمخة بندى الخير والمحبة لكل الناس.. كلمات مبهمة جافة، تشدقت بها شابة يهودية، لم تتجاوز العشرين من ُعمرها، بعد أن امتنعت عن تناول الكعك الذي قدمته لها الجدة خّيزران، ورددت كببغاء مريضة:-

- ما بعد خيفا، ما بعد خيفا!

التفتت الجدة، ذات اليمين وذات الشمال، وفوجئت بعيون كثيرة تُحدق بها.. عيون أناس لم يعرفوا عنها شيء! ولم يسمعوا عن انسانيتها.. ولكن نظراتهم المستنكرة، جعلتها تدرك أنها المقصودة بهذا الكلام المبهم! ومع انها كانت على يقين تام، بان هذه الصبية الجاهلة لا تستطيع أن "تُفلّح في حصيدها".. وأنها تستطيع ان ترد لها، "الصاع صاعين" ولّكنها فضّلت الإنسحاب سريعا، احترامًا للحضور، ولحفيدها الغالي عمير الذي قطعت كل هذه المسافة الطويلة لكي تحظى بقربه.. فّرت من عينها دمعة بلون السنديان، عندما عادت لتجلس بصمت بجانب الطاولة الخشبية الكبيرة، وفي قلبها ألف حكاية وحكاية، رغم اقتراب احد أقارب الفتاة، الذي أعرب عن أسفه عما حدث، موضحا أن تصرفات الفتاة الغير مسؤولة ما هي الّا مرآة تعكس الوضع المتأزم بين حزب الله، والحكومة الإسرائيلية، وتصريحات نصرالله التي تداولتها وسائل الإعلام، بقصف ما بعد حيفا والتي أرعبت هذه الفتاة المسكينة..

تبا لهذه الحياة ولهذه المفارقات، ليت هؤلاء القوم؛ يدركون كم تعّز مدينة حيفا على قلبها الكبير.. في مستشّفاها الحكومي، وضعت أبناءها الستة، ومن أسواقها الجميلة، جهّزت "جهاز العروس" لكناتها الأربعة وابنتيها"..

حيفا مدينة في القلب..؟ لها ألف ياسمينة، وألف قصيدة.. وهؤلاء القوم لا يفقهون شيئًا عن العلاقة الحميمة التي ما زالت تربطها بحيفا.. كما أنهم لم يسمعوا عن كرم والدها الذي كان يشِغل مختار القرية، ولم يسمعوا عن أريحية أهل قريتها التي امتدت جذورها، منذ ألف عام.. ولم يتحدثوا قط مع الجدة خيّزران، التي كانت "زينة العَقدة"، االمرأة التي أتقنت لُغة الإنسانية وأحبت جميع النّاس، والتي ولدت في قرية نائية عن مركز الأحداث، في زمن غياب الفكر القومي الأيدلوجي..

صحيح أنها لم تسمع عن الهوية القومية "التي َضعُفت أمام ُمركبات عائلية طائفية"، ولم تسمع عن قانون الترانسفير، ولا عن اتفاقية سايكس بيكو، ولكنها ابنة الدهر لا ابنة الشهر، ما يزال عالقا في ذاكرتها، الكثير من الذكريات الحلوة والمرّة، فهي لن تنسى أيام "الهجيج" حيث كانت لا تتجاوز الثمانية سنوات، عندما اضطرت أن تنام على السدة هي وأخواتها الكبار، بعد ان استضافت عائلتها لمدة غير قصيرة، عائلتين من القرى المجاورة، ولن تنسى قط والدتها التي اضطرت أن تنشل المياه من بئر الجيران، لتسد حاجة البيت، وحاجة الضيوف الغُرباء، بعد أن جفّت المياه في بئرهم.. وهي لم تسمع بمصطلح الهولوكوست، ولا عن صبية برقة البنفسج، اسمها "آنا فرانك"! ولكنها قط لن تنسى الخيّاطة اليهودية الدمثة الأخلاق، التي كانت بالجوار، والتي كانت تخيط لهم الملابس في المناسبات والأعياد، وكانت تجلب معها البسكويت وألواح الشكولاتة المستوردة، وبالمقابل تمنحها والدتها المرحومة، أقراص الجبنة المالحة، والبيض البلدي.. وعندما قبض عليها العسكر الإنجليزي، مطالبا إياها بدفع الضرائب، بسبب ُمزاولتها مهنة الخياطة والمتاجرة بالقماش بالخفاء، سارع والدها بدفع الضرائب عنها وبعتق أسرها..

الجدة خيزران، المرأة التي تغذت روحها من ينابيع الحكمة الصافية، أحبت كل الناس دون غربلة أو تمييز، وهي لن تعتب على شابة في سن حفيداتها، ولكنها عتبت على كل هذه الظروف الحالكة، والتهديدات المتواصلة بقصف ديارها، ديارها المقدسة التي حرام ان تُقصف بقصفة حبق! وعتبت على كل الساسة والحكّام، الذين يتناسوْن، أن الأرض واسعة كالسّماء، كريمة كالبحر، سخّرها الله عز وجل، لنا جميعا ودون استثناء، لنستفيد من خيّراتها وبركاتها.. فلماذا لا يتشبث أهل هذه الديار، بالسّلام العادل والشامل، وهم الذين يتقاسمون، نسمة الهواء وجرعة الماء، ومقاعد الحدائق والجامعات، والباصات والمستشفيات!

مر وقت قليل على هذه الحادثة، التي كانت أشبه بسحابة سوداء، سرعان ما بدّدها قلب الجدة خزيران، الصافي كالذهب! ولكن ثمة غيوم أخرى تلبدت وتكاثفت، في سماء البلاد، حيث اشتعل فتيل الحرب بين إسرائيل وحزب الله دون سابق إنذار، بعد حملة تحريض كبيرة من قبل محطات تلفزة وفضائيات وصحف وصحافيين، باعوا أقلامهم وذممهم، لتشويه قيمة الإنسان األخلقية ومفاهيمه الإنسانية، ومزقوا النسيج الإجتماعي الهش الذي كان يربط المواطنين في هذه البلاد المقدسة! وليتهم يدركون، أن الذي يده بالماء، ليس كمن تكون بالنار!

هذه الحرب القصيرة، أدت إلى سقوط ضحايا من الطرفين، ومقتل نساء وأطفال وعُجّز، لا شبق لهم ولا عبق! وكان عمير، زينة الشّباب، حفيد الجدة خيّزران.. من هؤلاء الضحايا.. زهرة من أزاهير الحياة، انضمت للملايين من الشُّبان الذين قتلوا، استشهدوا، أو ناضلوا، أو قيدوا قسريا، من اجل االقتال على حفنة تُراب..

سحقا لقساوة الرجال، وغباءهم! ليتهم يدركون أن دمعة أم ثكلى، لهي أصدق وأغلى ُ من كل هذا الصراع، وان الباري عزّ وجلّ؛ أبدع لنا هذا الكرة الزرقاء، لنمرح على جديلها، ونتغذى من خيراتها، لا لندفن تحت أديمها، خيرة شبابنا!!

هذه الإمرأة، التي كانت تتنفس تسامح ومغفرة، وينبض قلبها بالحب والخير، ذبُلت فجأة كما تذبل الشّمس عند الغروب، دون أن يأبه بها احد..

في الجنازة كان خلق كثير، جاءوا جميعهم لتعزية ابنها وكنّتها، وكانت الجدة تجلس بصمت وتبكي، وهي تُحاول أن تتهرب من نظرات المعزيات اللواتي ُكن يرمقن شيخوختها التي استعجل في تسريعها موت حفيدها الغالي، وكأن لسان حالهن يخاطبها:

- لماذا بقيت أنت ورحل عمير!؟

ليت معشر الناس يدركون مدى األألم الذي يكوي بسعيره، قلب كل جدة أو جٍد خطف الموت حفيدهما، ليتهم يدركون انه أحيانًا يكون طول العمر نقمة وليس نعمة!!

في ذلك المساء، بكت الجدة كثيرا.. كانت تنظر لصورته المعلقة على الحائط، وتشهق كطفلة صغيرة، كانت دموعها تُفتت الصخر، وتحرك قلب الحجر! كان عتبًها صريحا على كل شيء..؟ مع أنها ابنة قوم يؤمنون بمشيئة الله، وبالقضاء والقدر، ولكن حفيدها الغالي الذي كان طفلا يحبو في بؤبؤ عينيها..؟ قد رحل! وما زالت رائحة ثيابه عالقة في الرواق، وفي دولابها العتيق، وعلى عتبة الباب! رحل عصفورها الغريد الذي كان يتمرغ في خريف ُعمرها القصير، وهي تفتقد لدقات يديه على بابها الخشبي..

مرّ وقت طويل وهي جالسة لوحدها، بعد أن أُغلقت نوافذ الفرح في بيتها.. ثمة أحد لم يطرق بابها أو يكبح جماح دمعها، الذي كان يهطل كما يهطل الغيث شتاء..
في ذلك الصباح، بقيت الجدة خيزران، نائمة في ُغرفتها..
بقيت نائمة للأبد..
و.. وحيفا..؟ "عروس البحر" ما بعد.. .. ..
ما بعد حيفا..!!
ما بعد خيفا...!!!

استيقظت العجوز ذات السبعين خريفًا، قبل وميض الغسق، توجّهت نحو المشرق وبسطت يديّها نحو السّماء، وبدأت تُصلي من أجل أولادها وبناتها الذين شبّوا عن الطوق، وغادروا المنزل، ولم يؤنس وحدتها بعد رحيل زوجها، سوى حفيدها المدلل عمير، الذي أصَّر أن ينتقل للسكن معها.. ولطالما قبّل جبينها الذي نالت منه السنون، مؤكدًا لها انه لن يسمح للوحدة أن تنال منها، ما دام يخفق في صدره قلب! ولكنه اضّطر أن يفارقها قبل سبعة أشهر، لينضم إلى إحدى الوحدات العسكرية، بعد أن فُرض قانون التجنيد الإجباري، على كل الشبان من أبناء الأقليات في تلك الدولة الفتية، التي لم تنعم بالأمن والأمان منذ نعومة أظافرها..

الجدة خّيزران؛ الإمرأة الخضلة كالبيدر، الباسقة كالنخلة، الدافئة كرغيف الخبز، كانت سعيدةً جدًا، بل تُكاد تطير من الفرح! فاليوم ستُكحل ناظريّها، برؤية حفيدها الغالي.. بعد غياب دام إحدى وعشرين يوما في كتيبته، التي تضم غالبيتها، جنودًا يهودًا، ولكن هذا لم يكن يهم الجدة، بقدر ما كان يهمها أن تُدغش لتلف له طنجرة ورق دوالي، وهي أكلة عمير المفضلة، بالإضافة إلى الكمية الكبيرة من الكعك األأصفر، المزين بالجوز والسكر، والتي جهدت في تَحضيرها الليلة الفائتة مع والدته، لتُطعم كل كتيبة عمير الغالي، وكرمالك يا عين تكرم مرج عيون..

فتحت دولابها العتيق، الذي يعبق برائحة ثيابه الغالية لتأخذ الرقية الصغيرة، الملفوفة بقطعة جلد بُنية، والتي كانت تنوي أن تمنحها لحفيدها، فالدولة على قاب قوسين أو أدنى من حرب ضروس، قد تشتعل في كل لحظة، وهي تخاف عليه..؟ حتّى من نسمات تشرين! ّدسّتها في زنارقمبازها الجديد؛ المطرز بخيوط الصبر، والذي تفوح منه رائحة القرنفل والحبق، وهي التي لم تلبسه قط، منذ رحيل زوجها.. بالإضافة إلى ورقة نقدية بقيمة مائة دولار أمريكي، وفّرتها خصيصًا من تأمين الشيخوخة، لتمنحها لقّرة عينها عمير، ومن أعّز من الولد إلّا ولد الولد..!!

وصلت المركبة للمكان المخصص لإجراء المراسيم؛ ترجلت من المركبة، بخفة ابنة عشرين، وكانت تبحث عن حفيدها، بعينين كحلهما الشوق والحنين، متجاهلة نظرات الآخرين المشبوهة لها، وكأنها امرأة عادت من َسفر الزّمان.. بلباسها القروي التقليدي، وكانت هذه النظرات الحَذِرة، نتيجة الوضع المشحون بين اليهود والعرب؛ ونتيجة العمليات الإستشهادية كما يسمونها العرب، والإرهابية كما يسمونها اليهود!! ُ

ولكنها تجاهلت نظراتهم المُريبة لها، عندما رأت عميرًا مقبلاً نحوها ونحو والديه، يرمح كالغزال، وقد صلُب عوده واشتدّ، وكانت طلته الرائعة وهامته العالية، تشبه طله جده، وكم كانت مؤملتًا نفسها..؟ أن يسميه والداه على اسم جده المرحوم، ولكنهما اصرّا على تسميته باسم "عمير" ليُسهل انخراطه في مؤسسات الدولة اليهودية، على حد قولهم..؟ وانفرجت أسارير عمير، عندما رأى جدته الحنونة التي احتضنته بروحها وقلبها قبل راحتيها.. دسّت في جيبه الورقة النقدية والرقية المباركة، ودعته لتناول أوراق الدوالي اللذيذة، متجاهلة نظرات والدته التي تنم عن ُمنافسة عقيمة بين كل النساء، امتدت منذ الأزل، وستستمر للأزل..

تناولت الجدة خيّزران، ِسِدر الكعك الكبير المزين بالجوز والسّكر، "رغم ُمعارضة والد عمير".. وبدأت بتحلية كل العائلات اليهودية القريبة من الطاولة الخشبية المستديرة، والتي رتّبت عليها والدة عمير ما لذ وطاب من طعام.. وسرعان ما عرقلت ثابت خطواتها، وبعثرت باقة آمنياتها، التي تزهر بالخير ومحبة ُكل الناس.. كلمات مبهمة جافة ، لفتاة شابة لم تتجاوز العشرين من ُعمرها، امتنعت عن تناول الكعك الذي قدمته لها الجدة خّيزران، ورددت كببغاء مريضة:-

- ما بعد خيفا، ما بعد خيفا!

التفتت الجدة، ذات اليمين وذات الشمال، وفوجئت بعيون كثيرة تُحدق بها.. عيون أناس لم يعرفوا عنها شيء! ولم يسمعوا عن انسانيتها.. ولكن نظراتهم المستنكرة، جعلتها تدرك أنها المقصودة بهذا الكلام المبهم! ومع انها كانت على يقين تام، بان هذه الصبية الجاهلة لا تستطيع أن "تُفلّح في حصيدها".. وأنها تستطيع ان ترد لها، "الصاع صاعين" ولّكنها فضّلت الإنسحاب سريعا، احترامًا للحضور، ولحفيدها الغالي عمير الذي قطعت كل هذه المسافة الطويلة لكي تحظى بقربه.. فّرت من عينها دمعة بلون السنديان، عندما عادت لتجلس بصمت بجانب الطاولة الخشبية الكبيرة، وفي قلبها ألف حكاية وحكاية، رغم اقتراب احد أقارب الفتاة، الذي أعرب عن أسفه عما حدث، موضحا أن تصرفات الفتاة الغير مسؤولة ما هي الّا مرآة تعكس الوضع المتأزم بين حزب الله، والحكومة الإسرائيلية، وتصريحات نصرالله التي تداولتها وسائل الإعلام، بقصف ما بعد حيفا والتي أرعبت هذه الفتاة المسكينة..

تبا لهذه الحياة ولهذه المفارقات، ليت هؤلاء القوم؛ يدركون كم تعّز مدينة حيفا على قلبها الكبير.. في مستشّفاها الحكومي، وضعت أبناءها الستة، ومن أسواقها الجميلة، جهّزت "جهاز العروس" لكناتها الأربعة وابنتيها"..

حيفا مدينة في القلب..؟ لها ألف ياسمينة، وألف قصيدة.. وهؤلاء القوم لا يفقهون شيئًا عن العلاقة الحميمة التي ما زالت تربطها بحيفا.. كما أنهم لم يسمعوا عن كرم والدها الذي كان يشِغل مختار القرية، ولم يسمعوا عن أريحية أهل قريتها التي امتدت جذورها، منذ ألف عام.. ولم يتحدثوا قط مع الجدة خيّزران، التي كانت "زينة العَقدة"، االمرأة التي أتقنت لُغة الإنسانية وأحبت جميع النّاس، والتي ولدت في قرية نائية عن مركز الأحداث، في زمن غياب الفكر القومي الأيدلوجي..

صحيح أنها لم تسمع عن الهوية القومية "التي َضعُفت أمام ُمركبات عائلية طائفية"، ولم تسمع عن قانون الترانسفير، ولا عن اتفاقية سايكس بيكو، ولكنها ابنة الدهر لا ابنة الشهر، ما يزال عالقا في ذاكرتها، الكثير من الذكريات الحلوة والمرّة، فهي لن تنسى أيام "الهجيج" حيث كانت لا تتجاوز الثمانية سنوات، عندما اضطرت أن تنام على السدة هي وأخواتها الكبار، بعد ان استضافت عائلتها لمدة غير قصيرة، عائلتين من القرى المجاورة، ولن تنسى قط والدتها التي اضطرت أن تنشل المياه من بئر الجيران، لتسد حاجة البيت، وحاجة الضيوف الغُرباء، بعد أن جفّت المياه في بئرهم.. وهي لم تسمع بمصطلح الهولوكوست، ولا عن صبية برقة البنفسج، اسمها "آنا فرانك"! ولكنها قط لن تنسى الخيّاطة اليهودية الدمثة الأخلاق، التي كانت بالجوار، والتي كانت تخيط لهم الملابس في المناسبات والأعياد، وكانت تجلب معها البسكويت وألواح الشكولاتة المستوردة، وبالمقابل تمنحها والدتها المرحومة، أقراص الجبنة المالحة، والبيض البلدي.. وعندما قبض عليها العسكر الإنجليزي، مطالبا إياها بدفع الضرائب، بسبب ُمزاولتها مهنة الخياطة والمتاجرة بالقماش بالخفاء، سارع والدها بدفع الضرائب عنها وبعتق أسرها..

الجدة خيزران، المرأة التي تغذت روحها من ينابيع الحكمة الصافية، أحبت كل الناس دون غربلة أو تمييز، وهي لن تعتب على شابة في سن حفيداتها، ولكنها عتبت على كل هذه الظروف الحالكة، والتهديدات المتواصلة بقصف ديارها، ديارها المقدسة التي حرام ان تُقصف بقصفة حبق! وعتبت على كل الساسة والحكّام، الذين يتناسوْن، أن الأرض واسعة كالسّماء، كريمة كالبحر، سخّرها الله عز وجل، لنا جميعا ودون استثناء، لنستفيد من خيّراتها وبركاتها.. فلماذا لا يتشبث أهل هذه الديار، بالسّلام العادل والشامل، وهم الذين يتقاسمون، نسمة الهواء وجرعة الماء، ومقاعد الحدائق والباصات والمستشفيات!

مر وقت قليل على هذه الحادثة، التي كانت أشبه بسحابة سوداء، سرعان ما بدّدها قلب الجدة خزيران، الصافي كالذهب! ولكن ثمة غيوم أخرى تلبدت وتكاثفت، في سماء البلاد، حيث اشتعل فتيل الحرب بين إسرائيل وحزب الله دون سابق إنذار، بعد حملة تحريض كبيرة من قبل محطات تلفزة وفضائيات وصحف وصحافيين، باعوا أقلامهم وذممهم، لتشويه قيمة الإنسان األخلقية ومفاهيمه الإنسانية، ومزقوا النسيج الإجتماعي الهش الذي كان يربط المواطنين في هذه البلاد المقدسة! وليتهم يدركون، أن الذي يده بالماء، ليس كمن تكون بالنار!

هذه الحرب القصيرة، أدت إلى سقوط ضحايا من الطرفين، ومقتل نساء وأطفال وعُجّز من الطرفين، لا شبق لهم ولا عبق! وكان عمير، زينة الشّباب، حفيد الجدة خيّزران.. من هؤلاء الضحايا.. زهرة من أزاهير الحياة، انضمت للملايين من الشُّبان الذين قتلوا، استشهدوا، أو ناضلوا، أو قيدوا قسريا، من اجل االقتال على حفنة تُراب..

سحقا لقساوة الرجال، وغباءهم! ليتهم يدركون أن دمعة أم ثكلى، لهي أصدق وأغلى ُ من كل هذا الصراع، وان الباري، أبدع لنا هذا الكرة الزرقاء، لنمرح على جديلها، ونتغذى من خيراتها، لا لندفن تحت أديمها، خيرة شبابنا!!

هذه الإمرأة، التي كانت تتنفس تسامح ومغفرة، وينبض قلبها بالحب والخير، ذبُلت فجأة كما تذبل الشّمس عند الغروب، دون أن يأبه بها احد..

في الجنازة كان خلق كثير، جاءوا جميعهم لتعزية ابنها وكنّتها، وكانت الجدة تجلس بصمت وتبكي، وهي تُحاول أن تتهرب من نظرات المعزيات اللواتي ُكن يرمقن شيخوختها التي استعجل في تسريعها موت حفيدها الغالي، وكأن لسان حالهن يخاطبها:

- لماذا بقيت أنت ورحل عمير!؟

ليت معشر الناس يدركون مدى األألم الذي يكوي بسعيره، قلب كل جدة أو جٍد خطف الموت حفيدهما، ليتهم يدركون انه أحيانًا يكون طول العمر نقمة وليس نعمة!!

في ذلك المساء، بكت الجدة كثيرا.. كانت تنظر لصورته المعلقة على الحائط، وتشهق كطفلة صغيرة، كانت دموعها تُفتت الصخر، وتحرك قلب الحجر! كان عتبًها صريحا على كل شيء..؟ مع أنها ابنة قوم يؤمنون بمشيئة الله، وبالقضاء والقدر، ولكن حفيدها الغالي الذي كان طفلا يحبو في بؤبؤ عينيها..؟ قد رحل! وما زالت رائحة ثيابه عالقة في الرواق، وفي دولابها العتيق، وعلى عتبة الباب! رحل عصفورها الغريد الذي كان يتمرغ في خريف ُعمرها القصير، وهي تفتقد لدقات يديه على بابها الخشبي..

مرّ وقت طويل وهي جالسة لوحدها، بعد أن أُغلقت نوافذ الفرح في بيتها.. ثمة أحد لم يطرق بابها أو يكبح جماح دمعها، الذي كان يهطل كما يهطل الغيث شتاء..
في ذلك الصباح، بقيت الجدة خيزران، نائمة في ُغرفتها..
بقيت نائمة للأبد..
و.. وحيفا..؟ "عروس البحر" ما بعد.. .. ..
ما بعد حيفا..!!
ما بعد خيفا...!!!

استيقظت العجوز ذات السبعين خريفًا، قبل وميض الغسق، توجّهت نحو المشرق وبسطت يديّها نحو السّماء، وبدأت تُصلي من أجل أولادها وبناتها الذين شبّوا عن الطوق، وغادروا المنزل، ولم يؤنس وحدتها بعد رحيل زوجها، سوى حفيدها المدلل عمير، الذي أصَّر أن ينتقل للسكن معها.. ولطالما قبّل جبينها الذي نالت منه السنون، مؤكدًا لها انه لن يسمح للوحدة أن تنال منها، ما دام يخفق في صدره قلب! ولكنه اضّطر أن يفارقها قبل سبعة أشهر، لينضم إلى إحدى الوحدات العسكرية، بعد أن فُرض قانون التجنيد الإجباري، على كل الشبان من أبناء الأقليات في تلك الدولة الفتية، التي لم تنعم بالأمن والأمان منذ نعومة أظافرها..

الجدة خّيزران؛ الإمرأة الخضلة كالبيدر، الباسقة كالنخلة، الدافئة كرغيف الخبز، كانت سعيدةً جدًا، بل تُكاد تطير من الفرح! فاليوم ستُكحل ناظريّها، برؤية حفيدها الغالي.. بعد غياب دام إحدى وعشرين يوما في كتيبته، التي تضم غالبيتها، جنودًا يهودًا، ولكن هذا لم يكن يهم الجدة، بقدر ما كان يهمها أن تُدغش لتلف له طنجرة ورق دوالي، وهي أكلة عمير المفضلة، بالإضافة إلى الكمية الكبيرة من الكعك األأصفر، المزين بالجوز والسكر، والتي جهدت في تَحضيرها الليلة الفائتة مع والدته، لتُطعم كل كتيبة عمير الغالي، وكرمالك يا عين تكرم مرج عيون..

فتحت دولابها العتيق، الذي يعبق برائحة ثيابه الغالية لتأخذ الرقية الصغيرة، الملفوفة بقطعة جلد بُنية، والتي كانت تنوي أن تمنحها لحفيدها، فالدولة على قاب قوسين أو أدنى من حرب ضروس، قد تشتعل في كل لحظة، وهي تخاف عليه..؟ حتّى من نسمات تشرين! ّدسّتها في زنارقمبازها الجديد؛ المطرز بخيوط الصبر، والذي تفوح منه رائحة القرنفل والحبق، وهي التي لم تلبسه قط، منذ رحيل زوجها.. بالإضافة إلى ورقة نقدية بقيمة مائة دولار أمريكي، وفّرتها خصيصًا من تأمين الشيخوخة، لتمنحها لقّرة عينها عمير، ومن أعّز من الولد إلّا ولد الولد..!!

وصلت المركبة للمكان المخصص لإجراء المراسيم؛ ترجلت من المركبة، بخفة ابنة عشرين، وكانت تبحث عن حفيدها، بعينين كحلهما الشوق والحنين، متجاهلة نظرات الآخرين المشبوهة لها، وكأنها امرأة عادت من َسفر الزّمان.. بلباسها القروي التقليدي، وكانت هذه النظرات الحَذِرة، نتيجة الوضع المشحون بين اليهود والعرب؛ ونتيجة العمليات الإستشهادية كما يسمونها العرب، والإرهابية كما يسمونها اليهود!! ُ

ولكنها تجاهلت نظراتهم المُريبة لها، عندما رأت عميرًا مقبلاً نحوها ونحو والديه، يرمح كالغزال، وقد صلُب عوده واشتدّ، وكانت طلته الرائعة وهامته العالية، تشبه طله جده، وكم كانت مؤملتًا نفسها..؟ أن يسميه والداه على اسم جده المرحوم، ولكنهما اصرّا على تسميته باسم "عمير" ليُسهل انخراطه في مؤسسات الدولة اليهودية، على حد قولهم..؟ وانفرجت أسارير عمير، عندما رأى جدته الحنونة التي احتضنته بروحها وقلبها قبل راحتيها.. دسّت في جيبه الورقة النقدية والرقية المباركة، ودعته لتناول أوراق الدوالي اللذيذة، متجاهلة نظرات والدته التي تنم عن ُمنافسة عقيمة بين كل النساء، امتدت منذ الأزل، وستستمر للأزل..

تناولت الجدة خيّزران، ِسِدر الكعك الكبير المزين بالجوز والسّكر، "رغم ُمعارضة والد عمير".. وبدأت بتحلية كل العائلات اليهودية القريبة من الطاولة الخشبية المستديرة، والتي رتّبت عليها والدة عمير ما لذ وطاب من طعام.. وسرعان ما عرقلت ثابت خطواتها، وبعثرت باقة آمنياتها، التي تزهر بالخير ومحبة ُكل الناس.. كلمات مبهمة جافة ، لفتاة شابة لم تتجاوز العشرين من ُعمرها، امتنعت عن تناول الكعك الذي قدمته لها الجدة خّيزران، ورددت كببغاء مريضة:-

- ما بعد خيفا، ما بعد خيفا!

التفتت الجدة، ذات اليمين وذات الشمال، وفوجئت بعيون كثيرة تُحدق بها.. عيون أناس لم يعرفوا عنها شيء! ولم يسمعوا عن انسانيتها.. ولكن نظراتهم المستنكرة، جعلتها تدرك أنها المقصودة بهذا الكلام المبهم! ومع انها كانت على يقين تام، بان هذه الصبية الجاهلة لا تستطيع أن "تُفلّح في حصيدها".. وأنها تستطيع ان ترد لها، "الصاع صاعين" ولّكنها فضّلت الإنسحاب سريعا، احترامًا للحضور، ولحفيدها الغالي عمير الذي قطعت كل هذه المسافة الطويلة لكي تحظى بقربه.. فّرت من عينها دمعة بلون السنديان، عندما عادت لتجلس بصمت بجانب الطاولة الخشبية الكبيرة، وفي قلبها ألف حكاية وحكاية، رغم اقتراب احد أقارب الفتاة، الذي أعرب عن أسفه عما حدث، موضحا أن تصرفات الفتاة الغير مسؤولة ما هي الّا مرآة تعكس الوضع المتأزم بين حزب الله، والحكومة الإسرائيلية، وتصريحات نصرالله التي تداولتها وسائل الإعلام، بقصف ما بعد حيفا والتي أرعبت هذه الفتاة المسكينة..

تبا لهذه الحياة ولهذه المفارقات، ليت هؤلاء القوم؛ يدركون كم تعّز مدينة حيفا على قلبها الكبير.. في مستشّفاها الحكومي، وضعت أبناءها الستة، ومن أسواقها الجميلة، جهّزت "جهاز العروس" لكناتها الأربعة وابنتيها"..

حيفا مدينة في القلب..؟ لها ألف ياسمينة، وألف قصيدة.. وهؤلاء القوم لا يفقهون شيئًا عن العلاقة الحميمة التي ما زالت تربطها بحيفا.. كما أنهم لم يسمعوا عن كرم والدها الذي كان يشِغل مختار القرية، ولم يسمعوا عن أريحية أهل قريتها التي امتدت جذورها، منذ ألف عام.. ولم يتحدثوا قط مع الجدة خيّزران، التي كانت "زينة العَقدة"، االمرأة التي أتقنت لُغة الإنسانية وأحبت جميع النّاس، والتي ولدت في قرية نائية عن مركز الأحداث، في زمن غياب الفكر القومي الأيدلوجي..

صحيح أنها لم تسمع عن الهوية القومية "التي َضعُفت أمام ُمركبات عائلية طائفية"، ولم تسمع عن قانون الترانسفير، ولا عن اتفاقية سايكس بيكو، ولكنها ابنة الدهر لا ابنة الشهر، ما يزال عالقا في ذاكرتها، الكثير من الذكريات الحلوة والمرّة، فهي لن تنسى أيام "الهجيج" حيث كانت لا تتجاوز الثمانية سنوات، عندما اضطرت أن تنام على السدة هي وأخواتها الكبار، بعد ان استضافت عائلتها لمدة غير قصيرة، عائلتين من القرى المجاورة، ولن تنسى قط والدتها التي اضطرت أن تنشل المياه من بئر الجيران، لتسد حاجة البيت، وحاجة الضيوف الغُرباء، بعد أن جفّت المياه في بئرهم.. وهي لم تسمع بمصطلح الهولوكوست، ولا عن صبية برقة البنفسج، اسمها "آنا فرانك"! ولكنها قط لن تنسى الخيّاطة اليهودية الدمثة الأخلاق، التي كانت بالجوار، والتي كانت تخيط لهم الملابس في المناسبات والأعياد، وكانت تجلب معها البسكويت وألواح الشكولاتة المستوردة، وبالمقابل تمنحها والدتها المرحومة، أقراص الجبنة المالحة، والبيض البلدي.. وعندما قبض عليها العسكر الإنجليزي، مطالبا إياها بدفع الضرائب، بسبب ُمزاولتها مهنة الخياطة والمتاجرة بالقماش بالخفاء، سارع والدها بدفع الضرائب عنها وبعتق أسرها..

الجدة خيزران، المرأة التي تغذت روحها من ينابيع الحكمة الصافية، أحبت كل الناس دون غربلة أو تمييز، وهي لن تعتب على شابة في سن حفيداتها، ولكنها عتبت على كل هذه الظروف الحالكة، والتهديدات المتواصلة بقصف ديارها، ديارها المقدسة التي حرام ان تُقصف بقصفة حبق! وعتبت على كل الساسة والحكّام، الذين يتناسوْن، أن الأرض واسعة كالسّماء، كريمة كالبحر، سخّرها الله عز وجل، لنا جميعا ودون استثناء، لنستفيد من خيّراتها وبركاتها.. فلماذا لا يتشبث أهل هذه الديار، بالسّلام العادل والشامل، وهم الذين يتقاسمون، نسمة الهواء وجرعة الماء، ومقاعد الحدائق والباصات والمستشفيات!

مر وقت قليل على هذه الحادثة، التي كانت أشبه بسحابة سوداء، سرعان ما بدّدها قلب الجدة خزيران، الصافي كالذهب! ولكن ثمة غيوم أخرى تلبدت وتكاثفت، في سماء البلاد، حيث اشتعل فتيل الحرب بين إسرائيل وحزب الله دون سابق إنذار، بعد حملة تحريض كبيرة من قبل محطات تلفزة وفضائيات وصحف وصحافيين، باعوا أقلامهم وذممهم، لتشويه قيمة الإنسان األخلقية ومفاهيمه الإنسانية، ومزقوا النسيج الإجتماعي الهش الذي كان يربط المواطنين في هذه البلاد المقدسة! وليتهم يدركون، أن الذي يده بالماء، ليس كمن تكون بالنار!

هذه الحرب القصيرة، أدت إلى سقوط ضحايا من الطرفين، ومقتل نساء وأطفال وعُجّز من الطرفين، لا شبق لهم ولا عبق! وكان عمير، زينة الشّباب، حفيد الجدة خيّزران.. من هؤلاء الضحايا.. زهرة من أزاهير الحياة، انضمت للملايين من الشُّبان الذين قتلوا، استشهدوا، أو ناضلوا، أو قيدوا قسريا، من اجل االقتال على حفنة تُراب..

سحقا لقساوة الرجال، وغباءهم! ليتهم يدركون أن دمعة أم ثكلى، لهي أصدق وأغلى ُ من كل هذا الصراع، وان الباري، أبدع لنا هذا الكرة الزرقاء، لنمرح على جديلها، ونتغذى من خيراتها، لا لندفن تحت أديمها، خيرة شبابنا!!

هذه الإمرأة، التي كانت تتنفس تسامح ومغفرة، وينبض قلبها بالحب والخير، ذبُلت فجأة كما تذبل الشّمس عند الغروب، دون أن يأبه بها احد..

في الجنازة كان خلق كثير، جاءوا جميعهم لتعزية ابنها وكنّتها، وكانت الجدة تجلس بصمت وتبكي، وهي تُحاول أن تتهرب من نظرات المعزيات اللواتي ُكن يرمقن شيخوختها التي استعجل في تسريعها موت حفيدها الغالي، وكأن لسان حالهن يخاطبها:

- لماذا بقيت أنت ورحل عمير!؟

ليت معشر الناس يدركون مدى األألم الذي يكوي بسعيره، قلب كل جدة أو جٍد خطف الموت حفيدهما، ليتهم يدركون انه أحيانًا يكون طول العمر نقمة وليس نعمة!!

في ذلك المساء، بكت الجدة كثيرا.. كانت تنظر لصورته المعلقة على الحائط، وتشهق كطفلة صغيرة، كانت دموعها تُفتت الصخر، وتحرك قلب الحجر! كان عتبًها صريحا على كل شيء..؟ مع أنها ابنة قوم يؤمنون بمشيئة الله، وبالقضاء والقدر، ولكن حفيدها الغالي الذي كان طفلا يحبو في بؤبؤ عينيها..؟ قد رحل! وما زالت رائحة ثيابه عالقة في الرواق، وفي دولابها العتيق، وعلى عتبة الباب! رحل عصفورها الغريد الذي كان يتمرغ في خريف ُعمرها القصير، وهي تفتقد لدقات يديه على بابها الخشبي..

مرّ وقت طويل وهي جالسة لوحدها، بعد أن أُغلقت نوافذ الفرح في بيتها.. ثمة أحد لم يطرق بابها أو يكبح جماح دمعها، الذي كان يهطل كما يهطل الغيث شتاء..
في ذلك الصباح، بقيت الجدة خيزران، نائمة في ُغرفتها..
بقيت نائمة للأبد..
و.. وحيفا..؟ "عروس البحر" ما زالت يمامةً بيضاء.. تُحلّق في سماء الشرق..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,008,075,911
- المخضّر.. قصّة قصيرة
- لدموع لم تسقط بعد..
- مملكتي الصّغيرة..! قصّة قصيرة من شهربان معدي
- دراسة تقديرية لكتاب -دموع لم تسقط- للكاتبة شهربان معدي
- كل هذا الحب..
- دموع الصّناديد قصّة قصيرة
- شكراً...لطوق الياسمين
- -كلّنا في هالدنيا زوّار- قصة قصيرة
- أشواك ناعمة
- لو أنها كانت شظية
- قصة قصيرة لملف يوم المرأه العالمي
- قصة شجرة لوز


المزيد.....




- ترامب: الرواية السعودية عن وفاة خاشقجي جديرة بالثقة
- السيناتور الأمريكي الجمهوري غراهام: تساورني الشكوك حيال الرو ...
- اللجنة الأوروبية للديموقراطية من خلال القانون تشيد بإصلاحات ...
- مهرجان الفيلم الأوروبي الأول ينطلق بالدوحة
- فايا السورية أول مطربة عربية تدخل موسوعة غينيس للأرقام القيا ...
- -ليل خارجي-.. فيلم مصري يكشف فساد السينما
- -افتح ياسمسم-... وفاة الفنان السوري توفيق العشا
- بالفيديو.. عمرو دياب ينفعل على الجمهور خلال حفل في مصر
- السياحة الإيكولوجية.. طريقة جديدة لقضاء العطلة والإجازات
- خوليو إيغليسياس في موسكو.. هل هي رسالة وداع؟


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شهربان معدي - ما.. .. .. بعد حيفا..!! ما بعد خيفا...!!