أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح -16-















المزيد.....

سجن الرّوح -16-


نادية خلوف
الحوار المتمدن-العدد: 5853 - 2018 / 4 / 22 - 11:22
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عندما تجلس أمام التّلفاز متسمّراً لتعرف الأخبار، قد تخسر عمرك، وإن جلست في زاوية المنزل المظلمة سوف تخسره أيضاً ، فأنت في سوريّة بلد المعجزات التي لا تحصل حتى في الخيال.
منذ المرحلة الابتدائية وأنا أحذف الأرقام الواردة في كتب التاريخ. أدركت بالفطرة أنّني قد أحصل على علامة جيدة لو كتبت بعض الكلمات من الدرس وألّفت كلمات من عندي فتمتلئ الصفحة، ولا يقرأ المدّرس ما فيها، فهو في النّهاية تاريخ، وكتاب التاريخ الذي نقرأه يعني أيّ كلام ربما، فليس فيه تاريخ.
كنا نشاهد التلفزيون بالأبيض والأسود، فأطلّ علينا حافظ الأسد بخطبة متلفزة- كان حافظ الأسد دكتاتوراً، لكن شخصيته الداخلية ليست مثل بشار، فهو في النهاية كان يقود طائرة أي درس وجرّب وقاد الطائرة، وهذا لا ينفي عنه صفة الدكتاتور، لكن ابنه لا يحمل ما حمله فهو تعلّم الطّب في جامعة الأسد فمنحوه الشّهادة وهو لا يجيد القراءة ربما- قال الأسد في خطبته التي لا مانع لدي أن أقتبس منها بطريقة اقتباسي من كتب التاريخ ولكن بدّقة أكثر، وحتى أكون أمينة لم أكن أسمع الأخبار لا في سورية ولا في غيرها، فالوقت مقسم في النهار الأولاد يشاهدون برامج الأطفال وفي الليل ينفرد زوجي بالجهاز، لكن المطبخ يطلّ على الصّالة، ولديّ طاولة مربّعة صغيرة في المطبخ أجلس إليها وأقوم بشرب المتّة، أو تفصيل الثياب حيث كنت مهووسة بالخياطة، وبينما كنت أقص قطعة قماش كي أخيطها فستاناً لا بنتي سمعت حافظ الأسد يقول:" إذا كنت أسكن في قصر فهذا فقط من أجل خدمة ذلك الفلاح البسيط"، وصفّق الحضور، ولم يكن بينهم بعثيّاً، لا أعتقد أن البعثي يصفق للأسد في بيته فآخر همّه هذا الموضوع. هو يصفّق فقط أمام رؤساءه.
تكرّر الأمر بعد استلام بشّار، وفي مشهد مماثل لكن ليس في بيتي هذه المرّة بل في بيت أحد أصدقائي الكورد، وبينما كنت أغطّ في أحلامي رأيت أحدهم يقول: طبعاً هذا الرّجل الشّاب لا بدّ أنّ الغرب علّمه الكثير،وصفّق له الجميع أيضاً، وكنت أخشى أن يخرج الحضور في مسيرة لتأييد الأسد فأضطر لمجاملتهم ، وعندما نتظاهر يتم اعتقالنا جميعاً بحجة مخالفة القانون.
. . .
ينتمي أغلب السّوريين إلى الرّيف، وقد كانوا ينشغلون بالعمل الزراعي أو نقل الحجارة لبناء الطرقات ، أو العمل في المدن في المعامل القليلة الباقية ، ويتحدثون في سهراتهم القصيرة عن إنجازاتهم في الحقل أو إنجازات أولادهم . تغيّر الأمر بعد استلام القائد الضّرورة الحكم. لم يعد العمل متاحاً ربما ، فأصبحوا يتحدثون عن إنجازات الرّئيس القائد، وقد ناضل الكثير أمام التّلفاز إلى أن رحلوا عن الحياة، وما تبقى منهم في طريقه إلى الرّحيل.
ما أتحدّث عنه بعضه جرى قبل أربعين عاماً، وبعضه قبل يوم، ولا زال المناضل يتابع أخبار القائد على التلفزيون، لكن هذه المرّة من خلال المحلّلين والبرامج التافهة على المحطات العربية، ويمسك الحضور أعصابهم خوفاً من أن يطرد المضيف ضيفه المخالف من بيته، ثم ينقل إلى الفيس بوك كل ما جرى في الحلقة عن طريق فيديوهات تفسّر آراء هذا الشّتام أو ذاك، فقد ابتلينا بوسائل التواصل التي فقدت مضمونها لدينا نحن السّوريين.
العمر يمضي بسرعة، ونحن متسمّرين أمام الشّاشة، ولو أعدنا الكاميرا لنرى الزعماء السّياسيين قبل أربعين عاماً حيث كانوا شباباً. نجد أنّهم شاخوا وهم يتابعون إما الأبّ القائد، أو الابن، ويتابعون نفس الحوار.
ولو رأيناهم اليوم. إنّهم أنفسهم بعضهم استلم عشيرة الثورة، والآخر يعمل كصديق للأسد إلى أن ينتهي الإرهاب.
. . .
قبل عشرين عاماً زرت بيت أخت صديقتي في دمشق، وكان زوجها ضابطاً في القصر الجمهوري. كانت المرأة تعاني من الوحدة فذلك الزواج ليس زواجاً حقيقياً ، وأكرمت ضيافتي وأتت بصديقتها لتكون بيننا جلسة أنس، فسألتني الضّيفة من أين أنتم؟ أجبتها -بشكل مقصود- بأنّني من القامشلي، فقالت : نعم دير الزور جميلة. فتحت فمي ولم أجب، لكن مضيفتي أجابت:- وكانت أختها تعيش مع زوجها في القامشلي، وكانوا جيراني – القامشلي مدينة غنيّة ومن يذهب إليها يجني الكثير، لكن شعبها متخلّف. لم أستغرب الكلام ، فقد أجمع السّوريون من جميع المحافظات، ومن جميع الأحزاب . على أنّهم أكثر تمدّناً من القامشلي. بل إن بعض الحوارات الجانبية التي كنت فيها مستمعة وربما نادراً ما أبديت رأيي أكدت لي ذلك.
في مرّة قال لي أحد أقاربي وكان يعمل ضابط أمن صغير في القامشلي قبل أن أنتقل للعيش فيها: تصوّري حاولت أن أقنع طالبة سريانية في الثانوية بأنّ أصل السّريان عرب، واستشهدت لها بحاتم الطّائي فأصرّت أن السّريان ليسوا عرباً. لم أر شعباً متخلفاً كشعب القامشلي، وخاصة السّريان والآشوريين والأكراد. قلت له: ألا يوجد عرب؟ قال: ليسوا عرباً هم بدو لا يفقهون شيئاً في الحياة. كان الرجل في مثل عمري وبيننا قرابة ومعرفة، قلت له :السّريان برأيك هم عرب، لكن هل هم عرب عاربة أم مستعربة، وضحكنا معاً، فأنا أعرف أنّه لا يمكن الشّرح. أما عن الأكراد فقد قال أنّهم متخلفون وعلينا إعادتهم إلى بلادهم: قلت له: لو أرسلناهم إلى القمر حيث لا يمكن أن نرسلهم إلى مكان آخر فالأمكنة كلّها محجوزة. طبعاً اعتقد أنها طرفة فضحك، ولكنه عاد وقال لي: أشعر أن كلامي لم يعجبك.
. . .
كان الأمر جديداً عليّ. موضوع الخليج العربي. رأيت أحدهم يقود سيارة فخمة. قال لي زوجي : عمل في الخليج وأتى بسيارته يرغب في الزّواج، وبالصدفة خطب الرجل إحدى قريبات زوجي، وحضرنا الخطوبة وكان المدعوون عدّة أشخاص فقط. أكملوا السّهرة على قضايا الوطن في التّلفاز، وقال العريس: يا أخي لا يوجد هكذا ثقافة في الخليج. أهل الخليج متخلفون، لو أردت أن أتزوج امرأة من هناك لتمنت عليّ الكثيرات، لكن النساء لسن جميلات وتلك العباءة المتخلفة تزيد من عدم جمالهنّ. لم أكن أعرف الخليج طبعاً، لكن لم يعجبني الحديث، وفي نفس الوقت لست ملزمة بالسؤال أو الرّد، لكن عندما عملت في دبي عرفت أن ما نقوله عن الخليج هو لا يمت للحقيقة بصلة ففي دبي مظاهر للتّقدم، وإذا كانت التّقدم يقاس بنسبة دخل الفرد فلا مجال للمقارنة بين الخليج وسوريّة، وفي النهاية قد نكون جميعنا متقاربين في الفكر حول المرأة ، وكوني عملت في المحاماة ، فإن المرأة المطلّقة تحصل على معونة من الحكومة تضمن لها الحد الأدنى للعيش، وهذا لا يعني أنّه لا يوجد في الخليج ظلم أو فقراء، ففي النهاية كلهّا بلاد عربية.
هذا هو نمط تفكيرنا. بينما يكون الرجل في حانة يبحث عن فتاة هوى، وعندما يصادفها قد يحدّثها عن الوضع السياسي، وينسى أنّ وقته محدود معها، فتفوته المتعة.
أن نكون في الماضي هكذا ربما الأمر مقبول، فمنافذنا القليلة على العالم لم تتح لنا سوى روية القائد الضرورة والحديث عنه إما سلباً، أو إيجاباً. لكن السّوري الذي لا عمل له اليوم سوى الجدال حول موضوع واحد أليس في الأمر تكرار لا مبرّر له؟ أعتقد أنّ الأمر يفقد مضمونه لو بالغنا في الكلام عن ثوريتنا، أو ولائنا. . .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,050,943,377
- سجن الرّوح -15-
- هل يوجد احتمال نشوء حرب عالميّة ثالثة؟
- سجن الرّوح -14-
- اجتماع مجلس الأمن غير الرّسمي في السّويد
- سجن الرّوح -13-
- عن عثرات ترامب وشخصه
- أيضاً عن سورية
- حول الضّربة العسكرية على سورية
- سجن الرّوح -12-
- عودة للحرب الباردة
- سجن الرّوح-11-
- مابعد دوما
- بشّار الأسد
- وطن الفقراء المقتولين
- سجن الرّوح -10-
- حول قانون زواج الأطفال في السّويد
- حول تويتر
- سجن الرّوح -9-
- مارتن لوثر كنغ
- حول قيامة المسيح


المزيد.....




- اليمن... قوات -العمالقة- تحاصر مدينة الصالح بالحديدة تمهيدا ...
- بعد تعطل نظام -جي بي إس- أثناء مناورات -الناتو-... الخارجية ...
- منتخب الدنمارك في المستوى الأوروبي الأول
- وجبات السمك والبطاطا في خطر
- تونس: المنتدى العالمي الأول للصحافة
- فيس بوك في صلب فضيحة جديدة تتعلق بتنظيم حملة تشهير بمعارضيها ...
- صلاح ببرشلونة وديمبلي بليفربول.. سيناريو خرافي بالميركاتو ال ...
- -أسود الأطلس- تقترب من الزئير في الكاميرون
- ألمانيا ثم فرنسا.. هولندا تعود وتطيح ببطلي عالم
- إصابة شخص في حادث طعن بهولندا


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح -16-