أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1















المزيد.....

ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5835 - 2018 / 4 / 4 - 15:38
المحور: الادب والفن
    


سوسن العزيزة
ترددتُ كثيراً في الكتابة إليك، بينما أستعد لوداع العاصمة الروسية. وأنا أتهيأ لشعور مماثل، حينَ سيتعين عليّ أن أدفع بالخطاب إلى صندوق البريد. إذ تقطعت بنا سبل الاتصال، لدرجة أنني عدتُ إلى قراءة رسالتك الأخيرة كي أتأكد مما لو كانت هيَ الوحيدة، التي وصلتني منك خلال العام المنصرم. لا أدّعي أن لديّ مؤاخذة عليك، وأساساً ليسَ ذلك من حقي. أتمنى لو أنك تتفهمين الجملة الأخيرة بتساهل، تماماً مثلما كانت علاقتنا بسيطة خالية بشكل عام من التكلفة والرسميات.
كم من حكاياتٍ يمكن أن تروى، حول احتيال المهربين على أمثالنا، الساعين للجوء، وحتى الوشاية بهم للبوليس. هؤلاء الملاعين، ومع كونهم على صلة بالمافيا، لا يتورعون فوق ذلك عن إفزاع ضحاياهم على مدار الوقت، بإمكانية مداهمة أفراد العصابات لشققهم الضيقة، الرثة، الشبيهة بجحور الجرذان. وإنني مجبر أن أصدع رأسك بإحدى الحكايات، لأنها ربما تتصل بك بشكل أو بآخر. سأتكلم بدءاً عن المهرب. إنه شابٌ من جنوب العراق ( أتخيل عبوسكِ الآنَ! )، على شيء من الطمع والجشع، حال أغلب زملاء مهنته. بالرغم من علامة السجود لله على جبهته، لم يكن يمتنع عن الشرب وصحبة الفتيات. بل إنّ البعض ذكر لي، أنه كان شيوعياً في يوم من الأيام. هذا الشاب القاتم البشرة، الأشبه بالهنود منه بالعرب، تعلق به مصير مغامرتي السويدية. كنتُ مضطراً أحياناً للإنفاق عليه، صاحب النزوات هذا. فضلتُ مداراته كيلا يغدر فيّ، أو يهرُب بمبلغ الألف دولار، المودع لديه بمثابة عربون.
أثناء سعيي لتأمين بقية المبلغ المتّفق عليه مع المهرب، اتفقَ أن تعرفتُ عن طريقه بأحد موظفي السفارة السورية. أعتقد أنك تعرفين هذا الشخص، بما أن طليقك كان دبلوماسياً كويتياً رفيع الشأن في موسكو. اسمه " حبيب "، من مواطنيك أهل الساحل، أنهى دراساته العليا في علوم الاقتصاد. التقينا إذاً أول مرة عند ذلك العراقيّ، على كأس فودكا. ما أن غادر سهرتنا، إلا والمضيف يغمز من قناته قائلاً: " ما أكثرهم أولئك الأشخاص، ممن كانوا كوادر شيوعية ثم تحولوا إلى مجرد حثالة خادمة للبعث.. ". لم أهتم حينئذٍ بأمر الرجل، لولا أن مصادفات لقائنا تكررت وكما لو كان يتتبع خطوي. أستبعدت ذلك في البدء؛ فلِمَ سأكون موضع اهتمام موظف في سفارة النظام طالما أن صلتي بأهل السياسة تكاد أن تكون معدومة؟ إلى أن فاجأني " حبيب " ذات ليلة بحضوره وحيداً إلى شقتي، دونما موعد مسبق. وكان شريكي بالشقة غائباً، كعادته، في تجارة خارج البلد. كنتُ قد أنتهيت من الاستحمام بعدما عاشرتُ فتاةً أعرفها، تعيش في جوار المسكن. لم يكن عليّ إخبارك بشأن الفتاة، لولا أنّ الزائرَ شاهدها تغادر شقتي. قال لي بقحّة أدهشتني، ما أن همدَ على الأريكة: " إنك تتسلى بصحبة العاهرات، فيما الخطيبة المخلصة تنتظرك! ".
" عم تتكلم، أيها الأخ؟ "، خاطبته محتداً. رد للفور بنبرة متذللة، رافعاً كفيه كمن يتجنب صفعة: " يا رجل، إنني أردتُ ممازحتك حَسْب. على أيّ حال، أعذُر لأخيكَ ريفيّته البسيطة، الجلفة! ". ثم ما لبثَ أن أستدرك بنغمته الأولى، كما لو أنه أعطيَ الأمان: " لا تنسى مهمتك في هذا البلد، لأنّ المال أغلى من أيّ فتاة حتى لو كانت خارقة الجمال.. ". قاطعته، وكان في نيتي طرده حالاً: " هل بوسعي خدمتك، أم أنك شرفتني لتسدي إليّ درساً في الأخلاق؟ ". عاد إلى الانكماش في مكانه، كأنه يعاني من مغص. كنتُ ما أفتأ خارجاً عن طوري، بسبب طريقته في الكلام وتطفله. قال على اثر وهلة الصمت، مرخياً أذنيه المشموطتين البشعتين: " أنا أبدو خبيثاً للآخرين، مع أن قلبي أكثر نقاءً من زلال البيض! أما لو أردتَ خدمتي، فإن ذلك لن يكون بلا مقابل. بلى، وسأثبتُ لك ذلك بأن أحذرك أولاً بأن ثمة من يراقب تحركاتك عن كثب. حديثي عن الفتاة تلك، كان له داعٍ وجيه كما ترى. ما رأيك؟!". أن أنهى كلامه متنحنحاً، ملقياً نظراتٍ سريعة على الصالة. فكّرتُ في نفسي: " لا يبدو ثملاً، فإما أن يكون مختل العقل أو خبيثاً أخرق بالفعل ". وإذا به يطرح رأسه إلى الخلف، ليستهل بحديث مستفيض فيه ما فيه من تصنّع وحذلقة: " حسناً، لقد تكلمتُ عن أن أحدهم قد وضعك تحت المراقبة. لعله مدفوع الأجر من سيّدة ما، مهتمة بأمرك. هذا كل ما أستطيع إعلامك به، الآنَ على الأقل. أما بالنسبة لخدمتك لي، فإنني أرغبُ إطلاعك على هذا الغرض ". قالها، ثم ما عتمَ أن وضع يده داخل سترته. على الأثر، ظهرت لعينيّ لوحة صغيرة بحجم كف اليد كأنها أخرجت تواً من حفرية أثرية. وهذا ما حزرته. لمعت عيناه ببريق خاطف، بينما نبرته بدأت تتضخم كفقاعة صابون: " إنها أيقونة بيزنطية نادرة، تنتمي لمجموعة محفوظة في أحد القصور القيصرية، التي حولها البلاشفة إلى متاحف أو مقرات حزبية. القطعة الواحدة، كهذه في يدي، لا يمكن أن تقدر بثمن. أنتَ في طريقك بحراً إلى السويد، مما يسهل علينا عملية تهريبها. في ستوكهولم، من المفترض أن ينتظرك أحدهم ليستلم التحفة منك. أما مقابل أتعابك، فإن المهرب سيحصل عليها ولن يطالبك بعدُ بشيء قط ". سأكتفي بهذا القدر من الحكاية، آملاً أن أواصلها في رسالة أخرى.
" كم هوَ صعبٌ تدبّر أمر السفر إلى بلد آخر، وأنتَ على يقين بأنك غير مرحب بك ثمة حتى على سبيل السياحة "، هكذا قلتُ للمهرّب ذات سهرة في شقة الإيجار. بله في مثل وضعي، المعروف لكِ بالطبع، بوصفي لاجئاً مرفوضاً ومبعداً من الأراضي السويدية. على الرغم من ذلك، رأيتني أغامر مجدداً في العبور إلى الفردوس الموعود ـ كذا، هرباً من هذه الفوضى المدمِّرة ذات الاسم المهيب، والمضحك في آن؛ " روسيا! ". أظنني سأكون قد غادرتها إلى غير رجعة، آنَ تسلمك رسالتي هذه. فلا يسعني إلا أن أتوجه إليك بشكري الجزيل، لما بذلتيه من جهد ومال حتى أصل إلى ضفة الأمان، المنشودة. كذلك الشكرُ موصولٌ، بخصوص عنايتك بابنتي لما يزيد عن سنة، وإنني لا أشك لحظة واحدة بأن أمرها ما انفك في دائرة اهتمامك وهيَ في رعاية تلك الأسرة الكريمة. لقد خمّنتُ سلفاً أنها " خدّوج "، مَن أتت رسالتك على ذكرها، تلميحاً، بكونها الأكثر اهتماماً بابنتي في أسرتها الجديدة. ولا ريبَ أنك تذكرين كيفَ أنقذتنا بشهامتها، أنا وشقيقتي الراحلة، حينَ كنا في الشارع ليلة وصولنا إلى مراكش. لو أن كل شيء سيكون على ما يرام، هناك في مستقري القادم، فإنني لن أدخر وسعاً في مساعدتهم بمصروف الطفلة. هذا واجبي، كما أنه حقهم. متمنياً منك التفهّم، هنا أيضاً، بأن خلاف ذلك يمسّ كرامتي وشرفي.
مع تمنيات الخير والسعادة،
من المخلص لك دوماً..

> مستهل الفصل التاسع من رواية " كعبةُ العَماء "





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,921,690,172
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 2
- الطريق إلى الغوطة
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 2


المزيد.....




- وفاة سمير خفاجي منتج -مدرسة المشاغبين-
- تعرف على أبرز أفلام مهرجان الجونة السينمائي ليوم السبت
- منتجة فيلم -ولدي- التونسي لـ-سبوتنيك-: لهذا السبب وصلنا للعا ...
- بلوحة ضخمة على العشب.. فنان فرنسي يبتدع -رسالة أمل- للاجئين ...
- مخرج تونسي يتحدث لـ-سبوتنيك-عن تجربته في مهرجان الجونة السين ...
- فيلم يروي قصة لاجئ سوري يترشح إلى أوسكار 2019
- فيلم يروي قصة لاجئ سوري يترشح إلى أوسكار 2019
- منتج فيلم -يوم الدين- يكشف كيفية صناعة فيلم ناجح
- مهندس فقد ذراعيه فاصبح فنانا مشهورا
- رائدة الغناء النسوي العراقي “سليمة مراد”


المزيد.....

- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1