أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - العناصر الروائية في مجموعة -أبعاد- خليل إبراهيم حسونة















المزيد.....


العناصر الروائية في مجموعة -أبعاد- خليل إبراهيم حسونة


رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 5806 - 2018 / 3 / 5 - 20:41
المحور: الادب والفن
    


العناصر الروائية في مجموعة
"أبعاد"
خليل إبراهيم حسونة
هذا العمل الثاني الذي أقرأه "لخليل إبراهيم حسونة" فاللغة المستخدمة كافية لوحدها لتشدني للمجموعة، حيث أن الكاتب يستطيع أن يمتعنا من خلال اللغة، ومن خلال الأسلوب الذي يستخدمه، وبما أن المرأة كانت حاضرة في غالبية قصص المجموعة أعطا القارئ دفعه اضافية ليتقدم أكثر منها، وإذا ما أضفنا إلى ما سبق الهم الوطني الفلسطيني، إن كان من خلال حضور المخيم بسكانه إن كانوا صغارا أم كبارا، أم من خلال حديثه عن فلسطين كما جاء في قصة "الممر" التي يتحدث فيها عن معناة الفلسطيني العائد لوطنه والطريقة التي يعامل بها على الجسر، وعدم تمديد فترة تصريحه، وإذا ما توقفنا عند هذه العبارة: "لم يسمحوا له بتجديد إقامته في وطنه" ص35، لوحدها كافية لمعرفة واقع الفلسطيني والحرمان الذي يعاني منه، فإذا كان سيجدد إقامته في وطنه فما باله في الأماكن الأخرى!!، إذن هو في وطنه يعتبر غريب، وهذه القصة رغم أنها كانت قاسة في فكرتها إلا أن القاص قدم فيها بعض المشاهد التي تخفف من قسوة الأحداث كما جاء في هذا المشهد: "بدأت السيارة تنهب الأرض بجنون.. كل يلذ له أن ينظر من الشباك...الطريق متعرج يضع على جانبيه بساتين الزيتون و "بيارات" البرتقال. وأطفال الصهاينة يقطفون فرحا كان لنا.. من هنا وهناك" ص32، الإشارة التي جاءت في نهاية المشهد تعطي فكرة واضحة على أن هذه الأرض/الخير/الفرح لنا وليس للمحتل، ومن ثمة علينا العمل على أخذ حقنا المغتصب.
كما نجد اللغة المستخدمة استثنائية، والتي تخففت من وطأة الأفكار والأحداث الصعبة التي يطرحها القاص كما جاء في بداية القصة: "أرضية الجسر مصابة بذهول أزلي.. هي ضيقة حتى الاختناق، رمال ركعت لتصلي فركعت فوقها امرأة مقطوعة من جذع حلمها "المجدلي" ورموش "عكية" تبتهل بعينين مقلوعتين حيث يصبح القهر اليومي قضية وطن" ص27، من هنا نقول أننا أمام مجموعة استثنائية ليس بسبب الأفكار التي تحملها فحسب بل لأن اللغة الجميلة المستخدمة فيها، وبسبب الصور الأدبية التي ينثرها القاص بين ثنايا الأحداث.
في قصة "التراب" نجد القاص حاضر بعقله الباطن أكثر من عقله الواعي، فهو يكرر لفظ "التراب" ومشتقاته بشكل ملفت، فيبدأ القصة بهذا المشهد: " عندما تتمدد ذاكرتك عبر شواطئ النسيان وحده التراب يظل عالقا بها، تتغير ملامحك، تتبدل كلماتك.. أناس يجيئون...آخرون يذهبون ..أشياء تتزاحم، وأمور كثيرة تنطلق من عقالها، تستقر الأمنيات عبر جذوع النوى... وتدخل رائحة التراب كل شيء" ص15، إذا ما توقفنا عن عبارة " تتغير ملامحك، تتبدل كلماتك" والتي تشير إلى مرور الزمن وتغير المكان، ومع هذا يبقى التراب/الوطن حاضرا في الوجدان، وهذه الأسلوب يكاد أن يكون أقرب إلى أسلوب الشعراء من كتاب القصة أو الرواية، فالقاص يتعمد أن لا يحدثنا عن مشاعره بشكل مباشر وبالصوت العالي، وكأنه يقول من خلال هذه الاشارة إلى أنه يخجل/يضطرب/يتألم من الخوض في التفاصيل المتعلقة بالوطن والغربة، لهذا أوجد هذا الشكل الأنسب له وللمتلقين، ويقول في موضع أخر: "تتلصص مع الليل عبر ذاتك. يطحنك النوى. برد همجي يلبس ثوب وجلك، يلسع عظامك وأطرافك. وفجأة تحتضنك رائحة عطرية نفاذة...تراب أرضك... تحس بدفء أنفاسك... تتحسسها تحتويك قسماتها... فترسها علامات على الصدر، وفي القلب" ص23، فهنا جعل القاص رائحة التراب هي التي تخلصنا من ألم البرد، وتحول الشدة إلى متعة، فالتراب ليس شيء جامد بل حي وله مفعول وأثره فينا حاضرا.
المرأة كانت حاضرة وفاعلة في المجموعة، ففي قصة "الحاجز" كانت "زينب" هي الشخصية الأهم في القصية، وتتمحور حولها الأحداث، يقول عنها الراوي: "وزينب ليست من النوع الذي يذهب عندما يغلق الباب... إنها ضحت وتضحي... والتضحية قاسية مهما كانت نبيلة" ص185، "فزينب" كانت أقوى من الأحداث وأقوى من رجلها، لأنه انزلق في وحل الحياة، بينما هي وقفت في وجه الاعصار وصمدت. ويخلص لنا القاص حالة "زينب" الصامدة في معترك الحياة فتقول لرجلها: "دعني أبكي فقط هذه المرة من أجلك، لأنك نسيت، ولم تتعلم من الماضي... ضاعت تجربتك بين التبغ الرخيص والفاخر... بين الحب الحقيقي والبغاء" ص183، وكأنها بهذا المشهد تقول نحن النساء أقوى وأنقى من الرجال، الذين سرعان ما ينزلقون عند أول منحنى يواجهون.
من الأفكار الرائعة التي يقدمها القاص فكرة الصراع الداخلي، إن كان عند زينب أم عند رجلها، يقدم لنا القاص هذه الصراع من خلال هذا المشهد: "الوهج الروحي يمطر أحيانا من خلال النكسات، وتنكسر النفس.. لكن المطر ينزل، وأمواج البحر تقع. وحده ماء البحر قادر على غسلك من الخطايا" ص181، وإذا ما توقفنا عند فعل "غسلك" والذي يعطي هنا مدلولا للظهارة الجسدية والروحية معا، يتأكد لنا قدرة القاص على استخدام أدوات غير مباشرة في التعبير عنما يريده من أفكار، تخدم أحداث القصة وأيضا تمتع القارئ.
إذن هناك طابع خاص لهذه المجموعة يتمثل في اللغة الشعرية التي تحلق بنا عاليا، وتقدم لنا متعة توازي القسوة الحاضرة في الأحداث وعند الشخصيات، كما أننا نجد هم الفلسطيني إن كان في المخيم، أو في المعتقل العربي الرسمي، أم في معتقل الاحتلال كما جاء في قصة "مرايا" التي تتحدث عن معتقل انصار الذي اقامه الاحتلال في جنوب لبنان، ونجد المرأة بصورتها البهية والناعمة، وأخيرا هناك الرمز الذي يمكننا أن نسقطه على الواقع الرسمي العربي، أو على واقع الفلسطيني وهمومه الشخصية أم الوطنية.
المرأة

سنحاول أن نتناول المجموعة كوحدة واحدة، وليس كمجموعة قصصية، وسنبدأ بالمرأة التي خففت من وطأة المشاهد والأحداث الصعبة، والتي منحت شخصيات المجموعة طاقة ليواصلوا عملهم في معترك الحياة، فهي العطر الذي نشتم طيبته فيريحنا من نتانة الواقع، وهي السماء التي تعطينا آفاقا لكي نبقى نحلم بما هو أبعد، لهذا المرأة شيء استثنائي بالنسبة للرجل، والرجل أيضا يعد شيء استثنائي بالنسبة للمرأة.
أن تتقدم المرأة على الطبيعة وتتجاوزها، خاصة عند السجين هو حدث يوكد على المكانة التي تأخذنا عند الرجل، فهي أهم وأكثر ضرورة له من الفضاء، نجد هذا المشهد في قصة "العاشق" : "كانت المرة الأولى التي أعود فيها إلى بيتي منذ خمس سنوات، في الليل لم أحلم بالسماء، وإنما حلمت بها، ان كفي بكفها ونحن في رحلة طويلة" ص7، هذا المشهد كان فاتحة القصة، وهو يشير إلى المكانة الرفيعة التي أعطاها القاص للمرأة، فأن تكون بهذا المكان، وأن تأتي في فاتحة القصة ليس بالأمر العادي، وأن تكون أول قصة في المجموعة تفتتح بحضورها، كلها اشارات تؤكد على أن المرأة عنصر لا يمكن للرجل أن يكون/يفعل/يتألق بدونها.
لكن لماذا كل هذا الاهتمام بالمرأة؟، أليست الطبيعة تمنحنا ما تمنحه المرأة؟ أم أن لكلا منهما خصائص معينة"، يجيبنا القاص فيقول: "لقد خسرت بابتعادي عنها كل شيء، كل وسائل الدفء والراحة متوفرة في وجودها.
وهل العيون الجميلة إلا جنة وارفة الظلال، لماذا أفكر فيها دائما، تبدو دوما وكأنها المكان المناسب... وعندما فتحت السماء زرقتها كان وجهها يملأ أفقي" ص10، إذن المرأة هي ن تمنح الدفء، وهذا الدفء ليس العلاقة الجسدية فحسب، بل العاطفية الروحية، فهو عندما تغزل بعيونها تجاوز الجسد إلى الجمال، وعندما ربط السماء بوجهها أراد أن يقرن الطبيعة بها، وأن يؤكد بأن السماء/الأفق/الحرية بدونها تكون ناقصة ومبتورة.
لكن من الضروري أن يقدمنا القاص أكثر من فكرته تجاه المرأة، فهناك ما يضاف، "سكبت عصير قلبها من أجلي، كم أراحتني على صدرها" ص12، المقطع الأولى عاطفي، روحي، والثاني اعطانا شكل هذا العطاء الروحي والعاطفي.
ونجدها في قصة "أبعاد" من خلال الحوار الذي يجري :
"ـ أنت حبي الوحيد كيانك عندي وكياني معك.
ـ أنت التي أحب يا كوثري، وأنت التي أعبدها، فوحدك تعرفين أن مشاجبي امتلأت بياقات كثيرة، وفساتين موجية، وأوسمة ملونة، ومع هذا لونك وحده الذي اخترقني حتى الصميم" ص46، إذا ما توقفنا عند هذا الحوار، سنجد بدايته جاءت من المرأة، وهذا التقديم يعد احتراما لها، وإثارها على نفسه، وسنجد رد القاص يأتي بطرية غير مألوفة، فهو يستخدم لفظ "فساتين، اخترقني" وهما متعلقان بالمرأة وليس بالرجل؟، اعتقد أن القاص تعمد أن يخاطب المرأة بلغة قريبة منها، وبأشيائها الخاصة، ليكون حديثه/أفكاره متوافقة مع الأدوات التي تستخدمها، وهذا ما يجعل القاص يتماهي أكثر معها.
ونجدها حاضرة في وجدان القاص في قصة "المرايا" التي تتحدث عن معتقل أنصار وما تعرض له من تعذيب جسدي ونفسي ومع هذا كان حضورها حيوي وضروري: "... رغم هذا عبر كل الأشياء أراك.. تظل تحتلني.. تخترقني عيناها كغابتي نخيل ساعة السحر... مثل موجات البحر تأتي فجأة وبلا مقدمات" ص117، استحضار قصيدة "انشودة المطر" للسياب يعطي المرأة أهمية أخرى تضاف إليها، فهي من أوجد عنصر آخير للراحة والسكونة للقاص، لأن القراءة/الكتابة عنصر من عناصر تخفيف الألم والضغط، وهي من قدم القاص من هذا العنصر المهدئ.
القاص يجمع بين الطبيعة والمرأة، يقدمهما لنا كعنصر واحد يقول في قصة "المرآب": " عصرت شفتيها في حديقة من الكرز الأحمر،.. برقت شقائق النعمان في وجنتيها عن ابتسامة تختال بين الفؤاد وضوء القمر، تنظر في عينيها تعبق عيناك بطهر الماء المتدفق، تبتعد عنك قائمة التعب العلني وألاعلني، يقتلك الاشتهاء، وتصمم على البقاء معها ربما إلى الأبد" ص119، قلنا في السابق أن القاص جمع بين المرأة والقراءة، وهما عنصران يمنحان الرحة والسكينة، وها هو يضيف العنصر الثالث، الطبيعة، لكن الطريقة التي تناول بها القاص عناصر التخفيف كانت المرأة هي الباعث والخالق لها، فبدونها لا يمكن للقراءة، للطبيعة أن تؤثر ايجابيا على القاص.
ولا يكتفي القاص بالحديث عن المرأة، بل يقدمنا منها أكثر فيسمعنا صوتها في قصة "الحاجز": "وبرغم ما هو موجود فأنت حبيبي الغالي، صوتك يأتني من بعيد، يدفئ وحدتي رغم الشتاء القاسي، فوحدتي أعانيها فقط، ولذا فأنا بحاجة لدفء عينيك ووجود قربي" ص198، وكأن القاص من خلال صوتها يريد أن يبرر لنا ارتباطه الوثيق بالمرأة، فهذا القول يشعرنا بأنها ضعيفة وبحاجة إلى الحبيب، وبما أنه إنسان مبدئي ومخلص فلا بد أن يستجيب لندائها.
المبدئي
البطل في هذا المجموعة إنسان مبدئي، يخوض الصراع مع ما هو قائم، ويتصارع مع النظام، ويواجه الفساد الاجتماعي، نجد هذا المبدئي في قصة "العاشق" يقول الأب لابنه: "يجب أن نمارس التحمل، فالرجل من يتحمل الصعاب" ص17، الأهم فيما قاله الأب أنه أقرن الحياة بتحمل الصعاب ومواجهة الواقع، فهو يهيأ الأب لما هو قادم.
إذا كان الحديث السابق متعلق بمتطلبات الحياة العادية، فأن القاص يقدم لنا مواجهة أخرى، مواجهة من الانظام الرسمي، والتي تحتاج إلى قدرات أكبر بكثير من تلك التي تحتاجها مواجهة الحياة العادية، الاقتصادية، يقول في قصة "أبعاد" ـ انتفض واحصل على حقك بشرف...انتفض فلن تجد ذاتك إلا إذا اقترنت بالأرض، وتقدمت إليها" ص41، دعوة للمواجهة والاستبسال، والتوجه إلى الأرض، الأرض التي يحتاجها الفلسطيني ليكون موجودا، حيث وجوده مقترن بالأرض.
ونجد في قصة "وعد .. ووجوه أخرى": المعلم يوجه طلابه إلى هذه المفاهيم فيقول: "فأنتم يا أبنائي من سيغسل العار والمآسي، أنتم طموح الأرض وأحلامها" 164، المعلم هنا يقوم بدوره بحيادية، فهو لم يعد قادرا على العطاء الجسدي، لهذا اعطا الدور لجيل المستقبل.
وإذا ما توقفنا عند الاقتباسات السابقة، سنجدها بمجملها جاءت على لسان الآخر، بمعنى أن القاص لا يتحدث بصوته مباشرة، بل يترك المجال للآخرين يتحدثوا، وكأنه يقول بأن أبطال قصصه ليسوا كاملين بعد، لكنهم سيكون فاعلين في المستقبل، لهذا يتم تقديم التوجيهات الأخلاقية والفكرية لهم.
القمع/النظام الرسمي
الفلسطيني أينما وجد تعرض لقمع وللبطش من النظام الرسمي العربي، ونادرا ما نجد فلسطيني عاش بطريقة عادية/طبيعية، إن كان في وطنه أم في الشتات، فالحريات احدى اهم المسائل التي تؤرق المواطن العربي، فهي من الممنوعات التي تتعارض مع النظام الرسمي، يقول في قصة "العاشق"ـ أليس من حقي أن أسلك الطريق الذي يعجبني، ما دام هذا السلوك لا يؤذي أحدا؟.
ـ أنه مؤذ بالنسبة لهم... ألست تنظر إلى التمثال، يعني هذا أنك تتحدى... وسيف التمثال لا يرحم" ص8و9، هذه احدى المفاهيم التي تعيق فاعلية الإنسان في المجتمع، لكن هناك صور أخرى يمارسها النظام، مهنا هذه الوسيلة: "هراوات لا ترحم تتلاعب بالأذرع النحيلة... كل هذا لأنهم أرادوا أن يحطموا التمثال، ورفضوا عبادة الصنم" ص11، هنا القمع يأخذ الصورة الأذية الجسدية، فبعد أن فشلت وسائل القمع العادية والتي تتمثل بالتخويف والإرهاب الفكري نجد النظام يظهر حقيقته ويمارس بطشه ضد المواطنين.
وهناك قمع اجتماعي يمارسه النظام بحق المواطنين، والذي يتمثل بالفساد، يقول في قصة "وعد.. ووجوه أخرى": "لم يستطع المدير أن يصمد أمام جحافل التوصية، وجيوش الهدايا... فذهب دوري.. وصرت أجول هنا وهناك.. على أن أنسى أنني ظللت انتظر" ص151، هذا ايضا احدى الوسائل ـ العادية ـ التي تمارس بحق المواطن، وكل من يفكر بأن يتحدث عنها أو يواجهها، سيكون مصيره: " في الدوائر المسؤولة الغير بعيدة.. مقاعد مزروعة بالتماثيل ودروب تؤدي إلى ساحل الأباطيل، هراوات غليظة تزحف في مطاردة الاخضرار" ص 153.
بطش المحتل
يحدثنا القاص عن أحوال المعتقلين الفلسطينيين عند الاحتلال في قصة "السياط" حيث يتعرضون لأقسى أنواع التعذيب والبطش من قبل عدو لا يرحم: "وفجأة تأخذه حركة غير عادية للمساجين... طرقعة أحذية الجنود تودي بالراحة وتقتل الأنفاس، تسرق الحلم من المخادع" ص78، الأهم في هذا المشهد ان المحتل يستخدم جنوده في قمع المعتقلين، وكأنه لا يكتفي باعتقالهم، بل نجده يستخدم تلك الآلات التي لا تعرف إن أن تنفذ الأمر وبدقة متناهية، ليكون الأذى أكبر وأشد على الفلسطيني.
ويقم لنا القاص صورة السجان بهذا الشكل: "سحبه من تفكيره صوت السجان الغليظ القلب، وقرقعة السياط التي تدعو لتوزيع الطعام على المضربين بالقوة، وتذكر أن الأضراب سيدخل غدا بعده الشاعر" ص89،
الحديث عن اضراب المعتقلين الفلسطينيين عن الطعام يؤكد على أن الفلسطيني أينما كان وحيثما حل يمارس دوره النضالي، دون أن يأبه للمكان أو الظرف الذي يمر به.
معتقل انصار
من أقذر المعتقلات التي اقمها المحتلون على مر العصور، فهذا المعتقل يوازي المعتقلات النازية التي أقامها هتلر في ألمانيا إن لم يكن أكثر هولا وبطشا، القاص يخصص قصة "المرايا" ليحدثنا عن واقع الأسرى فيه، فكيف كان حال المعتقلين فيه؟: ""أنصار" زحام قوي يلتصق بالعرق والضجيج والجحيم الوثني... القبلات لها عضات مميته...تهم بقسوة تقسوها على الانسكاب في رحاب صوتك الحزين.. وأنت كيف الانتشار في عروق الوجوه المميتة، مطر القهر يهطل على كل الأبواب والأدراج والنوافذ.. يستظل الخوف.. يتمدد.. يعانق ذاته... يموت فيه الترقب والنطق والتشنج فتصبح عفيا أكثر" ص97و98، رغم جمالية اللغة التي يستخدمها القاص، إلا أن المشهد يبقى مؤلم مؤذي للقارئ، فهو ملوث بكل ما هو وحشي وبكل الجرائم، ولا يمكن لماء العالم أن يغسله، لهذا وجدنا لفظ "الجحيم الوثني" والذي يأخذنا إلى ما هو أشد وافظع من الجحيم التوحيدي.
مكان الاعتقال، يمثل حالة صراع بين الفريسة والمفترس، وبالتأكيد الأقوى سيمارس سادية غير عادية تجاه المغلوب: "الوعي الحيواني في كل مكان في "أنصار" يصطدم بالوعي الآدمي لرجال آمنوا بقدرهم" ص101، صورة عامة تبين حالة التناقض بين الحيواني والآدمي، لكن ما هي الطريقة/الصورة/الشكل الذي يمكن من خلاله أن نرى هذا التناقض؟، يجيبنا القاص من خلال هذا المشهد: "تتحامل على نفسك... تتذكر كلما عضتك قروح "الكرابيج" أن الساحة آمنة... تعرف بطلاقتها ووحشيتها إن البقاء للأقوياء والأمل.. لكن الواقع بكل قساوته يأتي ليحكم تلك الأحلام وينتزعها من أمنيات الضعفاء" ص104، إذن أنصار هو غابة حقيقية، لكن من يعيش فيها يأخذون صورة البشر، فكل ما هو وحشي وحيواني في الغابة موجود في أنصار.
لهذا سنجد الآدمي/الإنساني يتألم نفسيا وروحيا كما يتألم جسديا: "تمارس القلق واليأس والاحساس بالموت وتحمل تبعات "أنصار"" ص113، فهذا المكان لا يكتفي بما يحدثه بالإنسان الآن، بل سيكون له تبعات تستمر مدى الحياة، لهذا هو مؤذي ومتوحش.
الفلسطيني
شخصيات المجموعة بمجملها فلسطينية، وكلها تعاني وتتألم لابتعادها عن الوطن، فالغربة والتشرد والفقر كلها تسبب المعاناة للفلسطيني، فنجد صورة المخيم في قصة "التراب" والتي جاءت بهذا الشكل: "تتنهد ...ينتشر اغترابك... تسير.. فتسير معك بيوت المخيم، شوارعه المتربة، ورائحته النافذة المنبعثة من لحم الأرض، تشعر بامتلاك نفسك فتمتد إليك رائحة التراب، الأطفال، وعثاء الاغتراب .. فتقف أمامك جبلة المخيم متضرعة لا تستطيع مفارقتك" ص22، صورة المخيم جاءت قاتمة، وارتباط القاص فيه جاءت من باب الواجب وليس من باب الحنين أو الرغبة، وكأن القاص مفروض عليه أن يقوم بدوره في المخيم.
وهناك صورة الفلسطيني في الشتات، فهو يصارع الزمن والمكان والناس لكي يحافظ على كيانه، على فلسطينيته، يقول في قصة "أبعاد" "...وبغتة يتوحد في الزمن كي يحاول تأكيد إنسانيته في عالم لا إنساني" ص38، على الفلسطيني أن يعيش في حالة صراع على اكثر من جبهة، الاقتصادية، السياسية، والوطنية، فهو مطارد اينما كان، وعليه أن يثبت ذاته ويصمد أمام التحديات.
ونجد جوع الفلسطيني للوطن في قصة "سياط" والتي جاء فيها: "...وأنه من الجمال الصادق أن يكون للإنسان وطن، فأرضه موجودة.. هي هناك! لكنها مغلولة اليدين معتقلة، حولها الكثير من الأسيجة والزرد المسلسل" ص76، من المهم اجد أن يتفهم البعض ممن يعتقدون أن مشكلة الفلسطيني في المبيت أو اللبس أو الطعام، فهو بحاجة إلى وطنه أكثر من أي شيء آخر، وهذا الحرمان يعد جريمة بحقه وعلى الآخرين أن يتفهموا هذا الجوع، هذه الرغبة، هذه الحاجة الإنسانية.
الصور الأدبية والرمز
اجمل ما في هذه المجموعة الصور الأدبية التي يقدمها القاص، محاولا أن يخفف من وطأة الأحداث التي يقدمها للقارئ، كما أن الرمزية التي يقدمها القاص تبعده عن المباشرة والتحدث بالصوت العالي، هناك العديد من الصور، يقول في قصة "أبعاد": "..فالاختيار هو وحده الذي سيمكنك من التقاط خيوط الشمس كي تصنع منها بيوتا وأشجارا ومحبين ابتعدوا أو غاصوا في لحم الأرض" ص41، إذا ما توقفنا عن هذه الصورة، سنجد أن القاص يستخدم ألفاظ بيضاء وناعمة إذا ما استثنينا لفظ "لحم، وغاصوا" وهذا يشير إلى أن القاص في العقل الباطن يميل نحو الحب والفرح أكثر من العنف والألم، لهذا نجده يستخدم الألفاظ الناعمة والجميلة.
وحتى عندما يتعرض لحدث قاس فأننا نجده يقدم بطريقة استثنائية: "رجل أهوج يخرج من خرم رأسه... وجموح أزلي يلهيك عن كل شيء، الشمس في صبح عابق.. ونهار عطري يتماوج بين الندى والسنابل.. عالم سحري يحتضن لغة البراءة... يغتسل في طهر جداولها وشمسها العذراء، الأريج أبيض واعد برحلة المجد وعبر حفيف الشجر تواعدت عطور العصافير مع ألق الأنوار في كهوف سرمدية تتواثب في الأعماق لتكشف الشوق لمحني بالأديم في معلقة وتقحمه مستلة من الخلود هاجس النخبة والحنين" ص43، من اجمل الصور التي جاءت في المجموعة، وإذا ما توقفنا عندها سنجدها طويلة، وكأن القاص تماهى معها، بحيث لم يستطع أن يقطع الصورة التي أخذت تتمدد وتتسع شيئا فشئيا لتزداد بهاءً وتألقا.
صورة الحزن من المفترض أن تكون مؤلمة وذات وقع حاد على المتلقي، لكن القاص يقدمها بطريقة أخرى، تجعلنا نستمع بالشكل الذي قدم فيه: "انسحب الطيف الحاني وهو يتمتم ببقايا كلمات لم يسمعها جيدا، دموع كسح المطر تنسكب في ملاحقة طيف الشيخ...يتذكر ..يحاول أن يغمس سبابته ووحدته بغمامة غجرية من عند الله .. والطريق تتلوى لاهثة في منعطفات الهوى الخانق" ص52، اللغة والشكل التقديم يخففان من قسوة المشهد، وكأن هناك حدث مؤلم يقدمه القاص من وراء ستار، بحيث يخفف من حده الحدث، مما لا يؤثر سلبا على المشاهد/القارئ، لهذا نقول أن الصور الأدبية ضرورية في العمل الأدبي، لأنها تحجب القسوة وتمتع القارئ.
ويقول في قصة "الزمن والشظايا": "خذوا دمي.. ودعوا التراب يصير قلبا نابضا أو سنبلة" ص65، دعوة غير مباشرة لتقديم النفس في سبيل الفكرة.
ويقول عن المرأة في قصة "المرايا": "الوطن امرأة طيبة كالماء الطهور" ص94، من اجمل ما قيل عن الوطن والمرأة معا.
بقى أن نقول: أن مجموعة "أبعاد" بتوحد مواضيعها، وتماثل شخصياتها، وطريقة تقديمها، وبالغتها الناعمة والجميلة، يمكننا القول اننا أمام رواية مجزأة، لهذا أمكننا أن نتحدث عن مواضع محدد في كافة القصص وكأنها كيان واحد، دون أن نغبش الصورة أو الحدث على القارئ.
المجموعة من منشورات الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان. طرابلس، ليبيا، الطبعة الأولى 1987.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,921,434,221
- الشاعر المتيم عبد الكريم موس سويلم
- القدس في مجموعة -عشاق المدينة- نزهة الرملاوي
- الكاتب في رواية -موتي وقط لوسيان- محمود شاهين
- الألم والشباب في قصيدة -العروبة- عبد الحي فخري جوادة
- مناقشة رواية -علي- في دار الفاروق
- الإغراق في رواية -العين المعتمة- زكريا محمد
- جمال القصيدة -حب لا بد منه- جواد العقاد
- العراقي في رواية -كم بدت السماء ق
- المسيح الفلسطيني ورواية -وارث الشواهد- وليد الشرفا
- الفاتحة البيضاء في قصيدة -سأسلم التاريخ للأجدادِ- يوسف خليف
- فاتحة والخاتمة في قصيدة - سبعون عشقا- عمار خليل
- التألق في رواية حياة رجل فقد الذاكرة -الحمراوي- رمضان الرواش ...
- الاسطورة والطبيعة في قصيدة - اطَرِّزْلِكْ- سمير أبو الهيجا
- الأم في قصيدة -ملح ومي- سمير ابو الهجا
- قصيدة -الأب- سمير أبو الهيجا
- البساطة والعمق في -أكتب كي لا ينام الحلم في الفراغ- نافذ الر ...
- مناقشة مجموعة قصائد للشاعر محمد علي شمس الدين
- الشاعر في ديوان -طائر الغربة- محمد عرموش
- بين حالتين القمع والتخلف
- الرواية التاريخية --حمام العين- عزام توفيق أبو السعود


المزيد.....




- بلوحة ضخمة على العشب.. فنان فرنسي يبتدع -رسالة أمل- للاجئين ...
- مخرج تونسي يتحدث لـ-سبوتنيك-عن تجربته في مهرجان الجونة السين ...
- فيلم يروي قصة لاجئ سوري يترشح إلى أوسكار 2019
- فيلم يروي قصة لاجئ سوري يترشح إلى أوسكار 2019
- منتج فيلم -يوم الدين- يكشف كيفية صناعة فيلم ناجح
- مهندس فقد ذراعيه فاصبح فنانا مشهورا
- رائدة الغناء النسوي العراقي “سليمة مراد”
- وفاة منتج ومؤلف مسرحيتي -مدرسة المشاغبين- و-العيال كبرت-
- أمير الشعراء يوقع أحدث أعماله مع دار -اكتب-
- مدير مهرجان الجونة: 75% من الأفلام المشاركة في المهرجان دولي ...


المزيد.....

- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - العناصر الروائية في مجموعة -أبعاد- خليل إبراهيم حسونة