أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد درويش - تاريخ -يوم الجمعة-















المزيد.....



تاريخ -يوم الجمعة-


خالد درويش

الحوار المتمدن-العدد: 5777 - 2018 / 2 / 4 - 22:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تاريخ "يوم الجمعة"
خالد درويش
اعتاد المسلمون، والمؤمنون منهم بشكل خاص، على أن يتعاملوا مع اليوم السادس من أيام الأسبوع (الجمعة) على نحو استثنائي، يصل حدّ التقديس في حالات كثيرة.
فما هو المقدس في يوم الجمعة؟،
وما هو المميّز في هذا اليوم عن باقي أيام الأسبوع؟،
ومتى، وكيف، وفي أي سياق تاريخي، اكتسب يوم الجمعة هذه المنزلة الرفيعة في وجدان وسلوك أتباع الدين الاسلامي؟،
وهل تميّزت "الجمعة" عن باقي أيام الأسبوع في عهد النبي (ص) وفي زمن الخلفاء الراشدين؟.
سأحيل هذه الأسئلة، وغيرها من التساؤلات المتصلة بيوم الجمعة إلى مصادر ومعطيات تاريخية متعلقة بهذا الموضوع، وبشكل خاص القرآن الكريم، ملهم ومؤسس التشريع بالنسبة للمسلمين، بغرض التماس الإجابة.
تطوّر مفهوم "أيام الأسبوع":
حسب المؤرخ المعروف البيروني فإن عرب الجزيرة العربية لم يكونوا يعتمدون أيام الأسبوع السبعة المتداولة في حضارات مصر والشام وبلاد الرافدين، غير أنهم "أفردوا لكل ثلاث ليال من كل شهر من شهورهم أسمًا على حدة مستخرجًا من حال القمر وأطواره فيها".
لم يكن الشهر عند العرب مقسما على أربعة أسابيع، وإنما على عشر مجموعات تضمّ كل منها ثلاثة أيام ولكل منها أسم متداول. وقد سمّوا أول ثلاث ليال من الشهر القمريّ "غُرَر" (جمع غرّة، أي بداية)، ثم ثلاث ليال تليها "نُفل" (عطايا من غير وجوب)، ثم ثلاث ليال "تُسع" (لأن آخر ليلة منها هي التاسعة)، بعدها ثلاث "عُشر" (لأن أولها العاشرة)، ثم ثلاث ليال "بيض" (لأنها تبيَضّ بطلوع القمر من أولها إلى آخرها)، ثم ثلاث "دُرع" (لاسوداد أوائلها تشبيهًا بالشاة الدرعاء)، تليها ثلاث ليال "حنادس" أو "دُهم" (لشدة سوادها)، ثم ثلاث "دآدىء" (باعتبارها بقايا أو تتمات)، ثم ثلاث ليال "محاق" (لانمحاق القمر).
في مرحلة لاحقة، ونتيجة الاحتكاك بالحواضر المجاورة في الشمال عبر النشاط التجاري، عرف عرب الجزيرة صيغة أخرى لحساب الأيام، وهو التقسيم الذي استنبطه البابليون والمتمثل في توزيع أيام الشهر على أربعة أسابيع، وتسمية أربعة أيام من الأسبوع بأسماء الكواكب الخمسة المعروفة آنذاك، وتسمية اليوم السادس باسم القمر والسابع باسم الشمس.
فسمّي الأحد، وهو اليوم الأول في الأسبوع البابلي باسم الإله "شِمِش"، "الشمس"، وقد انتقلت التسمية (صن) في فترة متأخرة إلى اللغة الانجليزية: (صن - دِي).
والاثنين باسم الإله "سين"، "القمر" (مون)، (مون- دي) بالانجليزية، و(لون- دِي) بالفرنسية والايطالية، حيث (لونا) تعني القمر باللغات اللاتينية.
والثلاثاء، يوم الإله "نيرجال"، إله الموت والعالم السفلي، ورمزه "المريخ" (مارس)، (مار- دِي) بالفرنسية والايطالية.
والاربعاء، يوم الإله "نابو"، ربّ الحكمة والذكاء، والوسيط بين الآلهة والبشر (ومنها أتت كلمة نبيّ)، ورمزه كوكب "عطارد" (ميركري)، (ميركر- دِي) بالفرنسية، و(ميركول- دي) بالايطالية
والخميس، يوم الإله "مردوك"، وهو كبير الآلهة عند البابليين، ويرمز اليه بكوكب "المشتري" (جيوبتر)، (جيو- دِي) بالفرنسية، و(جيوبدِي) بالايطالية
والجمعة، يوم الإلهة "عشتار"، إلهة الخصب والحب والجنس، ورمزها كوكب "الزهرة" (فينوس أو فينيرا أو افروديتا أو فريغا)، وهي إلهة الحب والزواج السعيد عند الشعوب الاسكندنافية)، (فيندِر- دِي) بالفرنسية، و(فينير- دِي) بالايطالية، و(فري- داغ) باللغات الاسكندنافية، مثل السويدية والنرويجية والفنلندية، حيث "داغ" تعني يوم، ومنها انتقلت إلى اللغات الأنجلوسكسونية مثل الانجليزية (فرَي- دِي) والألمانية (فري- تاغ)، حيث "تاغ" تعني يوم باللغة الألمانية.
والسبت، يوم الإله "ننيب أو ننورتا"، وهو إله فترة الظهيرة، وإله منتصف الشتاء والراحة في جنوب بلاد الرافدين، ورمزه كوكب "زحل" (ساتورن)، (سَتَر- دِي) بالانجليزية.
وتجدر الاشارة إلى أن اللغتين الفرنسية والايطالية، وكذلك الاسبانية والبرتغالية، هي لغات متفرعة عن اللغة اللاتينية، لغة الامبراطورية الرومانية، وهي اللغة التي استقبلت خلال القرون الاولى بعد الميلاد مسمّيات الأسبوع البابلية وتمثلتها.
تبنّى العرب الصيغة الوافدة لأيام الأسبوع، والتي كانت قد انتشرت في الحواضر المجاورة في شمال شبه الجزيرة العربية، إلا أنهم أطلقوا على هذه الأيام أسماء أخرى غير الأسماء الكواكبية البابلية.
باستثناء يومي الأحد والجمعة (الأول والسادس من أيام الأسبوع) المتطابقين من حيث المسمى والوظيفة مع التسميتين الآرامية والعبرانية السائدتين في ذلك الوقت (سنتوقف عندهما، تاليا، بالتوضيح)، أطلق العرب على بقية أيام الأسبوع أسماء مستوحاة من طبيعة واقعهم ونمط حياتهم اليومية. فكانت أسماء أيام الأسبوع، كما سجّلها المسعودي، هكذا:
الأحد: "أوّل"
الاثنين: "أهوَن"
الثلاثاء: "جِبّار"
الاربعاء: "دُبّار"
الخميس: "مؤنِس"
الجمعة: "عَروبة"
السبت: "شَيّار".
وقد جمعها الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني شعراً في:
أؤمل أن أعيش وأنّ يومي لأول أو لأهْـــوَن أو جبار
. أو التالي دبار فإن أفته فمؤنس أو عروبة أو شيار
تاريخ "اليوم السابع/ يوم الراحة"
يقول الكاتب والمؤرخ وول ديورانت في كتابه الشهير "قصة الحضارة": "أتت عادة تحريم السبت من البابليين الذين كانوا يطلقون على أيام الصوم والدعاء والعبادة "شبتو".
ويوضح الباحث في اللسانيات علي الشوك في كتابه "جولة في أقاليم اللغة والأسطورة" التعامل البابلي مع "السبت، بقوله:
"كان البابليون يحرّمون القيام ببعض الأعمال في اليوم السابع، وهو السبت المشتق من كلمة "سِبَتْ" البابلية التي تعني "سبعة"، رقم سبعة". وهي المفردة الملحوظة في اللغات السامية كالآرامية والعبرية والعربية للدلالة على رقم سبعة ويوم السبت.
ويورد علي الشوك في كتابه نصّاً بابليا في هذا الخصوص، يقول:
"في اليوم الأول والسابع والخامس عشر والحادي والعشرين والثامن والعشرين من الشهر، يمتنع راعي الشعب (الملك) عن تناول اللحم المشوي والخبز، ولا يستبدل ملابسه، ولا يقدّم أيّ تقدمة، ولا يركب عربة، ولا يصدر أوامر. ولا يجوز للرائي في هذه الأيام، أن يقدم للناس ما رأى، ولا يجوز للطبيب أن يضع يده على جسد إنسان. وعند المساء (من تلك الأيام المشار إليها) يأتي الملك بتقدماته للآلهة".
في الفترة الزمنية نفسها (الألفية الثانية قبل الميلاد)، وعلى غرار ما هو سائد عند البابليين، سَمَّى الفراعنة في مصر القديمة كل يوم من أيام الأسبوع باسم أحد الكواكب، واعتبروا اليوم السابع (السبت تحديدا) يومًا للراحةِ واللهو، يليه الأحد، اليوم الأول في الأسبوع.
ينسب الدكتور جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام" فكرة تقسيم الشهر الى أربعة أسابيع، والأسبوع إلى سبعة أيام، إلى البابليين. ولكن ضبط الأسابيع وتتابعها على النحو المعروف حتى اليوم، حسب جواد علي، هو نظام ظهر بعدهم بأمد.
أخذ الآراميون فكرة تقسيم الشهر على أربعة أسابيع والأسبوع على سبعة أيام، وتمييز اليوم السابع (السبت) كيوم للراحة والعبادة، وضبطوها وأطلقوا على أيام الأسبوع الذي يبدأ بالـ "أحد" وينتهي بالـ "سبت" أسماء من لغتهم مستوحاة من الأعداد، وسمّوا يوم الجمعة: ܥܪܘܒܬܐ (تلفظ: عروبتا) وتعني بالعربية: (لفيف، حشد، تجمع)، ويوم السبت: ܫܰܒܬܐ (تُلفظ سَبْتا) وهي مشتقة من الكلمة البابلية "سِبَتْ" وتعني سبعة.
من هذا الواقع الذي أسّس له البابليون والفراعنة، وضبطه وروّجه الآراميون، استقت القبائل اليهودية مفهوم "السبت المقدس" الذي تسلل إلى نسيج النصّ التوراتي مرتبطاّ بأسطورة الخلق (خلق العالم والكائنات) المنجزة في سبعة أيام.
وبسبب قدرتها على التعبير كانت اللغة الآرامية سيّدة اللغات في سوريا والرافدين وشمال الجزيرة العربية ومصر طيلة ألف عام (من القرن الخامس ق.م حتى الفتح العربي- الإسلامي للعراق وبلاد الشام ومصر في القرن السادس)، لذا تأثرت الامبراطورات التي كانت تسيطر آنذاك على العالم القديم (الفارسية، الرومانية، البيزنطية) بالترتيب والتسمية الآرامية لأيام الأسبوع، وهي كالتالي:
ܚܰܕ ܒܫܰܒܐ، تُلفظ: (حَد بِشبا)، وتعني: اليوم الأوّل/ يوم الأحد
ܬܪܶܝܢ ܒܫܰܒܐ، تُلفظ: (ترين بِشبا)، وتعني: اليوم الثاني/ الاثنين
ܬܠܳܬܐ ܒܫܰܒܐ، تُلفظ: (تْلاتْ بِشبا)، وتعني: اليوم الثالث/ الثلاثاء
ܐܰܪܒܥܐ ܒܫܰܒܐ، تُلفظ: (أرْبَعْ بِشبا)، وتعني: اليوم الرابع/ الاربعاء
ܚܰܡܶܫ ܒܫܰܒܐ، تُلفظ: (خمِّشْ بِشبا)، وتعني: اليوم الخامس/ الخميس
ܥܪܘܒܬܐ، تُلفظ: (عَروبْتا)، وتعني: لفيف، تجمع، حشد/ الجمعة
ܫܒܬܐ، تُلفظ: (شَبتا)، وتعني: السابع/ السبت.
مع الفتح العربي/ الإسلامي لبلاد الشام والرافدين ومصر انهارت االلغة الآرامية بطغيان اللغة العربية (لغة القرآن والعقيدة)، وانحسر تداولها في نطاق ضيّق يتمثل في الأوساط الكنسية السريانية، إضافة إلى ما ترسّب من مفرداتها في اللهجات المحكية المتداولة حتى اليوم في بلاد الشام والعراق. إلا أن "الأسبوع الآرامي" بأسماء أيامه وترتيبها من الأحد إلى السبت ظلّ قائما، مقيما، ومقاوما سطوة اللغة الوافدة المحمولة على العقيدة الجديدة.
وكما اقتبست اللغة العربية أسماء أيام "الأسبوع الآرامي" وترتيبها، كانت اللغة العبرية قد فعلت الأمر ذاته في عهود مبكرة تعود إلى النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد.
بانسحاب اللغة الآرامية من التداول العام لصالح اللغة العربية بقي "الأسبوع الآرامي" الذي يستند على التراث البابلي بأسماء أيامه وترتيبها حيّا في اللغة العبرية بسبب ارتباطه بالنص التوراتي المؤسِس لعقائد التوحيد التي انتشرت في أرجاء العالم القديم. وهكذا ترسّخ الايحاء لدى أتباع الطوائف المسيحية وغيرهم بأن أسماء أيام الأسبوع وترتيبها ابتداء بالأحد وانتهاء بالسبت هو شأن يهودي/ عبراني، وهو أمر يضاهي الايمان الراسخ بأن أسطورة الخلق البابلية هي إنجاز يسجل للتوراة العبرانية.
وأيام الأسبوع باللغة العبرية، هي:
"יום ראשון"، تُلفظ: يوم ريشون، وتعني اليوم الأول (الأحد)
" יום שני"، تُلفظ: يوم شينى، وتعني اليوم الثاني (الإثنين)
("יום שלישי"، تُلفظ: يوم شليشى، وتعني اليوم الثالث (الثلاثاء)
"יום רבעי"، تُلفظ: يوم ربِعى، وتعني اليوم الرابع (الاربعاء)
"יום חמישי"، تُلفظ: يوم خَمِشي، وتعني اليوم الخامس (الخميس)
"יום ששי"، تُلفظ: يوم شِشي، وتعني اليوم السادس (الجمعة)
"יום שבת"، تُلفظ: يوم شَبات، وتعني يوم السبات (السبت)
مع أن المسيح، وعلى أساس مقولته الواردة في الأناجيل، والتي تقضي بأن "السبت جُعل لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجل السبت"، كان قد أجاز لأتباعه العمل في هذا يوم، إلا أنه لم يتجاوز التقليد السائد في الاقرار بأن "السبت" هو يوم العيد الأسبوعي، ولم يذكر ما يدلّ على أن "الأحد" يشكل بديلاً مقدّساً عن يوم السبت. وهو الأمر الذي شرّعه البطارقة و الكرادلة بعد ثلاثة قرون من موت المسيح. إذ، وبتعليمات من الامبراطور الروماني قسطنطين، وبغرض التميّز عن اتباع الديانة اليهودية، ألغى المجتمعون في مجمّع نيقيا عام 321م الواقع المعهود باعتبار السبت يومَ عطلة وراحة وعبادة، واستبدلوه بيوم الأحد. واستأنسوا، لسنّ هذا التشريع بمقولة المسيح التي وردت في الأناجيل بأن"السبت جُعل للإنسان، وليس الإنسان لأجل السبت"، وبرواية "القيامة"/ قيامة المسيح التي حدثت يوم الأحد.
بناء على قرار "مجمع نيقيا" الكنسي القاضي باعتبار "الأحد" يوما سابعاً/أخيراً في الاسبوع مكرساً للراحة والعبادة، عوضاً عن "السبت"، كان من المفروض أن يكون يوم الاثنين هو أول أيام الأسبوع في أرجاء الامبراطورية الرومانية التي كانت تغطي معظم أراضي اوروبا وبلاد الشام حتى الفرات، فضلا عن مصر وبقية شمال افريقيا، إلا أن هذا القرار لم يؤثر على التقليد المتبع منذ آلاف السنين، والمتمثل في أن "السبت" هو اليوم السابع والأخير في الأسبوع وأن "الأحد" هو اليوم الأول.
بالتوقف عند أسماء أيام الأسبوع باللغة اللاتينية (لغة الامبراطوية الرومانية) التي تفرّعت فيما بعد إلى عدة لغات اوروبية كالفرنسية والايطالية والاسبانية والبرتغالية، نجد أن اليوم التالي ليوم الاحد، الذي سمّي "يوم الربّ" (دومينيكا) هو اليوم الثاني (سيكوندا، الاثنين ):
(دومينيكا) يوم الربّ: الأحدDominica
(فِريا سيكوندا) اليوم الثاني: الاثنين feria secunda
(فِريا تِرتيا) اليوم الثالث: الثلاثاءferia tertia
(فِريا كوارتا) اليوم الرابع: الاربعاءferia quarta
(فِريا كوينتا) اليوم الخامس: الخميسferia quinta
(فِريا سِكستا) اليوم السادس: الجمعةferia sexta
(ساباتوم): السبت.sabbatum
وتجدر الإشارة إلى أن تسمية أيام الاسبوع باللاتينية مازالت قائمة، كما هي، حتى اليوم، في اللغة البرتغالية المتفرّعة عن اللاتينية، فيما أبقى الناطقون باللغات اللاتينة الأخرى (الفرنسيون والايطاليون والاسبان والرومان) على الصيغة التي وضعها البابليون في تسمية ايام الأسبوع اعتمادا على أسماء الكواكب.
إذن، لم يستطِع القرار الامبراطوري- الكنسي في تغيير اليوم السابع/ يوم الراحة من السبت إلى الأحد تبديل النظام البابلي/ الآرامي لترتيب أيام الأسبوع التي تبدأ بالأحد وتنتهي بالسبت، لأنه نظام راسخ في الوجدان والعقل والبديهة.
الحضارة الكبرى التي ورثت قيادة العالم المسيحي في شرقي اوروبا والسيطرة على غربي اسيا وشمال افريقيا منذ القرن الميلادي الثاني هي الامبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية) وعاصمتها القسطنطينية (اسطنبول اليوم). وهي الحضارة التي كرّست "الأحد" يوما للراحة والعبادة باعتباره اليوم الاخير في الأسبوع، إلا أنها لم تتمكن من اختراق وتغيير الترتيب المعهود على أساس أن السبت هو اليوم السابع والأخير في الأسبوع.
وهاهي اللغة اليونانية اليوم، التي غيّر الناطقون بها معظم مفرداتها التي كانت متداولة في اللغة اليونانية القديمة، ما زالت تحتفظ بأيام الأسبوع المعروفة منذ عهودها الأولى بأسمائها وترتيبها، ابتداء بالأحد وانتهاء بالسبت.
(كيرياكي)، يوم السيّد، يوم الربّ: الأحدΚυριακή
(ديفتيرا)، اليوم الثاني: الإثنينΔευτέρα
(تْريتي)، اليوم الثالث: الثلاثاء Τρίτη
(تيتارتي)، اليوم الرابع: الاربعاءΤετάρτη
(بِمبتي)، اليوم الخامس: الخميسΠέμπτη
(باراشْكيفي)، يوم القديسسة باراشكيفا التي عاشت في القرن العاشر الميلادي التي يبجّلها Παρασκευή اليونانيون ومسيحيو بلدان البلقان الأخرى، وينسبون إليها التقوى والورع وصنع المعجزات، وهو يوم الجمعة.
(سابّاتو)، السبت.Σάββατο
قبل الميلاد بخمسة قرون عرف العالم القديم، والجزء الشرقي منه بشكل خاص، سيطرة امبراطورية كبرى هي الامبراطورية الفارسية، وريثة الدولة البابلية، والتي واجهت الامبراطورية الرومانية، ثم البيزنطية، لأكثر من عشرة قرون. وهنا، أيضاً، نلاحظ أن هذه الامبراطوية لم تتجاوز السياق الآرامي/ العبراني لأيام الأسبوع بأسمائه وتواليه من الأحد إلى السبت، والذي ما زال قائماً حتى اليوم، وتشهد عليه اللغة الفارسية المتداولة في إيران وبعض الحواضر المجاورة لها. وأيم الأسبوع باللغة الفارسية هي:
"ياك شنبه": اليوم الأول (الأحد)
"دو شنبه": اليوم الثانى (الاثنين)
"سِه شنبه": اليوم الثالث (الثلاثاء)
"چهار شنبه": اليوم الرابع (الأربعاء)
"بِنج شنبه": اليوم الخامس (الخميس)
"جمعه": (الجمعة)
"شنبه": السابع، (وتطلق على الأسبوع) (السبت).
من "يوم عَروبة" إلى "يوم الجمعة"
على الرغم من أن "الجمعة" هو يوم العيد والعبادة لدى أتباع الدين الجديد (الاسلام)، على غرار "السبت" الآرامي/العبراني و"الأحد" المسيحي/ الغربي، إلا أن "الأحد" الذي يلي اليوم السابع/ الأخير بقي صامداً في مقامه كيوم أوّل في الأسبوع، على الأقل لجهة مسمّاه، ومسمّى الأيام التي تليه من الإثنين حتى الخميس.
لم يعرف العرب في حياتهم الأولى، وكانت أيام الشهر الثلاثين مقسمة على عشر مجموعات ، وسمّوا كل مجموعة بلياليها الثلاث باسم مستوحى من أطوار القمر: أول ثلاث ليال من الشهر القمريّ "غُرَر" (جمع غرّة، أي بداية)، تليها "نُفل" (عطايا من غير وجوب)، ثم "تُسع" (لأن آخر ليلة منها هي التاسعة)، و"عُشر" (لأن أولها العاشرة)، و"بيض" (لأنها تبيَضّ بطلوع القمر من أولها إلى آخرها)، و"دُرع" (لاسوداد أوائلها تشبيهًا بالشاة الدرعاء)، و"دُهم" (لشدة سوادها)، و"دآدىء" (باعتبارها بقايا أو تتمات)، ثم "محاق" (لانمحاق القمر).
ثمّ، في مرحلة لاحقة، ومن خلال تماس القوافل التجارية بالتخوم الشامية في الشمال والقبائل اليمنية في الجنوب، عرف عرب الجزيرة العربية الصيغة الآرامية لأيام الأسبوع التي كانت قيد التداول في تلك الأقاليم، واعتمدوها بأسماء مستوحاة من واقعهم.
باستعراض أيام الأسبوع (أوّل، أهوَن، جبّار، دبّار، مؤنس، عَروبة، شيّار)، نجد أن العرب أبقوا على الترتيب الآرامي المعهود، حيث يبدأ الأسبوع العربي بيوم "أول"، تماما كما هو في الترتيب الآرامي (ܚܰܕ، تُلفظ حَد، وتعني أول)، كما حافظوا على مسمّى يوم الجمعة "عَروبة" وهي تسمية منقولة حرفاً ومعنى من أسم يوم الجمعة الآرامي "ܥܪܘܒܬܐ" تلفظ عروبتا، وتعني حشد، لفيف، جماعة.
وظلّت هذه الصيغة قيد التداول بين القبائل العربية في الجاهلية حتى القرن الثاني الميلادي، حيث، وكما تفيد المصادر، عمل الزعيم القبلي كعب بن لؤي (60- 150 ميلادي)، على تعريب مفردتي "حَد" و"عَروبة" الآراميتين إلى "الأحد" و"الجمعة" العربيتين. واقترح ألفاظاً عربية لأسماء بقية أيام الأسبوع الآرامية المشتقة من الأعداد. وانتشرت هذه الصيغة، المعروفة حتى اليوم، بين قبائل الجزيرة العربية.
من هو كعب بن لؤي؟:
تجمع المصادر المشتغلة على الأنساب على أن كعب بن لؤي هو الجدّ السابع للنبي. وهو كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وخلفه يبدأ بـ مرّة، وينتهي بالنبي محمد، مرورا بـ كلاب وقصيّ وعبد مناف وهاشم وعبد المطّلب وعبد الله.
بالتحري عن شخصية كعب بن لؤي، نجد أنه ولد في مكة عام 60م وتوفي فيها عام 150م.
كان حنيفيا، وخطيباً مرموقاً، يعرف السريانية والعبرانية، ويقرأ الكتاب، وكانت تجتمع إليه الصفوة والعامة من قريش وغيرها من القبائل للافادة من علومه، وخاصة في كل يوم جمعة. وكانت العرب، تعظيما لمقامه، تؤرخ أحداثها بقبل وبعد موته حتى كان عام الفيل.
ولكن، وبكونه الجدّ السابع للنبي، حسب ما سجّله ابن كثير في "البداية والنهاية"، وحيث أن النبي ولد عام 570م، وأن الجيل يقدّر بـ 33 عاما، يُفترض أن كعب بن لؤي عاش في بدايات القرن الميلادي الرابع (306م).
يروي القرطبي عن أَبي سَلَمَة قوله: "أَوَّل من قال " أَمَّا بعْد " هو كَعْب بن لُؤَيّ، وكان أَوّل من سمّى الْجُمُعَة جُمُعَة. وكان يُقَال ليوم الجُمُعَة: الْعَروبَة".
يقول جلال الدين السيوطي في معرض حديثه عن كعب بن لؤي، نقلا عن السهيلي: "هو أول من سمّى يوم الجمعة، وكان يسمّى في الجاهلية يوم العَروبة، وكان يخطب فيه، ويعظهم، ويخبرهم، فتجتمع إليه قريش كل يوم جمعة".
وينقل البغوي في تفسيره عن أبي سلمة قوله "أول من قال " أما بعد " كعب بن لؤي وكان أول من سمّى الجمعة جمعة ، وكان يقال له يوم العروبة".
ويورد ابن كثير في "البداية والنهاية" رواية أبو نعيم عن أبي سلمة، قوله: "كان كعب بن لؤي يجمع قومه يوم الجمعة، وكانت قريش تسميه العروبة، فيخطبهم، فيقول: أما بعد، فاسمعوا، وتعلموا، وافهموا، واعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام. كل ذلك إلى بلاء، فصلوا أرحامكم ، وثمّروا أموالكم، وأوفوا بعهودكم، وأصلحوا أحوالكم. فهل رأيتم مِن هالك رجع، أوميتاً نشر، الدار أمامكم، والظنّ خلاف ما تقولون فزيّنوا حَرَمكم (الكعبة) وعظموه، وتمسّكوا به ولا تفارقوه، فسيأتي له نبأ عظيم".
ويروي أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة التيمي، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، قوله: "كان كعب بن لؤي يجمع قومه يوم الجمعة، وكانت قريش تسميه العروبة".
معنى "الجمعة" ولفظها
نقرأ في "مختار الصحاح" قولاً للطبري يفسّر فيه مقام ومعنى يوم الجمعة: "إِنَّمَا سُمِّيَتْ الْجُمُعَة جُمْعَة لِأَنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْ الْجَمْع فَإِنَّ أَهْل الْإِسْلَام يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلّ أُسْبُوع مَرَّة بِالْمَعَابِدِ الْكِبَار".
وفي قواميس المعاني العربية فإن "الجمعة" مشتقة من التجمع والالتئام.
فيما يتصل باللفظ، ترد كلمة "الجمعة" في سورة الجمعة بضمّ حرفي الجيم والميم (جُمُعَة): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ".
ولكنّ القرطبي يرى في تفسيره لآية الجمعة ألفاظا أخرى للمفردة، بقوله: "في الأمر مَسَائِل: الْأُولَى قَرَأَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَالْأَعْمَش وَغَيْرهمَا " الْجُمْعَة " بِإِسْكَانِ الْمِيم عَلَى التَّخْفِيف. وَهُمَا لُغَتَانِ. وَجَمْعهمَا جُمَع وَجُمُعَات. قَالَ الْفَرَّاء: يُقَال الْجُمْعَة ( بِسُكُونِ الْمِيم ) وَالْجُمُعَة ( بِضَمِّ الْمِيم ) وَالْجَمْعَة ( بِفَتْحِ الْمِيم ) فَيَكُون صِفَة الْيَوْم، أَيْ تَجْمَع النَّاس. كَمَا يُقَال: ضُحَكَة لِلَّذِي يَضْحَك. وَقَالَ اِبْن عَبَّاس: نَزَلَ الْقُرْآن بِالتَّثْقِيلِ وَالتَّفْخِيم فَاقْرَءُوهَا جُمُعَة؛ يَعْنِي بِضَمِّ الْمِيم. وَقَالَ الْفَرَّاء وَأَبُو عُبَيْد: وَالتَّخْفِيف أَقْيَس وَأَحْسَن؛ نَحْو غُرْفَة وَغُرَف، وَطُرْفَة وَطُرَف، وَحُجْرَة وَحُجَر. وَفَتْح الْمِيم لُغَة بَنِي عَقِيل. وَقِيلَ: إِنَّهَا لُغَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وقد وردت المفردة في المصادر التاريخية والفقهية، في الجاهلية، وفي المراحل التالية لظهور الإسلام، حسب الشيخ سعيد الكملي، بثلاثة ألفاظ؛ بضمّ الجيم وضمّ الميم (وهي لغة قبائل الحجاز)، بضمّ الجيم وفتح الميم (وهي لغة بني عقيل)، وبضمّ الجيم وتسكين الميم (وهي لغة بني تميم).
أما اعتماد لفظ "الجُمُعَة" في تشكيل كلمات التصحيف العثماني، الذي وضعه التابعي/ الحجازي أبو الأسود الدؤلي (660م- 665م) بضمّ الجيم والميم، فذلك، لأن عرب الحجاز يلفظونها "جُمُعَة" جَريا على عادتهم في إتْباع الضمّة بالضمّة؛ ففي "أٌكْل" يقول الحجازي: "أٌكُل"، وفي "قدْس" يقول: "قُدُس"، وفي "كُفْل" يقول: "كُفُل".
ولفظ "جُمَعة" بمعنى جامع وجمّاع، فإنما هي على قياس مفردات وردت في القرآن الكريم مثل "هُمَزة" و"لُمَزة" وهما صيغتا مبالغة لـ "همّاز" و"لمّاز".
ولكن لفظ "جُمْعَة"، وهو الدارج، فإنما هو للتخفيف على المتحدث، وهو لفظ للغة بني عقيل والنبي (ص)، استنادا لما نقله القرطبي عن الفرّاء وأبي عبيد.
ولكن، وعلى ما ذهب إليه بعض من السلف الذي أدلى بمعارفه في الموضوع، فإن كعب بن لؤي، وهو الذي نقل المفردة من اللغة الآرامية إلى العربية، كان يلفظها "جَمْعة".
ينقل البخاري عن الفراء، والزجّاج، وأبي عبيد، وأبي عمر، إجماعهم على أن "أول من نقل "العَروبَة" إلى يوم "الجَمْعة" كعب بن لؤي، ثم لفظ الجمعة بفتح الجيم وتسكين الميم".
"عَروبة" و"جَمْعة"/ المعنى والدلالة
يقول الباحث جواد علي في كتابه الموسوعي "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أن تسمية العرب قبل الإسلام يوم الجمعة بيوم العروبة، فذلك، لأن "عَروبة" تعني باللغة السريانية (الآرامية) الغروب، ويربطها بغروب شمس ذلك اليوم الذي يسبق يوم الراحة والعبادة.
وهذا تفسير خاطئ وملتبس مردّه التشابه بين الكلمتين الآراميتين "ܥܪܳܒܐ" (عَرُبا) التي تعني غروب الشمس، و"ܥܪܘܒܐ" (عَروبا) التي تعني لفيف، حشد، تجمّع.
وهكذا، فإن تسمية اليوم السادس بيوم "عَروبة" إنما استقاه العرب من التسمية الآرامية ܥܪܘܒܐ عَروبا (بالواو بعد الراء)، والتي تعني التجمع، وليس من المفردة الآرامية ܥܪܳܒܐ عَرُبا (بالراء المضمومة) والتي تعني غروب الشمس.
اتفقت المراجع التاريخية على أن كعب بن لؤي هو الذي بدّل يوم العَروبة إلى يوم الجمعة، وكان يلفظ الكلمة، حسب ما ورد في رواية البخاري عن بعض التابعين والمفسّرين، بفتح الجيم وتسكين الميم (الجَمْعَة) والتي تعني الحشد، اللفيف، التجمّع.
وبالعودة إلى كلمة عَروبة الآرامية (ܥܰܪܘܒܐ: تُلفظ عَروبا) نجد أنها تعني الحشد، اللفيف، التجمّع، تماما، مثلما لكلمتي "أحَد" العربية و" ܚܰܕ : تُلفظ حَد" الآرامية المعنى ذاته، هو الأول.
وأما ضمّ الجيم، وضمّ الميم وفتحها فإنما تسلّل إلى اللغة العربية من اللهجات المحكية المختلفة لقبائل الجزيرة العربية المتنوعة (أحصاها السيوطي فكانت خمسين لغة). وهذا ينطبق على مفردات عربية كثيرة لا حصر لها، مثل: أكْلٌ/ أٌكُلٌ، ضَحِكٌ/ ضُحْكٌ/ ضُحُكٌ، مَنجَلٌ/ مِنجَلٌ.
يقول الهمداني في إعراب القرآن: "أهل الحجاز وبنو أسد يقولون رَحيم ورَغيف وبَعير بفتح أوائلهن. وقيس وربيعة وتميم يقولون: رِحيم ورِغيف وبِعير بكسر أوائلهن".
إذاً، فكما أن الجُمَعة والجُمُعَة والجُمْعة والجَمْعَة هو نفس اليوم، فإن يوم الجمعة ويوم العَروبة هما يوم واحد، وهو يوم الحشد، يوم اللفيف؛ يومٌ كان، ولمئات السنين قبل ظهور الإسلام، يتجمّع فيه الناس مرّة في الأسبوع لأمرٍ ما، تعاقدوا على الإجتماع بسببه؛ فما هو هذا الأمر؟.
إنه اليوم السادس/ الأخير من الأسبوع، اليوم الذي يسبق "السبت" المكرّس للعطلة والراحة، وهو تقليد عرفه الفراعنة والبابليون، وانتقل إلى الآراميين والعبرانيين، وسار عليه الناس في معظم أرجاء العالم القديم، بما في ذلك الشعوب والقبائل في شبه الجزيرة العربية.
في هذ اليوم الذي يسبق يوم السبات والراحة تُعقد الأسواق التي تستقطب الناس للبيع والشراء، استعداداً لاستقبال السبت، في حشود لا تعرفها الأيام الأخرى من الأسبوع.
ولم تشذّ حواضر الجزيرة العربية (مكة ويثرب وسبأ وصنعاء وتبوك والطائف) قبل الاسلام عن هذا المنوال.
وما كان النداء الإلهي في سورة الجمعة بترك البيع والشراء عند صلاة ظهيرة يوم الجمعة (وقت ذروة السوق) إلا إشارة واضحة على أن يوم الجمعة (السابق ليوم الراحة) كان يوماً استثنائيا بين أيام الاسبوع، مكرّسا للتسوّق وإنجاز الأعمال الضرورية استعدادا ليوم السبات التالي.
يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"- الجمعة/9.
لكنه، في الآية التالية من السورة ذاتها، وتجاوبا مع رغبة المصلي في الانخراط في النشاط التجاري الاستثنائي في مثل هذا اليوم، يجيز النصّ القرآني للمصلين الذين فرغوا من أداء الصلاة الالتحاق بالجمهرة التجارية: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"- الجمعة/10.
الجمعة: قداسة ملتبسة
في سياق تاريخي، لم تميّز قبائل الجزيرة العربية في الجاهلية يوم الجمعة عن أيام الأسبوع الأخرى إلا باعتبار هذا اليوم مجرد يوم سابق ليوم العطلة والراحة يشتد فيه الحراك الاقتصادي - الاجتماعي على نحو لافت استعدادا لدخول السبت الذي يُمنع فيه البيع والشراء. ولهذا السبب، لا لغيره، كان الناس يجتمعون في حشود لا تعهدها الأيام الاخرى، فيأتي التاجر بحريره وتوابله وجواريه، ويأتي المحتاج برغبته في التسوّق، ويأتي الخطيب برأيه، ويأتي الشاعر بقصيدته، ويأتي المفتخر بسيرة أسلافه.
وما كانت "الجمعة" في حياة العرب في الجاهلية إلا صورة مصغّرة ودائمة للأسواق الموسمية التجارية – الثقافية الكبرى مثل "عكاظ" و"ذي المجاز" و"مجنة" و"بصرى"، والتي تعتبر مفخرة التاريخ التجاري- الثقافي لجزيرة العرب.
وبقي حال "الجمعة" ومتطلباتها مع بزوغ فجر الاسلام كما كان قبله. ولم يكن سهلا على عرب الجزيرة بعد انبعاث الاسلام، بمن فيهم أتباع الدين الجديد، أن يتجاوزوا الأنماط المعهودة منذ مئات السنين فيما يتصل بيوم الجمعة باعتباره يوما مكرسا للنشاط التجاري الاستثنائي، حتى أثناء القيام بالصلاة؛ أشدّ الاوقات التي تتطلّب الالتزام بالتقوى والورع، ويشهد النص القرآني وتفسيره وأسباب نزوله على ذلك.
يقول الله تعالى في الآية 11 من سورة الجمعة: "وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ".
ويُجمع المفسّرون، الطبري والقرطبي وابن كثير، على أن سبب نزول هذه الآية هو انفضاض المصلين من حول النبي (ص) أثناء الصلاة والتحاقهم بجمهرة السوق.
ينقل الطبري في تفسيره عن مُجَاهِد فِي قَوْله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا} قَالَ: رِجَال كَانُوا يَقُومُونَ إِلَى نَوَاضِحهمْ وَإِلَى السَّفَر يَبْتَغُونَ التِّجَارَة.
ويوضّح القرطبي: "حدَّثنا بِشْر، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة، قال: بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة، فَجَعَلُوا يَتَسَلَّلُونَ وَيَقُومُونَ حَتَّى بَقِيَتْ مِنْهُمْ عِصَابَة، فَقَالَ: كَمْ أَنْتُمْ؟ فَعَدُّوا أَنْفُسهمْ فَإِذَا اِثْنَا عَشَر رَجُلًا وَامْرَأَة؛ ثُمَّ قَامَ فِي الْجُمُعَة الثَّانِيَة فَجَعَلَ يَخْطُبهُمْ، قَالَ سُفْيَان: وَلَا أَعْلَم إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثه وَيَعِظهُمْ وَيُذَكِّرهُمْ، فَجَعَلُوا يَتَسَلَّلُونَ وَيَقُومُونَ حَتَّى بَقِيَتْ مِنْهُمْ عِصَابَة، فَقَالَ: كَمْ أَنْتُمْ، فَعَدُّوا أَنْفُسهمْ، فَإِذَا اِثْنَا عَشَر رَجُلًا وَامْرَأَة".
وإذا ما أتيح المجال للاستنتاج والاجتهاد، فربما كان الترخيص للمسلمين بالاكتفاء بركعتين في صلاة الظهر بدلاً من أربع ركعات تؤدى في ظهيرة الأيام الأخرى من الأسبوع، فإنما هوللتيسير على المصلي التوّاق للانخراط في النشاط التجاري الذي كان يبلغ ذروته عند ظهيرة يوم الجمعة.
ترتيب سورة الجمعة، التي احتوت على الآيات المتعلقة بملابسات انفضاض المصلين من حول النبي (ص) أثناء الصلاة للالتحاق بالسوق، في المصحف العثماني، هو 62، ولكن ترتيبها حسب التسلسل الزمني للتنزيل هو 110، تليها أربع سور فقط، هي "الفتح" و"المائدة" و"التوبة" و"النصر". وهذا يؤشر إلى أن الخوض في أهمية "الجمعة" وطبيعة هذه الأهمية كان قد حدث في أواخر عهد الدعوة المحمدية التي استمرت زهاء 23 عاما، كما يدلّ على أن اعتداد كثير من المؤمنين الأولين بـ "الجمعة"، في تلك الفترة المتأخرة من الدعوة، كان مقتصراً على الاهتمام بالسوق بشكل لافت، إلى حدّ اضطرّ معه القرآن الكريم إلى حضّهم على ترك التجارة والسعي إلى العبادة، والإجازة لهم بمزاولة البيع والشراء بعد الصلاة.
من جهة أخرى، وفي الوقت الذي ذٌكِرت فيه كلمة "السبت" خمس مرّات في القرآن الكريم، وبطريقة تفيد بأهمية "السبت" ووعد الله تعالى بمعاقبة من يتعدى على حرمة هذا اليوم، لم ترِد كلمة "الجمعة" في القرآن الكريم سوى مرّة واحدة، وفي سياق لا يميّز "الجمعة" عن أيام الاسبوع الأخرى في شيء، لا، بل تأتي في سبب مفاده يؤشر على أن بعض المؤمنين الأوائل كانوا يؤثِرون التجارة على العبادة في هذا الوقت، وقت صلاة ظهر الجمعة.
علاوة على ذلك، لم تورد مصادر التاريخ الاسلامي ما يعلمنا أن النبي (ص) وصحبه، والخلفاء الراشدين من بعده، كانوا يؤدون صلاة الجمعة كصلاة شعائرية، على غرار صلاة العيدين، وإنما كانت عبارة عن صلاة طقوسية اعتيادية لا تختلف عن باقي الصلوات في باقي الأوقات وباقي الأيام. كما لم تسجّل هذه المصادر أي "خطبة جمعة" ألقاها الرسول (ص)، مع أن هذه المصادر نقلت إلينا معظم خطب زعماء ومصلحين في الجاهلية كانوا أدنى مرتبة من النبي (ص)، مثل: كعب بن لؤي، وقِس بن ساعدة الأيادي، وأميّة بن أبي السلط.
إذن، تاريخياً ودينياً (تأسيساً على ما ورد في القرآن الكريم، واستئناساً بكيفية تعامل النبي (ص) مع هذا اليوم) فإن المقصود بيوم الجمعة لا يتجاوز كونه يوم اجتماع الناس في مواعيد انعقاد الأسواق لتصريف شؤون الناس التجارية استعداداً لاستقبال يوم الراحة، وذلك جرياً على العادة والعرف اللذين كانا يسودان العالم القديم منذ آلاف السنين، واللذان عرفتهما الجزيرة العربية منذ القرن الميلادي الثاني.
أما القيمة الاعتبارية ليوم الجمعة، وشحنة القداسة التي ميّزت هذا اليوم عن بقية أيام الأسبوع، فقد تمّ توضيبها وتكريسها مع بداية العهد الأمويّ، لاعتبارات سياسية وثقافية تتعلق بترسيخ دعائم الدولة. وهو أمر ينسحب على مفاهيم وسلوكيات وممارسات أخرى تم استحداثها وتكريسها في العهد الأموي، لم تكن معهودة في حياة الرسول (ص) وفي عهد خلفائه الراشدين؛ كالطراز المعماري الذي عرفته المساجد الأموية (القبّة والمئذنة) وتوريث السلطة للأبناء والأشقاء.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,214,098
- القدس ليست مجرد مسجد وكنيسة وحائط
- أريد أن أصالح الجميع
- الأطفال طيور الجنة؟ أيّ خيال فقير!
- 5 حالات للعزلة
- معاني شهور السنة بالآرامية/السريانية
- أسماء الملائكة باللغة الآرامية/السريانية
- الإله ميثرا، المسيح، والنيروز..
- في مديح الفشل..
- تفسير -سورة الكوثر- في ضوء السريانية
- قراءة في -الساهرات أصبحن خارج البيت- ل زهيرة زقطان
- البسملة في ضوء السريانية
- تفسير سورة الاخلاص استنادا إلى الآرامية/السريانية
- أركان الاسلام بالآرامية/السريانية
- في فضاء الفيس بوك..
- الفاتحة السريانية
- معاني -الم-، -الر-، -كهيعص-..
- لا قداسة لنص بعد كلام الله
- سأعود الى ذات الفندق
- مايا، ليوسي، ومحمود درويش
- ان تكون صديقي


المزيد.....




- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد درويش - تاريخ -يوم الجمعة-