أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الله عنتار - من مراكش إلى ستي فاظمة














المزيد.....

من مراكش إلى ستي فاظمة


عبد الله عنتار
الحوار المتمدن-العدد: 5744 - 2018 / 1 / 1 - 16:58
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



خرجنا من مراكش في 12 زوالا، تركنا جامع الفنا غارقا في ضجيجه وازدحامه كما هو معتاد، أخذنا الطريق الإقليمية رقم 2017، وتوجهنا جنوبا صوب سيتي فاظمة على أرض منبسطة يعمها الزيتون والحقول الزراعية، لدى خروجنا من مراكش وجدنا دوار الهبيشات الذي ينتمي إلى قرية تسلطانت، وصل عدد سكان هذه القرية في إحصائيات 2014 حوالي 71 ألف نسمة، في سنة 2016 خرج حوالي 500 من دوار الهبيشات يطالبون بالماء، في 12 والنصف زوالا غادرنا هذا الدوار، ووصلنا إلى توكانة، تعرف هذه الأخيرة بسوق ينظم يوم الخميس منذ زمن بعيد، ففي مقالة للسوسيولوجي المغربي بول باسكون عنوانها : " إمبراطورية التهامي الكلاوي "، نجد رسالة لمحتسب مدينة مراكش كتبها سنة 1888 ووجهها إلى السلطان الحسن الأول يقول فيها : 《لقد توصلنا برسالتك المتعلقة بأحداث سوق الخميس توكانة والأعمال التي قام بها كلاويو الخليفة الكلاوي. تقول أنه يوجد في السوق كل أنواع المنتجات والفواكه القادمة من وادي درعة وأن ذلك السوق يتوجه إليه أناس كثيرون حتى يتفادوا دفع الضرائب المفروضة على الأسواق الأخرى، وتقترح فيها أن لا يقوم المخزن باقتطاع ضرائب من هذا السوق لأن السلع التي تباع فيه تتجه في النهاية إلى مراكش لصالح العامة، وقد بحثنا اقتراحك وقبلناه. وقد كتبنا إلى الكلاوي طالبين منه أن لا يتدخل في السوق وأن يتركه》، نفهم من هذه الرسالة أن توكانة كانت معروفة بسوق الخميس، ويعتبر السوق تجمعا بشريا وقبليا هائلا للتبادل الرمزي والاقتصادي، وكان خاضعا لنفوذ القائد الكلاوي خلال القرن 19، إذ كان يتحكم في البضائع والمنتوجات، بالإضافة إلى القوافل التي تمر على توكانة، أما في هذه الرسالة فنجد مناشدة من محتسب مراكش للسلطان الحسن الأول بألا يتدخل الكلاوي باعتباره عاملا للسلطان في المنتوجات التي تباع في السوق ولا البضائع القادمة من درعة على متن القافلة نحو مراكش، لأن العامة سوف تستفيد منها، هكذا يظهر لنا أن توكانة كانت معروفة منذ القرن 19، وبعد مضي نصف ساعة نصل إلى دوار بوعزة يقدر عدد سكانه بحوالي171 نسمة خلال إحصائيات 2004، وخلال مدة قليلة نصل إلى سلسلة جبال الأطلس الكبير وبالضبط إلى نقطة اوريكا.حسب ابن خلدون، تعتبر اوريكا إحدى قبائل مصمودة، دأبت هذه القبيلة على تنظيم سوقها الأسبوعي كل إثنين، تعرف هذه القبيلة بنبات الزعفران، وعلى حواشي القرية المتناثرة يمر وادي اوريكا أحد روافد وادي تانسيفت، يبيع الأهالي الأواني الخزفية، والزرابي، تنتشر الغابات بالقرب من النهر وخاصة أشجار اللوز والتفاح، وتعرف المنطقة بالتربة الحمراء التي تتموقع على السفوح العالية حيث الجروف الصخرية الجديرة بالمشاهدة، في رحلتي رافقني جزائريان كانا يتكلمان بينهما بلكنة أمازيغية قبائلية، كانا طيبين، وظللنا نمرح طيلة الطريق، يعجبهما المغرب، ومن حين لآخر كان يسألانني حول ما إن كنا قد اقتربنا إلى شلالات ستي فاظمة، تبتعد هذه القرية عن مراكش بحوالي 50 كلم.
يعود اسمها إلى متصوفة ابنة الشيخ عمرو، نزحت إلى منطقة أغمات بالقرب من مراكش في العهد الوطاسي خلال القرن 15م، وتتلمذت على مشايخ عصرها، برزت نجابتها في مختلف العلوم الفقهية، مما أهلها للتدريس، فكان عليها التشبه بالرجال من حيث الملبس، وهو الأمر الذي جر عليها مضايقات عديدة أجبرتها على التنقل بين قرى ناحية مراكش، فرارا من الناس، حتى استقر بها المطاف بأحد دواوير وادي أوريكا الذي صار يعرف بزاوية ستي فاطمة، وهناك تزوجت وجعلت من بيتها ملجأ للفقراء والمعوزين والغرباء، وبيتا للمسافرين، ومعينا للمرضى واليتامى، صادعة بالحق ونازعة لإصلاح ذات البين وفض الخصومات والنزاعات، فأضحى بيتها قوي الأثر على المستوى الديني والاجتماعي وحتى السياسي.
وحينما أدركها الموت دفنت بمقبرة مخصصة لذوي المكانة الاجتماعية.وتقع ستي فاطمة بنهاية طريق وادي أوريكا بالجنوب من مدينة مراكش، بمسافة 50 كلم تقريباً عن مراكش أي مسافة ساعة كاملة تقريبا لكثرة التوقفات وخصوصاً في قرى اوريكا ووجود بعض المنعطفات الخطيرة والأهم من ذلك هو المطلات الجميلة على الوادي. رافقني صديقي نور الدين الذي جمعتني به الكثير من الرحلات عبر ربوع المغرب، صديق طيب يحب الطبيعة ويحب السفر والجلوس مع البسطاء من الناس، هكذا وصلنا إلى ستي فاظمة حوالي الثانية بعد الزوال، توجد سبعة شلالات بالقرب من هذا الضريح، يبيع الأهالي القلائد والزرابي والخزف والمأكولات، يحج نحو المكان الكثير من المغاربة والأجانب، تنتشر الثعابين في المكان وعلى رأسهم ثعبان يدعى في لغتنا في الشاوية "ببولمرايات"، لونه أصفر وأسود، صادفناه في طريقنا وحاولنا تحاشيه، إلا أنه ظل رابضا في المكان، فقذفت نحوه صخرة فتنحى جانبا، وكان نور الدين يقول لي : " لا تقتله" . فلم أقتله وتركته يختبىء في شجيرة معترشة .قال لنا أحد الأهالي هناك أن المكان حافل بالكوبرا، لم نلاحظ ذلك . لكن لاحظنا القرود هائمة في الغابة . في طريق عودتنا ركبنا سيارة مهترئة، كنا منتشين ومسرورين، ركب إلى جانبنا رجل ستيني، متقاعد، ومثقف يتحدر من قبيلة الرحامنة، كان طيبا ومنفتحا، سألناه : ما معنى الحياة بعد هذا العمر المديد ؟ وأجاب :" معنى الحياة هو أن أعيش بلا فواصل ولا حدود دينية أو عرقية أو ثقافية. الأساسي بالنسبة لي هو أن أعيش إنسانا مؤمنا بثلاثة مبادىء وهي الأخوة والعدالة والحرية " . كان يضحك وكنا نضحك وأغنية ناس الغيوان تصدح : " غير خدوني " .

ع ع/ مراكش/ 31 دجنبر 2017 / المغرب .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,305,055
- الصهيونية حركة استعمارية وعنصرية
- قابعون في أديم الأرض
- رحلات مغربية : مذكرات عاشقين مشردين
- ردا على بعض مريدي الزاوية المباركة!
- من تطوان إلى الناظور : 12 ساعة من الطريق اختلط فيها البرد با ...
- من تطوان إلى الناظور : 12 ساعة من الطريق اختلط فيها البرد با ...
- رحلات مغربية : جلسة مع التصوف (بحث عن الله ) . - نقطة تطوان-
- رحلات مغربية : طنجة في سطور
- رحلات مغربية : من الدار البيضاء إلى طنجة : الأم هي الجذر الذ ...
- لن يتمكنوا من إقبارنا !!
- اسم في الخلود وفعل في الشجاعة
- مشاهد من الشيخوخة
- مشاهد من المراهقة المتأخرة
- مشاهد من المراهقة
- مشاهد من الطفولة
- قد أنبعث من رمادي
- الينابيع الأولى لحب القراءة: الشمعة والكتاب
- في انتظار الأمل الذي قد يأتي
- اتيان دولا بويسي مؤولا: العبودية طوعية والحرية بيد الشعب
- بين الحب الدنجواني والحب العذري: تمرد على شريعة الزواج . قرا ...


المزيد.....




- زلزال بقوة 5.8 درجة يضرب جنوب شرق ايران
- اتهام موظف بمركز بحوث روسية بنقل معلومات سرية لإحدى دول -الن ...
- بومبيو يوجه خطابا للإيرانيين في الولايات المتحدة
- شيخ إماراتي يتحدث عن -صبر- السعودية والإمارات تجاه قطر
- عقب تعرضها للإجهاض... محكمة تبطل زواج سودانية تبلغ 11 عاما
- التلفزيون السوري: إسرائيل استهدفت موقعا عسكريا في حماة
- لقطات استثنائية... جلسة تصوير لعارضة مع تمساح تخطف الأنفاس ( ...
- -وضع بصمتها في سجل عالمي-... قطر تحقق إنجازا هو -الأول من نو ...
- لائحتا -التغيير- و-الوفاء والمسؤولية- تنوهان بتموقف فيدرالية ...
- تركيا.. -أنثى الذئب- تستقيل من رئاسة حزب الخير


المزيد.....

- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني
- حديقة القتل.. ماذا فعل جنود الله في العراق؟ / يوسف محسن
- ميشيل فوكو مخترع أثريات المعرفة ومؤرخ مؤسسات الجنون والجنس ... / يوسف محسن
- مميزات كل من المدينة الفاضلة والمدينة الضالة لدى الفارابي / موسى برلال
- رياضة كرة القدم.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- المعرفة عند أرسطو / عامر عبد زيد
- الفن والسلطة والسياسة : هيدجر ، عن المؤامرة والشعر / رمضان الصباغ
- القيم الفنية والجمالية فى الموقف الاكسيولوجى / رمضان الصباغ
- جينالوجيا مفهوم الثقافة كآلية لتهذيب الإنسان / نورالدين ايت المقدم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الله عنتار - من مراكش إلى ستي فاظمة