أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سومر الياس - كيف نستخدم الفلسفه















المزيد.....

كيف نستخدم الفلسفه


سومر الياس
الحوار المتمدن-العدد: 5728 - 2017 / 12 / 15 - 09:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    





هناك متعة غريبة في الفلسفه، وغوى حتى في سرابات الميتافيزيق، يشعر بها كل دارس للفلسفه ومحلق في فضاءات الفكر الانساني وآفاقه، ولكن للأسف هذه المتعه لا تدوم بالنسبة للكثيرين منا حيث ما تلبث أن تصطادنا صراعات الحياة اليوميه وضرورات الوجود الفيزيائي في هذا العالم، وتسرقنا من قمم الفكر وهضابه الى سوق العالم اليومي الاقتصاديه والكفاح من اجل لقمة العيش.

كثيرا منا قد إختبر مرحلة ما من حياته عندما كانت الحقيقه المجرده الخالده بالنسبه له أكثر مجدا من سبل هذا العالم الفانيه، وكثيرا منا قد شعر يوما ما بعد التدقيق في حياته المعاشه بان هذه الحياة اليوميه العاديه التي يعيشها ليست سوى إلغاء للذات، ولطالما سمعنا صوتا خجولا خافتا من داخلنا في ساعات تأملنا الطويله ينادينا : إن لهذه الحياه معنى، ومعنى مهم، ولطالما شعرنا أن كل محاولاتنا اليائسه لترجمة معنى هذه الحياة في مأكلنا ومشربنا ومتعنا الحسيه ليست إلا ضرب من ضروب العبثيه الممله.

ما من شك إن في داخلنا كبشر شيئا ما مهما، شيئا جوهريا وأساسيا نريد ان نحدده، وأرواحنا الهائمه في هذا الكايوس الداخلي والخارجي تائقه لأن تفك مغالقه، نحن نريد ان نفهم أكثر وأكثر فالمعرفه جوهر وجودنا، نحن نريد إجابات واضحه على تساؤلات موجعه تعصف بنا كيانيا وتهزنا وجوديا ، إن فينا شيئا غريبا يشبه مثيا في الأخوه كارامازوف عندما يقول: أنا واحد من هؤلاء الذين لا يريدون الملايين ولكن إجابات على تساؤلاتهم.

اننا دائما بحاجه الى أن نحدد قيمه الأشياء التي تمر بنا وتفرض نفسها على وجودنا، اننا بحاجه الى أن نعرف إن الأمور العظيمه عظيمه والأمور التافهه تافهه قبل ان يفوت الاوان ويكون قطار حياتنا قد عبر، إننا نريد أن نرى الأمور في جوهرها الابدي وفي كليتها، عل ذلك ينصرنا على آلامنا وبؤسنا وشقائنا، وحدها الفلسفه تعلمنا الجوهري والأساسي والكلي، وحدها تعلمنا كيف نبتسم في وجه النوائب مهما عظمت، وحدها الفلسفه تعلمنا كيف نبتسم حتى امام وجه الموت وفي سكراته. إننا نريد ان نكون كاملين و عليه نحن محتاجون كبشر لأن ننظم طاقاتنا وجهودنا حتى لا تذهب هدرا أو تأتي وبالا علينا وتدمرنا، وتنظيم طاقاتنا لا يأتي إلا عن طريق فحص رغباتنا وشهواتنا باستمرار ووضعها تحت المجهر ومحاوله خلق إنسجام وتوافق بينها، وهنا تكمن حكمة الفيلسوف، ان تنظيم طاقات البشر هي الغايه النهائيه دائما في فروع الفلسفه المختلفه، في السياسه والاخلاق و في المنطق والدين.

يقول ثورو: حتى تكون فيلسوفا لايكفي ان تكون لديك أفكارا حاذقه وذهنا حادا أو أن تكون مبتكرا لنظريه جديده أو تابعا لمدرسه فلسفيه، ولكن عليك ان تكون محبا للحكمه ما حييت وتعيش وفقا لمشورتها، كن محبا للحكمه وحينها ستجد نفسك بسيطا وشهما ومستقلا وأهلا لثقة الجميع.

كما يقول فرنسيس بيكون: أطلب أولا الأشياء الجيده لعقلك والأشياء الأخرى إما ستاتي من تلقاء نفسها أو إنك لن تشعر بخسارتها، ان الحقيقه لن تجعلنا أثرياء ولكنها ستجعلنا أحرارا.

قد يتصيدنا أحدهم هنا بان في هذا قعود وركود، وأن الفلسفه من حيث كونها حكمه هي كالقناعه هامده قاتله للحركه والطموح البشري، أضف الى ذلك ما يقوله البعض عنها بأنها كلعبة الشطرنج، مجهود عقلي كبير يذهب هدرا ولا فائده ترتجى منها في نهايه المطاف، فهي ستظل غامضه ومبهمه ومحيره للعقل كما هو الجهل، يقول سيسرو : لا يوجد شيئا في هذا العالم أسخف مما قد تجده في كتب الفلسفه.

سؤال مهم يتبادر الى الذهن: هل الفلسفه راكده غامضه عديمة الفائده؟ صحيح أنه وعند وضعها في الميزان مع العلم يبدو هذا الأخير في تقدم دائم فيما تبدو الفلسفه دائما في تراجع و خاسره لمواقعها، ولكن هذا فقط لأن الفلسفه تأخذ على عاتقها المهمه الصعبه والخطره ألا وهي التعامل مع قضايا مجهوله مبهمه محيره ليست مفتوحه بعد أمام العلم، قضايا كالخير والشر، الجمال والقباحه، الحريه والنظام، الحياة والموت. ومؤسف حقيقة ان يكون قدر الفلسفه التراجع امام العلم والإنسحاب، فالحقيقه أنه ما ان يخضع مجال البحث الفلسفي لمعادلات محدده مستتنتجه بالتجريب وحقائق واضحه مسجله بالمشاهده حتى يدخل العلم ويتولى زمام البحث طاردا الفلسفه وناهيا دورها.

ولكن مع كل هذا فإن كل علم لا بد ان يبتدأ بفلسفه، حيث أنه لا بد ان يبدأ بنظريه دائما و من ثم يتحول بعد ذلك الى إنجاز وشيء مجسم، واقع الامر إن الفلسفه هي أم كل العلوم، لأنها النظريه دائما، إنها التفسير او التأويل النظري للمجهول تماما وغير المعلوم بشكل كلي كما في الميتافيزيق، أو للمعلوم بشكل جزئي كما في الأخلاق والسياسه.

إن الفلسفه هي الخندق الاول في مواجهة المجهول، أما العلم فهو الاراضي المحرره التي حررها هذا الإنسان التائق الى المعرفه، وخلف تلك الاراضي المحرره تقع المناطق الآمنه حيث يبني الجنس البشري بالمعرفه والفن هذا العالم الرائع والغير كامل.

إن الفلسفه تبدو جامده ومربكه ومحيره فقط لأنها تترك ثمار نصرها طوعا لبناتها فروع العلوم المختلفه اما هي نفسها فتفضل الرحيل دائما مكتفية بذاتها الساميه نحو الخطر، نحو المجهول وغير المكتشف.

حتى نكون تقنيين أكثر إن العلم هو شرح تحليلي عملي للمدرك بالحواس، الفلسفه هي وصف تركيبي نظري للمدركات في كليتها، العلم يريد أن يحلل ويفكك الكل الى أجزاء والنظام العضوي الى أعضاء والمجهول الى معلوم، إنه لا يسأل عن قيمه المدركات وغير مهتم بنموذجها المثالي المحتمل ولا بأهميتها من منظور كلي، إنه يضيق نظرته لتكون حاده اكثر في طبيعة الاشياء كما هي. إنه نزيه ومتجرد كما هي الطبيعه في شعر تارجينيف لا تميز ولا تفرق بين قدم البعوضه ونوبات الالم والجنون التي تضرب عبقري.

أما الفيلسوف فلا يكتفي بشرح الحقيقه بل هو مهتم بقيمه هذه الحقيقه ومعناها وعلاقتها بالتجربه البشريه ، إنه يجمع المشاهدات الكونيه التي سبق وأن جزئها العالم الفضولي بلا رحمة أو شفقه ويحاول ان يركبها بشكل افضل مما كانت عليه سابقا، انه عكس العالم تماما فالعالم يعرف أكثر وأكثر عن ما هو أصغر وأصغر أما الفيلسوف فيعرف أقل وأقل عن ما هو أعضم وأعضم، العلم يعلمنا بمعادلات كيف نشفي وكيف نقتل ، يقلل معدل الوفيات بالمفرق في اوقات السلم ويقتلنا بالجمله في اوقات الحرب، وحدها الحكمه اي العواطف والرغبات المنظمه في ضوء التجربه تعلمنا متى نشفي ومتى نقتل. ان تشاهد الظاهره وتخترع الوسيله هو العلم، أن تنتقد الظاهره وتحاكمها وتنظم الظواهر في نهاياتها هي الفلسفه. إن العلم بدون فلسفه هو حقائق بلا منظور أو قيمه. العلم يعطينا الحقيقه أما الفلسفه فتعطينا الحكمه.

ان دراسة الفلسفه هي واقع الامر دراسة للمنظور أو للنموذج المثالي للأشياء، ويمكن ملاحظة ذلك في فروعها الخمسه، المنطق الجمال الأخلاق السياسه والميتافيزيك. فبالنسبة للمنطق هو دراسة النموذج المثالي في البحث والتفكير، الملاحظه والإستبطان، الإستقراء والإستدلال، النظريه والتجربه، التحليل والتركيب، كل هذا يدخل ضمن سياق بحث المنطق، والمنطق هو من اهم فروع الفلسفه حيث إن أي تطور بشري كان سببه تطور في أسلوب أو نموذج البحث والتفكير. أما دراسه الجمال فهي دراسة النموذج المثالي المحتمل للشكل أو للصيغه، واقع الامر ان فلسفه الجمال هي فلسفة الفن، أما دراسة الفرع الثالث ألا وهو الأخلاق فهي دراسة النموذج المثالي المحتمل للسلوك البشري، يقول سقراط إن أعضم أنواع المعرفه هي معرفة الخير والشر أو معرفه الحكمة من هذه الحياة، وبالنسبه لدراسة السياسه فهي تتمحور حول دراسة النموذج المثالي للتنظيم الاجتماعي، الملكيات، الأرستقراطيات الديمقراطيات الإشتراكيات الفوضويات، كل هذه نماذج مثاليه محتمله لدارس السياسه، وأخيرا الميتافيزيق وهنا توجد مشكله لدارس الفلسفه، فالميتافيزيك لاتشبه باقي فروع الفلسفه من حيث كونها محاوله لتنظيم الواقع والمدرك في ضوء المثال او النموذج أو المنظور المثالي، بل هي دراسه للحقيقه المطلقه في كل الاشياء وكل المدركات، في الماده وطبيعتها النهائيه (الانطولجي)، في العقل (السيكولوجي)، أو في العلاقه بين الماده والعقل في عمليه إنتاج المعرفه (الابستمولوجي).

هذه هي فروع الفلسفه بالنسبة لدارسيها، ولكن الفلسفه عندما تصبح ممزقة الاوصال هكذا تفقد جماليتها ورونقها وسحرها، فعلينا أن ننشد الفلسفه بعيدا عن هذه التقسيمات الشكليه وهذا التجريد، ان الفلسفه تنشد كمسلك ومنهج حياة للعباقره والحكماء من بني البشر، و من هنا علينا أن لا نكتفي بدراسة الفلسفه ولكن علينا ايضا دراسة حياة الفلاسفه، فحتى نفهم الفلسفه علينا أن نقضي وقتا مهما مع قديسوا الفكر وشهداءه، فربما تشع أرواح هؤلاء العباقره وتلهمنا لنشاطرهم ما سماه ليوناردو سعاده الفهم، حيث إن كل من هؤلاء الفلاسفه لديه شيئا ما يقوله لنا اذا اقتربنا منه بالشكل المناسب.

يقول أمرسون : هل تعلم ما هو سر طالب المعرفه الحقيقي؟ في كل رجل هناك شيء يمكنني أن أتعلمه منه، ومن هنا فسر المعرفه الحقيقيه يكمن في أن تكون تلميذ الجميع، حتما من السهل علينا أن نكون تلاميذ الفلاسفه ومثل هكذا أساطين للفكر بدون ان يجرح ذلك كبريائنا، واقع الامر ان الرجال العظماء يخاطبوننا فقط إذا كان لدينا آذان وأرواح لسماعهم.

نحن أيضا أختبرنا التجارب التي مر بها هؤلاء الفلاسفه وربما اعظم منها، ولكن الفرق أننا لم نستخلص من هذه التجارب معانيها الجوهريه والأساسيه كما فعل أولاءك العباقره، لقد إفتقدنا تلك الحساسيه المرهفه الموجوده لديهم لتلك النغمة الكونيه التوافقيه للحقيقه عندما همهمت في آذاننا، العباقره يسمعون هذه النغمه التوافقيه جيدا ويفهمون موسيقا الفضاء .الفلاسفه يفهمون ما قاله فيثاغورس عن الفلسفه بانها تلك الموسيقا الكونيه العظيمه.

إذن دعونا نقرأ لهؤلاء الرجال غافرين لهم أخطائهم متى أخطأوا، وبشغف يشبه شغفهم لتعليم الناس، يقول سقراط الكهل لكريتو: هل لك ان تكون مسؤولا؟ كن إذا غير مهتم بالفلاسفه إذا كانوا صالحين أو طالحين، فكر بالفلسفه نفسها، إفحصها جيدا، إفحصها بصدق، فإذا كانت شرا، إعمل جاهدا لأن تصرف الناس عنها، أما إذا كانت ما أعتقده أنا أنها تكون، إتبعها وكن خادما لها وأهتف لها وإبتهج بها.

ترجمه من الطبعه الإنجليزيه لمقدمة كتاب قصة الفلسفه لويل ديورانت





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,011,888,161
- الأخلاق والسياسه
- عمانوئيل كانت.......... منقذ العلم من الشك ومنقذ الدين من ال ...
- المرأه والسياسه
- العنف والسياسه
- الثقافه والسياسه
- الرجل المعاصر وهستيريا الرجوله(1 من 2)_ أرحموا هذا الرجل
- ملاحظات حول العلمانيه
- الرجل المعاصر وهستيريا الرجوله (2من2)
- المرأه المعاصره وهيستيريا الجمال
- العداله بين المثال الأفلاطوني والممارسه الليبراليه
- القوه والسياسه
- الديمقراطيه متى وأين كيف ولماذا
- قراءه في رسالة سبينوزا السياسيه


المزيد.....




- مزاعم بـ-سرقة- أعضاء سائح بريطاني في الغردقة.. ومصر ترد
- مشهور؟ ذو نفوذ؟ لن يمنع ذلك اختفائك تحت سلطة جين بينغ بالصين ...
- ترامب يبحث مقتل خاشقجي مع ماكرون ويتفق مع أردوغان على -وجوب ...
- مزاعم بـ-سرقة- أعضاء سائح بريطاني في الغردقة.. ومصر ترد
- -سفاح كيرتش- أحرق ممتلكاته الشخصية قبل تنفيذ جريمته البشعة
- أردوغان وترامب يشددان على ضرورة كشف كل ملابسات وفاة خاشقجي
- أردوغان وترامب يشددان على ضرورة كشف كل ملابسات وفاة خاشقجي
- كندا تضغط بالسلاح على السعودية
- اليابان تراقب بحذر شديد انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ
- ترامب مستمر بعناده للصين


المزيد.....

- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سومر الياس - كيف نستخدم الفلسفه