أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صادق إطيمش - العنف بين المؤسس والمُنفذ















المزيد.....

العنف بين المؤسس والمُنفذ


صادق إطيمش
الحوار المتمدن-العدد: 5725 - 2017 / 12 / 12 - 00:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


العنف بين المؤسس والمُنفذ
تناول السيد الفاضل انور الموسوي ، مشكوراً ، مواضيع كتابي الأخير المعنون " العنف في الأديان " ، بقلم الناقد العلمي الموضوعي الذي ساهم في توضيح فكرة الكتاب واستجلاء ما لم يأخذ ما يكفي من الطرح في بعض النصوص المطروحة فيه. ويسعدني جداً طرح الكاتب القدير بعض الأفكار التي لم يتفق معي في طرحها والتي احاول مناقشتها الآن بما اقدر عليه من الطرح التوضيحي الذي قد يساعد على تبني الطرح المؤهل فعلاً لهذا الموضوع او ذاك . وقد يزيد في هذا التوضيح مساهمة الآخرين والإدلاء بآراءهم التي لابد لها وان توسع من مدارك المتحاوريين وتغني لغة تبادل الرأي التي نحن بامس الحاجة لها اليوم.
الطروحات العلمية الرصينة التي تفضل بها السيد الموسوي لا يرقى اليها الشك في موضوعيتها وعمق محتواها الذي تناول كثيراً من المواضيع التي لا اختلف معه فيها. إلا انني ارى في نفس الوقت ضرورة تطرقي ، ببعض الإسهاب ، في البعض الآخر من الأطروحات التي اختلف معي السيد الموسوي في معالجتها ، وبقدر ما يسعدني هذا الطرح المختلف الذي اكن له كل الإحترام والتقدير ، يسعدني ايضاً ان السيد الموسوي فسح لي المجال لأبداء الرأي والتواصل معه في الحوار الذي لابد وان نتعلم منه جميعاً.
الموضوعة الأولى تتعلق بمفهوم العلمانية الديمقراطية شكلاً ومضموناً . فمن ناحية الصياغة اللغوية يرى السيد الموسوي إضافة صفة المشروطية التي يراها بانها تحد من الطابع الشمولي الذي يراه في العلمانية الديمقراطية . ومن ناحية المضمون ، فالسيد الموسوي يعتقد ، بإن العلمانية سبق وان مارسها لادينيون ايضاً ووظفوها لقمع الآخر المختلف حتى في تلك الدول التي فصلت الدين عن الدولة ، لذلك لا يمكن اعتبارها كحل مطلق ، خاصة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية .
فيما يتعلق بالنقطة الأولى فإنني اعتقد بان الفكر الذي تبني مصطلح العلمانية الديمقراطية قد اخذ بعين الإعتبار مسألة الشمولية التي تفضل بطرحها السيد الموسوي حينما تبنت بعض المجتمعات مبدأ العلمانية الذي اقتصر على فصل الدين عن الدولة فقط دون ممارسة الحقوق الأخرى المترتبة على هذا الفصل، وهنا ندخل مباشرة في النقطة الثانية المتعلقة بالمضمون العلماني الذي ينشد هذا الفصل بالتأكيد ، إلا ان الأبحاث والدراسات العلمية الحديثة اثبتت بما لا يقبل الشك بأن هذا الفصل لا يمكن عزله عن الأنسنة التي تشكل جوهره. فالعلمانية التي تقر باحترام جميع المعتقدات الدينية التي يجب ان ترعاها الدولة وتحافط عليها وعلى ممارسات تابعيها ، لا يمكن فصلها عن احترام المعتقدات الأخرى كالسياسية او الثقافية او المنطلقات الفكرية الإقتصادية والإصطفافات الإجتماعية التي تتبلور عبر تطور المجتمعات على اختلافها . كما اثبتت هذه الدراسات الحديثة حول العلمانية بانها لا تنطلق من مبدأ الأقلية او الأكثرية في مجتمع ما ، بل انها تنطلق من الوجود الإنساني ، حتى وإن كان هذا الوجود يمثل شخصاً واحداً في المجتمع . وهذا يعني تثبيت لوائح حقوق الإنسان ضمن العملية السائدة في تأسيس الدولة والتي تقرر صيرورتها في جميع هذه المجالات التي تمس كل فرد من افراد المجتمع . وعلى هذا الأساس ارتبط المفهوم الحديث للعلمانية بالديمقراطية ، إنطلاقاً من تلك الفكرة التي تفضل السيد الموسوي بطرحها والتي اكدت ، وبكامل الدقة ، على ممارسة الشمولية من اولئك العلمانيين الدكتاتوريين وانظمتهم الشمولية التي تطرقت لها في كتابي اعلاه . ومع هذا فإنني لاأؤمن بالإطلاق ابداً . وإن نسبية تبني العلمانية تنطلق من قناعتي التامة بتطور الفكر الإنساني الذي لا حدود له . واستناداً إلى ذلك اعرج على ما تفضل به السيد الموسوي ، مختلفاً معه في المقارنة التي وضعها بين العلمانية والديمقراطية " التي وقع فيها الشعب في فهم الديمقراطية وآلياتها بعد عام 2004 " واعتقد بان السيد الموسوي يعني الشعب العراقي بذلك . لا اعتقد شخصياً بممارسة الديمقراطية في اي ظرف من الظروف التي مر بها العراق ، خاصة بعد الإدعاء بممارستها بعد القضاء على دكتاتورية البعث ونظامها المقيت . فإن كان المسؤولون في السلطة العراقية وكل احزابهم الحاكمة قد انطلقوا من اجراء استفتاءً ومن ثم انتخابات متكررة وبكل ما رافقها من تساؤلات لوصف نظامهم الجديد بالنظام الديمقراطي ، فذلك وهم كبير على ما اعتقد . الإنتخابات وحدها ، حتى وإن كانت نزيهة فعلاً ، فانها لا تعكس المفهوم العلمي للديمقراطية الذي يعني اكثر من ذلك بكثير . وقد طرحت في كتابي اعلاه دولة اسرائيل كمثل على ذلك .
كما تبنى السيد الموسوي مسألة حداثة الدولة المدنية في العراق والتي اعتبرها لا زالت فتية. وهنا استميحه عذراً إن خالفته الرأي في هذا الطرح . قد نختلف في تعريفنا للدولة المدنية التي اراها تشكل تعبيراً عن الدولة العلمانية إلا انها صيغت بصياغة لغوية اخرى . فالدولة المدنية تعني دولة المؤسسات لا دولة الأحزاب . والدولة المدنية تعني دولة القضاء المؤسسي لا القضاء العشائري. والدولة المدنية تعني دولة المواطن الفرد بغض النظر عن انتماءه القومي او الديني او العشائري او المناطقي او الحزبي. والدولة المدنية تعني تفعيل مؤسسات الدولة بما ينسجم والتطور الذي يعيشه المواطن داخلياً ومناطقياً وعالمياً . اي باختصار الدولة المدنية هي دولة القانون وهي الدولة التي لا يعاني فيها الفرد المواطن ، اي فرد ، من اي نوع من انواع التمايز او القمع او الملاحقة او الخوف ، والتي يمارس فيها حقوقه ويقوم بواجباته بما تخطط له قوانين هذه الدولة التي تقرها مؤسساتها . ومثل هذه الدولة لا يمكنها ان تكون إلا الدولة العلمانية الديمقراطية ، لا كما عرَّف احد منتسبي الأحزاب الحاكمة في العراق الدولة المدنية بانها " الدولة التي لا يحكم فيها العسكر" .
اما النقطة الأخرى التي طرحها السيد الموسوي فتتعلق بعدم موافقته على ربط العنف بالدين على اساس ان العنف هو طبيعة بشرية يجري من خلالها استغلال الدين ، ولا يمكن ربط الدين ، على هذا الأساس، بالعنف . وهنا ايضاً اختلف مع اطروحة الكاتب الفاضل السيد الموسوي منطلقاً من فرضيتّي تأسيس العنف وتنفيذه .
صحيح جداً ، وكما طرح السيد الموسوي ، ان العنف يتجلى في الطبيعة البشرية القادرة على التأسيس للعنف وممارسته في آن واحد . إلا ان هذا النوع من العنف يخلق له البشر ، الذي يروم تنفيذه ، كثيراً من المبررات ويهيئ له مسبقاً كثيراً من الأسباب التي يوظفها كحلول لابد منها للتغلب على ما يختلقه من ازمات سياسية او اقتصادية او اجتماعية او حتى ثقافية ، إنطلاقاً من نظرية السلفية الغربية التي مثلها صموئيل هنتنكون في كتابه صراع الحضارات ، او كل هذه الأسباب مجتمعة . اما العنف الديني فيمكن ان يشكل جانباً منه هذا النوع من العنف البشري الذي يؤسس له وينفذه الإنسان ، او ان يكون عنفاً آخراً ، وهذا ما حاولت التطرق اليه في كتابي اعلاه ، الذي يعمل فيه الإنسان لممارسة العنف الذي لم يؤسس له هو بنفسه ، بل تلقى تأسيسه جاهزاً عبر نصوص لم يضعها هو ولا حول ولا قوة له في وجودها ، بل اعتبرها نصوصاً إلهية غير قابلة للنقض او التجاهل ، خاصة اذا تضمنتها كتب ذات مصدر ايماني مطلق يتبنى الحقيقة المطلقة ، كما هو الحال في الإيمان اللاهوتي . وانطلاقاً من هذا المفهوم للعنف في الأديان حرصت على التعامل مع نصوص الكتب المقدسة للأديان التوحيدية الثلاثة ، اليهودية والمسيحية والإسلام ، وليس مع اية نصوص سلفية اخرى قد توضع موضع الشك او التساؤل او حتى النفي احياناً. لذلك فإن التاسيس لمثل هذا العنف هو تاسيس ايماني ينطلق من الحق المطلق لممارسة هذا العنف ، لا بل من الواجب الإيماني ممارسته من قبل الإنسان المؤمن بإلوهية هذا النص الذي يدور مع الحق دوماً. ومن هنا يمكننا القول ، على ما اعتقد ، بان هذا النوع من النص الديني هو المؤسس للعنف ، اي انه عنف الهي مقدس ، اما المُنفذ له فهو الإنسان الذي يؤمن بهذا المقدس ايماناً مطلقاً . من الطبيعي ان لا يعترف اي انسان يوظف عقله بفكرة المطلق ، خاصة ذلك المطلق الديني ، إلا ان مثل هذا الإيمان منتشر في مجتمعاتنا ، بل ويشكل اوسع قاعدة جماهيرية سواءً كان ذلك عن فهم حقيقي للدين او عن جهل في كثير من اركانه ، وسواءً كان هذا الإيمان عن قناعة عقائدية او عن عاطفة فطرية .
لذلك فإنني لا ارى ظيراً في ربط الدين بالعنف باعتبار ان النص الديني الذي يقدسه المؤمن قد اسس لهذا العنف وإن هذا التاسيس لابد له من تنفيذ ، وإلا لأصبح وجود هذا النص لا معنى له ، وإن المنفذ في هذه الحالة هو الإنسان بكل تاكيد . وقد اقترحت التعامل بعقلانية مع مثل هذه النصوص ، كما تعامل مع مثلها الأولون او كما يجري التعامل مع البعض الآخر اليوم ، بالرغم من قدسية هذه النصوص ومن وجودها الذي قد تنطبق عليه المقولة الفقهية الإسلامية القاءلة ببقاء النص ونسخ الفعل ، كما هو الحال مع نص المؤلفة قلوبهم مثلاً الذي الغاه الخليفة الثاني ، او نص تعدد الزوجات ، حتى بفهمه الخاطئ او الخطأ المتعمَد من قبل كثير من المسلمين ، الذي الغته قوانين بعض المجتمعات الإسلامية ،وغير ذلك الكثير المتعلق بالإمات او ملك اليمين او الجزية وما شابه.
مرة اخرى اناشد المهتمين بهذا الأمر ان يشاركونا النقاش والحوار في امور كهذه قد نساهم في مناقشتها ومحاولة توضيحها ، مع اختلاف اراءنا فيها ، بمساعدة مجتمعاتنا بوضع الخطوة الأولى على طريق الحداثة ، الطريق نحو تحقيق العدالة الإجتماعية وضمان حقوق الإنسان ، كل انسان .
الدكتور صادق إطيمش





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,056,563,432
- تكفيريون بلا حدود ... حسن الشمري مثالاً
- كاتلونيا ... كوردستان ... اوجالان
- صراع الديكة ونتف ريش الشعب
- اعداء الشعوب ..... اعداء الأوطان
- حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يتجزأ ولا يُهادِن
- وِجهة نظر ...
- مِحَنُ العقل
- هل من امل في تقويم الاحزاب الإسلامية ... ؟
- يرونها صحوة واراها كبوة
- ألأحزاب الإسلامية : معادن صدأت واراق احترقت
- صادق البلادي ... نجم هوى وبريقه يتألق
- الحكومة بالأمس واليوم
- عيدنا ... وعيد الحكومة
- مع الشيخ عامر الكفيشي وجهاً لوجه القسم الثالث والأخير
- مع الشيخ عامر الكفيشي وجهاً لوجه | القسم الثاني
- مع الشيخ عامر الكفيشي وجهاً لوجه
- العصامية والإرتجال لم ينصفهما الفلم عن الشاعر خالد الشطري
- العلمانية هي الحل
- الإحتضار في زمن الإنتظار القسم الخامس والأخير
- الإحتضار في زمن ألإنتظار القسم الرابع


المزيد.....




- التكلفة المالية للمؤتمر العام للحركة الإسلامية تجاوزت ال100 ...
- مسلمون ويهود يطبخون حساء الدجاج
- ترامب يتهم أميرالا أمريكيا متقاعدا بالتباطؤ في القضاء على بن ...
- مرشح لزعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بألمانيا يكشف عن ...
- صدمة ورعب بعد صراخ شخص بالتحية النازية في حفل لليهود
- مرصد الإفتاء المصري: -داعش- نفذ 3 عمليات وزعم أنها 67 خلال أ ...
- أنباء وشائعات قرار السفير السعودي بشأن أجراس الكنائس يثير ال ...
- شاهد.. ترامب يهاجم الأدميرال الذي قاد مداهمة أسامة بن لادن
- حكومة نتنياهو في ربع الساعة الأخير بانتظار انسحاب -البيت ال ...
- الجيش السوري يتقدم في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية جنوبي شر ...


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صادق إطيمش - العنف بين المؤسس والمُنفذ