أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عادل زكي - بصدد الديالكتيك















المزيد.....

بصدد الديالكتيك


محمد عادل زكي

الحوار المتمدن-العدد: 5646 - 2017 / 9 / 21 - 05:15
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


حينما نتدبر الحياة من حولنا (على صعيد الأفكار والأشياء) بجميع ظاهراتها، بما تتضمنه من ظواهر النشاط الاقتصادي، سنجد أنها نتاج تناقض.(1) تناقض في صيرورة دائمة. الحياة والموت. النور والظلام. الخير والشر. الموجب والسالب. الفعل ورد الفعل. الوجود والعدم. الإنتاج والاستهلاك،... إلخ، كلها أطراف متناقضة. وطرفا التناقض يمثلان في ذاتهما، معاً، وحدة واحدة؛ فوجود أحد أطراف التناقض يستلزم بالضرورة وجود الطرف الآخر؛ إذ يفقد كل طرف شرط وجوده إذا انعدم الطرف الآخر الَّذي يناقضه. فلا حياة بلا موت. ولا نور بغير ظلام. ولا خير دون شر... إلخ. ومن خلال هذا التناقض تستمر الحياة وتأخذ في التطور.
والتناقض:
- لا يكون دائماً بين أضداد ثابتة؛
- أو بين أضداد متكافئة؛
- كما لا يكون دوماً بنفس الحدّة؛
- وهو أخيراً في صيروة دائمة.
فهو، أولاً، لا يكون دوماً بين أضداد ثابتة، أي لا يكون دائماً بين أقصى مستويات النور وأقصى مستويات الظلام، بل يكون بين درجات من النور ودرجات من الظلام. لا يكون دائماً بين أقصى مستويات الانتصار وأقصى مستويات الهزيمة. إنما يكون بين درجات من الانتصار ودرجات من الهزيمة. كما لا يكون بين الرأسمالية في قمة هيمنتها وعنفوانها وبين الطبقة العاملة في قمة نضجها الثوري فكراً وتنظيماً، إنما يكون بين مستويات مختلفة من هذا وذاك. وفي إطار هذا المبدأ يصبح ممكناً:
- بروز التحالفات بين الأضداد المختلفة؛ فيتحالف الرأسمال مع قوة العمل، على الرغم مما بينهما من تناقض، في مواجهة السلطة.
- تحول أحد أطراف التناقض، أو كلاهما، إلى نقيضه، فالعدل المطلق ظلم مطلق. والنور المطلق ظلام مطلق. والمفرط في الخداع والحيلة يخدع نفسه. والقوي الَّذي تشتد سطوته حتى تتوارى من أمامه أية قوة مضادة، يتهاوى في الضعف، ويحل عليه الموت. والرأسمالية كلما اشتدت قبضتها كلما تحول بعض الرأسماليين أنفسهم إلى عمال أجراء.
وهو، ثانياً، لا يكون دائماً بين أضداد تتمتع بنفس القدر من القوة وعين المدى من الهيمنة. فعلاقات التناقض، مثلاً، بين الرأسمال وقوة العمل ليست دائماً متكافئة أو دوماً متوازنة؛ بل قد يفرض الرأسمال سطوته تارة، وقد تبسط، ولو نظرياً، قوة العمل سيطرتها تارة أخرى.
وهو، ثالثاً، لا يكون دائماً بنفس الحدّة. فقد يهادن الرأسمال قوة العمل، أو العكس، في ظروف معينة. وقد يتعادى الطرفان ويقتتلان في ظروف أخرى.
وهو، أخيراً، لا يعرف التوقف. هو في صيرورة دائمة. فحينما يتوقف التناقض تتوقف الحياة ويسود الموت. فحينما ينتهي الضعف في مواجهة القوة. حينما تختفي مؤسسة الحكم في مواجهة المحكومين. حينما يتلاشى مَن يملكون في مواجهة مَن لا يملكون. حينما يختفي النور في مواجهة الظلام... إلخ، حينما يحدث ذلك فسوف تكف الحياة عن متابعة دورتها الملحمية الخالدة.
وعليه، يعلمنا التناقض التحليل الجدلي للظواهر ومن ثم يجنبنا النظرات الخطية والتفسيرات الميكانيكية للأشياء والأفكار، وبالتالي يمكنا من فهم الظاهرة، الَّتي برزت نتيجة هذا التناقض، بغية التعامل معها بذكاء وفعالية ابتداءً من التعرف، ولو الأولي، إلى مآل التناقض من جهة، والكشف عن القانون الموضوعي الَّذي يحكم حركة الظاهرة على الصعيد الاجتماعي من جهة أخرى.(2)





_________________________
(1) انظر:
A. Lalande, Vocabulaire Technique et Critique De la Philosophie (Paris: Librairie Félix Alcan, 1926), Vol 1, pp.94-5. Routledge Encyclopedia of philosophy,General Editor Edward Craig (London: Routledge,1998).Vol. III. Michael Inwood, A Hegel Dictionary (New Jersey: Blackwell Publishers), pp. 81-3. G.W.F. Hegel, Encyclopedia des Sciences philosophiques,Tome1, La science de la logique (Paris: Librairie Philosophique Vrin,1970). The philosophy of Right, Translated by Alan White (Indianapolis: Hackett publishing, 2002). Karl Friedrick, The philosophy of Hegel (New York: The Modern Library, 1953).Mctaggart, Studies in The Hegelian Dialectic (Cambridge: Cambridge University press, 1922).Bertrand Russell, A History Of Western Philosophy (New York: Simon & Schuster, 1972), pp730-46.
ولقد عبر ابن خلدون، وباقتدار شديد، عن التناقض بقوله:"ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال الحكمية الناس على دين الملك وأهل الملك أو السلطان إذ استولوا على الدولة والأمر فلابد من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذوا الكثير منها ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم مزجت من عوائدهم وعوائدها وخالفت أيضاً بعض الشيء وكانت للأولى أشد مخالفة ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه فلربما يسمع السامع كثيراً من أخبار الماضين ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها فيجريّها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كثيراً فيقع في مهواة من الغلط". للمزيد من التفصيل، انظر: ابن خلدون، المقدمة، ج1، ص258. وفي مفهوم التاريخ، كعلم، لدى ابن خلدون، انظر البحث المهم لمهدي عامل، في علمية الفكر الخلدوني (بيروت: دار الفارابي، 1985)، وفي طرح متجاوز، انظر: أطروحة محمد محمد أمزيان، منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية (هيرندن، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،1991)، بصفة خاصة الفصل الثاني من الباب الرابع.
(2) فتأرجحات الأثمان، ارتفاعاً وانخفاضاً، لا تتحدد بالطلب والعرض، كما يقولون للطلبة في الجامعات، إنما بالصراع بين فئة عريضة، اجتماعياً، من الطالبين وفئة عريضة، اجتماعياً، من العارضين. وتأرجحات الأجور، ارتفاعاً وانخفاضاً، لا تتحدد بقرار حكومي أو برغبة الرأسمالي، كما يبدو ظاهرياً، بل تتحدد بالصراع بين الرأسماليين والعمال، تحت ظروف محددة بالصراع بين الرأسماليين نفسهم من جهة، وبين العمال ذاتهم من جهة أخرى. والثمن الاحتكاري، الذي يتبدى ظاهرياً كثمن مُعطى ومفروض من قبل الرأسمال الاحتكاري، إنما يتحدد، ابتداءً من قانون التناقض، بالصراع بين الرأسمالي المحتكر وأثمان قوى الإنتاج من جهة، وبين الرأسمالي المحتكر والمستهلكين من جهة أخرى، وفي إطار من الصراع مع السلطة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,974,029
- نقد التبادل غير المتكافيء
- نقد نظرية ريكاردو في التبادل الدولي
- نقد الحضارة، للباحث محمد عبد الحق (ج 2)
- نقد التناقض
- نقد الحضارة، للباحث محمد عبد الحق
- بنية الصناعة العسكرية في إسرائيل للباحث أشرف بكر
- البلدان المتخلفة من هيمنة المستعمِر إلى قهر الدين الدولي، لل ...
- التبادل: النشأة والتطور والقانون الموضوعي
- بروميثيوس – والصانع الأعظم، للباحث محمد عبد الحق
- أزمة مقياس القيمة
- في فرضية التطور: مزيد من الشرح
- في فرضية التطور
- التطور: أزمة التصادم بين الدين والعلم
- كيف نفهم ما يحدث في السودان؟
- تجديد الإنتاج الاجتماعي: بالتطبيق على الفكر الاقتصادي لكارل ...
- حينما يناهض الإرهابيون الإرهاب !
- من الاستعمار إلى الاستغلال
- القروض الدولية وأحكام القانون الدولي العام
- تعليق موجز على قانون الاستثمار الجديد، بقلم الباحثة سحر حنفي ...
- ماركس: نقطة بدء لا خط نهاية


المزيد.....




- الجيش السوري يدخل -تل تمر- مقتربا حتى 20 كم من الحدود التركي ...
- الاحتفالات تعم تونس بعد ترجيح استطلاعات رأي فوز قيس سعيد في ...
- قيس سعيّد رئيسا جديدا لتونس بعد فوزه بأكثر من 75% على منافس ...
- مع توسع العملية التركية.. الوحدات الكردية تفتح مناطقها لقوات ...
- غارات ليلية لسلاح الجو السوري والروسي تدمر 3 مقرات للنصرة بر ...
- قيس سعيّد رئيسا جديدا لتونس بعد فوزه بأكثر من 75% على منافس ...
- العملية التركية في سوريا: الأكراد يتوصلون لاتفاق مع الجيش ال ...
- كيف تواجه التهاب الحلق لدى طفلك؟
- الانتخابات الرئاسية التونسية... الشعب اختار رئيسه الجديد بعد ...
- الإليزيه: فرنسا تتخذ إجراءات لسلامة قواتها في شمال سوريا


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عادل زكي - بصدد الديالكتيك