أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صلاح سليم علي - الشعوبيون وتاثيرهم على تدوين التاريخ العربي















المزيد.....

الشعوبيون وتاثيرهم على تدوين التاريخ العربي


صلاح سليم علي
(Salah Salim Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 5530 - 2017 / 5 / 24 - 23:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



تحتل الكتابة في موضوع الموالي والشعوبيين وتأثيرهم في تدوين التاريخ العربي حيزا كبيرا في الكتابات المعاصرة، وبخاصة تلك التي تعنى بالتاريخ الإسلامي وتدوينه وأبرز المؤرخين الذين ساهموا في تدوين التاريخ الإسلامي والعربي منذ عهد صدر الإسلام وحتى العصور الحديثة، ومن تلك الكتابات ماتم تكريسه على دور الكتاب الفرس ممن عرفوا بالشعوبيين على تدوين التاريخ الإسلامي..غير ان المكتبة العربية تفتقر الى الدراسات المماثلة على الرغم من اهميتها واسقاطاتها على الواقع الإسلامي والعربي على الصعد المعرفية والآيديولوجية والإجتماعية والسياسية، على ذلك تأتي الكتابة عنها باللغة العربية اقرب الى الترجمة منها الى التأليف، إلا ان اهتماماتي المبكرة بهذه المواضيع بحكم عملي في كلية الاداب في جامعة الموصل ومتابعتي لأطروحات زملائي من طلبة التاريخ الإسلامي ، وبخاصة مايتصل منها بتدوين التاريخ أذكت اهتماماتي بهذا الجانب الحيوي في تاريخنا وذلك لإن التاريخ الإسلامي وبالنتيجة تدوين هذا التاريخ يبدأ بالوحي وما يتصل به من مفاهيم كخلق آدم ما جعل التاريخ شموليا [عاما] يبدأ بخلق آدم.. ويتوقف كثيرا عند عصر الرسالة ليصبح تاريخا للسيرة النبوية وماتلى عصر الرسالة من حوادث اضفت الى التاريخ الإسلامي ابعادا سياسية انعكست على مواقف النخب التي اضطلعت بتدوين التاريخ ومن تلك النخب موالي العرب من الفرس الذين عكسوا بدورهم المناخ السياسي العام لعصرهم فضلا عن تعبيرهم عن قناعاتهم الشخصية والسياسية، وقد وجد هؤلاء الكتاب في تدوين التاريخ العربي منفذا للتعبير عن مواقفهم وقناعاتهم، وهذا يتضح بمقارنة النصوص المتصلة بالشخصيات المحورية في التاريخ الإسلامي باستثناء النبي وسيرته التي تتنحصر مصادرها على اسماء معينة كإبن إسحق وأبن هشام، أو بالحوادث المحورية كالفتنة الكبرى حول الخليفة الثالث ومعركتي الجمل وصفين..ويقينا فإن موضوعا بهذه الجسامة والإتساع والتشعب لايمكن ضغطه في إطار مقال ضيق بدون طرح تفاصيل غاية في الأهمية، لكن حسبي ان اكون لفت الإنتباه الى هذه القضية داعيا المهتمين الى متابعتها في مضانها القديمة والإنارة التي سلطتها عليها الدراسات الحديثة.
أول ما يلفت انتباهنا في هذا الصدد تنوع المراحل التي تمر بها الشخصيات المحورية ووظائفها التاريخية على عهد الرسالة والخلافة الراشدة، ذلك ان معظم تلك الشخصيات كان من صحابة الرسول وقلة منهم اصبح من خلفائه، ولم تكن الخلافة بالمسألة اليسيرة وذلك بسبب المفاضلات بين الصحابة، وهي مفاضلات اعتمدت على جملة من المعايير وليس على معيار واحد كالأسبقية في اعتناق الإسلام، وصلة القرابة بالنبي فضلا عن المكانة القبلية والمؤهلات الشخصية الى جانب البيعة اي قبول اعيان الصحابة للخليفة وذلك من خلال مجلس الشورى الذي يضم نخبة خاصة من المسلمين الأوائل من وجوه مكة ويثرب..وترتب عن الرسالة المحمدية تحولا جذريا في التراتيبية الإجتماعية من خلال هرمية جديدة الغت النظام القبلي أحادي التراتيبية بنظام إسلامي ثنائي التراتيبية أي زعامة دينية وزعامة سياسية يجسدهما النبي فالخلفاء الراشدين ..فكان الخليفة إماما في الوقت نفسه، غير ان هذه الأزدواجية سرعان ماتلاشت مع استيلاء الأمويين على السلطة [الخلافة] وتأسيسهم للنظام الملكي الوراثي على غرار الفرس والروم في الحاضرة الإسلامية حيث احتوت السلطة السياسية الوظيفة الدينية..إلا ان مفهوم الإمامة استمر مفهوما معنويا حتى بات منحصرا على آل البيت من أحفاد علي بن أبي طالب..وتضائلت اهميته مع مرور الزمن حتى صار يطلق على ائمة الجوامع وائمة الصلاة..

وتجدر الملاحظة ان المنظومة الهرمية التي اسسها الإسلام تتضمن بعد الزمن ايضا فبينما يقف النبي في قلب الهرم يتلوه اقربائه فالصحابة فالمهاجرين فالإنصار فالأحدث إسلاما، يعد زمن النبي الأفضل يتلوه عهد الخلفاء فالتابعين على القرن الهجري الأول فتابعي التابعين على القرن الهجري الثاني..أو بالأحرى النصف الأول من القرن الثاني الهجري..
وبقدر تعلق الأمر بتدوين التاريخ فإن اولى المدونات التي اتخذت شكل مغازي أو سير ظهر على عهد التابعين في القرن الأول للهجرة ككتاب المغازي المنسوب الى ابن شهاب الزهري وكان في بلاط عبد الملك بن مروان ويعد محدثا اكثر منه مؤرخا ..وابن اسحق وهو مولى نشأ في المدينة الف سيرة النبي المعروفة بسيرة ابن اسحق وهي مفقودة معلوماتنا عنها من سيرة ابن هشام التي نسخها عنه..وقد بدأ ابن اسحق بجمع مادتها بعد وفاة النبي بقرابة 120 سنة..

وكانت أولى المدونات التي تناولت تاريخ العرب قد ظهرت في الكوفة والبصرة خلال العقود الأخيرة من العهد الأموي ويعود اكثرها الى كتاب من الموالي او الى كتاب يشاطرون الموالي حقدهم على الأمويين ومناصرتهم لإعداء الأمويين كسيف بن عمر [ الذي اتهم بالزندقة]،وهشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي، وكلاهما مخضرم شهد انتقال الحكم من بني أمية الى بني العباس..وكلاهما يمثل الموقف الشيعي من بني امية ... وارجح ان كونهما من الكوفة التي شهدت اولى ثورات الموالي والخوارج والحركات الرافضة للسلطة الأموية يفسر تبنيهما لموقف معارض لبني أمية، وقد اعتمد المؤرخون في العهود التالية كثيرا في كتاباتهم على هذين الإخباريين ومعهم سيف بن عمر وابرزهم البلاذري، ومحمد بن جرير الطبري، والمسعودي، وياقوت الحموي وخليفة بن الخياط وابن الأثير وغيرهم..يضاف الى هذين المؤرخين الكوفيين، محمد عبد الله روزبه بن دادويه المعروف بإبن المقفع الذي عاش في البصرة ..وكان فارسيا مجوسيا اعتنق الإسلام بعد انتقاله الى البصرة وهو من الرواد الأوائل للحركة الشعوبية عاش خلال المرحلة الإنتقالية بين الحكمين الأموي والعباسي وكان معاصرا لعبد الحميد الكاتب الذي يشاطره موقفه السياسي وثقافته الفارسية، وكان ابن المقفع اتخذ ميدان الأدب طريقا الى الشهرة والكسب غير أنه كان معتدا برايه ساخرا باسلوبه يعتمد التورية في خطابه مما تسبب بوضعه تحت طائلة الزندقة وهي الصيغة المبكرة للشعوبية..فتسبب ذلك بقتله وبخاصة بعد تأليفه لكتاب مزدك كون المزدكية مرادف للمجوسية ..وتاثير ابن المقفع اوضح مايكون من خلال ترجمته لكتابين هما كليلة ودمنة وهزار افسانة الذي يعد نواة الف ليلة وليلة واسعة الإنتشار..

انتهت الدولة الأموية عام 132 للهجرة الموافقة لعام 750 ميلادية، وقد لعب الفرس دورا مهما في اسقاطها الأمر الذي جعل الخلفاء العباسيين يكافئونهم بالمناصب العليا في الدولة فعمد أبوالعباس السفاح الى دعوة خالد البرمكي مسؤول الدعوة العباسية في شرقي ايران الى بغداد، وعندما جاء ابوجعفر المنصور استوزر خالد البرمكي الذي صاحبه هذه المرة ابنه يحيى الى قصر الخلافة، ولعب دورا في الحفاظ على ولاية العهد الى المهدي في اخذ الولاية تلفيقا من عيسى بن موسى، وقام بالدور نفسه ابنه يحيى البرمكي عندما حال دون تولية الهادي ابنه بديلا لشقيقه هارون الرشيد..غير ان البرامكة لم ينسوا جذورهم الحضارية في آسيا، فعمدوا الى استقطاب الإهتمام وتركيز القوة بأيديهم وضمروا تأييدهم للطالبيين فضلا عن مساندتهم للكتاب الشعوبيين ما قاد مع اسباب أخرى الى نكبتهم الشهيرة على يد الخليفة هارون الرشيد..إلا أن نكبة البرامكة لم تمنع ظهور الحركة الشعوبية وتناميها..ولم تكن الحركة الشعوبية تنظيما سريا لأن الشعوبيين لم يعملوا في الخفاء او يخفوا مواقفهم مما دعى الكثير من الكتاب والمفكرين في عصرهم الى انتقادهم..ومن ابرز منتقديهم الزمخشري والتوحيدي والجاحظ وابن قتيبة الدينوري [كتاب الرد على الشعوبية] وغيرهم..

ومن ابرز الشعوبيين في العصر العباسي الأول أبوعبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 للهجرة وسهل بن هارون المتوفى في 215 للهجرة والهيثم بن عدي المتوفى في 207 للهجرة وعلان بن الحسن الوراق[علان الشعوبي]، ومن شعرائهم بشار بن برد وابو نواس ومهيار الدليمي وغيرهم..وقد اتخذت الشعوبية ثلاث وجهات أو مراحل في تطورها، أولها الدعوة الى المساواة بين العرب وغير العرب كالفرس والموالي [استنادا على القرآن "وجعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا" واطلق عليهم في هذه المرحلة تسمية اهل التسوية]، وثانيهما الدعوة الى عدم تفوق العرب وثالثهما النيل من العرب والزعم بأن الفرس أفضل من العرب وتضمنت المرحلتين الأخيرتين الحط من العرب وتتبع سقطاتهم ومثالبهم من العهود القديمة وحتى العصر العباسي أزاء الإعلاء من شأن الفرس وتمجيدهم.. وتبع هؤلاء الشعوبيون في ضلالاتهم وتضليلاتهم مؤرخون كبار في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي بقصد او من غير قصد ما عمق الشرخ الذي اوجدته الفتنة الكبرى في عصر صدر الإسلام، واضفى اليها بعدا آيديولوجيا..فعلى سبيل المثال عمد الشعوبيون الى تصوير عمر بن الخطاب على انه طاغية مستبدا في رايه غاصبا لحق علي بالخلافة، وبدلا من التاكيد على عثمان بكونه صحابيا للرسول وصهرا له اذ تزوج من ابنتي رسول الله رقية التي توفاها الله فتزوج ام كلثوم. وكرس ثروته في خدمة الإسلام وعمل على جمع القرآن..بدلا من كل ذلك يؤكدون على محاباته لبني امية واطلاق يده في بيت المال، اي على مرحلة خلافته فقط، وبالعكس نراهم في تناولهم للإمام علي يؤكدون على سيرته صحابيا ويتجاوزون جوانب مهمة من سيرته خليفة باستثناء التاكيد على الجوانب الخلافية..وقد اتبع المؤرخون الخطأ نفسه في تأكيد الجوانب الخلافية حتى تعددت الروايات التي تناولت معركتي الجمل وصفين، ولم تتناول سوى رواية واحدة او إثنتين تفاصيل حروب الردة..او معركتي ذات السلاسل والقادسية..وقد ادى هذا المنهج الى تعارض الصورة الدينية المصحوبة بالتقديس للصحابة ازاء الصورة السياسية المجردة من التقديس لهم كخلفاء، بل والتحيز في نقل صورة متكاملة لأصحاب رسول الله بصفتهم صحابة وخلفاء..بالتأكيد على الجوانب الورعية عند علي والجوانب الدنيوية او السياسية عند عثمان..وهنا لابد من الإشارة الى ان من الشعوبيين من انبثق من منشأ خارجي لدعوة الخوارج الى المساواة بين العبيد والأسياد في منصب الخلافة وفي توزيع الغننائم والأفياء..

وتتضح الصلة بين الفرس والشعوبية في تتبعنا لمهاد ابرز الشعوبيين فمعمر بن المثنى المكنى أبو عبيدة كان مولى فارسي لبني تميم الذين استوطنوا البصرة على عهد الخليفة العظيم عمر بن الخطاب، وقد ولد في بيئة من الموالي عام 110 هجرية على عهد هشام بن عبد الملك وشهد في شبابه الإضطرابات التي صاحبت انتقال الخلافة الى البيت العباسي، وقد تلقى تعليمه في البصرة حتى دعاه الخليفة هارون الرشيد الى بغداد ليقرأ عليه كتابه عن الخوارج من ضمن مجلد ضخم تناول فيه مثالب العرب والحوادث المحيطة بنتاجهم الأدبي والأنساب..وتطرق في كتابه الى حوادث تاريخية عديدة وبخاصة تاريخ القبائل العربية والخوارج والموالي وأيام العرب التي خصص لها كتابين هما كتاب الأيام الكبير وتضمن 1200 يوما من ايام العرب وكتاب الأيام الصغير الذي تضمن 75 يوما من أيام العرب..واعتمد المؤرخون في القرن الثالث الهجري على هذين الكتابين مصدرا لرواياتهم التاريخية..أما مصادره في الكتابة عن المرحلتين الجاهلية والإسلامية فتضمنت الروايات الشفهية لبني تميم في انحاء البصرة كما كتب في الأحاديث والقرآن واعتمد في رواياته على ابي عمر بن العلاء ويونس بن حبيب اضافة الى الروايات الشفهية لبدو البصرة. وقد توفي معمر بن المثنى عن عمر يناهز ال99 في عصر المأمون..وقد ذكر له ابن النديم في فهرسته 106 كتاب يتضح من عناوينها تنوع اهتمامات هذا الكاتب الشعوبي وسعة اطلاعه..ومن كتبه كتاب الجمل وصفين وكتاب فتوح الأهواز كما لم يخف نزعته الفارسية الواضحة في كتاب الموالي وكتاب فضائل الفرس..

ويحتل الهيثم بن عدي المكان الثاني في صدارة الحركة الشعوبية خلال العهد العباسي بعد أبي عبيدة، ولد في الكوفة عام 114 هجرية من اصول موالي في واسط باقليم كسكر وامه من سبايا منبج مما عمق فيه شعور البغض للتفاخر بالنسب وحفزه الى البحث في مثالب العرب، وتتماثل تجربته في حوادث التاريخ لتجربة معمر بن المثنى مع اختلاف مهم كونه نشأ في الكوفة [نلاحظ من خطط الكوفة لماسنيون الذي اعتمد على مصادر عربية قديمة أن حي الموالي او الحمراء يجاور حي القبائل اليمنية الشيعية وان الأخير يحتوي حي النجرانية اليهودي فيها]، وانتقل الى بغداد حيث سجن بسبب فضحه عيوبا للعباس بن عبد المطلب ولأن الأخير كان جد العباسيين وعم النبي، إلا انه اطلق سراحه ليعمل في التدريس وعاصر خلال اقامته في بغداد الخلفاء المنصور والمهدي والهادي والرشيد..وكان الهيثم بن عدي ضليعا بالإنساب عارفا بالأدب خبيرا بالتاريخ متخصصا بالحكمين الأموي والعباسي مطلعا على تفاصيل الولايات والولاة أتم اطلاع..تميز في ابتكاره لمنهجين جديدين في تدوين التاريخ والسير هما نظام التتابع الزمني او مايعرف بالتاريخ على السنين وهو الترتيب المنهجي الذي اعتمده خليفة بن الخياط والطبري وغيرهما من المؤرخين، ومنهج الطبقات من خلال كتابه طبقات الفقهاء المحدثين ويعتمد التوزيع الفئوي اعتمادا على مراحل ظهور الفقهاء وقد اعتمد هذا المنهج من بعده كما في كتاب الطبقات الكبرى لأبن سعد..كما نهل الهيثم بن عدي من الكتب المترجمة الى اللغة العربية من أصول فارسية ويونانية في رواياته التاريخية مما جعل من كتبه مصدرا رئيسا للبلاذري والمسعودي لأن المعلومات التي اوردها لاتوجد في اية مصادر أخرى..وقد اشار اليه الطبري في رواياته عن السيرة النبوية والخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية..وبالإضافة الى ابتكاراته المنهجية في تدوين التاريخ، عمل الهيثم بن عدي على استقدام مواضيع جديدة تعنى بالشؤون المدنية والقضاء والسياسة والجغرافية، حيث ابتكر موضوعة جغرافيا المدن او طوبوغرافيا المدن بتاليفه لكتاب خطط الكوفة [لا أثر له بل ذكره ابن النديم وهو غير كتاب خطط الكوفة للويس ماسنيون]، وهو كتاب رائد من نوعه يبدو ان الطبري أعتمد في معلوماته عن الكوفة عليه الى جانب اعتماده على كتاب لوط بن سالم الغامدي الأزدي في معلوماته عن الكوفة..وعلى الرغم من انتقاده مصدرا للحديث من قبل البخاري والسجستاني والنسائي [بفتح النون]، امتدح بصفته اخباريا ومؤرخا من قبل العديد ومنهم ابن حجر العسقلاني..وهو على الرغم من مادحيه ومنتقديه يعد مصدرا رئيسا للطبري والمسعودي وابن الأثير وغيرهم من المؤرخين..
ولابد من الإشارة الى ان المؤرخين الشعوبيين كانوا يتسمون بالشمولية بقدر تعلق الأمر بالإهتمامات المعرفية في عصرهم، يتضح ذلك من إحاطتهم بالأدب العربي وعلوم اللغة والصرف والبلاغة والكلام فضلا عن القرآن والحديث..وقد اعتمد الأصفهاني، اموي النسب شيعي الهوى، على جانب كبير من رواياتهم في مؤلفاته وابرزها كتاب الأغاني، وقد يأتي الفخر بالأصول الفارسية والحط من العرب على سبيل المجاز.. ففي رواية نسبها الجاحظ للهيثم بن عدي نقرأ الآتي: [ قال الهيثم بن عدي عن رجاله بينا (بينما) حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي يتذاكران أعاجيب الزمان وتغير الايام وهما في عرصة إيوان كسرى وكان أعرابي من غامد يرعى شويهات له نهارا فاذا كان الليل صيرهن
الى داخل العرصة وفي العرصة سرير رخام كان كسرى ربما جلس عليه فصعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى فقال سلمان ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي على سرير كسرى]..

بدهي ان المقاصد العنصرية والشعوبية واضحة جلية للعيان في هذه الرواية التي يبدو ان الهيثم قد ابتكرها ابتكارا لأن حذيفة بن اليمان جاء الى ولاية المدائن بعد استعفاء سلمان الفارسي الخليفة عمر بن الخطاب منها، فلايعقل انه مكث فيها للتسامر مع واليها الجديد الى جانب طاق كسرى [فكر ابوجعفر المنصور وبعده صدام حسين بإزالة هذا الطاق لرمزيته الى الفرس في الأراضي العراقية]..وقد تصل العنصرية بالشعوبيين حدا يقدموا فيه على الطعن بنساء الخلفاء العرب من بني امية كأن يبتكروا شخصية خيالية لاوجود لها في التاريخ وينسبوا اليها شعرا يعود الى عصرهم للتشكيك بزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك أم البنين..وتلك شخصية وضاح اليمن..

نخلص من ذلك الى أن جانبا كبيرا من الخلاف بين المسلمين في القرن الأول الميلادي لايعدو سوى محض افتراض واختلاق وبتعبير حيادي "مبالغة" لاتخلو من اسقاطات لاحقة تعكس قناعات العناصر الدخيلة والمعادية احيانا في الحاضرة العربية.. وأن الفرس والترك من بعدهم عمقوا الشرخ الطائفي المذهبي في الحاضرة العربية من خلال تحيز الفرس للشيعة وتحيز الترك بدءا بالسلاجقة فالأيوبيين للسنة..وأن مايعرف بالشعوبيين تركوا تشويهات عميقة لاتمحى بمرور الزمن على تدوين التاريخ العربي والذاكرة التاريخية للعرب بسبب اعتماد المؤرخين الكبار على مروياتهم ونسخها في متن كتبهم التاريخية المعتمدة في المناهج الدراسية في العديد من الجامعات والمراكز البحثية في العالم العربي..





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,813,202
- سورية ارض الحروب الدائمة
- حليب اللوز: رحلة في قصيدة [وتريات ليلية] لمظفر النواب
- احتلال الموصل عام 1918- جرترود بيل/ترجمة صلاح سليم علي
- الهوية والإحتلال
- شخصيات خيالية في تراثنا الشعبي
- عقدة الضحية بين التكفير والعنف-أيران نموذجا-
- من أيمار الى لاهاي
- شهرزاد والدب
- الرحالة سفين أندرز هدين وصورة الموصل خلال الحرب العالمية الأ ...
- تحولات مردوخ
- العنكبوت والذباب
- الجثة والطوطم:قراءة في قصة ربطة الأرجوان لأنور عبد العزيز
- أنساب وذباب
- شخصية ابن الموصل في ضوء الأمثال الشعبية الموصلية
- أبراج الكبد والأميرة النائمة


المزيد.....




- بدء تصويت المصريين بالخارج على تعديلات الدستور.. وجمعة يؤكد ...
- المغرب يقدم مساهمة مالية لترميم كاتدرائية نوتردام
- في صحيفة -آي-: حكومة العراق -تخلت عن- من ساعدوها في دحر تنظي ...
- الصين تهدم -المسجد الكبير-
- بعد تعيين جنرال للإشراف على الترميم... جدل بشأن برج كاتدرائي ...
- شاهد: البابا فرانسيس يغسل ويقبل أقدام سجناء في خميس العهد
- شاهد: البابا فرانسيس يغسل ويقبل أقدام سجناء في خميس العهد
- اعتقال رجل حاول الدخول إلى كاتدرائية القديس باتريك محملا بال ...
- اعتقال رجل حاول الدخول إلى كاتدرائية القديس باتريك محملا بال ...
- تقدمت بدعوى قضائية بالتحرش ضد مدير مدرستها الدينية فأحرقوها ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صلاح سليم علي - الشعوبيون وتاثيرهم على تدوين التاريخ العربي