أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - فارس تركي محمود - المجتمع العبيط














المزيد.....

المجتمع العبيط


فارس تركي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 5523 - 2017 / 5 / 17 - 21:28
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


لو قلنا أن مجتمعنا مجتمع عبيط فقد يغضب ويستاء البعض وقد يتهمنا البعض الآخر شتى الإتهامات ، وعلى الرغم من ذلك فإننا بالفعل نعيش في مجتمع عبيط ولأثبات ذلك لن ندخل في تحليلات عميقة ونظريات عويصة ولن نستخدم مصطلحات رنانة ، بل سنسوق مثلاً بسيطاً جداً وربما حتى تافهاً ولكنه كاشف وفاضح لعبطنا . المثل يتمحور حول مناداتنا الدائمة بضرورة قول الحق وتحري الصدق والصراحة في أقوالنا وتعاملاتنا ، فنحن دائماً وبشكل يومي تقريباً نوصي بعضنا بعضاً ونصدع رؤوس بعضنا بعضاً بأهمية الصراحة وقول الحق ، وبضرورة الإبتعاد عن الكذب والرياء والمداراة ، وأن لا تأخذنا في الحق لومة لائم كما نقول ونصرخ بصوتٍ عالٍ يتناسب ارتفاعه طردياً مع درجة سيطرة العبط علينا .
إذاً ووفقاً لذلك فإن قول الحق فضيلة والكذب والتملق رذيلة كما أفهمنا وعلمنا مجتمعنا ، جميل جداً فلنجرب إذاً قول الحق وتحري الصدق والصراحة من خلال حدث إفتراضي ولنرى ما الذي سيحصل . لا ريب أن كل واحدٍ منا لديه عدد من الإنتقادات والمآخذ على أخلاق وسلوكيات أشخاص بعينهم ، فلنفترض أن أحدنا - من تعيسي الحظ - أراد أن يتحدث عن تلك المآخذ والإنتقادات بشكل صريح فلن يكون أمامه سوى إتباع إحدى الطرق الآتية :
أولاً : الحديث مباشرة إلى الشخص موضع النقد أي أن تتحدث عن سلبيات وسيئات الشخص المعني أمامه مباشرة هل تعلم مالذي سيحصل ؟ بالتأكيد تعلمون ستقوم القيامة وتدق طبول الحرب وسيتهمك هذا الشخص ومعه المجتمع برمته وبكل عبطه بأنك وقح وعديم الذوق ولا تعرف بالأتاكيت وبأنك حسود حقود لدود كنود ويا رب يأكلك الدود . وستصبح في موقف والعياذ بالله لا تحسد عليه .
ثانياً : الحديث عن الشخص موضع النقد بغيابه أي أنك وبعد أن تبت عن إتباع الطريقة الأولى نتيجة لما حل بك تقرر أن تكون صريحاً ولكن بطريقة أخرى ، طريقة لا تجعل منك وقحاً حسوداً حقوداً فتتوكل على الله وتقرر إنتقاد الشخص نفسه ولكن بغيابه . وها أنا أراك بعين الخيال تجلس مع عدد من أعضاء مجتمعك العبيط وتبدأ بانتقاد سلبيات وسلوكيات ذلك الشخص الغير موجود بينكم ، هل تعلم ما الذي سيحصل لك ؟ بالتأكيد تعلم وأنا أعلم أنك تعلم وأنت تعلم أني أعلم أنكم تعلم . الذي سيحصل هو إتهامك باغتياب الآخرين والطعن فيهم بغيابهم ، وبأنك لا تجرؤ على مواجهة ذلك الشخص ولذلك تنتقده بغيابه ، وأن سلوكك هذا مخالف للدين والشرع والأخلاق ، وأن الجلوس معك لا يطاق ، وأنك سوف تذهب إلى النار لا محالة ووو . . . الخ .
ثالثا ً: إذاً ما العمل هل تصمت وتصبح شخص غير صريح والعياذ بالله ؟ لا لا هناك طريقة ثالثة لكنها تحتاج إلى شيء من الصبر ، وأن يطيل الله بعمرك حتى يصبح أطول من عمر الشخص الذي تريد إنتقاده ، فما أن يموت هذا الشخص حتى تصبح الفرصة مؤاتية لكي تقول رأيك فيه بصراحة بدون أن توصف بأنك وقح أو مغتاب ، وبذلك تصبح شخصاً صريحاً ملتزماً بالحق كما يريد منك مجتمعك . هل تعتقد أن هذا ما سيحصل ؟ كلا ، وأنت تعلم جيداً ما الذي سيحصل وأنا أعلم أنك تعلم . . . ، ما سيحص هو أن مجتمعك العبيط سيهاجمك هذه المرة أيضاً وسيحرمك من قول ما تراه حقاً وسيسمعك عبارات من قبيل أذكروا محاسن موتاكم ، ولا تجوز على الميت إلا الرحمة ، وحرمة الميت ، وسيصفك مرة ثالثة بأبشع النعوت والأوصاف مثل عديم الحياء ، والوقح - مرة أخرى - ، والحقود الحسود – الجزء الثاني ، والمغتاب – يعود من جديد – والمستهتر ، وأنك في هذه المرة ذاهب إلى النار لا محالة .
عندها وعندها فقط يجب أن تتبع الطريقة الرابعة وهي طريقة ناجعة وفعالة وتشفي الصدور وتذهب الغيظ لكنها تحتاج إلى شجاعة وتتمثل هذه الطريقة بأن تستدير إلى مجتمعك وتقول له : " أيها المجتمع العبيط إذا كنت لا تريد الصراحة ، ويزعجك قول الحق كثيراً ، ولديك تحسس من الوضوح ، وتصاب بالإسهال والغثيان من الشفافية ، وترتجف فرائصك من المواجهة ، ولا تستطيع أن تتنفس إلا في أجواء الكذب والرياء والنفاق والمداهنة ، فلماذا تصدع رؤوسنا بالحديث عن الصراحة والإشادة بقول الحق وتدعي دائماً حرصك على الإستقامة وعدم الكذب ، لا أجد لك عذراً في ذلك إلا أنك مجتمع عبيط جداً جداً جداً . ويا أيها المجتمع العبيط إذا كان إنتقادي لشخص بحضوره تسميه وقاحة ، وفي غيابه تسميه إغتياباً ، وبعد موته تسميه إستهتاراً وقلة أدب ، فقلي بربك أيها العبيط متى وكيف سيتسنى لي قول الحقيقة ومصارحة الناس بحقيقتهم كما تطلب مني أنت – أيها العبيط - دائماً وبإلحاح " .
هذا نموذج من آلاف النماذج غيره ، ومثل بسيط جداً يبين مدى العبط الذي وصلت إليه مجتمعاتنا ، ويكشف بكل وضوح عن سذاجتنا ، ويؤكد أن ما نقوله ونصرح وننادي به مجرد أصوات تخرج من الأفواه ولا تمر أبداً بالعقول ، فلماذا يا ربي أعطيت الجميع حبالاً صوتية .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,013,239,261
- الثورة والتثوير
- ظلال الله على الارض
- التقليد والابداع
- صفات الشعوب واشتراطات الدولة
- الدولة الحديثة منتج اقتصادي
- الانسان البدائي
- اذا كان هذا صحيحا
- التمدن والتخلف بقوة الدفع الذاتي
- غياب العقلية الشمولية
- المنظومة الفكرية العربية والقضية الفلسطينية ، جدلية السبب وا ...


المزيد.....




- العراق.. مساع لتخفيض عدد نواب رئيس الجمهورية
- السيسي يشرف على بناء سد جديد في دولة إفريقية
- مقتل جندي تشيكي وإصابة اثنين في أفغانستان
- كيف تُسهم السموم في إنقاذ البشر من موت محقق؟
- أرسنال.. واثق الخطوة نحو مقدمة البريميرليغ
- استقالة رجل أعمال بريطاني تزامنا مع مقاطعته مؤتمر الاستثمار ...
- مقتل جندي تشيكي وإصابة اثنان آخران في أفغانستان
- ترامب يهدد روسيا والصين بالأسلحة النووية
- بيان حول إعادة بعض الجناسي المسحوبة
- -أسوشيتد برس-: قضية خاشقجي قد تدفن -صفقة القرن-


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - فارس تركي محمود - المجتمع العبيط