أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - دامداران [15] مجوسية زرادشتية..















المزيد.....



دامداران [15] مجوسية زرادشتية..


وديع العبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 5522 - 2017 / 5 / 16 - 00:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



[ان الذين امنوا والذين هادوا، والصابئين والنصارى والمجوس، والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة، ان الله على كل شيء شهيد]- (الحج 17)

توطئة..
امبراطورية فارس [Parthien] احد اقدم امبراطوريتين مستمرتين حتى اليوم، والامبراطورية الاخرى هي امبراطورية الصين. ولفظ الامبراطورية يعني شمول اكثر من مملكة وامة ولغة تحت نفوذ امبراطور او حكم سياسي واحد. ومما يؤشره مؤرخو الغرب عن الحكم الايراني الى جانب الادارة اللامركزية، هو عدم تدخل السلطة المركزية في الشؤون الداخلية للامم والثقافات الخاضعة لنفوذها. فلا هم، كانوا يفرضون على الاخرين ديانتهم ولغاتهم، ولا يتدخلون في عقائد الملل ولغاتها المحلية. لذلك كان المنشقون او المضطهدون دينيا خلال الحكم البيزنطي يلجأون الى البلدان الخاضعة لنفوذ فارس، ومثال ذلك هم النساطرة الذين لجأوا الى العراق وشمال غرب ايران.
وقد آخذ بعض مؤرخي الزرادشتية ملوك فارس على عدم اهتمامهم بزرادشت او ديانته واتباعه، بالاحالة على عوامل عرقية او قومية. بينما المتعارَف ان فارس لم تكن دولة/ حكما دينيا خلال تاريخها قبل الاسلام. ولعل الاعلام العرباسلامي هو من ربط نهاية (حكم كسرى) بـ(نار المجوس)، لتصوير تعادلية دينية، بين نفوذ (عربسلامي) مقابل نفوذ (فرسمجوسي) لا وجود له على ارض الواقع.
ولعل ما يشكو منه الفكر الاسلامي منذ القرن العاشر الميلادي، هو من عمل يده هو، فهو يحصد ما زرع. وقد سبق التنويه لهذا الامر. فبالاضافة الى الخطا الستراتيجي لخروج الحكم العربسلامي من حدود الحجاز نحو الشمال وعبور نهر الفرات، الذي كان يشكل حدودا دولية محسومة في العالم القديم، فهو لم يقدر طبيعة الامم التي يندفع لمواجهتها، ولم يدرك سر قوتها ووجودها العريق. مندفعا في مفارقات زمنية طارئة، وتكتيكات وقتية تصيب مرة وليس مرتين.
اما تململ الفرس من الحكم العربي والاموي فقد كان سياسيا، وربما لتضرر مصالحهم التجارية عبر الشام والحجاز نحو اليمن وروما. ولم يشكل الدين أي هاجس رئيس في مواجهة الفرس ومعارضتهم للعرب. وهو ما ينطبق على وقوفهم الى جانب الدعوة العباسية، ودخول البرامكة في خدمة التاج العباسي. فيما كان الحكم العباسي ومعارضوه يستخدمون (الدين) وسيلة للايقاع ببعضهم وتصفيته، على غرار قصص العبرانيين الدينية.
أما اهتمام الفرس بالتكتيك العربي القريشي والتيقظ لخطورة ورقة (الدين) في التأليب السياسي، فجاءت عقب ما يدعى بنكبة البرامكة، وهي النكبة الثانية بعد نكبة ابي مسلم الخراساني. فلا غرو ان يعود الفرس للادارة والسلطة باستخدام ورقة الدين على ايدي بني بويه. ولعل القارئ يلحظ ما نهجوه من مبالغة في الالقاب الدينية التي الحقوها باسمائهم الفارسية. وكل ظاهرة الاسماء الدينية المركبة عند المسلمين: [نجم الدين، شمس الدين، سيف الدين، نور الدين.. الخ] هي تقليد للتقليد الذي ادخله البويهيون.
وقد نجح البويهيون عبر ورقة (الدين)، هزيمة اباطرة قريش وحبسهم داخل المخادع، ممهدين لنقل عجلة الحكم للفرس والترك، حتى بواكير القرن العشرين. وما يتجدد اليوم من تنافس تركي- ايراني على زعامة [العالم الاسلامي]، هو العودة لنقطة الصفر، بعد فشل العرب في حكم انفسهم، وضبط الامن الستراتيجي في شرق المتوسط. وعندما نقرأ صورة اليمين واليسار في الاسلام، حيث تتصدر ايران جناح الشيعة، ويتصدر الترك جناح السنة، على القارئ ان يتساءل: اين يقع (العرب) بين الاثنين؟..
ولا غرو ان يتفنن اردوغان الترك في امتصاص اموال الخليج واوربا لاحقاق مشروعه، بينما تعمل السياسة الايرانية على ملء الفراغ السياسي في بلدان [محور الشر] العربي، واستمالة مجتمعاتها لمشروع الهلال الشيعي الخصيب.
والملاحظة الاخيرة هنا، هي ضرورة قراءة (المجوسية الزرادشتية) قراءة دينية، ثقافية فلسفية، انسانية لا قومية. وكل ربط للفرس بالمجوسية وعبادة النار، بدء من معارك ابي عبيدة وقصة سلمان الفارسي وغيرها، لا اساس لها من الصحة. ومن موقع نفس الغلطة، احتضن الخطاب القرآني (المجوسية) الى جانب الديانات السائدة في المنطقة، طمعا في استمالة الفرس وتصوير (القرآن) بوصفه كتاب –الجميع-!، اسوة باليهود والصابئة والنصارى.
التسمية..
زرادشتية ام مجوسية..؟
زرادشتية نسبة الى (زرادشت) حكيم فارس، الذي قام بتبسيط مجمع الآلهة الفارسي القديم إلى مثنوية كونية : سبتامينو (العقلية الخيرية او النور ) وأنكرامينو (قوى الظلام أو الشر) تحت إله واحد وهو اهورامزدا (الحكمة المضيئة). ويعتقد الزرادشتية بوجود ستة معاونين أو مساعدين من [الملائكة] لزردشت، وهم: [وهومن، اهيشته، أشا، اريا، خشاترا، سبنته، أرمئيتي، هوروارتات، امريتات]. يأتمرون بأمر من (سبنتا مئنيو)= أي (الروح المقدسة).
وبحسب (المثنوية الكونية) ينقسم العالم الى جانبين: روحي- جسمي، والخلق: إلى تقدير- فعل، والوجود: إلى نور - ظلمة. وتتكون الموجودات: من نور وظلمة معاً، أو: من خير وشر. والعالم: صراع دائم بين القوتين المتضادتين : الخير ويمثله إله النور: (أهورامازدا)، والشر ويمثله إله الظلمة: (اهرمِان) الذي ينتهي بانتصار إله النور في آخر الزمان.
ونجد ادنى توصيف للاهوت الزرادشتي –وما على غراره- في (الميثولوجيا الهندية) التي تأخذ الصورة التالية..
Brahma: the Father God and Lord of design and creatin.
Vishno: God of preservation.
Shiva: God of destruction.
Krishna: The Holy Spirit.
والها الخير/(اهورامزدا) والشر/(اهريمان)، يتقاسمان حكم العالم. أول [ثلاثة آلاف] عام من عمر الكون، كانت من نصيب (اله الخير)، كان فيها (اله الشر) في الظلام. ثم ظهر (اله الشرّ) وواجه (اله الخير) في معركة متصلة طيلة مدة (9000) عام بانتظار هزيمة المنكسر. وقد كان (اله الشر) مطمئنا للفوز بالالوهية. ويلحظ تناظر هاته القصة وتخمينات الارقام مع ما يرد في سفر الرؤيا الانجيلي، وتقاسم (الشرير) و(المسيح) زمن حكم العالم.
لكن ظهور (زرادشت)/[النبي] ونشره الدين الجديد ومبادئ الخير والنور، جعل الناس تنفر من (اله الشرّ) مما أدى إلى هزيمته وبقي (اله الخير) يحكم الكون. وهو الذي خلق الطبيعة والكون، وتربع على عرش الربوبية، ووزع خيره على الكائنات جميعاً، لذا يجب اطاعة اوامره وتوحيده وانه لا شريك له في الملك.
وعلى غرار (الصابئية المندائية) و(العبرانية اليهودية)، يبدو ان الديانة (الزرداشتية)، تأثرت بالفلسفة الدينية لحضارة بابل وديانتها القديمة. ومنه تقديس الرقم [12] ومضاعفاته العددية. وبحسبه يعتقد الزرادشتية ان عمر الكون هو (12000) عاما.
بعض الباحثين يذهب إلى أن المجوسية هي الزرادشتية، ومن المحتمل أن المجوسية-(تقديس النار)- أسبق من الزرادشتية، وأن زرادشت حددها وأظهرها وزاد فيها. الزرادشتية: [(Zoroastrianism)]: هي ديانة إيرانية قديمة وفلسفة دينية آسيوية. وهناك إعتقاد خاطئ، أنهم يعبدون النار، ولكنهم في الحقيقة يعتبرون النار والماء أدوات من طقوس التطهير، كما عند الهندوس.
ومن الممكن ان القول ان اصول الديانة الزرادشتية: (زوراسوترا) تعود الى الهند، بما فيها صراع الخير والشر [فشنو وشيفا] الهندية وتقديس النار دالة التطهير، كما هو الماء مادة الخلق والغطاس والطهارة لدى الهندوس والصابئة المندائية.
وانما تخذت طابع [التفريس] على يد (زرادشت) الذي يعود ظهوره لزمن مقارب لظهور (جوتاما بوذا) في الهند، لتتفرع الهندوسية الى بوذية وزرادشتية في القرن الخامس قبل الميلاد. وكما اتجهت البوذية شرقا نحو التبت، امتدات الزرادشتية غربا في حوض الخليج وبلاد فارس والجزيرة العربية.

مجوسية..
في اللغة الاكدية: [موجي/ ماجي] بمعنى (أمير)، أو: رئيس قوم. وفي اللغة البابلية صار معناها: [حكيم، عارف، كاهن]. ثم تحولت لدى الاغريق الى [magos] بالاشتقاق من [magic] بمعنى [السحر، روح عرافة] بالمعنى السيء، اطلقها الاغريق لوصف العاملين بالسحر، ويتوسلون النار –يستعينون بها- لانجاز اغراضهم او استحضار الارواح بمعونة ابليس المخلوق من (نار). ويذكر ان الاغريق هم الذين اطلقوا اسم [Parthien] ومعناها (غزاة) على سكان ايران الذي كانوا يغيرون على حدود الاغريق منذ القدم. وقد تم تعريب اللفظة الاغريقية وتقريبها الى (فارس) ويقال (بارس) ايضا.
وفي سورة (الحجر 27) يذكرخلق (الجان)/ ابليس من (نار). كما ربط القرآن السحر بالشياطين وبابل، ولكنه نسب السحر لليهود وليس (المجوس): [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا، يعلّمون اناس السحر، وما انزل على الملكين ببابل، هاروت وماروت، وما يعلّمان] من احد حتى يقولا، انما نحن فتنة، فلا تكفر، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزجه، وما هم بضارين به من أحد الا بإذن الله]- (البقرة 102).
وبحسب هيرودت [484- 425 ق. م.] (المجوس): (magi): فئة كهنوتية من الماديين أو الفرس. ويتفق مؤرخو الاغريق: [هيرودت وسترابو (64- 23 ق. م.) وبلوتارك (46- 120م)]: إن (المجوس) كانوا (كهانا) مسؤولين عن تقديم الذبائح والقيام بالطقوس الدينية، كما كانوا يعملون مستشارين للبلاط الملكي في الشرق.
كما يقال ان (المجوسية): مأخوذة من (ماجو) الفارسية، والتي تعني كاهناً أو عالماً بالفلك، أو أنها نسبة إلى رجل اسمه (مجوس)، أو أنها وصف لرجل انتسبت إليه المجوسية، أو أنها نسبة لقبيلة اسمها (مج) من قبائل الفرس، أو أنها: وصف لعبادة النار. ويبدو ان كلمة (مارج) في وصف النار المخلوق منها (ابليس) مشتقة من (مج) الايرانية. ويذهب ابن خلدون إلى أن (المجوسية) هي (الكيرمرثية) نسبة إلى [كيرمرث أحد أبناء آدم]، وقيل (إنه آدم نفسه)، وقيل إنه [أحد أبناء نوح]، وقيل غير ذلك.
وهكذ تطورت اللفظة من دالة على (امراء ايران)، لتصبح صفة على (كهنة ايران)، ثم صار اسمهم صفة للديانة كلها، فدعيت بـ (المجوسية) أي تقديس النار.

زرادشت [628- 551 ق. م.]..
سماه ابن النديم [ت 1047م] في الفهرست: (زرادشت بن اسبتمان)/ [Zoroaster]، وفي لغته الأصلية: (الأفستائية): هو (زاراوسترا) وفي الفارسية: (زراتُشت). وفي الكردية (زردشت) بياض الأصل. وفي اليونانية [زورواستراس/ Ζωροάστρης] .
وقد ذكره زانثوس في كتاب ليدياكا وأفلاطون [427- 347 ق. م.] في كتاب ألكيبيادس الأولى، وتطور في التهجئة اليونانية حتى توصل إلى [زورواستريس/ Zōroastris]. وتوجد تفسيرات كثيرة ومختلفة للأسم، إلا أن من المتفق عليه أن مقطع (أوسترا) في الاسم الأصلي يعني: جَمَل، ويذهب بعض المؤرخين إلى أن أسمه مركب من كلمتين معناها (معاكس الجمل).
ويذهب البعض إلى أن اسمه يعني (ذهب الصحراء)، ويرى أن الاسم يعني: (قيادة الجمل)، وهذا على أساس مقطع (زارس) في (الأفستية) والذي يعني: [سَحَبَ]= أو: معناه: (الجمل الأصفر)، وهذا بالموازاة مع المقطع (زايري). أو بالارتباط مع (السنسكريتية الفيدية) في مقطع (هار) والذي يعني: (حَبَّ) فيكون المعنى: (شوق للجِمَال) أو: (رغبة في الجِمَال).
والبعض يقول أن الأسم أتى من القرية التي كان يعيش فيها (زرادشت) وهي قرية: (أتروباتن) ومنها يمكننا العثور على كلمة (أثار) والتي تعني (النار)، فالكاهن وقتها كان يُعرف باسم (أثارفان) أو (حارس النار).
في اللغة الإيرانية الآسيوية الحديثة (زرتشت)، وكانت تسبق اسمه كلمة (أشو) أي الطاهر النقي. وتتألف كلمة (زرادشت) من كلمتين: [زرت + اوشتره] = [الذهب + الجمال]. لذلك ذهب بعض المستشرقين إلى تسميته (صاحب الجِمال الذهبية)، وبعضهم فسر (اشتره) بمعنى (النور والضياء)، فيصبح اسمه [ذا النور والضياء الذهبي] أو (الهالة الربانية).
طفولة زرادشت..
وُلد (زرادشت) في مدينة أذربيجان الإيرانية في غرب آسيا، وكان اسم والده (بوروزهازيو) ووالدته (دوغدما) وهما من قبيلة (سبيتاما). وحسب الكتابات الزرادشتية التي تتحدث عن معجزة ميلاد (زرادشت)، فإن والده كان يرعي في الحقل، عندما ظهر له شبحان وأعطياه غصنًا من نبات الهوما المقدس وأمراه أن يقدمه لزوجته. فقام بمزج الغصن مع النبات وشربه هو وزوجته، فحملت زوجته بعد شهور وحلُمت بسحابة سوداء أحاطت بيتها وانتزعت طفلها من رحمها وأرادت قتله. ثم صرخت الأم وجاء شعاع من السماء مزق السحابة فاختفت، وظهر من الشعاع شاب يشع بالنور وأعاد الطفل إلى أمه، وأنبأها بأنه سيكون نبيا. وحينما ولد الطفل لم يبكِ مثل الأطفال بل ضحك بصوت عال اهتز له البيت الذي كان مليئًا بالنور الإلهي وهربت الأرواح الشريرة.
وهناك الكثير من الأساطير التي تتحدث عما حدث بعد ميلاده، منها: أن كبير سحرة إيران (دورسروه) ونائب الملك في المقاطعة، سمعا بميلاد النبي الذي سيقضي على السحر والوثنية، فأرسل كبير السحرة ثلاثة سحرة ليحضرا (زرادشت) له في (معبد النار). وعندما جاءوا بالطفل وضعوه في النار. وعندما عادت والدة الطفل إلى المنزل، لم تجده فذهبت إلى معبد النار لتدعو الآلهة أن ترده، فوجدت ابنها يعبث داخل النار ويلهو فأخذته.
وقام كبير السحرة بتدبير مكيدة أخرى، فأمر السحرة بإحضار الطفل مرة أخرى ووضعه في وسط طريق يمر به قطيع كبير من الماشية، ولكن حينما مر القطيع جاءت أول بقرة وقامت بحماية الطفل من بقية القطيع. وعندما جاءت والدته رأته يلهو على الطريق أخذته للمنزل. وفكر كبيرة السحرة بمؤامرة أخرى، فأخذ الطفل ووضعه في جحر ذئاب، إلا أن الذئاب حينما عادت لجحرها سكنت في مكانها وعجزت عن التحرك، وظهرت عنزتان في الجحر وأرضعتا الطفل.
وعندما بلغ زرادشت سن السابعة ذهب ليدرس مع حكيم اسمه (بورزين كوروس)، وظل يدرس معه ثمانية سنين، درس معه العقيدة والزراعة وتربية المواشي وعلاج المرضى، ثم عادَ إلى بلده وارتدى القميص المقدس ولبس الحزام، وهذا كله رمز لتعميده في عقيدة شعبه.
وهو في هذه السن غزا (التورانيون) إيران من الإقليم المجاور، فتطوع زرادشت للذهاب لميدان القتال للمساعدة في معالجة جرحى الحرب. وبعد الحرب انتشرت المجاعة في إيران واشتد المرض، فتطوع زرادشت لخدمة المرضى والمحتاجين، وظل يعمل تطوعيًا لمدة خمسة سنين. ثم عاد إلى منزله وطلب منه أبوه أن يترك عمله التطوعي وأن يتزوج، فتزوج امرأة اسمها (هافويه) أنجبت له بنتًا وولدين. واصل بعدها عمله التطوعي لمدة عشرة سنين أخرى، ثم بدأت الأسئلة الروحية تدور في ذهنه وبدأ يتساءل عن الخير والشر، وتمنى أنه لو يستطيع أن يحقق السعادة للناس كلهم.
وعندما كان في الثلاثين بدأت مظاهر (نبوّة) زرادشت، وكان ظهوره في القرن الخامس قبل الميلاد. تنقل بين أذربيجان، وفلسطين، واستمع إلى بعض أنبياء بني إسرائيل من تلاميذ النبي إرميا ابن حلقيا البنياميني [627- 568 ق. م.]، ثم رجع إلى أذربيجان. وكان موته في (طبلخ) حيث قتل عن (77) سنة من قبل (براتغاركش) الطوراني. وقد اكتشفت في دورا اوربوس/ (الصالحية)، - رسمة جدارية ترجع للقرن الثالث للميلاد- ، يعتقد انها لنبي من آسيا الوسطى.

السيرة النبوية لزرادشت..
يرى بعض المؤرخين انه ولد في منطقة صحراء توركمان (تركمانستان حالياً) في شمال شرق إيران.. وبعضهم يجعله من اصول أوغوزية. وقسم يقول ان أُم والده آذرية، حيث ينسب الآذريون زرادشت اليهم ويستدلون بذلك في قصة تخت سليمان، ومكان تخت سليمان الموجود في آذربيجان. ويبدو ان الديانة الزردشتية كانت منتشرة في آسيا الوسطى وأفغانستان وإيران وشمال العراق وحتى سوريا.
زرادشت الناسك استأذن زوجته (هافويه) في أن يعيش بعيدًا عنها، ناسكًا لفترة يفكر في الشر والخير. فانطلق إلى جبل (سابلان)، وعزم ألا يعود لبيته حتى يكتسب الحكمة. وظل هناك وحيدًا يفكر لشهور لعله يجد تفسيرًا للخير والشر، غير أنه لم يهتدِ لشيء.
وذات يوم تأمل في غروب الشمس وحلول الظلام بعد النور، وحاول أن يكتشف الحكمة من ذلك، فرأى أن اليوم يتكون من ليل ونهار، نور وظلام، والعالم أيضا يتكون من خير وشر. لذلك فالخير لا يمكن أن يصبح شرًا، والشر لا يمكن أن يصبح خيرًا، وإن الكهنة والسحرة الذين يعبدون الأوثان والأصنام لا بد أن يكونوا على خطأ؛ لأن معتقداتهم كانت أن الآلهة والأوثان التي يعبدونها هي آلهة الشر، وأنهم يتقربون إليها اتقاء لشرها ودفعًا له، وهم كذلك يتقربون إلى إله الشر ليصنع لهم الخير.
ورأى أن تاريخ العالم يتمثل في الصراع بين الخير الذي يمثله: (أهورامزدا)، والشر الذي يمثله: (أهرمان). وأهورامزدا لا يمكن أن يكون مسئولا عن الشر؛ لأن الشر جوهرٌ، مثله مثل الخير، وأن هاتين القوتين وجهان للموجود الأول الواحد؛ لذلك لا بد أن يكون بعد الموت حياة أخرى، بعدما ينتصر الإله الأوحد على الشر، عندئذ يُبعث الموتى، ويحيا الناس مرة أخرى، وتنطلق الأرواح الخيرة إلى الجنة، أما روح الشر وأتباعها فيحترقون في المعدن الملتهب.. عندها يبدأ العالم السعيد الخير الذي لا شر فيه ويدوم سرمديًا.
وظل زرادشت على جبل سابلان يستوضح أفكاره. وبينما هو واقف على الجبل رأى نورًا يسطع فوقه، وإذا به (فاهومانا) كبير الملائكة، قد جاء ليقود (زرادشت) إلى السماء ليحظى بشرف لقاء الرب، ويستمع إلى تكليفه بأمر النبوة، فصدع بالأمر، ثم قال بعدها: سأنزل إلى الناس، وأقود شعبي باسم (أهورامزدا) من الظلام إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الشر إلى الخير.
قرر زرادشت أن يدعو قومه إلى تعاليمه والإيمان بها، واستمر في دعوتهم عشر سنوات، لقي فيها عنتًا واضطهادًا، ولم يؤمن به أحد، وتخلت عنه عشيرته وأسرته، بل طرد من بلده، فتنقل بين البلاد والأقاليم، إلا أن الناس تجنبوه، وأغلقوا دونه الأبواب؛ لأنه رجل يسب الدين والكهنة، فتطرق اليأس إلى قلبه.
وتزعم الأساطير أن أهورامزدا ظهر له، وأن الملائكة لقنته أصول الحكمة، وحقيقة النار المقدسة، وكثيرًا من الأسرار. فبدأت سحابة اليأس المظلمة تنقشع عن قلبه بعدما آمن به ابن عمه (ميتوماه) الذي نصحه أن يدعو المتعلمين من قومه إلى تعاليمه؛ لأن تعاليمه الجديدة صعبة على فهم الناس غير المتعلمين.
[الجهّال لا يستحقون الدعوة]: استرعت نصيحة (ميتوماه) النبي (زرادشت)!.
وعزم أن يبدأ بدعوة المتعلمين، وعلى رأسهم الملك: (كاشتاسب) وزوجته؛ فشرح له دعوته الجديدة، وعقد الملك مناظرات بين (زرادشت) من جانب، والكهنة والسحرة من جانب آخر، واستمرت المناظرات لمدة ثلاثة أيام. أجاب فيها (زرادشت) عن جميع أسئلتهم، بعدما أخذ العهد والميثاق من الملك أن يتبع تعاليمه، ويتخلى عن عبادة الأصنام إذا انتصر على هؤلاء الكهنة. ولما تحقق نصر (زرادشت) عليهم قال الملك: [إنما هو نبي من عند إله حكيم]، فآمن به. وانتشرت عقيدة (زرادشت) في إيران، وأقبلت جموع الناس للإيمان بهذا الدين الجديد، فملأت السعادة نفسه؛ لأنه انتصر على الأصنام والأوثان.
سر الايمان..
ولم تستمر سعادته طويلا؛ إذ تآمر الكهنة عليه، ودبروا مكيدة له، انتهت بأن أصدر الملك (كاشتاسب) أمرًا بالقبض عليه وإلقائه في السجن، وأمر الناس أن يعودوا إلى عبادة الآباء والأجداد، ونفض عنه الإيمان بـ(أهورامزدا).
وصادف في ذلك الوقت إصابة جواد الملك بمرض عضال عجز الأطباء عن علاجه، ولم تنفع دعوات الكهنة في شفائه، وعلم (زرادشت) بالأمر، فأرسل إلى الملك أنه يستطيع شفاء الجواد شرط أن يعود الملك إلى تعاليمه التي هجرها. وشُفي الجواد، وصدر الأمر بالإفراج عن (زرادشت)، وعاد الملك إلى تعاليمه وآمنت المملكة به، وازداد إيمان الملك عندما رأى كثيرًا من المعجزات تتحقق على يد (زرادشت)، الذي أصبح كبير كهنة الملك في بلاد (بلخ) بإيران.
ثم امر (كاشتاسب) بذبح [اثنتي عشرة ألف] بقرة، دُبغت جلودها، ورُبطت بخيوط الذهب الخالص، وكُتب عليها بحروف من الذهب جميع تعاليم (زرادشت)، التي عرفت باسم (الآفيستا). ويزعمون أن الإسكندر الأكبر أحرقها عندما فتح فارس عام 330 ق.م، وأن بقايا الأفيستا جمعت بعد ذلك، وتمت ترجمتها إلى اللغة الفارسية، كما أن أقدم مخطوط لهذا الكتاب يعود إلى سنة 1258 ميلادية.
وكان لزرادشت ابنة صغيرة جميلة عاقلة تسمى (بوروكيستا) نالت إعجاب الأسرة المالكة، أعجب بها رئيس الوزراء وتزوجها، وبذلك دعم الرجل مركزه الديني بمصاهرة سياسية، ثم تشجع وحضّ الملك على أن ينشر تعاليم (أهورامزدا) في كل مكان؛ لذلك أرسل الرسل إلى الممالك والأقاليم المجاورة للدعوة إلى (أفيستا)، ووصلت هذه التعاليم إلى جميع أنحاء إيران وإلى اليونان والهند.
كتب الزرادشتية..
تتألف تعليمات زرادشت الاصلية، من [17] ارجوزة، تنص بأن: على كل شخص أن يختار لنفسه موقفا من قوى الخير وقوى الشر.
[أفيستا/ Avesta]: هي كلمة فارسية تعني [الأصل أو المتن]، وهي تسمية الكتاب المقدس للزرادشتية. كتبت هذه المختارات بلغة (الأبستاق)، وهي لغة وثيقة الصلة بالفارسية القديمة والسنسكريتية الفيدية. (الافيستا) المقدسة كانت مكتوبة على (12000) قطعة من جلود البقر، اتلفت أغلبها بفعل الزمن، وبقيت (38000) ألف كلمة منها. ويعتقد البعض انها كانت تضم حوالي (345،700) كلمة اي: اربعة أضعاف ما تبقي، وكانت تتكون من واحد وعشرين جزءاً وخمسة اقسام.
تم جمع هذا الكتاب بعد وفاة زرداشت بزمن طويل، وتعرض للضياع عدة مرات، ويشمل خمس قصائد قديمة وتتحدث عن مناطق تقع تاريخياً غرب مدينة طهران حالياً. وقد صدرت ترجمة عربية لكتاب [آفستا] عام (2007م) وطبعة ثانية عام (2008م) عن دار روافد في دمشق. والترجمة باشراف الدكتور خليل عبد الرحمن، وهي تتضمن (الآفستا كاملة) مقسمة على اربعة أبواب: حمل كل منها اسم (نسك). وكل نسك يتألف من عدد من نصوص/ اراجيز دينية يحمل كل منها اسم (ياسنا)؛ مع ملحق يضم [الآفستا الصغرى/ Avesta Khurda].
[افيستاي]: [بجوك= (خردة افيستا)]: هي صلوات يومية وتضم تراتيل في بيان عظمة الاله.
[ياسنا]: مكتوبة بالبهلوية (يسنا): وتعني [نوع أو شكل]، وهي على شكل (اناشيد أو تراتيل): ادعية ومعلومات حول الدين وهي أشهر أقسامه، ويضم (72) يسناهات/(ياسنات)، وكل (يسنا) يشمل مجموعة ادعية.
[يشتها]: تعني اناشيد وتسابيح وكل (يشت) باسم: [أحد الاجسام النورانية].
[يسبرد]: يضم مجموعة من ملحقات اليسنا: وهي أكثر من (23) [كَرده ونديداد]: (أوصاف الاشكال المختلفة للارواح الشريرة)، وهي تدور حول الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وفيها كثير من القوانين الدينية. ومعناها القوانين ضد الابليسية.
المجوسية في االمصادر العبرانية:
ترد كلمة (مجوس) في سفري إرميا بن حلقيا ودانيال – وزير اول لدى نبوخذناصر ملك بابل العظيم-، حيث كان احد رؤساء بابل الذين دخلوا أورشليم بعد أن فتحها نبوخذ نصر ملك بابل، وجلسوا في الباب الأوسط [نرجل شراصر رئيس المجوس] (إر: 39: 3، 13).
ويري البعض أن الكلمة الاكدية المستخدمة هنا وهي: [رب موجي = أمير عظيم]. وكان الفرس والماديون والبابليون يستخدمون كلمة (مجوس) للدلالة علي الكهنة والحكماء. وكان المفروض أنهم رجال حكماء ماهرون في معرفة الأسرار، تلك المعرفة التي نشأت منذ عصور قديمة في بابل الكلدانية، وانتقلت إلي مصر الفرعونية.
وكان المجوس ينقسمون إلي خمس فئات: [الهارتوميم/ (Hartummim)]: أي مفسرو الكتابات المقدسة وقارئو العلامات. و[الأشافيم/ (Ashaphim)]: وهم قارئو الأفكار أو مستحضرو الأرواح. و[الميكاشفيم/ (Mekashephim)]: وهم طاردوا الأرواح الشريرة والسحرة، و[الجوزريم/ (Gozerim)]: وهم قارئو النجوم وعلماء الفلك، و [الكاديم/ (Kadim)]: وهم الكلدانيون (في أضيق معاني الكلمة).
ويحسب (المجوس) من (المنجمين): أي الذين يتنبأون عن الأحداث بقراءة النجوم. ونقرأ عن دانيال وأصحابه، إنهم: [في كل أمر حكماء، فهم الذين سألهم عنه الملك، وجدهم عشرة أضعاف فوق كل (المجوس) والسحرة الذين في كل مملكته]- (دا 1: 20). وقد جعل نبوخذ نصر (دانيال): [كبير (المجوس) والسحرة والكلدانيين والمنجمين. من حيث إن روحاً فاضلة وتعبير الأحلام، وتبين ألغاز وحل عقد، وجدت في دانيال]- (دا 5: 11، 12).
المجوس في المصادر المسيحية:
كانت كلمة (مجوس) عند اليونانيين ترتبط بـ[(نظام أجنبي للعرافة)/ وبـ(ديانة شعب عدو)]. وسرعان ما أصبحت نعتاً لأسوأ أنواع الدجل والخداع. فلا عجب أن وجدنا الكلمة تطلق علي: [رجل يهودي ساحر ونبي كذاب اسمه: (بار يشوع) أو (عليم الساحر) الذي يفسد ايمان الوالي (سرجيوس بولس): حاكم قبرص]- (أع 13: 4- 8). كما تطلق علي (سيمون الساحر)- (أع 8: 9)، فكلمة: (ساحر) في الموضعين هي بمعنى (ماجوس).
فقد كان حكام الشرق يؤمنون بأن أحداث التاريخ تنعكس علي حركة النجوم وبعض الظواهر الفلكية الأخرى. ويقول هيرودت إن الحكام الشرقيين كانوا عادة يستخدمون معرفة (المجوس) بالتنجيم وتفسير الأحلام، للاسترشاد بها في إدارة شئون البلاد.
وفي (إنجيل متي) يتم استخدام كلمة (مجوس) بمعناها: الطيب، حيث تترجم للإنجليزية: (حكماء)- (مت 2: 1، 7، 16). ولكن متي لا يمدنا بتفاصيل كثيرة عن أولئك (المجوس)، إلا أنهم جاءوا من (المشرق)- (مت 2: 1، 2)، وهي عبارة غامضة لا تحدد بلداً معيناً،
اعتقد بعض الآباء إنهم جاءوا من جنوبي الجزيرة العربية، وذلك بناء علي الهدايا التي قدموها: [الذهب واللبان والمرّ]، التي كانت تشتهر بها هذه البلاد. لكنها لا تعتبر (مشرقاً) بالنسبة لفلسطين. بينما قال آخرون إنهم جاءوا من (بابل) أو (فارس). ومع أنه لا يمكن الجزم برأي، إلاَّ أن الأرجح أنهم جاءوا من (بابل)، التي كانت تحت حكم الفرس تلك الفترة.
ولا يذكر (متي) كم كان عدد المجوس الذين جاءوا ليروا الطفل يسوع. فالكنيسة الشرقية تعتقد أنهم كانوا (12) تاجراً، ولعل ذلك نتج عن أهمية العدد (12) في الكتاب المقدس لليهودية والنصرانية:[كما في (12) سبطاً، (12) تلميذاً]. وتقول الكنيسة الغربية إنهم كانوا ثلاثة رجال حكماء، بافتراض أن كل واحد منهم قدم نوعاً من الهدايا الثلاث المذكورة، والرقم (3) هو جذر الرقم (12).
ولا يذكر (متي) أسماء تجار المجوس. فأسماء: [جسبار وملكيور (ملكون) وبلتازار]: هي أسماء أسطورية. وبالمثل لا أساس للقول بأن: [(جسبار): كان ملكاً للهند]، و [(ملكيور): كان ملكاً لفارس]، و [(بلتازار): كان ملكاً لبلاد العرب].
وتلعب زيارة (المجوس) لبيت لحم دوراً هاماً في إنجيل متي. فهي: من البداية تعلن حقيقة شخصية الطفل الوليد باعتباره : (مسيا إسرائيل) الذي يمتد حكمه على الشرق. وهو ما بدا أولاً في ظهور النجم –في المشرق-. إذ يبدو أنهم كانوا علي علم بنبوة بلعام: [يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل]- [(عد 24: 17)/ (إش 60: 1- 3)].
كما أن الحوار بين المجوس وهيرودس ورؤساء الكهنة والكتبة، يُعلن أن يسوع كان تحقيقاً لنبوه ميخا عن المسيا: عن (بيت لحم افراته- يهوذا) التي منها سيخرج (الذي يكون متسلطاً علي إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل)- (ميخا 5: 2). ويلحظ هنا ان جانبا من نبوءة ميخا يتطابق مع فكرة ظهور زرادشت الذي يهزم (اله الشر) بتعاليمه الداعلية للخير والنور، المنسجمة مع مبادئ المحبة والخير والنور اليسوعية. وكذالك كان تقديم الهدايا يذكر بالوعود النبوية الواردة في المزامير (68: 29، 72: 10).
وبالإضافة إلي إثبات أن [يسوع هو المسيا] الذي طال انتظاره، فإن قصة (المجوس)- كجزء من مقدمة إنجيل متي- تقدم عدة مواضيع بارزة تعود للظهور في الأصحاحات التالية. فهي تؤكد أولاً أن (يسوع المسيح) لم يأت لليهود فقط بل للأمم أيضاً: [ممثلين في (المجوس) من المشرق]. كما ان سجود هؤلاء صورة رمزية للإرسالية العظمي للكرازة بالإنجيل لجميع المم [مت 28: 19، 8: 11، 12، 12: 21).
وتعكس قصة (المجوس): الإيمان المذهل الذي أبدوه ، المناقض لموقف الشعب الذي جاء منه (يسوع). فبينما قدم هؤلاء المجوس الغرباء الإكرام والسجود للمسيا المولود، فإن هيرودس- ولعله كان بموافقة رؤساء الكهنة أيضاً- دبر مؤامرة لقتل الطفل يسوع (2: 3- 6و 16). وهكذا نجد في (الإنجيل): الأمم يؤمنون!، بينما اليهود لا يؤمنون. -(مت 8: 5- 13، 15: 21- 28، 27: 19، 54).
المجوسية في كتابات المسلمين..
يذكر الشهرستاني [1086- 1153م] في الملل والنحل أن (المجوسية) أصحاب -شبهة كتاب-. ويذكر أن عقيدة (المجوس) كلها تدور على قاعدتين اثنتين: [اولاهما: (بيان امتزاج النور بالظلمة). والثانية: (بيان سحب خلاص النور من الظلمة) و(جعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معاداً)]. والى جانب اشياء اخرى، انتقل مبدأ (تناسخ الأرواح) من الديانات الهندية إلى عقيدة المجوس، ليصبح من دلالاته عندهم: الاعتقاد في: (عدم انقطاع النبوة والرسالة).
وكما كان نشاط تجار الفرس يصل الى الشام والحجاز، فقد كان نفوذهم السياسي في العراق وجنوبي الجزيرة. مما اسفر عن تنشيط التداخل والتلاقح والمصاهرة بين العناصر الاثينية المشكلة لشرق المتوسط وغرب اسيا.
فانتشرت عناصر الثقافة الفارسية واطراف عقيدتهم في حياة سكان العرابيا وثقافتهم الاجتماعية والدينية، كما هو من عادة ايقاد النيران على المرتفعات لدى بعض القبائل او الشخصيات، نتيجة للاحتكاك المباشر بين بعض القبائل والفرس. فتعرف بعضها على المجوسية وتأثر بها، وبخاصة ما كان منها في البحرين واليمن وعمان، ومن العرب الذين اعتنقوا المجوسية (الزرادشتية): (زرارة بن عدس) وابنه (حاجب بن زرارة) من بني تميم.
وفيما بعد الغزو العربي للعراق وبلاد ما وراء النهر، تراجعت الزرادشتية وتحول كثير من اتباعها للاسلام، مع ازدياد انتشار ابناء ايران في بلاد العرب، ومساهمتهم الحضارية والسياسية في الدولة الاسلامية. وبالمقابل، بقيت اثارها في بعض الاصقاع، واستمرت معابدهم: (بيوت النار) قائمة في كرمان وسجستان وخراسان وجبال أذربيجان وأرمينية حتى حكم بني العباس.
يقول فون كريمر [1828- 1889م]: مع أن كثيرين منهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، إلا أنهم كانوا في قرارة نفوسهم مخلصين لمعتقداتهم الدينية القديمة، وقبلوا الإسلام ظاهرياً فقط مع تعلقهم بدين آبائهم. لقد انعكس الجوار العربي الفارسي، في ظهور الحركات الباطنية المنطلقة من هذه المناطق بالذات، حيث اعتنق عدد من موالي الفرس الإسلام متسترين برداء التشيع وحب آل البيت، رغبة منهم في الكيد للإسلام.
وبتعدد مذاهب المجوس (الزرادشتية والمانوية والمزدكية) تعددت آثارهم السيئة على الأمة الإسلامية وسيرتها الحضارية. وحاولت الخرمية البابكية تجديدها كما ظهرت في آراء كافة الحركات الباطنية حتى البابية والبهائية واهل الحق.
ويلخص الدكتور يحيى هاشم في كتاب (عوامل وأهداف نشأة علم الكلام) آثار المجوسية بقوله: كان تأثير المجوسية في غلاة الشيعة، بصفة خاصة في عقائد: [الرجعة والتناسخ، والتنبؤ بالمستقبل وادعاء النبوة، وادعاء الألوهية -ما يعرف بعقيدة التجسد أو الحلول الإلهي في الجسد الإنساني كما عند الدروز، وقديماً عند السبئية]- (ا.هـ ص:193)- من الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة-.

البرامكة..
من الأُسَر التي يعود أصلُها لمدينة (بلخ)، وهُم ينتسبون لجدهم الأكبر (برمك)، الذي كَانَ سادنًا في أحد معابد المجوس: (نوبهار): أحد المعابد الأشهر في مدينة (بلخ) الفارسية.
وروى المسعودي [896- 957م]: أن الـ(نوبهار) بناه (منوشهر) بمدينة بلخ من خراسان على اسم (القمر)، وكان من يلي سدانته تعظمه الملوك في ذلك الصقع، وتنقاد لأمره وترجع إلى حكمه، وتحمل إليه الأموال.
اما المقدسي [945- 999م] والمسعودي [896- 957م] وابن خلكان [1211- 1282م] والحميري [723- 789م]، فيقولون أن (النوبهار) بيت من (بيوت النار). في حين أن ابن الفقيه والقزويني [605- 682هـ] يقولان أنه أحد بيوت الأصنام.
بينما ذكر ياقوت الحموي [1179- 1229م] في (معجم البلدان): أن (النوبهار) بيت من [بيوت الأصنام والنار ] في آن واحد، نصبوا حوله الأصنام، وزينوه بالديباج والحرير، وعلقوا عليه الجواهر النفيسة. وكانت تنصب على أعلاه [الرماح عليها شقاق الحرير الخضر]، طول الشقة مئة ذراع فما دون.
وكان ملوك الهند والصين وكابل والفرس تعظمه وتحج إليه وتهدي له، وتلبسه افخر أنواع الثياب، وتنصب على أعلى قبته الأعلام، وكانوا يسمون قبته: ( الأوستن)، وكانوا يسمون السادن الأكبر (برمك)، لتشبيههم البيت: بـ(مكة)، ويسمون سادنه (برمكه). فكان كل من ولي منهم السدانة سُمي برمكًا. وكان للبرمك ماحول (النوبهار) من الأراضين سبعة فراسخ، فلم يزل برمك يلي النوبهار، إلى أن افتتحت خراسان أيام خلافة عثمان بن عفان [577- 656م].
أما المؤرخون الغربيون فيفندون مزاعم العرب. إذ يقول المؤرخ الفرنسي دومينيك سوردال: إن ما جاء في وصف (النوبهار) عند الجغرافيين العرب لا يطابق ما هو معروف عن [هيكل النار]، بل على العكس منه، ووصفه بصفات مميزة مشيرا إلى أنه معبد بوذي.
ويذكر عالم الصينيات الفرنسي ستانيسلاس جولين أنه في القرن السابع الميلادي زار هذا المعبد حاج صيني يدعى هوان شانج Hiuan-Tsange ووصفه في كتاب اسمه: [ذكريات على البقاع الشرقية] بقوله: إن كلمة (نوبهار) تعني [الربيع الجديد]، وهي اسم مشتق من كلمتين سنسكريتيتين هما: نڤا Nuova وفهارا Vihari، ومعناهما المعبد الجديد، إشارة إلى [معبد بوذي].
وبزعم الرواة أن (برمك) اعتنق الدعوة في عهد عثمان بن عفان، وتعرض لعداوة (طرخان) ملك الترك. وأن برمك عالج الأمير مسلمة بن عبد الملك وشفاه من مرض ألمً به، كما أنه كلف من قبل الوالي أسد بن عبد الله بإعادة بناء مدينة بلخ التي كانت قد ضُربت. ويبدو أن خالد بن برمك الذي ولد في أيام الدولة الأموية سنة 90 هـ الموافق 709م، قد نشأ على الإسلام، حتى بلغ في الفصاحة مرحلة سامية، كما يبدو أنه كان في خدمة الدعوة العباسية.
وقد اطلق اسم برمك على أناس كثيرين، لا ينتمون إلى الأسرة البرمكية، وقد يكون بعضهم من عتقاء البرامكة أو مواليهم، مثل: المغنية دنانير البرمكية، ومحمد بن الجهم البرمكي (المترجم من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية)، وإبراهيم بن عمر البرمكي الذي ذكر بأن أسلافه كانوا يسكنون قرية تسمى البرامكة فنسبوا إليها، كما أن لقب البرامكة أطلق على المحلة أو القرية نسبة إلى آل برمك الوزراء.
وعندما قام بنو العباس بطلب الخلافة، أيدهم الفرس ونصروا دعوتهم، وسلموا إليهم أزِمًة الخلافة بقيادة أبي مسلم الخرساني [718- 754م]، فأصبح الفرس أصحاب الدولة وحُماتها، واستأثروا بشؤون الخلافة، وأوصى الخلفاء بإكرامهم.
كما جاء في وصية الخليفة المنصور [712- 775م] لابنه المهدي [745- 785م] لما قال: [وانظر مواليك فأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل، وأوصيك بأهل خراسان خيرا، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك ودماءهم دونك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل].
تربية بني العباس..
وقد كان البرامكة -غرّة- على جبين الدولة العباسية، لما كان لها من المآثر والفضائل والسخاء الشديد، والأعمال العظيمة في الدولة وخاصة أيام الرشيد [766- 809م]، فيحيى بن خالد البرمكي كان المسئول عن تربية الرشيد، وزوجته كانت مرضعته.
وقد حفظ لهارون ولاية العهد عندما همّ موسى الهادي بخلع أخيه الرشيد، وهو الذي قام على أمر وزارة الرشيد حتى فوض الخليفة الرشيد له كل الأمور. أما ابنه الأول الفضل البرمكي [766- 808م] فكان أخو الرشيد في الرضاعة والمسئول عن تربية الأمين [787/809- 813م] ابن الرشيد.
استخدمه الرشيد في القضاء على فتنة يحيى بن عبد الله [727- 792م] في بلاد الديلم، ووَلاه خراسان من بعدها، واتخذ من جندها جيشًا كبيرًا تعداده 50 ألف جندي، جعل ولاءهم له مباشرة، وسماهم العباسية. أما جعفر بن يحيى البرمكي [767- 803م] فهو نديم الرشيد وخليله في المجالس. قضى على العصبية القبلية في الشام سنة (180 هـ)، ثم جعل له الرشيد ولاية خراسان والشام ومصر، وجعله مسئولاً عن تربية ابنه المأمون.
أما موسى الابن الثالث ليحيى البرمكي [ت 807م] فكان قائدًا عسكريًا كبيرًا، وتولى أمر الشام سنة (186 هـ). أما محمد الابن الرابع لخالد فلم يكن له ذكر معلوم في التاريخ، ودوره في فترة وزارة البرامكة يحيطه الغموض.
استمرَّ وجود البرامكة في مركز صناعة القرار حتَّى كانت نهايتهم في عهد الخليفة هارون الرشيد الذي قضى عليهم في حدث تاريخي يُسمى نكبة البرامكة. اختلف المؤرخون فيما بينهم في السبب الذي دفع الرشيد إلى التخلص منهم على الرغم من أعمالهم العظيمة. انتهت النكبة بقتل جعفر بن يحيى وسجن البرامكة عام (187هـ/ 804م).
أسباب نكبة البرامكة..
اولا: حادثة يحيى بن عبد الله الطالبي: الذي خرج إلى بلاد الديلم ودعا لنفسه هناك، وبايعه كثير من الناس، وقويت شوكته، وذلك سنة 176 هـ، فأرسل إليه الرشيد الفضل بن يحيى، واستطاع الفضل أن يستنزل يحيى بالسلام على أمان له عند الرشيد، وذلك من غير أن تراق نقطة دم، وعُدَّ ذلك من أفضل أعمال الفضل، وبعد فترة ظهر من يحيى ما أوجب عند الرشيد نقض الأمان، فأمر بحبسه عند جعفر بن يحيى، وفي ذات ليلة اجتمع يحيى مع جعفر، وما زال به حتى أطلقه جعفر وزوده بالمال اللازم لخروجه من بغداد، فوصل الخبر للرشيد، وكان ذلك يعد خيانة عظمى عند العباسيين لشدة خوفهم من الطالبيين، فخاف الرشيد من تآمر آل برمك مع الطالبيين من أجل إقصاء العباسيين، فأمر بقتل جعفر وحبس باقي الأسرة.
ثانيا: الترف الشديد: كان البرامكة يعيشون في ترف شديد جدًا، حتى أنهم كانوا يبنون قصورهم ويضعون على الحوائط بلاط الذهب والفضة، وبنى جعفر بيتًا له كلفه آلاف كثيرة من الدراهم، وكان الرشيد في سفر ذات يوم، فلم يمر على قصر ولا إقليم ولا قرية إلا قيل له: هذا لجعفر، وعندما عاد الفضل من حربه في الديلم أطلق لمادحيه ألف ألف درهم. هذا السرف جعل الرشيد يتابعهم في الدوواوين والكتابات، فأكتشف وجود خلل كبير في مصاريف الدولة. وذُكر أن الرشيد أمر مسرورًا مولاه أن يضرب الفضل بن يحيى مئتي سوط لإخفائه الأموال عنه، ولما بلغ الرشيد أن ليس لديهم شيئًا من المال والجواهر قال: [وكيف وقد نهبوا مالي وذهبوا بخزائني].
ثالثا: الفضل بن الربيع [138- 208هـ]: وكان من موالي العباسيين، وكان شديد العداء للبرامكة، ويقال أنه هو الذي سعى بهم عند الرشيد وأظهر عيوبهم، وغطى محاسنهم، ووضع عليهم العيون، حتى استطاع أن يرصد حادثة هروب يحيى الطالبي عند جعفر، فأخبر بها الرشيد، وزين له أن البرامكة يريدون الخلافة للطابيين. قال ابن خلكان: [أبو العباس الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، واسمه كيسان، فلما آل الأمر إلى الرشيد واستوزر البرامكة، كان الفضل بن الربيع يروم التشبه بهم ومعارضتهم، ولم يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم، فكان في نفسه منهم إحن وشحناء، قال عبيد الله بن سليمان بن وهب: إذا أراد الله تعالى هلاك قوم وزوال نعمتهم جعل لذلك أسبابا، فمن أسباب زوال أمر البرامكة تقصيرهم بالفضل بن الربيع وسعي الفضل بهم وتمكنه من المجالسة مع الرشيد فأوغر قلبه عليهم ومالأه على ذلك كاتبهم إسماعيل بن صبيح حتى كان ما كان].
رابعا: أصل البرامكة: حاول بعض المؤرخين الربط بين أصل البرامكة وهم مجوس، وبين ما حدث لهم على يد الرشيد، فيما أنهم حاولوا إظهار الزندقة، وإعادة دين المجوس مرة أخرى، وأنهم أدخلوا النار في الكعبة حتى تعبد هناك، والذي ساعد على ترويج هذه الفكرة مصاحبة جعفر بن يحيى لبعض الزنادقة أمثال أنس بن أبي شيخ الذي قتله هارون الرشيد بيده، ولكن هذا السبب بعيد المأخذ، ولا يوجد دليل قوي عليه.
خامسا: جيش البرامكة: أصل هذا الجيش كونه الفضل بن يحيى من جند خراسان وتلك البلاد معروفة تاريخيًا بولائها للعباسيين، ولكن ميلهم أكثر للطالبيين وآل البيت، وتعداده خمسين ألفًا جعل ولاءه له مباشرة دون غيره، ثم استقدم منهم عشرين ألفًا لبغداد وسماهم (الكرنبية) مما حرك هواجس الرشيد، غير أنه لم يتحرك حتى جاءه خبر من والي خراسان علي بن عيسى بن ماهان أن السبب في اضطراب خراسان هو موسى بن يحيى من بغداد، فتحقق الظن عند الرشيد، واجتمعت عنده كل ما سبق من الأسباب، وعندها قرر الرشيد عند رجوعه من الحج بالإيقاع بالبرامكة.
سادسا: العباسة: وهي أخت هارون الرشيد، وكانت أديبة شاعرة، ومن ربات الفضل والأدب والجمال، فهي من أجمل النساء وأطرفهن وأكملهن فضلا ً وعقلا ً وصيانة، وكان في جبهتها اتساع يشين وجهها فاتخذت عصابة مكللة بالجوهر، لتستر جبينها، وهي أول من اتخذها. روت بعض الكتب روايات توثق قصة زواج العباسة أخت الرشيد من جعفر البرمكي، وأن هذا الزواج أحد أسباب نكبة البرامكة. وروى المسعودي [896- 957م]: أن العباسة هي من أوصلت جعفر إلى النهاية المشؤومة، ويشير منير العجلاني [1912- 2004م] في كتابه: (عبقرية الإسلام) بقوله: وتغلب جعفر في النهاية على أمر الرشيد، الذي كان يحبه حبًا جمًا حتى زوجه أخته، وكان الرشيد يحب مجلسهما كثيرًا. ولكن الطبري في كتابه: (الرسل والملوك) وابن حزم [994- 1064م] في (جمهرة أنساب العرب) وابن خلدون [1332- 1406م] في مقدمته ينفون خبر زواج العباسة بجعفر، يقول ابن خلدون: [أين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها، أو أين توجد الطهارة والذكاء إذا فُقدا من بيتها، أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنس شرفها العربي بولي من موالي العجم].
اثر البرامكة في النهضة العلمية والأدبية..
للبرامكة فضل كبير في تنشيط الترجمة في العصر العباسي، فقد بذلوا الجهود الكبيرة لتشجيع نقل العلوم القديمة الرومانية واليونانية والفارسية والهندية إلى اللغة العربية، ومن ذلك طلب يحيى بن خالد إلى بطرك الإسكندرية أن يترجم له كتابًا في الزراعة عن اللغة (اللاتينية)، وقد ترجمه. وكان يحيى البرمكي أول من عُني بتفسير كتاب المجسطي وإخراجه للعربية، ففسره جماعة من المترجمين فلم يتقنوه، ولم يرضيه ذلك، فندب لتفسيره كلا من أبي حسان، وسلم صاحب بيت الحكمة فأتقناه. واجتهدا في تصحيحه بعد أن أحضرا النقلة الموجودين، فاختبروا نقلهم وأخذوا بأفصحه وأصحه. اعتنى البرامكة عناية واسعة بترجمة التراث الفارسي، وهناك جيلً كبيرًا نهض في عصرهم والعصر الذي تلاهم بهذه الترجمة، منهم: آل نوبخت وعلى رأسهم الفضل بن نوبخت الذي أكثر من ترجمة كتب الفلك، والفضل بن سهل الذي ترجم ليحيى البرمكي كتابًا من الفارسية إلى العربية فأعجب بفهمه وجودة عبارته. ومن أبرز المترجمين للتراث الفارسي حينئذ: محمد بن الجهم البرمكي، وزادويه بن شاهويه الأصفهاني، وبهرام بن مردان شاه، وموسى بن عيسى الكروي، وعمر بن الفرحان، بالإضافة لصاحب بيت الحكمة وسهل بن هارون.
وقد استقدم يحيى بن خالد بعض أطباء الهند، وكان من بينهم (منكة)، الذي كان ينقل من اللغة الهندية إلى العربية، فكلفه بتفسير كتاب عشر مقالات في البيمارستان. وكان (أبان بن عبد الحميد اللاحقى) نقل للبرامكة كتاب [كليلة ودمنة]، فجعله شعرًا ليسهل حفظه عليهم، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار، ولم يعطه جعفر شيئًا، وقال: [ألا يكفيك أن أحفظه فأكون راويتك]. ويقال إن أبان قلب كتاب [كليلة ودمنة] في ثلاثة أشهر إلى الشعر، وهو أربعة عشر ألف بيت. وقد ألزمه يحيى بن خالد دارًا لا يخرج منها حتى ينقل هذا الكتاب من الكلام إلى الشعر فنقله. ويقال إن كل كلام ينقل إلى شعر، فالكلام أفصح منه، إلا كتاب [كليلة ودمنة]. ذكر ابن خلدون في مقدمته أن الفضل بن يحيى هو أول من أشار بصناعة الكاغد، وكتب فيه رسائل السلطان وصكوكه، واتخذ الناس من بعده صحفًا لمكتوباتهم السلطانية والعلمية، وكان خالد بن برمك أول من جعل الحساب في دفاتر، وكان قبل ذلك في أدراج من كاغد ورق.
وقد نشطت الترجمة في عهد الرشيد ووزرائه البرامكة نشاطًا واسعًا، وقد أذكى جذوتها حينئذ إنشاء دار الحكمة، وهي مكتبة عامة للكتب، تم توظيف طائفة كبيرة من المترجمين بها، ومن أنفس ما نقله البرامكة من الأدب الفارسي كتاب هزاز آفسانة، وهو أصل من أصول كتاب ألف ليلة وليلة. كما كثرت الترجمة من اليونانية إلى اللغة العربية فى أيام الخليفة هارون الرشيد بتشجيع من وزيره جعفر البرمكي.
كان للبرامكة رغبة في طب الهند وأطبائه، فأنشأوا مارستانًا (مستشفى) باسمهم، وولوا عليه طبيبًا هنديًا اسمه ابن دهن، وهو ممن نقل إلى العربية عن اللغة الهندية، واعتنى البرامكة في استقدام أطباء الهند إلى بغداد، وذكر الجاحظ [777- 868م] أن يحيى بن خالد اجتلب أطباء الهند، مثل منكة وبازيكر وقلبرقل وسند باز وغيرهم.
جاء في كتاب (الفهرست) عن ابن النديم (ت 1047م) أن بعض المتكلمين حكوا أن يحيى بن خالد البرمكي بعث برجل إلى الهند ليأتيه بعقاقير موجودة في بلادهم، وأن يكتب له أديانهم، فكتب له كتابًا، ويضيف أن الذي عُني بأمر الهند في دولة العرب يحيى بن خالد وجماعة البرامكة، واهتمامهم بأمر الهند وإحضارهم العلماء من الأطباء والحكماء.
وقد نبغ في فترة البرامكة الطبيب السرياني جبريل بن بختيشوع [ت 828م]، والذي أصبح طبيبًا لجعفر بن يحيى، ثم مالبث أن قدمه إلى الخليفة هارون الرشيد فصار طبيبه الخاص ونزل لديه منزلة ممتازة، وجعله رئيسًا للأطباء. وكان يُصَيَّر إلى جبريل من البرامكة في كل سنة ألف ألف وأربعمئة ألف درهم. قال الجهشياري (ت 943م): «إن جبريل بن بختيشوع كان صنيعة البرامكة، وكا يقول للمأمون كثيرًا: هذه النعمة لم أفدها منك ولا من أبيك، هذه أفدتها عن يحيى بن خالد وولده». خدم جبريل البرامكة مدة 13 سنة، ثم خدم هارون الرشيد مدة 23 سنة حتى وفاته سنة 193 هـ، ثم أصبح طبيب الأمين، فلما ولي المأمون استمر في خدمته حتى مات.
في العمارة..
كان خالد البرمكي ينزل باب الشماسية في الموضع المعروف آنذاك بسويقة خالد، وهي إقطاع من الخليفة المهدي. بنى يحيى بن خالد قصرًا يُعرف باسم قصر الطين، ثم بنى فيه الفضل بن يحيى وأخوه يحيى قصران كانا يعرفان بهما. كانت قصور البرامكة في الجانب الشرقي من بغداد، وعاشوا فيها فترة حكمهم بنعمة ورخاء، وكان القصر الجعفري في وسط باب الشماسية، تحيط به طائفة من المساكن الفخمة، وقد أنشئت هذه القصور على شاطيء دجلة، وأنشأت خلفها بساتين رحبة، بها الكثير من الأبنية الصغيرة. وقد شابهت قصور البرامكة قصور الرشيد، وكان فيها مافي قصر الرشيد من آلات البذخ.
ونظرًا لآراء خالد بن يحيى وخبرته في مضمار البناء، فقد أشار على الخليفة أبي جعفر المنصور في قصة تخطيط مدينة بغداد عام 146 هـ، فقد روى الطبري: [لما أراد المنصور بناء بغداد شاور أصحابه فيها، وكان ممن شاوره فيها خالد بن برمك فأشار بها. وذُكر أن خالد بن برمك خط مدينة أبي جعفر وأشار بها عليه، فلما احتاج إلى الأنقاض، قال له: ما ترى في نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن، وحمل نقضه إلى مدينتي هذه، قال: لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولم، قال: لأنه علم من أعلام الإسلام يستدل به الناظر إليه على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا، وإنما هو على أمر دين، ومع هذا يا أمير المؤمنين فإن فيه مصلى علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، قال: هيهات يا خالد، أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم. وأمر أن ينقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه، وحمل نقضه فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل، فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو عمل، فرفع ذلك إلى المنصور، فدعا بخالد بن برمك، فأعلمه ما يلزمهم في نقضه وحمله، وقال: ما ترى، قال: يا أمير المؤمنين قد كنت أرى قبل ألا تفعل، فأما إذا فعلت فإني أرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده لئلا يقال إنك قد عجزت عن هدمه، فأعرض المنصور عن ذلك].
خلَّف البرامكة الكثير من أعمال البناء الكبيرة، فقد حفر يحيى نهر القاطول، واستخرج نهرًا سمَّاه أبا الحيل، وأنفق عليه وعلى حفره عشرين ألف ألف درهم، وتعد مدينة سيحان بالبصرة من أهم أعمال يحيى البرمكي. لما صار الفضل إلى خرسان بنى الحياض والمساجد والربّاطات وغيرها. ويقال إن الفضل هو أول من أدخل استعمال المصابيح في الجوامع في شهر رمضان، كما أنه بنى مسجدًا جامعًا في بخارى وحقر قناة جديدة في بلخ.
كرم البرامكة..
اتصف البرامكة بالكرم والسَّخاء، ونثروا العطايا في مواليهم ومداحيهم وأتباعهم، ماجعل المعدم منهم غنيًا، ومدحوا بما لم يمدح به خليفة، وضربت بكرمهم الأمثال حتى قيل تبرمك فلان، وقد أشارت المصادر التايخية والأدبية إلى كرمهم، ومنها ما ذكر البيهقي أنه كان للبرامكة في هذا الشأن مالم يكن لأحد من الناس، ومنها أنهم كانوا يخرجون بالليل سرًا ومعهم الأموال يتصدقون بها، وروى الجهشياري أن خالد بن برمك كان سخيًا جليلًا سريًا نبيلًا، كثير الإحسان، وأنه لم يكن لجليس خالد دار إلا بناها له، ولا ضيعة إلا وخالد ابتاعها له، ولا ولد إلا وخالد ابتاع أمه إن كانت أمة، أو أدى مهرها إن كانت حرة، ولا دابة إلا وخالد حمله عليها، إما من نتاجه أو نتاج غيره، وعلى ذلك نشأ ولدي يحيى: جعفر الذي كان جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه أشهر من أن يذكر وأبين من أن يظهر، والفضل الذي كان من كرام الدنيا وأجواد أهل عصره. وقد اقتدى بهم جميع أفراد الأسرة البرمكية، فعينوا الرواتب لأصحاب الحاجات وغمروا الشعراء بهذايا سخية، حتى فاقوا الخلفاء في مجال الكرم.
كان يحيى البرمكي يُجري على سفيان الثوري [716- 777م] ألف درهم في كل شهر، فكان إذا صلى سفيان يقول في سجوده اللهم إن يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته، فلما مات يحيى رؤي في المنام فقيل له: مافعل الله بك، قال: غفر لي بدعاء سفيان، وروى السيوطي [1445- 1505م]: أن منتهى الكرم للوزراء البرامكة كاد أن لا يوجد أحد من العلماء والحكماء والعظماء والندماء إلا والبرامكة عليه كرم كماء السماء. ولم يقف الكرم البرمكي عند هذا الحد، بل حرَّض الخلفاء على الجود والسخاء، ومنها أنه قام رجل إلى الرشيد ويحيى بن خالد يسايره فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من المرابطة، وقد عطبت دابتي، فقال: يعطى ثمن دابة خمسمائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزل قال: يا أبة أومأت إلي بشيء لم أفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين مثلك لا يجري هذا المقدار على لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف إلى مائة ألف قال: فإذا سئلت مثل هذا كيف أقول، قال: تقول يشترى له دابة، يفعل به ما يفعل بأمثاله
البويهيون..
بنو بويه: سلالة من الديلم (جنوب بحر الخزر) حكمت في غرب إيران والعراق سنوات 932/45-1056/62 م.
مواطنهم في أعالي جبال الديلم ويرجع نسبهم إلى ملوك ساسان. استمدوا اسمهم من أبو شجاع بويه، والذي لمع اسمه أثناء عهد الدولتين السامانية ثم الزيارية. استطاع ثلاثة من أبنائه الاستيلاء على السلطة في العراق وفارس. خلع عليهم الخليفة العباسي ألقاب السلطنة.
استولى عماد الدولة (932-949 م) على فارس وأسس فرعا دام إلى حدود سنة 1055 م. الابن الثاني حسن ركن الدولة (932-976 م) استولى على الري وهمدان وأصفهان. دام فرعه حتى سنة 1023 م.
وأخيرا استولى بدوره أحمد معز الدولة (932-967 م) على الأحواز، وكرمان. دام فرعه حتى 1012 م. قام الأخير بالاستيلاء على بغداد سنة 945 م وأعلن نفسه حامي الخلافة (حتى 1055 م). ومن أهم حكام هذه الأسرة علي بن خسرو عضد الدولة (949-983 م) والذي استطاع أن يتملك دولة واسعة الأطراف شملت كل العراق المعروف اليوم ومناطق أخرى.
تصارعت فروع الأسرة فيما بينها فعمت الإضرابات أرجاء الدولة. انتهى الأمر بأن قسمت الدولة إلى فرعين في العراق (1020-1055 م) وآخر في كرمان (1012-1056 م). قضى الغزنويون سنة (1023م) على فرع البويهيين في الري، ثم أنهى السلاجقة ما تبقى من دولتهم وحلوا محلهم في بغداد. آخر فرع لهم حكم في كرمان حتى سنة 1062 م. وأدناه قائمة سلاطين بني بويه في بغداد..
معز الدولة احمد ابن بويه [ت 967م] حكمه خلال [956- 967م]
عزالدولة ابو منصور بختيار بن احمد [943- 978م] = = [967- 978م]
عضد الدولة ابو شجاع فناخسرو بن ركن الدين [937- 983م] = = [978- 983م]
صمصام الدولة مرزبان بن عضد الدولة [؟] = = [983- 987م]
شرف الدولة شرزيل بن عضد الدولة [971- 990م] = = [987- 990م]
بهاء الدولة ابو نصر فيروز بن عضد الدولة [972- 1013م] = = [990- 1013م]
شرف الدولة ابو شجاع فنا خسرو بن بهاء الدولة [ت 1025م] = = [1013- 1025م]
جلال الدولة ابو طاهر فيروزجرد بن بهاء الدولة [993- 1044م] = [1025- 1044م]
العزيز ابو منصور شرزيل بن جلال الدولة [ت 1051م] = = [1044- 1045م]
ابو كاليجار مرزبان بن شرف الدولة [ت 1049م] = = [1045- 1049م]
ابو نصر خسرو فيروز بن كاليجار [1009- 1085م] = = [1049- 1055م]

رموز الفرس..
خالد بن برمك [709- 780م]..
ترقى الفرس إلى أعلى المناصب والمراتب عند العباسيين في أيام البرامكة، حيث تولوا الوزارة التي كانت تعتبر من أعلى المناصب. وأول من اتصل بالعباسيين من البرامكة هو خالد بن برمك، الذي نبغت الدولة البرمكية في أيامه، وامتدت إلى أن انقضت في أيام الرشيد.
كان خالد بن برمك [709- 780م] رجلًا فاضلًا جليلًا كريمًا حازمًا يقظًا، من كبار الدُعاة إلى الخلافة العباسية في بلاده، وممن تزعَّموا الحراك العباسي في خراسان، ومن رجال الدولة العباسية الأقوياء. لمع اسمه عندما أظهر بسالة وبراعة حربية في قيادته لبعض الجيوش الخرسانية تحت لواء القائد أبو مسلم الخرساني [718- 754م].
عمل على تنظًيم (الخراج)، وتقلد ادارة (الغنائم) وتوزيعها، في جيش قحطبة بن شبيب قائد أبي مسلم. وأُرسل مع المسيب بن زهير إلى (دير قنى) لإدارة الإقليم، ثم أمره الخليفة العباسي الأول أبو العباس السفاح [721- 754م] على ما كان يتقلد من (الغنائم)، وجعله بعد ذلك على: [ديوان الخراج ، وديوان الجند].
بعد مقتل حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال، الملقب بوزير آل محمد، استوزر السفاح خالد بن برمك، في محل الوزير القتيل. وبذك يكون خالد جد البرامكة أول من وُزِّر من آل برمك، وكان له شقيقان: الحسن وسليمان أبناء برمك، ولم يرد لهما ذكر في كتب التاريخ.
اتصلت وزارة خالد في عهد المنصور [712- 775م]، حيث ولاه على [الري وطبرستان ودنباوند]، فأقام بها سبع سنين. وكان من اعماله بطبرستان إخماد نيران ثورة كبيرة فيها، التي كان من اثارها: أن أهل طبرستان نقشوا على دروعهم صورة خالد وسلاحه، بعد سحقه لتمردهم.
ثم ولاه المنصور الموصل، بعد أن أشار عليه بذلك المسيب بن زهير، فأحسن خالد إلى الناس، وهابه أهل البلد هيبة شديدة مع إحسانهم إليه. وذكر أحمد بن محمد بن سوار الموصلي أنه قال: ما هبنا قط أميرًا هيبتنا خالد بن برمك، من غير أن تشتد عقوبته ولا نرى فيه جبرية، ولكن هيبة كانت له في صدورنا.
يحيى بن خالد (ت 807م)..
بعد وفاة خالد بن برمك ظهر ابنه يحيى الذي كان سديدًا صائب الآراء حسن التدبير، ظابطًا لما تحت يده، قويًا على الأمور. قربه الخليفة المهدي إليه، وأصبحت العلاقة وثيقة بينهما بدليل أنه حين ولد الفضل بن يحيى في سنة 147 هـ قبل ولادة الخيزران للرشيد بسبعة أيام، أرضعت الخيزران الفضل من لبان ابنها، فكان الفضل بن يحيى أخًا للرشيد من الرضاع.
في السنة الثالثة من خلافة المهدي أي في سنة 161 هـ عهد إلى يحيى البرمكي تربية ابنه هارون وتأديبه، وفي السنة 163 هـ ولَّى ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل يحيى على ديوان رسائله. بعد وفاة المهدي تولى الخلافة ابنه الهادي، فأبقى يحيى على وظائفه السابقة، وخلال مدة قصيرة في حوالي السنة، حاول الهادي نقل ولاية الرشيد إلى ابنه جعفر لتبقى الخلافة في نسله، وتبعه في ذلك عدد من قواد الدولة العباسية منهم يزيد بن مزيد وعبد الملك بن مالك وعلي بن عيسى، فخلعوا هارون وبايعوا جعفر بن موسى، ولكن يحيى لم يرضى بهذه المبايعة، وبقي على إخلاصه للرشيد وثبت في المحافظة على حقه في ولاية العهد، ولم يكتفي بذلك، بل حرض الرشيد على عدم التنازل عن حقه، فأخبر بعضهم الهادي بأنه ليس عليك من هارون خلاف وإن من يفسده يحيى بن خالد، فقالوا: ابعث إلى يحيى وهدده بالقتل وارمه بالكفر، فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى بن خالد.
ذكر أبو حفص الكرماني أن محمد بن يحيى بن خالد حدثه قال: بعث الهادي إلى يحيى ليلا، فأيس من نفسه وودع أهله، وتحنط وجدد ثيابه، ولم يشك أنه يقتله، فلما أدخل عليه قال: يا يحيى ما لي ولك، قال: أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته، قال: فلم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي، قال: يا أمير المؤمنين من أنا حتى أدخل بينكما، إنما صيرني المهدي معه، وأمرني بالقيام بأمره، فقمت بما أمرني به ثم أمرتني بذلك، فانتهيت إلى أمرك، قال: فما الذي صنع هارون، قال: ما صنع شيئًا، ولا ذلك فيه ولا عنده، قال: فسكن غضبه، وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع، فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي، وكان هارون يجد بأم جعفر وجدا شديدا، فقال له يحيى: وأين هذا من الخلافة ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع، ومنعه من الإجابة. وكان الهادي قد حدث يحيى في خلع هارون واحلاله ابنه جعفر، وقد حادث يحيى للهادي في خلع الرشيد لما كلمه فيه: يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك بايعت لجعفر من بعده، كان ذلك أوكد لبيعته، فقال: صدقت ونصحت.
غير أن الهادي لم يقبل بهذ النصيحة ورجع إلى فكرة تنحية أخاه عن ولاية العهد والمبايعة لابنه جعفر، فأحضر يحيى البرمكي وحبسه وعزم على قتله، يقول اليعقوبي [ت 905م]: أن موسى الهادي أخذ يحيى بن برمك وأشرف عليه بالقتل عدة مرات، وحكي أن موسى الهادي كان قد طالب أخاه هارون أن يخلع نفسه من العهد، ليصيره لابنه من بعده، ويخرج هارون من الأمر فلم يجب إلى ذلك، وأحضر يحيى بن خالد البرمكي، ولطف به وداراه ووعده ومناه وسأله أن يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك ودافعه مدة، فتهدده وتوعده، وجرت بينهما في ذلك خطوب طويلة، وأشفى يحيى معه على الهلاك، وهو مقيم على مدافعته عن صاحبه، إلى أن اعتل الهادي علته التي مات منها، واشتدت به، فدعا يحيى وقال له: ليس ينفعني معك شيء، وقد أفسدت أخي علي، وقويت نفسه حتى امتنع مما أريده، ووالله لأقتلنك، ثم دعا بالسيف والنطع وأبرك يحيى ليضرب عنقه، فقال إبراهيم بن ذكوان الحراني: يا أمير المؤمنين إن ليحيى عندي يدًا، أريد أن أكافئه عليها، فأحب أن تهبه لي الليلة، وأنت في غد تفعل به ما تحب، فقال له: ما فائدة ليلة، فقال: إما أن يقود صاحبه إلى إرادتك يا أمير المؤمنين، أو يعهد في أمر نفسه وولده، فأجابه، قال يحيى: فأُقمت من النطع، وقد أيقنت بالموت، وأيقنت أنه لم يبق من أجلي إلا بقية الليلة، فما اكتحلت عيناي بغمض إلى السحر، ثم سمعت صوت القفل يفتح علي، فلم أشك أن الهادي قد استدعاني للقتل، لما انصرف كاتبه، وانقضت الليلة، وإذا بخادم قد دخل إلي، وقال: أجب السيدة، فقلت: ما لي وللسيدة، فقال: قم، فقمت وجئت إلى الخيزران فقالت: إن موسى قد مات، ونحن نساء فادخل، فأصلح شأنه، وأنفذ إلى هارون فجئ به، فأدخلت، فإذا به ميتًا، فحمدت الله تعالى على لطيف صنعه، وتفريج ما كنت فيه، وبادرت إلى هارون، فوجدته نائمًا فأيقظته، فلما رآني عجب وقال: ويحك ما الخبر، قلت: قم يا أمير المؤمنين إلى دار الخلافة، فقال: أو قد مات موسى، قلت: نعم، فقال: الحمد لله، هاتوا ثيابي فإلى أن لبسها، جاءني من عرفني أنه ولد له ولد من مراجل، ولم يكن عرف الخبر، فسماه عبد الله، وهو المأمون وركب وأنا معه، إلى دار الخلافة. في نفس سنة توليت الرشيد مقاليد الحكم، ولُّى يحيى بن خالد الوزارة وقال له: «قد قلدتك أمر الرعية، فاحكم فيها بما ترى، واعزل من رأيت، واستعمل من رأيت، ودفع إليه خاتمه»،
في سنة 178 هـ فوض الرشيد إلى يحيى البرمكي جميع أموره يفعل ما يريد، كل الأمور بيده، يعين ويعزل، ويجمع ويفرق كما يشاء. وبذلك أصبح الوزير يحيى وكأنه الحاكم الفعلي الذي يتمتع بصلاحيات مطلقة، فقام بإدارة أمور الحكم وسد الثغور وجبي الأموال، فعظم شأنه وعُمل برأيه. لكن على الرغم من المنزلة العضيمة التي وصل إليها يحيى، إلا أنه لم يكن المشرف الوحيد على ادارة شؤون الدولة باغتباره وزيرًا، وذلك لأن الرشيد خلال السنوات الأولى من حكمه ترك ممارسة السلطة لأمه ولوصيه، إذ كان على يحيى أن يعرض شؤون الرعية على الخيزران أم الخليفة. في بداية وزارة يحيى كان يمتلك إدارة الدواوين كلها سوى ديوان الخاتم، فقد كان الختم موكلًا إلى جعفر بن محمد الأشعث، ثم في بداية سنة 171 هـ أخذه الرشيد ودفعه إلى أبي العباس بن سليمان الطوسي، ثم لم يلبث أبي العباس يسيرًا حتى توفي فعادت هذه الوظيفة إلى يحيى بن خالد الذي جمع الوزارتين. كانت الكتب التي تنفذ من ديوان الخراج تؤرخ باسم يحيى بن خالد. منذ أن تقلد يحيى بن خالد الوزارة ظهر ما سمي بدولة بني برمك.
فقد قال ابن الطقطقي[1262- 1309م]: [اعلم أن هذه الدولة كانت غرة في جبهة الدهر، وتاجاً على مفرق العصر. ضربت بمكارمها الأمثال، وشدت إليها الرحال، ونيطت بها الآمال. وبذلت لها الدنيا أفلاذ أكبادها، ومنحتها أوفر إسعادها. فكان يحيى وبنوه كالنجوم زاهرة، والبحور زاخرة، والسيول دافعة، والغيوث ماطرة، أسواق الآداب عندهم نافقة، ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية. والدنيا في أيامهم عامرة. وأبهة المملكة ظاهرة، وهم ملجأ اللهف، ومعتصم الطريد].
مكث يحيى في الحكم مدة سبع عشرة سنة، يعاونه في تصريف شؤون الخلافة أبنائه الأربعة: الفضل وجعفر ومحمد وموسى. وقد وصفهم إبراهيم الموصلي [742- 806م] بقوله: [أما الفضل فيرضيك بفعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل حسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ما لا يجد]. لم يُقدر لولدي يحيى: محمد وموسى أن يلعبا دورًا مهمًا، حيث كان موسى قائدًا عسكريً مشهورًا بشجاعته، وقد تبوأ ابناه الآخران: الفضل وجعفر أعلى المناصب وأعظمها، إذ ولَّى الرشيد جعفر المغرب كله من الأنبار إلى أفريقيا، وذلك سنة 176 هـ، وقلَّد الفضل المشرق كله من النهروان إلى أقصى بلاد الترك، كما لوحظ أن لقب الوزير الذي كان يعني يحيى كان ينطبق أيضًا على الفضل وجعفر.
وقد عُرِفَ يحيى بن خالد من أكمل زمانه أدبًا وفصاحةً وبلاغة، وروي عنه قوله: ما رأيت رجلًا قطُّ إلا هبته حتى يتكلَّم، فإنْ كان فَصِيحًا، عَظُم في صدري، وإنْ قصَّر سقط من عيني. وقد أورد الجهشياري (ت 943م) بعض المآثر من كلام يحيى، مثل قوله: التعزية بعد ثلاث: تجديد للمصيبة.. والتهنئة بعد ثلاث: استخفاف بالمودة. وقال: رسائل المرء في كتبه أدل دليلٍ على مقدار عقله, وأصدق شاهدٍ على غيبه لك ومعناه فيك من أضعاف ذلك على المشافهة والمواجهة. وقوله: مطلك الغريم أحسن من مطلك الكريم، لأن الغريم لا يسلف إلا من فضل، والكريم لا يطلب إلا من جهد. وقوله: البلاغة أن تكلم كل قوم بما يفهمون. وقوله: لو كلف الله العباد الجزع دون الصبر كان قد كلفهم أشد المعنيين على القلوب. عندما سجن يحيى وجَّه إلى الرشيد رسالة استعطاف بليغة وقال فيها: [من الحبس لأمير المؤمنين وخلف المهديين وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته عيوبه وأوبقته ذنوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وزال به الزمان ونزل به الحدثان وحلّ به الضيق بعد السعة والشقاء بعد السعادة وعالج البؤس بعد الدعة ولبس البلاء بعد الرخاء وافترش السخط بعد الرضى واكتحل السهود وفقد الهجود، ساعته شهر وليلته دهر، قد عاين الموت وشارف الفوت، جزعاً يا أمير المؤمنين قدمني الله قبلك من موجدتك وأسفاً على ما حرمته من قربك لا على شيء من المواهب، لأن الأهل والمال إنما كانا لك وعارية في يديّ منك، والعارية لا بد مردودة، فأما ما اقتصصته من ولدي فبذنبه وعاقبته بجرمه وجريرته على نفسه فإنما كان عبداً من عبيدك لا أخاف عليك الخطأ في أمره ولا أن تكون تجاوزت به فوق ما كان أهله ولا كان مع ذلك بقاؤه أحبّ إلي من موافقتك، فتذكّر يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك وحجب عني فقدك، كبر سني وضعف قوتي وارحم شيبتي وهب لي رضاك عني ولتمل إليّ بغفران ذنبي، فمن مثلي يا أمير المؤمنين الزلل ومن مثلك الإقالة، ولست أعتذر إليك إلا بما تحب الإقرار به حتى ترضى، فإذا رضيت رجوت أن يظهر لك من أمري وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك معه ما مننت به من رأفتك بي وعفوك عني ورحمتك لي، زاد الله في عمرك يا أمير المؤمنين وقدمني للموت قبلك].
الفضل بن يحيى [766- 808م]..
في عام 176 هـ ولِّي الفضل بن يحيى الأرض العباسية من النهر إلى أقصى بلاد الترك، وكان ذلك عندما ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب في الدليم، وكثر أنصاره واشتدت شوكته، فاغتم الرشيد ذلك ووجه الفضل في خمسين ألفًا من جنوده، وتمكن الفضل من إخماد الثورة باللين دون سفك الدماء، بعد أن أقنع يحيى بقبول الصلح، ووضع له أمانًا من قبل الرشيد، كتبه الرشيد بخطه وبشهادة القضاء والفقهاء، فسلم يحيى نفسه وحمله الفضل إلى الرشيد.
اختلفت الروايات في مصير يحيى البرمكي فمنهم من قال بأن الرشيد حبسه في السجن حتى مات، ومنهم من قال حبسه تحت اشراف البرامكة فأطلقوا سراحه دون استأذان الرشيد، ولكن الرشيد ما إن حبس يحيى حتى استقبل ابنه الفضل في بغداد وأكرمه إكرامًا عضيمًا. وقد تميز الفضل بأخلاق جدية صارمة، في سنة 177 هـ سُمي الفضل واليًا على خرسان، فلما صار لإليها أزال سيرة الجور وبنى الحياض والمساجد، وأحرق دفاتر البغايا، وزاد الجند والقواد ووصل الزوار والكتاب، فحسنت سيرته، وأمر بهدم النوبهار فلم يقدر عليه لإحكام بنائه، فهدم منه قطعة وبنى فيها مسجدًا، وفي خرسان جند الفضل جيشًا من العجم وأطلق عليهم اسم العباسية بلغ عدده خمسمائة ألف رجل، أرسل عشرين ألفًا منهم إلى بغداد وظل الباقون في خرسان. ولمَّا خالف أهل الطاقان افتتح الفضل بلادهم، وزحف صاحب الترك في جيش كبير ولقي عسكر الفضل والتحمت بينهما الحرب، واستباح الفضل عسكر الطالقان، وغنم أمواله.
وقد كلف الفضل إبراهيم بن جبريل بفتح بلاد كابل، فافتتحها وغنم غنائم كثيرة، وقاد حملة ضد مملكة أشروسنة وكانت المملكة ممتنعة. غير أن الفضل لم يكتب له النصر في حروبه في أرمينية، فقد ذكر اليعقوبي(ت 905م): [أنه لما ولي الرشيد الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي أرمينية، سار إليها بنفسه، فلما قدم توجه إلى ناحية الباب والأبواب، فغزا قلعة حمزين، فهزمه أهل حمزين، فانصر ما يلوي على شيء حتى أتى العراق واستخلف على البلد عمر بن أيوب الكناني].
كان الرشيد قد جعل ولده محمدًا في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختص كل واحد منهما بمن في حجره، لذلك كان للفضل الدور البارز في أخذ البيعة لمحمد بن الرشيد، إذ أنه لما صار إلى خرسان فرق بين سكانها الأموال وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له وسمَّاه الأمين. ولما انصرف الفضل من خرسان إلى العراق في آخر سنة 179 هـ، استقبله الرشيد استقبالًا حافلًا، وقال الطبري [839- 923م]: [لما قدم الفضل بن يحيى من خرسان خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بالألف ألف وبالخمسمئة ألف]. وأحب الرشيد تقليد جعفر الخاتم، وكان إلى الفضل، ورغبة منه في عدم اعطاء قراره هذا طابع العزل، وجد الصيغة المناسبة لإعلان هذا الحدث، وأرسل إلى يحيى البرمكي: [إن أمير المؤمنين رأى أن ينقل خاتم الخلافة من يمينك إلى شمالك]. وصرف الرشيد الفضل بن يحيى عن الأعمال التي كان يتقلدها أولًا، ثم ظهر من الرشيد في سنة 183 هـ سخط على الفضل بن يحيى، ونزع منه كل وظائفه، وبقي فقط وصي على ولي العهد محمد الأمين، وهي الوظيفة التي حصل عليها قبل أن يذهب إلى الري.
جعفر بن يحيى [767- 803م]..
بينما كان يحيى البرمكي يميل إلى الفضل، كان الرشيد يميل إلى جعفر. كان جعفر سمح الأخلاق طلق الوجه، ظاهر البشر، وهذه الصفات قربته من الرشيد فآنس به أكثر من أنسه بأخيه الفضل، ولم يكن له صبر عنه، فأنزله بالخلد بالقرب من قصره. وتباعد ما بين الفضل وجعفر، لأن الفضل كان يلتمس من جعفر أن يعطيه بعد اختصاص الرشيد إياه من نفسه مثل ما كان يعطيه قبل ذلك، وقد ساعد الرشيد جعفر في مهماته المختلفه، وكثيرًا ما كان الرشيد يقول ليحيى: [أنت للفضل وأنا لجعفر]. كان جعفر متمكنًا عند الرشيد غالبًا على أمره واصلا منه، وبلغ علو المرتبه عنده مالم يبلغ سواه، حتى أن الرشيد اتخذ ثوبًا له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة، وذكر المقدسي أن هارون كان مختصًا بجعفر بن يحيى بن برمك حتى أمر فخيط له قميص ذو جيبين، يلبسه هارون وجعفر لثقة به واختصاصه به. وروى الجهشياري أن الرشيد كان يسمي جعفرًا أخي، ويدخله معه في ثوبه، وقلده بريد الآفاق ودور الضرب والطرز في جميع الكور، كما أشركه معه في النظر في المظالم.
في سنة 176 هـ كثر تظلم أهل مصر من موسى بن عيسى، فولى الرشيد جعفر بن يحيى على مصر، وعندما هاجت العصبية بالشام في سنة 180 هـ وزاد خطرها غضب الرشيد لذلك وعقد لجعفر بن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر بل أقيك نفسي، فقصد جعفر الشام وأصلح بينهم وأخمد الثورة. ولما نجح جعفر في إطفاء نيران الفتنة، ولى جعفر صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشام عيسى بن العكي وانصرف، فازداد الرشيد له كرمًا. وفي نفس السنة ولى الرشيد جعفر بن يحيى على خرسان وسجستان. في سنة 182 هـ تمكن جعفر من الحصول على وصاية عبد الله المأمون بعد أن أخذت البيعة له كولي للعهد بعد الأمين. في عهد جعفر اشتدت قبضة البرامكة على أمور الحكم، وبلغت سلطتهم حدًا كبيرًا، فثقة الرشيد الكبيرة بجعفر جعلت له مكانة مرموقة وسلطة واسعة في الدولة، وأصبحت كلمته هي الكلمة النافذة، إذ لم يكن أحد يجسر على ن يرد عليه قولًا ورأيًا. ولم يزل البرامكة في عز وجاه وسلطان وفي ذروة المكانة عند الرشيد حتى قيل: [إن أيامهم عرس وسرور دائم لا يزول].
اختلف المؤرخون كثيرًا في تعليل الأسباب التي دفعت الخليفة العباسي هارون الرشيد للتنكيل بالبرامكة، وقد أقرأ المؤرخون بهذا الاختلاف، فالطبري يقول: [أما سبب غضبه عليه (أي على جعفر) الذي قتله عنده، فإنه مختلف فيه]. ويقول المسعودي [896- 957م]: [واختلف الناس في سبب إيقاعهم بهم]، ويقول أبو الفداء [1273- 1331م]: [وقد اختلف في سبب ذلك اختلافًا كثيرًا]، وقال ابن كثير [1301- 1374م]: [وقد اختلف في سبب ذلك]، ويقول ابن خلكان [1211- 1282م]: [وقد اختلف أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم]، أما ابن الطقطقي [1262- 1309م] فقال: [اختلف أصحاب السير والتواريخ في ذلك]، ويقول اليعقوبي (ت 905م): [إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بن خالد بغير أمر متقدم، وإن أكثر الناس في أسباب السخط عليه مختلفون].
وبحسب الروايات التاريخية، فقد شعر البرامكة بنكبتهم، لأنهم لاحظوا بأنفسهم أو بواسطة أناسِ آخرين، زوال حظوتهم عند الخليفة وعدم الرضى عليهم، ومن ذلك ما سعى به علي بن عيسى عند الرشيد في أمر خراسان وطاعة أهلها للفضل، وأنه يكاتبهم ويعمل الوثوب به معهم، فحبسه الرشيد ثم أطلقه بعد تدخل أم الفضل بن يحيى في أمره، فكان ذلك أول ثملة ثلموا بها.
وقد ذكر الطبري عن ثمامة بن أشرس قال: أول ما أنكر يحيى بن خالد من أمره أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغني عنك من الله شيئًا وقد جعلته فيما بينك وبين الله فكيف أنت إذا وقفت بين يديه فسألك عما عملت في عباده وبلاده فقلت يا رب إني استكفيت يحيى أمور عبادك أتراك تحتج بحجة يرضى بها مع كلام فيه توبيخ وتقريع، فدعا الرشيد يحيى وقد تقدم إليه خبر الرسالة فقال تعرف محمد بن الليث قال: نعم، قال: فأي الرجال هو، قال: متهم على الإسلام فأمر به فوضع في المطبق دهرًا، فلما تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه فأحضر فقال له بعد مخاطبة طويلة يا محمد أتحبني قال لا والله يا أمير المؤمنين، قال تقول هذا، قال: نعم وضعت في رجلي الأكبال وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب أتيت ولا حدث أحدثت سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله ويحب الإلحاد وأهله فكيف أحبك قال صدقت وأمر بإطلاقه، ثم قال: يا محمد أتحبني، قال: لا والله يا أمير المؤمنين ولكن قد ذهب ما في قلبي فأمر أن يعطى مائة ألف درهم ، فأحضر فقال: يا محمد أتحبني قال أما الآن فنعم قد أنعمت علي وأحسنت إلي، قال: انتقم الله ممن ظلمك وأخذ لك بحقك ممن بعثني عليك، قال: فقال الناس في البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أول ما ظهر من تغير حالهم.
وعلى غرار والده، كان جعفر بن يحيى من ذوي الفصاحة، ومن المذكورين باللسان والبلاغة. قال عنه ابن خلدون: وقد كان جعفر بن يحيى يوقع القصص بين يدي الرشيد ويرمي بالقصة إلى صاحبها، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها، حتى قيل إنها كانت تباع كل قصة منها بدينار، وهكذا كان شأن الدول. ومن أمثلة توقيعاته، توقيعه على رقعة لمحبوس متظلم من حبسه: [العدوان أوبقة والتوبة تطلقة]. وقد كانت معظم كتابات البرامكة مبنية على السجع الذي كان يؤثره جعفر في كتاباته المختلفة مبالغة منه في التأنق والتنميق. وقد اتخذ البرامكة كتابًا بلغاء عملوا في دواوينهم، ومن أبرزهم: إسماعيل بن صبيح، ويوسف بن صبيح، والليث بن نصر بن سيار، وأنس بن أبي شيخ، والفضل بن سهل وأخيه الحسن بن سهل، وسهل بن هارون، وعمرو بن مسعدة. وقيل أن جابر بن حيان كان في جملة البرامكة ومنقطعا إليها، ومتحققًا بجعفر بن يحيى.
مقتل جعفر بن يحيى [767- 803م]..
تعددت الأسباب التي أدت لحدوث نكبة البرامكة، وأدت مجتمعة لحادثة مقتل جعفر بن يحيى، يقول الطبري: أن الرشيد حج في سنة 186 هـ، وأنه انصرف من مكة فوافى الحيرة في المحرم من سنة 187 هـ عند انصرافه من الحج، فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرم أرسل مسرورا الخادم، ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلًا، ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبب، وأبو زكار الأعمى المغني الكلوذاني، وهو في لهوه فأخرجه إخراجًا عنيفا يقوده حتى أتى به المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به، فأمر بضرب عنقه، ففعل ذلك.
أضاف الطبري: وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه، ومن كان منهم بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضراً، وحول الفضل بن يحيى ليلاً فحبس في ناحية من منازل الرشيد، وحبس يحيى بن خالد في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها، ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم، وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم، وولاه أمورهم، وفرق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم، وأخذ وكلائهم. فلما أصبح بعث بجثة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتاني وهرثمة بن أعين وإبراهيم بن حميد المروروذي، وأتبعهم عدة من خدمه وثقاته، منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى، وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى، وجعل معه هرثمة بن أعين، وأمر بقبض جميع ما لهم، وكتب إلى السندي الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام، ونصب رأسه على الجسر الأوسط وقطع جثته، وصلب كل قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل، ففعل السندي ذلك، وأمضى الخدم ما كانوا وجهوا فيه، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرشيد، فأمر بإطلاقهم، وأمر بالنداء في جميع البرامكة: أن الأمان في محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه فإنه استثناهم، لما ظهر من نصيحة محمد له، وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة، وخلى سبيل يحيى قبل شخوصه من العمر، ووكل بالفضل ومحمد وموسى بني يحيى، وبأبي المهدي صهرهم حفظةً من قبل هرثمة بن أعين، إلى أن وافى بهم الرقة، فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبي شيخ يوم قدم الرقة، وتولى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك، ثم صلب، وحبس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دير القائم، وجعل عليهم حفظة من قبل مسرور الخادم وهرثمة بن أعين، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه، وصير معهم زبيدة بنت منير أم الفضل ودنانير جارية يحيى وعدة من خدمهم وجواريهم، ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمهم بالتثقيف بسخطه، وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد، فضيق عليهم. وقد قتل جعفر بن يحيى في ليلة السبت أول ليلة من شهر صفر سنة 187 هـ وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة.
ولم يزل يحيى بن خالد وابنه الفضل محبوسين حتى ماتا بالرقة، حيث مات يحيى في شهر محرم سنة 190 هـ فجأة من غير علة، وصلى عليه ابنه الفضل ودفن في شاطيء الفرات. أما الفضل فقد مات في شهر محرم سنة 193 هـ قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وهو ابن خمس وأربعين سنة، وصلى عليه اخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم أُخرج فصلى الناس على جنازته. أما بالنسبة لابني يحيى الآخران: محمد وموسى، فقد بقيا في الحبس بالرقة حتى تولى الخلافة محمد الأمين، فأطلق سراحهما، وبينما التحق محمد بالمأمون، بقي موسى يقاتل في صفوف الأمين، ولم يفارقه حتى قتل، ثم انضم إلى هرثمة واجتمع معه على حرب أبي السرايا، وخاض معه معارك كثيرة، فلما ورد المأمون العراق صار إليه فبرَّه وقدَّمه وانبسط إليه في المشورة والرأي حتى غلب عليه.
نظرًا للدور الكبير الذي لعبه البرامكة في الدولة العباسية، فإن إيقاع الرشيد بهم ترك فراغًا كبيرًا في معظم إدارات الدولة، قال الفضل بن مروان [786-864م]: [إن أمور البريد والأخبار في أيام الرشيد كانت مهملة، وإن مسرورًا الخادم كان يتقلد البريد والخرائط، وأن الرشيد توفي وعندهم أربعة آلاف خريطة]. ويقول المسعودي: [إن الرشيد دفع خاتم الخلافة بعد إيقاعهم بهم (أي البرامكة) إلى علي بن يقطين، وغلب عليه الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح إلى أن مات واختلت أموره بعد البرامكة، وبان للناس قبح تدبيره وسوء سياسته]. وكان الرشيد كثيرًا ما يقول حملونا على نصائحنا وكفاتنا وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم، فلما صرنا إلى ما أرادوا منا لم يغنوا عنا شيئًا.
خلاصة..
المجوسية طقس ديني قديم يقوم على فكرة تقديس النار، واعتبارها رمز (الشمس) على الارض. ومن خواصها النور الذي هو رمز (المعرفة) ودالته (الحكمة). استخدم يسوع الجليلي النار بالاحالة على دالتين رئيستين: احداهما: النار تنقي الفضة والذهب،وهي دالة التطهير وتنقية المؤمن في تحوله للانسان البار او السامي. والدالة الثانية، هي مصير –الاشرار- اتباع ابليس في وصفه لحفرة النار التي نارها لا تنطفئ. ويذكر ان اسم الجحيم (جهنم)= [جي هنّم] مشتقة من اصل ايراني، من خلال المقطع الاول [جي = حفرة] باللغات الفارسية والكردية.
النار ليست عبادة وانما طقس اجتماعي كرنفالي من عصر طفولة البشرية، وما تزال اثاره في كرنفالات الافارقة وسكان اميركا الجنوبية حيث يرتبط طقس النار بالاجتماع والفرح والرقص والغناء، وذلك هو طقس (نوروز)= [يوم الجديد/ العام الجديد] الذي يستمر اياما عديدة ومتصلة ليلا ونهارا، تشتعل خلاله النار بغير انطفاء. ونوروز عيد الفرح لمناسبة بدء السنة التقليدية الجديدة.
وما زالت النار تحتل بؤرةالعقيدة الهندوسية والميثولوجيا الهندية، ويدخل معها (الماء) الذي يساويها في القوة ويخالفها في التأثير. ويقال في المثل، لا يطفئ النار غير الماء، ولكن النار ايضا تبخر الماء وترفعه الى السماء، وهو ما ترمز اليه في رفع ارواح البشر الى الفيض النابعة منه.
الزرادشتية، هي الخصوصية والاضافة وتهذيب الطقس القديم من خلال منطق الثنوية الفلسفية وحكمة الزهد والانحياز للخير، وقد ساخم التراث الشعبي وربما الكهنوتي والادبي في صياغة الاناشيد والادعية والصلوات واشعار الحكمة التي ما زالت طابعا عاما لأدب التصوف والعرفانية الايراني.
اذا كانت الزرادشتية قد حظت ببعض الانصاف من فلاسفة الاغريق، فان المجوسية وسكان ايران، كانوا ضحية سوء الفهم او العداء السياسي والقومي من قبل الاغريق والعرب. فالفاظ فارس [= غازي/ معتدي] ومجوس [من: ماجك] المتصلة باعمال اللسحرن هي تأسيس الاغريق.
وقد نقل العرب عن الاغريق التسميتين وأشاعوهما عبر المدونة الاسلامية التي دخلت في ثقافات جنوبي اسيا ووسط افريقيا وشمالها. فترسخت صلة (مجوس) بعبادة النار واعمال السحر، واضاف لها بعضهم (عبادة الاصنام والاوثان). بينما اطلق العرب تسمية (الفرس) على (انثى) الحصان. ولم يفطنوا الى معناها الاغريقي.
طقس النار كان معروفا لدى سكان جزيرة العرب، ونعرف ان حاتم الطائي كان يوقد النار كل ليلة على المرتفعات، بغض النظر عن الغاية او المبرر، لكنها تتضمن رمزا دينيا وراء ذلك، رغم كون طيء على النصرانية التي هي غير (المسيحية) الكتابية.
برر المسلمون حربهم للروم بدعوة عبادة البشر او التثليث، كما برروا حربهم للفرس بدعوى عبادة النار، رغم نص (القرآن) على ما يبجل اتباع المسيح والمجوس. وقد استفاد ساسة الحكم الاسلامي من فنون الادارة ومسك السجلات والمراسلات من بني فارس، وشكلوا دعامة بناء (بيت الحكمة)، وما تعورف تاريخيا بالحضارة العربية الاسلامية التي شكل الفرس والترك واليهود والصابئة والنصارى روادها ومادتها وادواتها.
ولعل السؤال هنا، ليس عن الشقاق الديني في الاسلام الذي تصدره الفرس والترك، البويهيون والسلاطقة، الصوفوية والعثمانيون!.. ولكن عن سبب ضعف الحصانات الذاتية داخل الفكر الاسلامي الذي تميل به ادنى ريح؟.. وهل كانت الرياح تهب على (الاسلام) لو تكن ثمة -خروق- هيكلية في نسيجه الفكري ومقوماته الاساسية؟.. أم ان تلك ارياح والتيارات، لم تظهر من داخل البيت الديني؟..
هاته الاسئلة وسواها، من بنات المقارنة والمحاثثة النابعة من ابجدية الجوار الجغرافي والثقافي، ادوات رئيسة في فهم ازمتنا الراهنة، واهمية التفكيك والتحليل والنقد وصولا لحل اشكالية المسكوت عنه!.

ـــــــــــــــــــــــــ
• www.msop.com
• www.linga.com





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- دامداماران [14] الصابئة المندائية
- دامداماران [13] الحنيفية
- دامداماران [12] في علم اجتماع الدين- 2
- دامداماران [11] اوثان واصنام..
- دامداماران [10] طمطمية عربية..
- دامداماران [9] ملائكة وشياطين
- دامداماران [8] عبادة النجوم
- دامداماران [7]
- دامداماران [6]
- دامداماران [5]
- دامداماران [4] امة.. امتان.. أم أمم..
- دامداماران [3]
- دامداماران [2]
- دامداماران [1]
- اربعة عشر عاما على احتلال العراق
- هل تناولت فطورك اليوم؟..
- ياهودايزم [20]
- ياهودايزم [19]
- ياهودايزم [18]
- ياهودايزم [17]


المزيد.....




- مشروع لوقف قرار ترامب بالتنسيق مع مصر والأردن وشيخ الأزهر يع ...
- بعد اليخت ولوحة المسيح، محمد بن سلمان يقتني أغلى قصر في العا ...
- بعد اليخت ولوحة المسيح، محمد بن سلمان يقتني أغلى قصر في العا ...
- الداخلية المصرية ترفع حالة التأهب الأمني للدرجة القصوى استعد ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى مجددا
- السعودي عبد الحميد الحكيم...القدس المحتلة رمزا دينيا لليهود ...
- السعودي عبد الحميد الحكيم...القدس المحتلة رمزا دينيا لليهود ...
- نجاة داعية سعودي بارز من محاولة اعتداء في المسجد
- قرقاش: -الإصلاح- اليمني يبتعد عن الإخوان
- سعودي يطالب بالاعتراف بيهودية القدس


المزيد.....

- أحكام الردّة بين ميراث القداسة ومقتضيات الحريّة / عمار بنحمودة
- شاهد على بضعة أشهر من حكم ولى العهد السعودى:محمد بن سلمان ( ... / أحمد صبحى منصور
- الأوهام التلمودية تقود السياسة الدولية! / جواد البشيتي
- ( نشأة الدين الوهابى فى نجد وانتشاره فى مصر ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - دامداران [15] مجوسية زرادشتية..