أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - متى يتخلى المتأسلمون عن ديانتهم؟؟















المزيد.....


متى يتخلى المتأسلمون عن ديانتهم؟؟


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 5492 - 2017 / 4 / 15 - 20:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في الرابعة من عصر يوم الأربعاء الموافق 17 من أبريل عام 1521، اجتمع في مدينة فورمس الألمانية على نهر الراين المجلس التشريعي لأعيان الإمبراطورية الرومانية المقدسة برئاسة الإمبراطور شارل الخامس، الذي كان عمره آنذاك 21 عامًا فقط، ولم يَمْضِ على تقلُّدِه عرش الإمبراطورية الرومانية سوى عام. لم يكن اجتماعًا عاديًا لمناقشة الشؤون المالية أو العسكرية الملِحَّة، بل استثنائيًّا للنظر في هرطقات الراهب المغضوب عليه من الكنيسة الأرثوذوكسية والأستاذ الجامعي البالغ من العمر 37 عامًا: مارتن لوثر، وإصراره على الاستمرار فيها، ونشرها بين العوام الألمان.
وعندما استدعاه الامبراطور للمثول أمام المجلس، وصل لوثر إلى المدينة قبل انعقاد الجلسة بيوم واحد، وذلك بعد رحلة من فيتينبرڠ إلى فورمس دامت أسبوعيْن في ربوع المنطقة، كانت أشبه بموكب للنصر منها إلى مسيرة لمحاكمة قد تُفْضي إلى مقتله. فالكثيرون غيره واجهوا إستماعات مماثلة، إنتهت بهم إلى الحرق على خشبة الصليب. ولكن الرأي العام في ذلك الوقت كان الى جانبه وأراد الناس في كل مكان ان يشاهدوه، وأن يعبروا عن مساندتهم له.
ومع أن لوثر الشجاع المقدام، كان يأمل في جلسة استماع عادلة ومنصفة، إلَّا أنه ما أن دخل حتى وجد كلَّ العوامل ضده؛ فكان عليه أن يعترف علنًا بخطأ الكتب التي كان قد كتبها؛ والتي تكدَّست نسخٌ منها على الطاولة أمام الإمبراطور في قصر ضيافة الأسقف الفخم بجوار الكاتدرائية. قالوا له من البداية أنه من غير المسموح له سوى الإجابة عن سؤالين اثنين فقط، هما: هل هو مؤلِّف هذه الكتب المنشورة باسمه؟ وإن كان الجواب نعم، فهل يؤيِّد ما كتبه أم أنه يرغب في التراجع عن أي شيء قاله؟
رفض لوثر ان يقر علنًا انه على خطأٍ ورفض إنكار ما قاله أو التراجع عنه، إلا اذا أثْبت أي من المجتمعين ذلك من الكتاب المقدس، فلا احد كان يضاهيه في قدرته على تذكُّر الاسفار المقدسة. وقال كلماته الشهيرة وهو يغادر المجلس: » هأنذا أقف، ولا يسعني أن أفعل غير ذلك، فَلْيساعِدني الرب.آمين «.
وكانت النتيجة أن أسفرت الجلسة عن وثيقة، عُرِفت بمرسوم فورمس، اعلنت حرمان لوثر من الكنيسة وخروجه على القانون وحظر تعاليمه. فأصبحت حياته في خطر كبير. مما أضطر صديقه فردريك حاكم ولاية سكسونيا أن يهرِّبه إلى قلعتها المعزولة أثناء رحلة عودته. في القلعة اطلق لحيته ولبس رداءَ فارس وأصبح يُعرف باسم جورج النبيل الشاب. وقضى فيها فترة زمنية، كانت من اكثر الفترات ابداعًا وانتاجًا في حياته.
عبَّر لوثر بوضوح عن استيائه من تصرفات الكنيسة الكاثوليكية للأسباب التالية:
1- إصدارها وبيعها لصكوك الغفران. على أساس أنها لم يُذكر في الكتاب المقدَّس، وأن البشر لا يمكنهم ان يساوموا الله.
2- موقفها من العلم وتقييدها للعقل، وملاحقتها للعلماء.
3- انحراف رجال الدّين نحو تحقيق مصالحهم الشخصية، ونسيانهم لدورهم الأخلاقي والدّيني.
4- ابتداعها لنظام "محاكم التفتيش" التي نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكانت مهمتها اكتشاف مخالفي الكنيسة ومعاقبتهم. وقد وضعها البابا غريغوري التاسع في جميع أنحاء العالم المسيحي، لقمع، جرائم البدع والردة، وأعمال السحر..
5- فرضها للكتاب المقدَّس باللغة اللاتينية واحتكارها لفهمه وتفسيره بما يتفق مع مصالح رجال الدين.
الواقع أن لوثر لم يكن أول الغاضبين أو المستائين من إصرار الكنيسة على التمادي في هذه الأخطاء وغيرها، فقد بدأ الغضب والاستياء من ذلك قبل لوثر بمئة عام في دول أوروبية عديدة. ولكن بفضل اختراع الألماني جوهان ڠوتنبرڠ للطباعة بالحروف المتحركة في سنة 1455، اصبح لأفكار لوثر تأثيرًا أكبر وأشمل من المصلحين الآخرين.
وضع لوثر أساسًا للغة الألمانية المكتوبة والموحَّدة. وانتهى من ترجمة الاسفار العبرانية بحلول سنة 1534 من اللغة اليونانية القديمة، فكانت كتابًا مقدسًا مفهومًا ومقبولًا للناس العاديين. وبذلك كسر احتكار رجال الكنيسة لتفسير الكتاب المقدَّس تبعًا لأهوائهم ومصالحهم. وقد كتب لوثر معلّقا على منهجه في الترجمة: «يجب ان نسأل الامهات في بيوتهن، الاطفال في الشوارع، وعامة الناس في السوق، يجب ان نراقب افواههم لنرى كيف يتحدثون ثم نترجم وفقا لذلك». ولذلك تُعتبر ترجمته للكتاب المقدس باللغة الالمانية الترجمة الاكثر شيوعا.
لقد نجح الإصلاح الديني الذي بدأه مارتن لوثر وتبناه آخرون من بعده، لاعتماده على الرجوع إلى أصل الديانة المسيحية، كما نص عليه الكتاب المقدَّس، ومبادئ علماء اللاهوت الأولين. لكن لوثر الذي عمد إلى تثبيت أطروحاته الـ95 على باب كنيسة القلعة في فيتنبرغ في عام 1517، والتي شجب فيها انتهاكات رجال الدين داخل الكنيسة الكاثوليكية، كان عنصريًا متطرفًا إلى حد كبير، إذ طالب أيضًا بعاقبة الفلاحين الألمان الذين ثاروا ضد أسيادهم الإقطاعيين "بالضرب بالرصاص" وشبههم بـ"الكلاب المسعورة"، كما كتب في عام 1543 عن اليهود وأكاذيبهم، وأشار إلى أنهم هم "شعب الشيطان"، ودعا لتدمير المنازل والمعابد اليهودية، وحسب عالم الاجتماع الأمريكي رونالد بيرغر فقد "ساعد لوثر على التأسيس لفكرة معاداة السامية كعنصر أساسي في الثقافة والهوية الوطنية الألمانية".
ومن بعد مارتن لوثر أتى الفيلسوف الفرنسي جون كالفن (Jean Calvin؛1509 - 1564)، حيث تأثر بالثقافة الإنسانية وروّادها وتميّز بسعة إطلاع وثقافة شاملة. رحل إلى بال بعد أن ظهرت ميوله الإصلاحية وهنالك نشر كتابه "النظام المسيحي" الذي يعرف بأنه أقوى وأكمل الدراسات حول البروتستانتية آنذاك. تمحورت أفكار كالفن وطروحاته بأفكار لوثر الأساسية وهي" التبرير بالإيمان، العبادة البسيطة، الاعتماد على الكتاب المقدس وحده".
إذن لم تعرف أوروبا السياسة الفعلية إلا بعد سقوط الكاثوليكية كسلطة حاكمة للمجتمع الأوروبي، ولم ترى المشاريع السياسية النور إلا بعد موتها كغطاء سياسي بعصر النهضة.

فهل يمكن تطبيق هذا الإصلاح الديني الذي شهدته أوروبا على الديانة الإسلاموية؟
وهل يمكن لأحد من رجال الدين الإسلاموي أو غيرهم أن يقوم بما قام به مارتن لوثر من إصلاح إسلاموي؟
وهل يمكن أن يتخلى المتأسلمون عن تأسلمهم ويتبعون أسلمة جديدة من نوع آخر أو يتخلون عنها كلية؟
في عام 1880 قال اللورد كرومر، القنصل البريطاني العام في مصر مقولته الشهيرة: "إصلاح الإسلام، يعني نهاية الإسلام"، هذه المقولة صحيحة تمامًا، لذلك يصر المنافحون المتأسلمون على التمسك بأسطورة أن الإسلاموية دينًا كاملًا صَالِحًا لكل زمان ومكان، ولا يحتاج إلى إصلاح، مع أن هذه الأسطورة تناقض الواقع التاريخي للديانة الإسلاموية، إذ أنها ظلت مجرد وسيلة تُوَظَّف لخدمة أهداف سياسية، وتشكِّل انعكاساً لصراع القوى الدنيوية منذ تأسيسها. فكانت وستبقى دائمًا مرتبطةً بسياقها التاريخي والثقافي المعمول به.
فنبي الأسلمة لا يزال يجمع الصعاليك من حوله ويخطط لإبعاد أو قتل الآخرين المخالفين له والمختلفين معه، ولا يزال أبو بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم معاوية وغيره يجمعون أتباعهم للتخلص من علي وأتباعه أو إبعادهم عن السلطة. ومازالت جميع الدول الإسلاموية أشباه دول، تسير على نهجهم، وتبحث عن تأكيد صلاحياتها في تولي الشأن العام للجماعات أو على الأصح العصابات القبلية الموالية لها والمنضوية في خضوع واستسلام تام تحت لوائها، ولذلك تستمد الشعوب المتأسلمة هـُـويّتها العشائرية أو القبلية في صورة دينية إسلاموية ليس لها مثيل في العالم أجمع. فلا أحد يعرف ولا يريد أن يعرف أن المجتمعات الآن تحتاج للحرية والكرامة الإنسانية وليس للأكل والجنس والعمل والاستفادة من المنتجات التكنولوجية والإعلامية وحدها، فالجياع ماديًا وفكريًّا لا يتبعون الديكتاتور الفاشي المتسلط لأنهم يؤمنون بما يقوله، بل لأنه يَعِدُهُم بالطعام ويقدمه لهم كالأنعام.

من الثابت أن هناك نواة صلبة تشكل البُنْيَة الداخلية للديانة الإسلاموية، وضعها مجموعة من الفرس الخبثاء لأشخاص منتصرين ولكنهم أغبياء، بحيث تكون محكمة إحكاما شديدًا، فلا تقبل مصلحاً دينياً مثل مارتن لوثر، يعيدها إلى أصولها، فإله المسيحية ضحَّى بنفسه من أجل خلاص البشر، بينما إله الاسلاموية يطلب من أتباعه دائمًا التضحية في سبيله، {ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} )الصف .(4 كما أنه لا يمكن مواءمة معايير الأسلمة وقيمها مع دولة الحق والقانون الإنساني، ولا يمكن تقديم قراءات لها تتماشى مع أي نهج سياسي ديموقراطي أو علماني. لم تعد تشبع حاجات الإنسان المادية أو المعنوية في الراهن، كما كانت أيام تأسيسها. لذلك باءت جميع محاولات إصلاحها بالفشل الذريع، فكل الذين حاولوا العودة إلى الأصول الأولى لهذه الديانة، إمَّا أنهم وقعوا في مستنقع الوهابية الإرهابية المجرمة أو أنهم اتجهوا إلى خرافة القومية العروبية المسماة بالعروبة، أو سقطوا في منزلق الشعوذة ودجل الإعجاز العلمي للقرآن وخبل الأحاديث النبوية، ولكنهم جميعًا إلتقوا فِي آخر المطاف عند نقطة واحدة هي إشاعة الكراهية وشن حرب كونية إسلاموية شاملة.
إن أي مساس بالبنية الداخلية للديانة الإسلاموية ومحاولة إصلاحها يُعَدُّ في نظر المتأسلمين تدنيسًا للمُقَدَّس، وتطاولًا على كلمات الله، وسنة رسوله، وهدمًا لثوابت الدين ونقضًا لصلاحيته الزمكانية وشموليته الأزلية، لذلك من المفضل لديهم أسلمة الحياة جميعها، بما فيها الحداثة، أي إخضاعها للإسلاموية بقوة البترودولار. فكان لهذا الخطأ الفادح في التقدير والحساب والذي يتسم بالغباء وضيق الأفق، أن يفضي بهم إلى مزيد من التقهقرٍ والانحطاطٍ. إذْ أن كل ما تمّ تحقيقه من ذلك، هو تشويه الحياة برمتها وتقديم الحداثة في أقبح الصورة.
كذلك تكمن صعوبة إصلاح الإسلاموية من داخلها في عدم وجود الميكانيزم التي تسمح لرجال الدين بالتقدم خطوة واحدة نحو إصلاحها، إلى جانب الحفاظ على مصدر أرزاقهم والدفاع عنه حتى الرمق الأخير في حياتهم.
ومن ناحية أخرى فإن الرجوع إلى الأصل يعني بالضبط ممارسة حياة النبي وخلفائه من بعده، وهي التي تمارسها الآن الجماعات الإرهابية الإجرامية. كما أن رجال الدين حاليًا جُلَّ همهم أنْ يتاجروا بالدين ويجمعوا أكبر مبلغ من المال، ويبنوا أفخم القصور، ويعيشون حياةً مُرَفَّهَةً، ويسعوا للعلاج الصحي في أفضل المستشفيات الأوروبية، ويجدوا الوسيلة التي تمكنهم من الوصول إلى الحاكم للتعاون معه وتجنُّب غضبَه، كيلا تُقطَع أرزاقهم. لذلك وغيره لا يمكن إصلاح الديانة الإسلاموية إلا بالوسيلة التي تتعامل بها نفسها مع الآخرين، وهي الديكتاتورية - الفاشية، وفرض الرأي السديد على الجميع.
لابد من وجود الحاكم المصلح الذي يأمر بـ« نزع القداسة عن نبيّ الإسلام و قرآنه، فالمطلوب اليوم هو التّعامل مع نبيّ الأسلمة على أنّه مجرّد شخصيّة تاريخيّة أخطأت أكثر مما أصابت في عديد من الأمور، تحت رعاية وعناية إلهية ميتافيزيقية (غيبية)، فتحوّل تاريخه وتاريخ ديانته إلى ميتاتاريخ أو تاريخ أسطوري في الموروث الدّيني، مما يجعل المتأسلم يتغافل عمّا إرْتُكِبَ هو وخلفاؤه من مجازر بهدف توسيع الإمبراطوريّة الإسلامويّة، بل إنّ هذه العمليّة رسخت في ذهن المتأسلم على أنّها ”فتوحات ونصر من الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور“.
كذلك لابد من «التّعامل مع القرآن على أساس أنّه إعترافات محمّديّة ووثيقة تكشف عن نفسيّة هذه الشّخصيّة التي تُشَلُّ أمامها العقول و يُحَرَّمُ التّفكير حولها أو حول أفعالها وهذا ما أعاق كلّ محاولة للتقدّم إذ أنّ المتديّن يقف عاجزا نتيجة إيمانه بمجموعة من المعجزات التي تُوَلِّدُ إنبهارًا أعمى يؤدّي إلى الإستغناء عن الفكر النّقدي. ورغم صعوبة وخطورة المهمّة، فإنّ نقد الشّخصيّة المحمديّة نقدا علميّا وتحليل أفعالها وتنزيلها من مرتبة المقدّس إلى سياقها التّاريخيّ أمر لا مفرّ منه للقطع مع كلّ فكر دوغمائيّ ولضرب هذا الإجماع الرّهيب على نبيّ الإسلام الذي رفعه إلى مرتبة القداسة.
هذا الإجماع المريب والمخيف حول شخصية محمد التي لا يجوز مقاربتها نقدياً حتى همساً تماماً كما كان البدائيون يعتبرون الـ”فيتيش” أو الصنم هو إلاههم المتجسد الذي لا يرقى إليه الهمس ويحكمون بالموت على كل من يدنّسه بكلمة أو بفعل يشكّك في قداسته. كذلك فعل ـ وللأسف مازالوا يفعلون ـ المسلمون بـ”صَنَمَيْهِمَا” نبيّ الإسلام وقرآنه، اللّذين تنعقد أمامهما الألسن وتنشلّ العقول.
إنّ تطوّر العلوم و ظهور العلوم الإنسانيّة (الفلسفة، التّاريخ، علم النّفس …) تتيحُ لنا إمكانيّة توظيفها كوسائل لفهم الإسلام و إصلاحه و إخراجه من ظلمات الرّجعيّة إلى نور الإنسانيّة و التّقدّم الحضاريّ. و لكنّ ذلك لن يتمّ إلاّ من خلال القطع مع اللاعقلانيّة و ي نتيجة من نتائج التشبّث بالإسلام الرّجعيّ.
معرفة شخصيّة محمّد النّفسية، على ضوء العلوم المعاصرة خاصّة علوم النفس يخدم هذه الغاية: جعْل القرآن لأوّل مرّة قابلاً للفهم فهماً علميًّا أي بما هو في جزء منه أعراض للأمراض النّفسيّة، التي كابدها نبيّ الإسلام من المهد إلى اللّحد».
أنظر كتاب: العفيف الأخضر، من محمّد الإيمان إلى محمّد التّاريخ
كان من الطبيعي أن يفتح الإصلاح البروتستانتي في أوروبا الباب على مصرعيه لسفك الدماء على نطاق واسع لم يسبق له مثيل على مستوى القارة، فكان سببًا في الحروب الدينية الفرنسية؟ والحرب الأهلية الإنجليزية؟ وسفك داء عشرات الملايين من الأبرياء، كما يُعتقد أن حوالي 40% من تعداد سكان ألمانيا قُتلوا في حرب الثلاثين عامًا.
أمَّا إصلاح الإسلاموية ونظرًا لبنيتها الداخلية الفولاذية، لابد وأن يحدث العكس تمامًا، فتراق الدماء وتتطاير الأشلاء وتُدَمَّر الحياة أولا قبل أن يفوق المتأسلمون من ثباتهم وتدرك عقولهم أنهم في ضلال مكين. ويتم القطع مع أيِّ فكر دوغمائيّ وضرب الإجماع الرّهيب على تقديس نبيّ مجرم، وتتم خلخلة التشبث الأعمى بديانة رجعية عفنة لا تتواءم بأي حال من الأحوال مع حقوق الإنسان في الوقت الراهن. وأن « من يؤْمِن بالنّاس في وجودهم و سعادتهم و حقوقهم ليس ملحدًا مهما أنكر الإله. بينما الذي يخدع البشريّة و يسلبها سعادتها هو الملحد مهما صلّى و نذر و صام و حجّ» (عبد الرّزاق الجبران، لصوص اللّه).
إن الإصلاح الضروري والمُلِحُ لديانة فولاذية صلبة كهذه، لابد وأن يركز على هدم الأصنام وإلغاء الشّعائر الغيبية والظلامية والقطع الراديكالي مع كل ما هو ميتافيزيقي، وبناء فكر مستنير يتحمَّل الإنسان من خلاله المسؤوليّة المطلقة على نتائج تصرّفاته. هذا الأمر يتطلب أولًا إيجاد قدرًا كبيرًا من المعاناة والآلام والتضحيات، حتى يمكن حلحلة ركود العقل الديني المتموقع على هامش التاريخ منذ قرون طويلة، وإزالة تعويل المتدينين على الميتافيزيقي والقوى الغيبية، وإلقاء جميع هموم البشر عليها وتحميلها مسؤولية إخفاقاتهم وتخلفهم وانحطاطهم، وهو ما سمّاه المفكّر السّوري جورج طرابيشي بـ”المعجزة أو سبات العقل في الإسلام”.
فشعيرة الحج مثلًا، ما هي إلَّا طقس وثنيّ بامتياز، وقد مارسه البدو قبل التأسلم كسياحة دينية وتجارية، إعترض عليها عمر بن الخطّاب بقوله: «ما لنا وللرّمل إنّما كنّا قد رائينا به المشركين وقد أهلكهم اللّه» (صحيح البخاريستاني، الجزء 2، الصّفحة 151) أي أنّ عمر إحتجّ على مواصلة الحجّ بعد أن كان نفاقا للإيقاع بالمشركين. والآن تعود هذه الشعيرة الوثنية بأموال طائلة على عربان آل سعود لتُوظّف كلّها في الفساد والحروب ونشر الوهابيّة الإرهابية.
الآن لم تعد النظرة للإسلاموية كما كانت عليه في الماضي، سواء على المستوى المحلي أو المستوى العالمي، ولم تعد تكمن مشكلة هذه الديانة في الخطاب الديني، الذي تغير بشكل حاد وسفيه كرد فعل نتيجة لانكشاف حقيقتها، وظهور جماعات إجرامية على الساحة الدولية تُمارس تلك الحقيقة. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في نصوصها المقدَّسة، وفِي كيفية التعامل معها والعمل بها. لم تعد المحاولات السابقة واللاحقة مجدية أو قابلة للتصديق، لردم وطرمخة حقيقة ديانة عفنة في جوهرها، وإبراز صورة تجميلة لها، بحيث تنسجم مع الطلب العالمي أو تبعًا لما تتطلبه الدساتير المدنية وحريات التعبير وحقوق الإنسان والانفتاح على العالم، كنوع خاص من الإسلاموي يُصَدَّر للاستهلاك العالمي، تتم تنقيته وتصفيته وتلميعه عبر قنوات التزييف والتدليس والاحتيال. وفِي نفس الوقت يُمَارَس نوع آخر في البلدان المتأسلمة؛ قوامه الارهاب النبوي المقدَّس وتعضيد خطابات الكراهية، والعنصرية والقتل وهدر حقوق الإنسان، وتبخيس قيمته الإنسانية، إلى جانب اتهام الغرب بالاسلاموفوبيا.
معضلة الاسلاموية مع النص المقدس لم تكن وليدة عصر الحداثة او نتيجة الاعمال الارهابية الإسلاموية التي طالت البشرية جمعاء، بل كانت هي المعضلة الدائمة على مر التاريخ، فبسببها قُدِّم الكثيرون للمحاكمات مثلما حوكم لوثر في المسيحية، ولكنهم أدينوا وحكم عليهم من قبل الازهر ورجال الدين بالتكفير والقتل والاضطهاد والتصفية والمصير المشؤوم. لم يكن أولهم أو آخرهم فرج فودة ونجيب محفوظ وسيد القمنى ونصر حامد أبو زيد وإسلام البحيري وغيرهم ممن تصدَّى لهذا النص بالطرح العقلاني، والفكر المستنير، بل سبقهم الحلاج وابن رشد وابن سينا والمعتزلة وآخرون كثيرون.
إن شيخ الازهر احمد الطيب ومَن حوله في أعلى مؤسسة تمثل الاسلاموية في العالم يقدمون الآن خطابات تظلُّميَّة ويحاولون زج العالم في عقدة الذنب ازاء الديانة الاسلاموية (نظرية المؤامرة) ويقدمون أكاذيب ومغالطات تاريخية، وهم بذلك يقضون على كل فرص للانفتاح الحقيقي ويقوضون على أي تشخيص حقيقي للعلة في المعلول بذاته، فإن كان هذا المعلول هم المتأسلمين الذين أساؤوا فِهْم النص الديني المقدس كما يزعمون، فلماذا لا يتمتع الأزهر بالارادة والشجاعة والصراحة - كمؤسسة مسؤولة - ويقوم بدوره الفعال في تصحيح المفاهيم المغلوطة في النص الديني كي يُفْهَم ضمن سياقه، اما اذا كان المعلول هو الاسلاموية ذاتها، بمعنى أنها تعرضت للتزييف والتلفيق ودخلتها الشوائب والتفسيرات الفقهية المُغرِضة، هنا لابد أن يشجع الازهر العقلانيين ويتبنَّي منهجهم في فتح منافذ سليمة للخروج بالإسلاموية من ورطتها الكبيرة ومعضلتها الجسيمة.
ولكن هل سيرضى المتأسلمون بالديانة اذا تم حذف وإلغاء عناصر تاريخية منها ومن شخصية مؤسسها؟
سواء رضي المتأسلمون أو لم يرضوا يجب أن ينصب الاصلاح الحقيقي على النواة الصلبة في عمق الاسلاموية، والعمل على إيجاد صورة تاريخية أخرى تتسم بالواقعية والإنسانية، ولا تأخذها كوحي نهائي صالح لكل زمان ومكان، بل تعزلها عن الواقع اليومي وتضعها في سياقها التاريخي، على أساس أنها مجرد وثيقة تعبر عن حياة مجتمع قبلي في منطقة جغرافية محدودة لا علاقة لها بعالم اليوم ومتغيراته، مع العمل على التغيير الضروري والحتمي للمفاهيم لدى المتأسلم العادي عن الاخر وعن العالم من حوله، وإفهامه بأن ديانته لم تعد تعطي له شيئاً من الراحة والأمان، مع تشجيع روح النقد وثقافة الحرية وإبداء الرأي حول ماهو مقدس، وترسيخ فكرة التعايش والمساواة في ظل القانون دون ان يتضرر احد.
ما لم يحدث هذا، فسوف يخرج المتأسلمون من دين الله أفواجًا، كما دخلوه أفواجًا، تبعا لقول نبيهم نفسه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,139,563
- كيف أصبحت مصر رائدة في الهرتلة؟
- الجماعة الإسلاموية الوهمية
- هل التأسلم يُعَلِّم البجاحة والوقاحة؟؟
- البارانويا والإسلاموية
- هل يمكن للأسماك أن تتسلق الشجر ؟
- أين تكمن مشكلة المتأسلمين؟
- القناعات الدينية والسياسية والطرق المسدودة
- التأسلم وتراكم الديكتاتورية
- لماذا تخضع المرأة المتأسلمة بارتياح للإحتقار الديني؟!
- عائشة والجنس من منطلق سيكولوجي (3-3)
- عائشة والجنس من منطلق سيكولوجي (3-2)
- عائشة والجنس من منطلق سيكولوجي (1-3)
- الإسلاموية بين اليقين والشك
- العسكر وعقدة النقص في مصر
- أم المؤمنين تستهين بعقول أولادها !!
- عندما تطغى العاطفة الدينية على البشر
- محاولة لتفكيك العلاقة بين المتأسلمين ونبيهم الكريم
- محاولة لتفكيك العلاقة بين الله ورسوله
- العلمانية والاإنسانية الإسلاموية
- الثقافة الإسلاموية وصناعة الأعداء


المزيد.....




- الخارجية الفلسطينية تدين مشاركة موظفين من البيت الأبيض في اق ...
- #إغلاق_النوادي_الليلية.. الأردنيون يتجادلون والإخوان يتدخلو ...
- نيوزيلندا بعد المذبحة.. لماذا البطء في محاكمة منفذ جريمة الم ...
- نائب أردني: أوصينا بطرد السفير الإسرائيلي ردا على اعتداءات ا ...
- بعد نصف قرن من الغياب..عودة الأقباط إلى السياسة السودانية عب ...
- بعد رحيل الأب الروحي.. هل حققت تفريعة قناة السويس أحلام مميش ...
- إسلاميو السودان أمام اختبار مراجعة تجربتهم
- رئيس الوزراء الفلسطيني: الاحتلال الإسرائيلي يعمل على تغيير ا ...
- القبض على رجل -هدد بإطلاق نار- على مركز يهودي في ولاية أوهاي ...
- ترامب: نعقد مفاوضات جيدة جداً مع حركة طالبان


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - متى يتخلى المتأسلمون عن ديانتهم؟؟