أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الأسعد بنرحومة - - الدّولة المدنيّة - دولة مستوردة ومنبتّة في المعنى وفي الواقع ..فلا تصلح لنهضتنا















المزيد.....


- الدّولة المدنيّة - دولة مستوردة ومنبتّة في المعنى وفي الواقع ..فلا تصلح لنهضتنا


الأسعد بنرحومة
الحوار المتمدن-العدد: 5482 - 2017 / 4 / 5 - 03:10
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ عقدين من الزمن تقريبًا، شنّت الولايات المتحدة الأميركية حملة حضارية على العالم الإسلام، وصنعت لمفاهيمها عن الحياة دعاية هائلة، وأخذت تحمل الناس على هذه المفاهيم؛ أي مفاهيم الحضارة الغربية، ممثلة بالدّيموقراطية والحريّات وحقوق الإنسان والتعددية السياسية واقتصاد السوق. ثم بدأت بطرح فكرة "المجتمع المدني" وهي تريد بذلك تحويل المجتمع في العالم الإسلامي إلى عزل الدين عن أي شأن من شؤون الحياة، وحصره بالعبادات والمظاهر الكهنوتية. ورغم أنها لم تنجح في ذلك، إلا أنها وبعد أن أشعلت ثورات "الربيع العربي" في العالم الإسلامي أخذت تطرح مفهوم "الدولة المدنية" وأصبح هذا المصطلح لازمة على ألسنة عملائها، يطالبون به، ويدعون له، ولقد صرح أحدهم أنه اقترح استخدام مصطلح "الدولة المدنية" لتجنب حساسية الناس من مصطلح "الدولة العلمانية". وبناءً على ما سبق فإن اعتبار النقاش الدائر حول "الدولة المدنية" بعد ثورات الربيع العربي نقاشًا طبيعيًّا وناتجًا عن الخلاف في النظر إلى الدولة والمجتمع، من قبل حفنة من العلمانيين، والحركات الإسلامية، هو اعتبار خاطئ، بل الحق أن هذه الدعوة؛ أي الدعوة لـ"الدولة المدنية" هي دعوة مشبوهة لمصطلح غربي، تقف وراءها أميركا والمجتمع الدولي. ثم إن محاولة إيجاد فهم مشترك لفك التناقض وتوحيد الموقف، هي دعوة تلفيقية لمنهجين متضادين، فلا فهم مشتركًا، ولا توحيد موقف بين الإسلام والعلمانية، فالمنهجان متناقضان، تناقضًا تامًا. ومحاولة التقريب بينهما هي كمحاولة التقريب بين الكفر والإيمان، وبين الهدى والضلال. وهي ولا بد في النهاية تنطوي على تقديم تنازلات تبدأ في الشكليات، وتنتهي في الأمور الجوهرية، وقد عشنا هذه "المداهنة" للكفر ومفاهيمه، عيشًا واقعيًّا في مصر وتونس، ورأينا نتائج ذلك عيانًا، وليس راءٍ كمن سمع! ثم إن حفنة العلمانيين الكفار، المرتبطين بالغرب، توجيهًا وتمويلًا، لن يقبلوا بأقل من أن يتنازل المسلمون عن دينهم، تنازلًا كليًّا أو جزئيًّا، وما دون ذلك لا التقاء، ملقين بالتهمة على الحركات الإسلامية بالإقصاء، وهم في الحقيقة والواقع إقصائيون استئصاليون! وحالهم في مصر ينبئ عن هذا الواقع.
أن يصطلح العالم الغربي على معايير يعممونها ويجعلونها معايير إنسانية، ويتدخلون في شؤون الدول لعدم مراعاتها لهذه المعايير، لا يصح بحال أن يقبله المسلمون، فهذه المعايير التي صبغوها بالصبغة الإنسانية لا تمت إلى إنسانيتهم بصلة، فهم يروجونها فقط للتدخل في شؤون الدول، وهم أول من يدوسونها، ولا يقيمون لها وزنًا ولا اعتبارًا، وقد رأيناهم كيف يدوسون هذه القيم عندما تركوا مسلمي البوسنة يبادون على يد الصرب، أو عندما احتلوا أفغانستان والعراق، وها نحن نشاهدهم وهم يقذفون بحممهم وبراميلهم المتفجرة وصواريخهم المدمرة وقنابلهم الفسفورية الحارقة على أهل الشام وحلب، في أعظم مجزرة يشهدها القرن الحادي والعشرين، وأبطالها وشهودها هم أصحاب المعايير الإنسانية، فأي كذب ودجل ونفاق يمارسه هؤلاء على العالم؟! وهل مطلوب من المسلمين أن يصدقوا هذا الدجل وينساقوا خلفه؟!
انّ فكرة "الدولة المدنية" انطلقت من نظرية العقد الاجتماعي ونظرية الفكر السياسي الغربي . فمصطلح "الدولة المدنية" مصطلح دخيل على المسلمين، فلم يعرف المسلمون في تاريخهم، فكرة "الدولة المدنية"، بل عاش المسلمون في دولة الدين الإسلامي، هذه الدولة التي يحكمها بشر، ليس لهم أي صفة من صفات القداسة، وأوجب الشرع طاعتهم باعتبارهم أولي أمر؛ أي باعتبارهم حكامًا، لهم صلاحية إنفاذ أحكام الشرع ورعاية شؤون الأمة بحسبها. وهم كسائر أفراد الأمة خاضعون لأحكام الشرع، وخاضعون للمحاسبة والعزل حسب أحكام الشرع. بخلاف واقع "الدولة الدينية" في أوروبا، تلك الدولة التي تحكم بحسب نظرية الحق الإلهي، وهي أن للملك حقاً إلهياً على الشعب، فالملك بيده التشريع والسلطان والقضاء فهو الدولة، والشعب هو رعية للملك فلا حق له لا في التشريع ولا في السلطة ولا في القضاء ولا في أي شيء فهو بمقام العبد، فالناس عبيد لا رأي لهم ولا إرادة لهم وإنما عليهم التنفيذ وعليهم الطاعة، وهذا الواقع يختلف تمامًا عن واقع الدولة والحكم والسلطان في الإسلام. وأي محاولة للمقاربة بين مفهوم الدولة في الإسلام ومفهوم "الدولة الدينية" كما عاشها الغرب في العصور الوسطى هي محاولة خاطئة وفاشلة وفوق ذلك مغرضة.
وأن يصطلح العالم الغربي على معايير يعمّمونها ويجعلونها معايير إنسانية، ويتدخّلون في شؤون الدّول لعدم مراعاتها لهذه المعايير، لا يصح بحال أن يقبل بها المسلمون، حتّى لو صبغوها بالصبغة الإنسانية فهي لا تمتّ إلى إنسانيتهم بصلة، فهم يروّجونها فقط للتدخل في شؤون الدول، وهم أول من يدوسونها، ولا يقيمون لها وزنًا ولا اعتبارًا، وقد رأيناهم كيف يدوسون هذه القيم عندما تركوا مسلمي البوسنة يبادون على يد الصرب، أو عندما احتلوا أفغانستان والعراق، أو في سجن أبو غريب , أو ملجأ العامريّة , وها نحن نشاهدهم وهم يقذفون بحممهم وبراميلهم المتفجرة وصواريخهم المدمرة وقنابلهم الفسفورية الحارقة على أهل الشام وحلب، في أعظم مجزرة يشهدها القرن الحادي والعشرين، وأبطالها وشهودها هم أصحاب المعايير الإنسانية، فأي كذب ودجل ونفاق يمارسه هؤلاء على العالم؟! وهل مطلوب من المسلمين أن يصدقوا هذا الدجل وينساقوا خلفه؟!

انّ الكارثة كل الكارثة، أن يشرح مسلم المفهوم الغربي الناتج عن عقيدة فصل الدين عن الحياة، ثم يبحث في القرآن عن "المعايير المتوفرة" التي تجعل من هذا المفهوم، مفهومًا قرآنيًّا أو على أقل تقدير لا يتعارض مع القرآن!! وإنها لكارثة، وتلبيس على المسلمين دينهم، وتملّق لأفكار الكفر، وتسويق لها وتزويق!! فمهما قيل في "الدولة المدنية" ومهما حاول "التوفيقيون" الذين يعتمدون منهج "التلفيق" من إلباسها لبوس الإسلام، فإنها جسم غريب عن الإسلام والمسلمين، وسيلفظ المسلمون هذا المصطلح ومدلوله، اليوم أو غدًا، فلا يتعب نفسه بالبحث عن قواسم مشتركة مع الكفر والكفار، فهما ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان! , والقول بأنّه لم ترد "الدولة" لا مصطلحًا ولا مفهومًا في القرآن الكريم، أو أنّ مفهوم الدولة بالمعنى الحديث غير موجود في التاريخ الإنساني قبل العصر الحديث ,هو ادّعاء باطل مفضوح لا يختلف عمّا فعله علي عبد الرازق من قبل من نفي نظام الحكم في الإسلام . فالدولة وإن لم ترد مصطلحًا في القرآن الكريم، لكنها وردت مفهومًا في أكثر من موضع، بل جاء القرآن الكريم ليرسي دعائم الدولة ويبين الأحكام المتعلقة بها، تارة تحت تعبير الحكم بما أنزل الله، وتارة أخرى تحت تعبير أولي الأمر، وتارة ثالثة تحت تعبير الطاعة والتي تشمل طاعة النبي بوصفه نبيًّا وطاعته بوصفه حاكمًا وطاعة أولى الأمر باعتبارهم حكامًا تتواضع الأمة على اختيارهم. فهل من الإنصاف القول أن مفهوم الدولة لم يرد في القرآن الكريم، في الوقت الذي يكرر القرآن أحكام الطاعة والشورى وأولى الأمر، وعلاقة المسلمين بأنفسهم وعلاقتهم بغيرهم من الأمم، وأحكام الجهاد والجزية والمعاهدات.. الخ من أحكام العلاقات الدولية الواردة في القرآن، فهل هذه الأحكام تتعلق بالأفراد، كحكم أداء الصلاة أو الصوم، أم هي أحكام تتعلق بالأمة والدولة؟!! ولماذا يجري نفي ورود هذا المفهوم في القرآن ولمصلحة من؟! أللبحث عن قواسم مشتركة مع علمانيين كفرة لا يؤمنون بالإسلام، ولن يؤمنوا به أبدًا حتى يحولوه إلى دين آخر، يتبع فيه المسلمون دينهم الجديد هذا؟!!
أما ما ذهب إليه بعض المفكّرين من أنّ الذين يرفضون الديمقراطية إمّا أنهم لم يحيطوا بالديمقراطية أو أنهم غفلوا عن مقاصد الشريعة الإسلامية. فهوأيضا جزء من التلبيس والتلفيق، ومحاولة غضّ الطّرف عن كون الديموقراطية نظام حكم، وليس مجرد آلية اختيار. فالديموقراطية ليست آلية انتخاب رئيس الدولة أو أعضاء مجلس النواب، بل هي نظام حكم معين، يقوم على نظريتي السيادة للشعب، والشعب مصدر السلطات، وهذا يعني أن الشعب هو الذي يختار من يضع الدستور والقانون، وهو الذي يقرر من يحكم، بغض النظر عن أي شيء آخر، مع الحفاظ التام على فصل الدين عن الحياة، ومنع أن يكون للدين أي أثر في الحياة... فهل يجوز القبول بهذا الواقع، وادعاء أن مقاصد الشريعة تؤيده؟!! هل تؤيد مقاصد الشريعة هذا الواقع للديموقراطية، وبالتالي تجيز أخذها؟!.
أما القول بأنّ بناء الدولة هو بناء سياسي، وليس مرتبطا بالضرورة بطبيعة النظام القانوني أو مرجعيته التي ليست في الحقيقة قضايا سياسية، بل هي نتيجة لممارسة مقتضيات بناء الدولة ومؤسساتها في أمة من الأمم، وإذا انطلقنا من طبيعة الأنظمة السياسية الحديثة التي تضم مواطنين من ديانات مختلفة، فإن النظام القانوني قد يقترب أو يبتعد عن مقتضيات "الشريعة" في بعض أحكامها التفصيلية حسب ازدياد أو نقصان تمثيلية المسلمين في الأجهزة التشريعية (البرلمانات)). فإنه مخالف لواقع الدولة في الإسلام، ذلك أن كلمة الدولة لفظ اصطلاحي ويختلف معناها باختلاف نظرة الأمم، فالغربيون مثلاً يريدون بالدولة مجموع الأرض والسكان والحكام؛ لأن الدولة عندهم تقوم ضمن حدود يسمونها الوطن، والسيادة عندهم للشعب، والحكم أي السلطان عندهم جماعي وليس فردياً، ومن هنا كان للدولة هذا المفهوم بأنها مجموع ما يسمى بالوطن ومن يُسمّون بالمواطنين ومن يباشرون الحكم وهم الحكام. ولهذا تجد عندهم رئيس دولة؛ أي رئيس الحكام والشعب والبلاد، ورئيس حكومة؛ أي رئيس الوزارة، يعني رئيس الحكام. وأمّا في الإسلام فإنه لا توجد حدود دائمية، إذ يجب حمل الدعوة إلى العالم، فتنتقل الحدود بانتقال سلطان الإسلام إلى البلاد الأخرى. وكلمة الوطن إنّما يراد بها مكان إقامة الشخص الدائمة أي بيته وبلده ولا يراد منها أكثر من ذلك مطلقاً. والسيادة إنّما هي للشرع لا للشعب، فالحكام يسيرون بإرادة الشرع والأمّة تسير بإرادة الشرع. والحكم أي السلطان فردي وليس جماعياً، قال عليه السلام: "فأمّروا أحدكم"، وقال: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"، ومن هنا يختلف معنى الدولة في الإسلام عن معناها في غيره من الأنظمة، فالدولة في الإسلام هي قوة مقيدة التصرف بالشرع، وهي كيان تنفيذي للإسلام عقيدة ونظامًا. وبناءً على ذلك فإن بناء الدولة وشكلها في الإسلام كل ذلك أحكام شرعية، لها أدلتها التفصيلية مما جاء به الوحي، فرئيس الدولة ومعاونوه والولاة والقضاة والجهاز الإداري ومجلس الشورى والجيش كل هذه الأجهزة جاء الشرع بها، فجاءت أحكام تضبطها وتضبط صلاحيات كل جهاز، وتميزها عن غيرها من الأجهزة والنظم.
أمّا ما يستدلّ به البعض عن موافقة مصطلح الدولة المدنية للاسلام وانضباطها للعقيدة الاسلامية والذّي قال به زعماء بعض الحركات مثل راشد العنّوشي وحسن ترابي , أو عددا من الشّيوخ الذّي وضعوا وثيقة الأزهر والتي تبنتها بعض الحركات الإسلامية والتي حدّدت صيغة الدولة الإسلامية بـ"الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة". والادّعاء بأنّ طبيعة النظام الديمقراطي يقوم على اعتماد الانتخاب الحر، الذي هو الصيغة العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسؤولين أمام ممثلي الشعب، وتوخّي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شؤون الدولة بالقانون، والقانون وحده , وملاحقة الفساد وتحقيق الشّفافية وحريّة الحصول على المعلومات... الخ.. فهذا الكلام وغيره مردود بداهة على أصحابه , اذ الذي يعرفه المسلمون وسار عليه الفقهاء والمجتهدون أنّ التعاريف والصّيغ العامة للقضايا الفقهية والمسائل العملية تحتاج إلى دليل شرعي يدلّ على صحّة التعريف أو الصيغة، وأنه مأخوذ من الشرع وليس من غير الشرع ، ومفهوم الدولة الإسلامية مفهوم شرعي، وما جاء في الوثيقة ، أو ما قاله الغنّوشي أو حسن التّرابي أوغيرهما هو تعريف للدّولة الاسلامية , أو هو حكم على عدم مناقضة الدّولة المدنيّة للاسلام وللدولة الاسلامية , ويفترض بهم أن يأتوا بالأدلّة على هذا التعريف؛ أو على عدم المخالفة , أي الأدلة الشرعية التي جاء بها الإسلام. ولكن لم يفعلوا، وليس هذا فحسب بل جاؤوا بتعريف الدّولة في النظام الديموقراطي، واعتبر هذا التعريف تعريفًا للدولة في الإسلام؛ فأي تلفيق هذا وأي فهم؟!! ألا يعلم شيخ الأزهر ومن تواطأ معه من مشايخ الأزهروغيرهم أنّ هذا التعريف يتناقض مع الحكم الشرعي المتمثل بأن الدولة في الإسلام هي دولة الخلافة، وهي دولة الأمّة وليست دولة وطنية أو قومية، وهي دولة عابرة للحدود المصطنعة والأوطان المفصّلة من قبل الغرب المستعمر. كما يتناقض أيضًا مع كون الدستور والقانون في الإسلام إنما يأتي من خلال ما ارتضاه الله تعالى للأمة وأن لا خيار لها البتة في التحاكم لغير الإسلام، وأنه لا يعتدّ برأي أحد قلّ أم كثر في ميزان الشرع إن تعارض مع أي حكم من أحكامه، يقول تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ثم ألا يعلم هؤلاء أن النظام الديمقراطي يجعل السيادة للشعب بشكل مطلق وهو ما يتضارب مع الإسلام الذي يجعل السيادة للشرع والقدسية للوحي، الذي يعلو ولا يعلى عليه ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّه)؟! ثم كيف يقبل هؤلاء وهم المؤتمنون على ما استحفظوه من علم أن يخلطوا الديمقراطية بالشورى ومزجهما وكأنهما شيء واحد؟! ألا يعلمون أن الشورى حكم شرعي يتعلق بكيفية أخذ الرأي في الإسلام، ومتى يؤخذ برأي الأغلبية ومتى لا يؤخذ به ولا يكترث له؟ ولا يمكن للشورى في الإسلام أن تعارض نصًا أو تنال من مقدس، فيما لا يوجد مقدس في الديمقراطية سوى إرادة الشعب ورغباته، وأن الجائز والمحظور فيها مرجعه الأكثرية وليس الشرع. أما تصوير الديموقراطية بأنها آلية انتخاب، وليست نظامًا فهو تلفيق واضح، ألم تعرف الوثيقة طبيعة النظام الديموقراطي بما يلي: (اعتماد النظام الديمقراطي القائم على الانتخاب الحر، الذي هو الصيغة العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسؤولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شؤون الدولة بالقانون، والقانون وحده وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية وحرية الحصول على المعلومات". فهل هذه آلية انتخاب؟! أم نظام حكم؟!! وهل يجيز الشرع التعددية السياسية وإدارة شؤون الدولة بقانون وضعي جرى إقراره بقرار الأكثرية؟!! أليست التعددية تعني أنه يجوز أن تَنشأ أحزاب أو حركات تنادي بعقيدة كفر كعقيدة فصل الدين عن الحياة،أو العقيدة الشيوعيّة , أو أن تقوم على أساس حَرَّمه الإسلام كالأحزاب القومية والوطنية. ويجوز أن تَنشأ حركات تنادي بما حرّم الله، كإباحة الشذوذ الجنسي، والزنى، أو أن تنشأ فئات تدافع عن إباحة الميْسِر، وشرب الخمر، والإجهاض، وتحلّل النساء، ما دامت تحوز على رضا الأكثرية؟!!! فهل يجوز لمسلم يؤمن بالله ويتقيه أن يَقبل بهذه التعددية التي نص عليها تعريف وثيقة الأزهر؟!! أليس ذلك يعني القبول بوجود دعوات للكفر، ولإباحة ما حرّم الله، الأمر الذي لا يَقبل به مؤمن بالله ورسوله؛ لأنه يعلم علم اليقين أن الله سيعذّبه على ذلك في الآخرة؟
أمّا الاستنجاد بالغرب وبفكره ومفاهيمه عن الحكم والدولة بحجّة أنّه لا يوجد نظام سياسي إسلامي واحد ومحدد وملزم، فلم يرد في الكتاب ولا في السنة شكل محدد للنظام السياسي ولم يرد أي تفصيل عن كيفية قيام الدولة ولا عن طريقة تدبيرها وإدارتها، كما أن العلماء لم يتفقوا على كيفية اختيار الحاكم أو عزله أو مدة ولايته ومدى صلاحياته ولا كيفية ممارسة الشورى أو كيفية حسم الخلاف بين رئيس الدولة وأهل الشورى؟ وليس من الضروري في المجال السياسي أن نبحث عن سند شرعي من النصوص لأي إجراء جديد، بل الذي يمنع الاجتهاد أو الاقتباس فعليه البحث عن الدليل الشرعي الذي يمنع من الاجتهاد والإجراء الجديد لأن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يرد المنع). فإنها دعوى باطلة، شرعًا وعقلًا؛ أما شرعًا فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عاش في مكة ثلاثة عشر سنة يدعو أهلها للإسلام، فآمن من آمن وكفر من كفر، ولما تجمد مجتمع مكة أخذ يبحث عمن ينصره من غير مكة، فعرض نفسه الشريفة على قبائل العرب، من ينصره ليبلغ دين الله، حتى قيض الله له قبيلتي الأوس والخزرج، فقبلوا دعوته، وعزموا على نصرته، فبايعهم بيعة العقبة الأولى والثانية، وكانت بيعة العقبة الثانية، بيعة على الحماية والنصرة؛ أي حماية الحكم والسلطان، وقد استوثق له عمه العباس من الأنصار، فلما توثق منهم أنه ناصروه، وأنهم لن يخذلوا، خلى بينهم وبينه، ومن نصوص البيعة يتبين أنها بيعة على الحكم والسلطان وحمايته، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيقدم إليهم حاكمًا لا ضيفًا، ومنذ وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أخذ يقوم بأعمال الحاكم، فبنى المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع وثيقة المدينة، وهي وثيقة سياسية تنظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل المدينة، ثم أخذ يولي ويعزل ويرسل السرايا ويبث العيون، فكانت أفعاله هذه أفعال حكم، وقد أقام الدولة في المدينة المنورة، وشكل ما يلزم في حينه من أجهزتها، فكان هو رئيسًا للدولة، علاوة على أنه نبي الله وصاحب الرسالة، وقد اختار لمعاونته أبا بكر وعمر، فكانا معاونين له في شؤون الحكم، وكان يقول لهما: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)، ثم إنه بعد توسع الدولة عين ولاة، فقد أمر عتاب بن أسيد واليًا على مكة، وأرسل معاذاً واليًا على اليمن وهكذا، وكان يستشير الصحابة ويرجع إلى قولهم فيما أفضى إلى عمل، ويتبع الرأي الصواب في الأمور الفنية كالحروب، كما أنه كان له جيش غير نظامي، من المهاجرين والأنصار، يستنفره وقت الحاجة، كما أنه تولى القضاء بنفسه، وأرسل الصحابة إلى الأمصار يقضون بين الناس، فقد أرسل عليًا إلى اليمن. وهكذا سار من بعده من الصحابة، ملتزمين بهديه، سائرين وفق سنته، فكانوا هداة مهديين. أفبعد هذا كله يجرؤ مسلم على القول أنه (ليس هناك نظام سياسي إسلامي واحد ومحدد وملزم، فلم يرد في الكتاب ولا في السنة شكل محدد للنظام السياسي ولم يرد أي تفصيل عن كيفية قيام الدولة ولا عن طريقة تدبيرها وإدارتها... الخ) فإن لم يكن في الإسلام هذا النظام، ولم يكن الإسلام شرع شكل الدولة وكيفية قيامها وطريقة تدبيرها وإدارتها، وتعيين رئيسها ومعاونيه.. الخ، فكيف قامت دولة الإسلام في المدينة؟! وعلى أي أساس أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم؟! وعلى أي أساس كان يدبر شؤونها وإدراتها؟! ألم يعلمنا القرآن أن نتأسى به صلى الله عليه وسلم في جميع شؤون الحياة؟! سواء أكانت من العبادات أم المعاملات؟!
أما مقولة أن (الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يرد دليل المنع) فهذه القاعدة لا دليل لها، بل الأدلة متضافرة على أن الشريعة الإسلامية قد أحاطت بجميع أفعال الإنسان إحاطة تامة شاملة، فلم يقع شيء في الماضي، ولا يعترضه شيء في الحاضر، ولا يحدث له شيء في المستقبل إلاّ ولكل شيء من ذلك حكم في الشريعة، قال الله تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)، وقال تعالى: (اليومَ أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي)، فالشريعة لم تُهمِل شيئًا من أفعال العباد مهما كان، فهي إما أن تنصب دليلًا له بنص من القرآن والحديث، وإما أن تضع أمارة في القرآن والحديث تنبِّه المكلَّف على مقصدها فيه وعلى الباعث على تشريعه، لأجل أن ينطبق على كل ما فيه تلك الأمارة أو هذا الباعث. ولا يمكن شرعًا أن يوجد فعل للعبد ليس له دليل أو أمارة تدل على حكم، لعموم قوله: (تبيانًا لكل شيء)، وللنص الصريح بأن الله قد أكمل هذا الدين؛ لذلك لا يجوز أن يقال بعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة إن هناك فعلاً أو شيئاً ليس له حكم، ولا يجوز أن يكون حكم لشيء ما أو فعل ما دون أن يكون له دليل من الشرع، لأن الحكم هو خطاب الشارع. ولا يجوز أن يقال إن كل ما لم يبيّن الشرع حكمه فهو مباح لأن المباح حكم شرعي إذ هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالتخيير، ولأن الادعاء بأن هناك شيئاً لم يبيّن الشارع حكمه يعني أن هناك شيئاً لم يبيّنه القرآن، وأن الشريعة ناقصة، وهذا لا يجوز لمعارضته للقرآن القطعي الثبوت القطعي الدلالة. وعليه فإنه لا فِعل يمكن أن يصدر عن الإنسان، ولا شيء يتعلق بفعل الإنسان، إلاّ وله في الشريعة محل حكم، ولا حكم إلاّ بعد وجود الدليل الذي يدل عليه بعينه، من خطاب الشارع، إذ لا حكم قبل ورود الشرع، فلا حكم قبل بعثة الرسول. ولا حكم بعد بعثته إلاّ بدليل من الرسالة التي جاء بها يدل على ذلك الحكم بعينه.
إن الإسلام والكفر لا يجتمعان، وإن الإسلام ليعلو ولا يعلى عليه، وهو نظام متميز عن أي نظام وضعي، وعن أي تشريع بشري، ولو زعم الزاعمون أن هذه التشريعات من أرقى ما توصلت إليه البشرية فيما يتعلق بتنظيم حياة البشر، فإن هذا الكلام ليس منفصلًا عن القول بأن الإسلام لا يصلح للتطبيق في العصر الحالي، فهذه دعوى كاذبة وخبيثة، ويراد منها التشكيك بالإسلام، وضرب ثقة المسلمين بدينهم، حتى يتسنى للكفار إخراجهم منه، واتباع دينهم وملتهم. مصداقًا لقوله تعالى: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذًا أبدا}. فالقضية أصبحت واضحة ويبصرها كل الناس حتى العميان، فأميركا الكافرة لن تترك المسلمين يقررون مصيرهم، فهي من سيقرر عنهم، فإما أن يتعرضوا للقتل والذبح، وبلادهم للتخريب والتدمير، وإما أن يعتنقوا حضارتها الفاسدة! بعد أن يتنازلوا عن دينهم، ويغيروا أفكاره وأحكامه، لتتكيف مع مفاهيم ومعايير الحضارة الغربية. إن من أعظم الهزائم أن يتخلى المسلمون عن دينهم، أو يخجلوا من أحكامه، أو يسعون للتوفيق بينه وبين الكفر، فهذا من أبلغ الهزائم الفكرية والنفسية، كما فعل بعض المسلمين عندما نسبوا الإسلام للاشتراكية لما علا صوتها، وصارت على كل لسان، وكما يفعل بعضهم اليوم عندما ينسبون الإسلام للديموقراطية، وكأن الإسلام لقيط يبحثون له عن أب!!
فالإسلام هو وحده هويتنا الحقيقية ولا هوية لنا سواه، ولا يجوز أن يكون لنا هوية سواه، فيجب أن نعود إليه وحده في كل شأن من حياتنا، ونعتصم به أمام كل فكر دخيل، بل يجب أن يكون حصناً منيعاً يحُول دون تسرّب حضارة الغرب الكافرة إلى عقول المسلمين وأذهانهم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- السّلطة والاتحاد في تونس شريكان في تأجيج الأوضاع من أجل تمري ...
- ظروف وملابسات القرار التركي بوقف العمليّات العسكريّة في شمال ...
- - المساواة بين المرأة والرجل - شعار مضلّل لا واقع له
- وهم الثورة والدّور المشبوه لمنظمات المجتمع المدني
- الجزء الأخير - الارهاب ملفّ يجب أن يفتح-
- الدّيمقراطية تهديد للفرد والجماعة والمجتمع
- الجزء الرابع قبل الأخير : - الارهاب - ملفّ يجب أن يفتح
- الجزء الثّالث من ملفّ - الارهاب - سرّي للغاية ولكنه يجب أن ي ...
- الارهاب : ملفّ يجب أن يُفتح ... الجزء الثّاني
- هل فعلا هناك ارهاب ؟ ملفّ يجب أن يُفتح
- أميركا وجه للاستعمار وليس مثالا للحريّة ونصرة الشعوب : في تو ...
- رجال الدّين بين التّعالم والانتهازيّة
- الجيل الرّابع من الحروب ودور المنظّمات الأمريكية في تسخير ال ...
- هل هي حرب على - داعش - أم حرب لتقسيم المقسّم ؟
- - الوطنيّة - والكفاح الرّخيص
- النّظام الرأسمالي في تونس فساد في الحكم ... الجزء الثّالث وا ...
- النّظام الرأسمالي في تونس ...أزمة حكم - الجزء الثّاني -
- النظام الرأسمالي في تونس .. أزمة حكم وتعميم المعاناة ج1
- أزمة التّفكير وآفاق النّهضة
- الايمان بين الوجدان والعقل .. هل يتناقض الايمان مع العقل؟


المزيد.....




- نازي بريطاني جديد يعترف بأنه يهودي ومن المثليين
- خامنئي: الأمريكيون غاضبون من الجمهورية الإسلامية لأنها أفسدت ...
- إيران تسقط عقوبة الإعدام في قضية إساءة للنبي محمد
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- محام: سيف الإسلام القذافي يمارس النشاط السياسي في ليبيا
- اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ويهود متشددين
- مؤتمر -دور الفتوى في تحقيق الاستقرار-
- محامي عائلة القذافي: سيف الإسلام سيعود للعمل السياسي
- بي بي سي في الرقة بعد طرد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الأسعد بنرحومة - - الدّولة المدنيّة - دولة مستوردة ومنبتّة في المعنى وفي الواقع ..فلا تصلح لنهضتنا