أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية خلوف - قيود أمّي -الفصل الرّابع-3-















المزيد.....

قيود أمّي -الفصل الرّابع-3-


نادية خلوف
الحوار المتمدن-العدد: 5479 - 2017 / 4 / 2 - 17:31
المحور: الادب والفن
    


على مقربة من البوابات الخلفيّة تتعثّر الصّدفة بالضرورة، لا تجتمعان، ولا يخلق أحدهما الآخر، هما كالبيضة والدجاجة، لكن دون أن تحدّد الضّرورة ابنتها. قد تكون الصّدفة، وقد يكون غيرها. أتابع السّير خلف وهم الصّدفة. أعمل، وأعمل مثل من يدير دولاب هواء، ولا يحظى بالماء.
هذه العزلة تشعرني بالموت. أحاول أن أفتح نافذة أشمّ منها رائحة الحياة دون جدوى. أنظر إلى الناس أراهم يحضرون الحفلات، ويذهبون لزيارة بعضهم البعض، يضحكون، ويبكون أيضاً. حياتهم عاديّة إلا أنا فحياتي تتلخّص في الدعاء، والندب.
خصصت ساعة من وقتي في كلّ صباح للدّعاء, أغسل وجهي، وألبس ثيابي، أهيم على وجهي بين المقابر، وأدعو أن يفرّج الله عنّي بعودة حياتي لي ، أجلس على حافة أحد القبور، أبكي، أعود إلى القبّة، أتناول فطوري. الخبز والشّاي، ولو توفّر لدّي شيء آخر خبأته، ولم أقترب منه. أعتقد أنّه لا يحقّ لي أن آكل أطعمة تخصّ المرفهين بينما هناك إنسان يموت من الجوع. هذا ما قاله وزير العدل مرّة بينما كان يأكل في مطعم اسمه "سوبر ستار". التقطت كلمته، جعلتها مبدأ في حياتي. أشعر أنّني ساذجة ، لو لم يقل لي أيمن زوجي السّابق بأنّ الوزير كاذب ، لكنت أصدّقه حتى اليوم، وأنا أصدّقه فعلاً ، ولا آكل الطعام اللذيذ لو توفر. هو طعام لذيذ، لكنّني لا أشعر بالفرق بينه وبين طعامي" الشاي، والخبز".
. . .
يقول لي تميم: أحبّك!
أفتح عينيّ جيداً، أقبّله وأنا أقول في قلبي: لماذا تحبني يا تميم؟ لا أستحق. لم أفعل شيئاً له قيمة. الحبّ يأتي على قدر الإنجاز، فإن لم أنجز، وكنت أشعر بالإعاقة على ابني أن لا يحبّني. لماذا يحبّ إنسان عاجز عن التّغيير؟
لا أعرف كيف ألتقي بتميم، وكيف يختفي فجأة ، لكنه لا يكبر، و هذا يعني أنّنا لا زلنا أنا وهو في البارحة، لم ننتقل إلى اليوم.
تركني وحدي هنا. ألحس بقايا الماء من على حفرة فوق قبر الإمام الصالح. لا ماء اليوم في القبّة . يرممونها. يقولون: هي أثر حضاري. عليّ أن أتدبر أمري. الإمام أوصى بتلك الحفرة فوق قبره من أجل أن تشرب منها الطيور. كان يحبّ لحمها كثيراً. عاش حياته إماماً يصليّ بالناس، ويلقي الخطابات والنصائح على النّاس. لم يخطر له أنّ الإنسان يمكن ان يتحوّل إلى هارب يحتاج للماء من حفرة صغيرة.
أسمع صوتاً من قرب القبر الذي أجلس على حافته:" الموت هو أحد الحلول المريحة لك وللآخرين. أنا قتلت نفسي. اقتلي نفسك".
-سوف أسجل ملاحظات حول هذا: عندما تسوء حالتك يا عليا أكثر من ذلك، وتشعرين أنّ هلوساتك لم يعد لها علاج. تناولي سمّ الفئران، وارقدي في القبة بسلام.
كم هو عدد الذين يقتلون أنفسهم؟
النسبة قليلة جداً، وهذا يعني أنّه لا يوجد سبب لقتل النّفس. بل يوجد أسباب كثيرة، وأهمها العجز.
-دعيني أقرأ ما كتبتِ. أيقظتني من موتي يا عليا!
لم أصدّق أنّني غادرت عالمكم حتى أتت دموعك لتبلل روحي، وأعود للحياة .
لا تسألي من أنا.
إنّني تلك المرأة التي قتل زوجها في الحرب. أصبحت مثل خادمة عند عائلة أخي الذي أبت رجولته أن يتخلى عنّي ، جلبني إلى بيته، ومنذ تلك اللحظة أصبحت عدّوة العائلة، فكرت في الانتحار. كلّما ذهبت إلى قبر الشّهيد -زوجي- أسأله لماذا اختار طريق الموت. ثمّ أصبحت أجمع الأفكار حول الوطن. تلك الكلمة التي تصم أذنيي منذ الطفولة ، عرفت فيما بعد أن الوطن هو ذلك المكان الذي يموت فيه الفقراء فداء للأغنياء، اخترت مهنة أخرى غير الموت من أجل الوطن. اقرأ فأل النّاس مقابل صدقة يدفعونها لي وإن لم يدفعوا لا أطلب منهم، ومن بين الاحتمالات التي أعطيها للزبائن كان حوالي أربعون بالمئة تصح، أقول للشّابة مثلاً: نصيبك يدور حولك بعد ثلاث إشارات سوف يصل . أبيع الأمل. ذاع صيتي، أصبحت أكفي نفسي، اشتريت بيتاً . لم يعجبهم أن احيا حياة طبيعيّة. قتلوني لأنّني ساحرة شريرة حسب قولهم.
للوطن قوانين صارمة وضعت من أجلي. أحياناً أقتل فداء له، ومرات أقتل لأجل نصرة الدّين، وأخرى تحت اسم آخر. وطن متخصّص في العقوبة، والقتل.
. . .
المقبرة وطني. هي المكان الذي أنام فيه، وتاريخي الذي صنعته على مرّ الزمن، وآلامي، وآمالي المشتركة مع سكانه.
سوف أكتب عن السّاحرة الشّريرة، أحفره على قبرها بالمسمار:
ترقد هنا " السّاحرة الشّريرة"
من هي السّاحرة الشّريرة؟
هي زوجة الشّهيد الذي قدّم حياته فداء" الوطن"
أراد ربعها أن تكون هي وأولادها خدماً مكافأة لهاعلى بطولة زوجها.
عندما شعرت بالغبن. أصبحت تقرأ الفنجان، وتسعد قلوب البشر، ويهبونها من مالهم.
اغتنت بعض الشيء، اشترت بيتاً وأرضا.
بالصّدفة زاد سعر الأرض.
أراد الحاكم العادل أن يستثمرها من أجل الوطن.
فأتى حكم المحكمة الشرعية بقتل المرأة لأنها ساحرة شريرة.
لو بلل قلبها دمع تذرفه بينما تجلس على حافة قبرها، لانتعشت روحها، وأعادها دمعك للحياة.
. . .
السّعادة تغمرني. تنفرج شفتاي راغبّة بالضحك.
أتمتّع بالحياة قبل الوداع
أصنع شيئاً يخلّده الزمن
من يدري! قد يأتي يوم على هذا المكان يكتب شخص ما عنّي كما كتبت عن السّاحرة الطّيبة التي أسموها شريرة.
يأتي أحد ما بعد موتي!
لا. لا فائدة.
عليّ أن أثبت أنّني أنا عليا، ولست شخصاً آخر.
أشاغب، أكتب أفكاري على شواهد القبور، أنتقل بعدها إلى شوارع بلدي.
أكتب تاريخ الظّلم، وبينما أحاول أن أكتب اسم الظّالم تقتلني رصاصة، ويذهب دمي هدراً.
يستيقظ فتى من قبره رحل إلى السماء كي يعيش الوطن. يكمل ما بدأت.
ينضمّ له كلّ الذين يستيقظون من القبور، وتكون ثورة الأموات الكبرى.
عندما تفتح الأموات قبورها بأيديها. لا أحد يستطيع الوقوف بوجهها.
سوف أقتل برصاصة قناص، ويذهب دمي هدراً وبينما يسيل دافئاً أسمع صوت العدل.

. . .
الأفكار تنقلني إلى حالة الحماس. أداعب أحجاراً صغيرة بقدمي، وأقفز قليلاً. أقول وجدتها!
وجدت قلوباً تسكن آثاراً باكية
وجه الحياة يستغيث بنا:
ما نفع البكاء على زمن فيه موتنا
مع أنّ الحياة وجدت لنا

. . .
لا للحزن، فالموت لا يصحو
الوقت قارب على النّفاذ
تنسكب الدموع تقديساً للحبّ
أوّاه من قلبي حين يرتجف
يغزوه أمل كبير، وأحاسيس
يدفنها عابر من طريق الأمس
على أفكارنا يعتدي، ويدوس
. . .









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- العودة إلى حضن النّظام السوري من البوابات الخلفيّة
- قيود أمّي-الفصل الرابع-2-
- الأطفال السّوريين في مخيّمات اللجوء
- قيود أمّي-الفصل الرّابع-1-
- سهرة حتى الصّباح
- قيود أمّي -الفصل الثالث-5-
- قيود أمّي-الفصل الثّالث-4-
- قيود أمّي-الفصل الثّالث-3-
- مناسبات ثورية، وغير ثوريّة
- قيود أمّي-الفصل الثّالث-2-
- قيود أمّي-الفصل الثّالث-1-
- قيود أمّي-الفصل الثّاني-5-
- قيود أمّي-الفصل الثّاني-4-
- قيود أمّي- الفصل الثّاني-3-
- قيود أمّي-الفصل الثاني-2-
- قيود أمّي- الفصل الثّاني-1
- قيود أمّي . الفصل الأوّل-5-
- قيود أمّي . الفصل الأوّل-4-
- قيود أمّي. الفصل الأوّل -3-
- قيود أمّي . الفصل الأوّل. 2


المزيد.....




- بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات المحلية..لاشئ تغير في الجزائ ...
- فلم القاتلة المسيرة: تكنولوجيا الالم في رثاء القارات
- عمرو دياب ومحمد رمضان يعزيان الشعب المصري
- هند صبري: السينما التونسية أجرأ من المصرية
- تذكارات لمشاهير بينهم ديلان في مزاد بنيويورك
- فيزيائيون روس يستخدمون المحاكاة الكمومية لفك وتشفير رموز آلي ...
- عائلة  خفوروستوفسكي تدعو محبيه للتبرع بالمال بدل الزهور
- مهرجان يجمع موسيقيين من 85 دولة بالرباط
- فنانون احترفوا -السرقة-.. فهل تجاوزوا حدودهم؟
- خفوروستوفسكي.. الحب من القبلة الأولى


المزيد.....

- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية خلوف - قيود أمّي -الفصل الرّابع-3-