أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الغين














المزيد.....

الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الغين


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 5443 - 2017 / 2 / 25 - 21:49
المحور: الادب والفن
    


لقد كانت " سوسن خانم " محقة، حينَ قالت أنني عشتُ حياةً كاملة، هنالك في مراكش. قالتها لي في يومي الأخير بتلك المدينة، وكانت تحثّني على تأليف سيرة مماثلة لسيرة شقيقتي. فكّرتُ بكلامها، لما عدتُ ذات مساء إلى شقتي في موسكو، خالي الوفاض من مخطوطة " شيرين "، التي كنتُ قد نسيتها يومئذٍ على مقعد في إحدى قاطرات المترو.
نوافذ البناء المجاور، المتعدد الأدوار، كانت أنوارها ساطعة على الرغم من طبقة الجليد الملتصقة بكلّ منها. البلور المزدوج، كان يحول دون تسلل البرد إلى داخل الشقق، وكذلك الأصوات الصادرة من الخارج. كونه يوم عطلة، فإنّ ساكني البناء كانوا يتحدون كآبة الشتاء بإحياء الولائم صُحبة الفودكا والكونياك واللكيور. شعرتُ عندئذٍ بالجوع، وتمنيت ألا تتأخر " سفيتا " في الحضور. الطاولة الرئيسة في الصالة، المظهّرة بالفورميكا القاتمة، كانت تحتفي أيضاً بأنواع المأكولات والمشروبات. شريكي في الشقة، وكان آنذاك ما يزال في تركيا، هوَ من تعهّد تعليمي بعض فنون الطبخ. كما أنه جعلني أحرص على وجود شرائح المرتديلا الباردة ضمن المازة، فضلاً عن السَلطة الروسية والمخلل القفقاسي والسمك المدخّن والكافيار الأسود والفطر المهروس، المطبوخ مع الثوم والبقدونس. في الموعد المحدد لمجيء صديقتي، أخرجتُ طبق الدجاج المحمّر من الفرن وكان محوّطاً بهالة من الدخان المعطّر بعبق التوابل. في الأثناء، كنتُ ألهي معدتي بقضم أعواد الثوم المخلل مع جرعات هيّنة من الفودكا. وهذا جرس الباب الخارجيّ يرن مرتين. ألبث جامداً للحظة، قبل أن أتقدم عبرَ الردهة بخطى خفيفة وحذرة. الباب، كان يفتقد لعينٍ سحرية: علاوة على قلقي المستمر بخصوص مصير ابنتي، وما يتعلق بخطتي للتسلل إلى السويد في حال تأكّدي من مماطلة " سوسن خانم " بشأن انتقالها إلى موسكو.. علاوة على كلّ ذلك، كان ثمة هواجس الخوف من خطر إقتحام أفراد المافيا للشقة، أو أيّ دخيل آخر، بهدف السلب والسرقة.
كان الأصدقاء معتادين، والحالة تلك، على رفع أصواتهم آنَ حضورهم. ذلك ما فعلته " سفيتا " أيضاً، لكي أفتح لها البابَ دون تأخير. أفرخَتْ مخاوفي كلها، حالما تلقيتها بين ذراعيّ وشعرتُ بحرارة شفتيها. خلعت معطفها، ثم سارت في ممشى الردهة باتجاه الصالة، فرحتُ أتأمّل بهاء جسدها مفكّراً أنه نموذجيّ كموديل. على المائدة، ذكرتُ لها فكرتي وأنا أرفع نخبَ جمالها السلافيّ. قالت لي وهي تجيل عينيها بموجودات المائدة: " سأقف بالدَور، بعد انتهائك من رسم أولغا! ". كنتُ متهيئاً لمثل هذا اللمز، فلم أتأخر عن إجابتها: " وإذاً، فإنّ ناستيا أخبرتك في ذلك اليوم بأنني وعدتُ صديقتك ببورتريه؟ "
" بورتريه أو بروفيل..؟ "، تساءلت وهيَ تقلب قدح الكونياك في جوفها. رمقتني عابسة، ثم أردفت: " جسدها مثير، وقد أعجبك، أليسَ كذلك؟ ولكنك رجلٌ مشرقيّ؛ فلن تستطيع مقاومة الإغراء. أنا امرأة تنتمي لعقلية أخرى، وعليّ أخذ الأمر ببساطة. فلك أن تتمتّع، طالما أنّ من حقك نيل ذلك مقابل فنك.. أو نقودك ". مُبلبلاً، أمسكتُ بيدها وكانت دافئة كشفتيها. كان من الممكن أن أعفي نفسي من شعور الإخراج، لو أنني نظرتُ إلى هذه الفتاة الفاتنة كجسد يُشترى بالمال. ولكن الأيام الأربعة، التي سبقت لقاءنا، جعلتني من جديد فضاءً مفتوحاً للحب. استبطأت " سفيتا " جوابي، فنكّست رأسها محدّقة بعينيّ؛ وهيَ حركة روسية أصيلة. فلما فعلتْ ذلك، رأيتني فعلاً فضاء فسيحاً، يتّسع لقمرها حَسْب، فيما نجمة فينوس تسطع من الجهة الأخرى كي تبارك هذا الحبّ المولود للتوّ.
قلتُ لها، واضعاً يدي هذه المرة على قدحها الفارغ: " على رسلك..! فإنّ سهرتنا لم تبدأ بعد ". وإذا بها تردّ بغمغمة مبهمة، فهمتُ منها أنها تريد أن تسكر كي تطلق لسانها.. وإذا بي ألمحُ في عينيها الواسعتين، الرائعتين، صوراً من الماضي القريب للمدينة الحمراء؛ لمدينةٍ، يرغب كلّ من عرفتهم فيها إطلاق لسانه بحرية مثلما يفعل المأذنون على المنائر المغسولة بغيث الخطايا والذنوب والسيئات.
" لو رأيتها في فراشك، فلن أتأثر بشعور الغيرة. لأنني أفعل مثلها.. فحين يضاجعني أحدهم؛ أغمض عينيّ وأتصوّر أنه حبيبي من يفعل ذلك وليس شخصاً يمكن أن يقضي الليل معي ثم يمضي دون أن يعرف حتى اسمي الحقيقيّ "
" أنت متأثرة الآن بشعور الغضب، وتبغين جرحي بالحديث عن عشاقك... "
" أنا أتكلم عن الزبائن! أما عشيقي الوحيد، فسبقَ أن أعلمك بشخصه أخي ميتيا. ولكنك لم تهتم بمعرفة هوية حبيبي..؟ أليسَ هذا دليلاً على أنّ شرقيتك أقوى من روح الكاتب فيك؟ "، قاطعتني وهي تطلق ضحكة متكلّفة. قلتُ لها محاولاً إخفاء نبرة إنزعاجي: " لا أعتقد أنّ الموضوع شرقٌ وغرب، لأنّ العالم تغيّر. فالكثير من أهل الغرب، كما لحظتُ ذلك خلال إقامتي في المغرب، يحنون للعودة إلى حياة البدائية بعدما أصابتهم الحضارة بالسأم واليأس. مثلما أنّ الكثير من المشرقيين باتوا أقرب إلى العقلية الأوروبية، لناحية المظاهر على الأقل. مجرّد أن أعرف هذه الحقيقة، يكفي للحكم على عقليتي وأيضاً هويتي ككاتب. أما بشأن الجنس، فإنّ أيّ طبيب نفسي أو فيزيولوجي ممكن أن يبرهن على أن البشر متساوون في دافع الرغبة. إنّ فرويد، لم يتوجه بأبحاثه عن عقد الكبت إلى جمهور المشرق، ولا كذلك تلاميذه القدامى والمحدثين ". إجابتي، تجاهلت من جديد سؤالها الأساس. كان مرعباً لي، أن أعرف بأنّ ثمة حبيباً في حياتها وأنني لستُ أكثر من زبون، أو بأحسن الأحوال، عشيق آخر ـ كما ذلك الضابط المتقاعد، المقيم بجوارهم ومَن يشاركهم في كتمان حقيقة موت العمّة العجوز.











كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,566,100
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الظاء 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الظاء 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الظاء
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الضاد 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الضاد 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الضاد
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الذال 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الذال 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الذال
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الخاء 3
- سيرَة أُخرى 47
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الخاء 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الخاء
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الثاء 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الثاء 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الثاء
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء
- سيرَة أُخرى 46


المزيد.....




- الجامعات الجزائرية تغيّر لغة المراسلات من الفرنسية إلى اللغة ...
- الجامعات الجزائرية تغيّر لغة المراسلات من الفرنسية إلى اللغة ...
- بنشعبون أمام البرلمان لتقديم حصيلة تنفيذ قانون المالية
- بعد أزمة الملاحة البحرية في الخليج.. بوريطة يكشف موقف المملك ...
- كودار يقاضي بنشماس ويطعن في قرار طرده من البام
- كواليس: جليل القيسي وتواضع الفنان!
- كاريكاتير العدد 4476
- ميكائيل عكار -بيكاسو الصغير- الذي أذهل الوسط الفني في ألماني ...
- شاهد.. بعد هوس فيس آب.. تطبيق جديد يرسم صورتك بريشة كبار الف ...
- الوداد يتعاقد مع مدافع الكوكب المراكشي


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الغين