أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - طارق المهدوي - الشيوعيون في مصر المعاصرة















المزيد.....



الشيوعيون في مصر المعاصرة


طارق المهدوي
الحوار المتمدن-العدد: 5428 - 2017 / 2 / 10 - 13:18
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    


الشيوعيون في مصر المعاصرة
طارق المهدوي

(1)
تختلف اختيارات المجموعات البشرية من الأفكار السياسية باختلاف التوازنات والمصالح القائمة بين المكونات الاقتصادية والاجتماعية داخل كل مجموعة، دون أن تخرج تلك الاختلافات عن المنظومات العقائدية الأربع السائدة على امتداد التاريخ والجغرافيا سواء بشكل انفرادي لكل منها أو بشكل تفاعلي فيما بينها ألا وهي الدينية والقومية والليبرالية والشيوعية، وحيث يفترض نظرياً على الأقل أن الأخيرة تحديداً تترجم حصرياً الاختيار السياسي المنحاز إلى مصالح الأجراء الفقراء الذين يشكلون الأغلبية العددية في كافة المجموعات البشرية، كما يفترض نظرياً أيضاً أن التداول الأمثل لتلك الأفكار السياسية المختلفة داخل المجموعات البشرية يتم على أرض الواقع عبر آلية موحدة تشمل ثلاث درجات تصاعدية متصلة، تبدأ بحرية التفكير الضامنة لحق الحصول على المعلومات الصحيحة أولاً بأول ولحق معرفة وتبادل الأفكار مع الآخرين وصولاً إلى حق الاعتناق الفردي أو الجماعي لأية أفكار أو آراء وحق تعديلها أو استبدالها بغيرها في أي وقت، أما الدرجة التالية الأعلى فتتعلق بحرية التعبير الضامنة لحق إعلان الأفكار والآراء وكذلك المصالح المختلفة للأفراد والجماعات، سواء عبر أدوات الإعلام المباشر بما فيها الأدوات الاحتجاجية كالتظاهر والإضراب والاعتصام وغيرها أو عبر استخدام وسائل الاتصال غير المباشرة المطبوعة والمسموعة والمرئية والإليكترونية وغيرها، وصولاً إلى الترويج لتلك الأفكار والآراء والمصالح في الأوساط المستهدفة بغرض تحقيق الأصداء الجاذبة لأوسع التفاف جماهيري ممكن حولها داخل المجموعة البشرية، في حين تتعلق الدرجة الأخيرة والنهائية بحرية التمكين الضامنة لحق مشاركة الأفراد والجماعات للحكام في صنع واتخاذ القرارات العامة ومراقبة كيفية تنفيذها، حتى يستطيع المحكومون محاسبة حكامهم على أدائهم الميداني وصولاً إلى حق التداول السلمي لسلطات الدولة والمجتمع، وامتداداً للافتراضات النظرية المثالية للعمل السياسي فإن تشغيل الآلية الموحدة ذات الدرجات الثلاث من الحريات التصاعدية المتصلة (التفكير ثم التعبير ثم التمكين) يتم عبر الأحزاب التي تضم الجماعات والأفراد المتقاربين في الأفكار والآراء والمصالح، بحيث يكون الحزب السياسي هو إطار قائم على هيكل تنظيمي محدد يجمع أعضاءه وفقاً لأساس برنامجي محدد ويسعى إلى تطبيق أفكارهم وآرائهم ورعاية حرياتهم وحقوقهم والدفاع عن مصالحهم بأساليب التغلغل والضغط والمساومة والتوفيق والصدام معاً، لأهداف تتراوح بين استيعاب أكبر عدد ممكن من الأنصار عبر توعيتهم وتغيير اتجاهاتهم نحو اختيار الانضمام إلى عضويته وبين زيادة نفوذه وتأثيره داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، عبر توسيع النطاق الكمي والنوعي لتسكين أعضائه وأنصاره في السلطات المحلية والتشريعية والتنفيذية والقضائية والسيادية وفي النقابات والجمعيات والأندية والروابط وما شابه، وصولاً إلى توليه الحكم بنفسه عبر الأساليب السياسية السلمية المتفق عليها داخل المجموعة البشرية ليضع موضع التنفيذ الفعلي ليس فقط برنامجه ولكن أيضاً أفكار وآراء ومصالح أعضائه وأنصاره!!.
(2)
يتميز الحزب السياسي عن شقيقه الأصغر التنظيم السياسي باتساع إطار هيكله التنظيمي ليتخذ شكلاً هرمياً تقليدياً يضم عدة مستويات تهبط من الأعلى إلى الأسفل، ابتداءً بالسكرتارية المركزية التي تقود العمل السياسي اليومي سواء كان انفرادياً أو مشتركاً مع الأحزاب السياسية الأخرى ومؤسسات الدولة والمجتمع أو في مواجهتها، مروراً بمكاتب الحزب النوعية التي تباشر خطواتها في مجالات تخصصاتها المختلفة حسب الخطط المحددة سلفاً لكل منها، هبوطاً إلى مستوى اللجنة المركزية المختصة بمتابعة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة محلياً وإقليمياً وعالمياً بالحزب لتتخذ القرارات المناسبة حول الخطوات الحزبية الواجبة تجاهها، والمختصة أيضاً بالإشراف على أداء السكرتارية المركزية والمكاتب النوعية لأعمالها اليومية والتدخل فيها سلباً أو إيجاباً عند الضرورة، ثم يأتي مستوى لجان المناطق الموزعة على المحافظات والأقاليم الجغرافية من جهة ومجالات التخصصات المهنية والحرفية المتشابهة من جهة أخرى ومقرات العمل التابعة للمنشآت الوظيفية المجمعة من جهة ثالثة، ثم يأتي المؤتمر الحزبي العام الذي ينعقد بشكل دوري منتظم كل مدة زمنية معروفة سلفاً ليضم جميع أعضاء كافة لجان المناطق المذكورة، ويتولى المؤتمر الحزبي العام أثناء انعقاده مراجعة برنامج الحزب ولائحته وسياساته وقراراته وخطواته منذ انعقاد الدورة السابقة ليصدر توصياته المناسبة بشأن ما يجب أن يتخذه الحزب وينفذه من إجراءات على كل المحاور خلال الدورة التالية، ويتولى المؤتمر أيضاً انتخاب اللجنة المركزية والسكرتارية المركزية والمكاتب النوعية وتشكيل هيئة مدرسة الكادر المختصة بالتثقيف السياسي وهيئة المراقبة والتفتيش المختصة بفحص شكاوى الأعضاء لمعالجتها حسب اللائحة الحزبية وهيئة إدارة الخلافات السياسية والصراعات الفكرية المحتملة داخل الحزب، علماً بأن المؤتمر الحزبي العام يضطر أحياناً إلى الانعقاد في دورات استثنائية طارئة عندما يتعرض الحزب بشكل مفاجئ لتحديات أو صعوبات خطيرة تعرقل مساره أو تهدد مصيره، ثم يأتي مستوى لجان الحزب القاعدية الأساسية المنتشرة في مختلف الأقسام والفروع والأنشطة والمواقع، وأخيراً يأتي مستوى المنظمات التابعة أو الموالية للحزب والتي تؤيد الأفكار والآراء والمصالح الخاصة به أو المشتركة مع غيره من الأحزاب السياسية كلياً أو جزئياً، وسواء كانت تلك المنظمات ذات أهداف ثقافية أو جماهيرية أو اقتصادية وسواء كانت تبعيتها الحزبية انفرادية أو جبهوية متعددة فمن الضروري وجود حلقة اتصال مع الحزب تتولى إدارة عملها اليومي بما يكفل توجيهها نحو القرارات والخطوات الأقرب لأفكاره وآرائه ومصالحه، وبذلك يكون هناك مستوى حزبي استثنائي يقع خارج هيكله التنظيمي الهرمي التقليدي ويضم أعضاء الحزب وكوادره الذين يشغلون مواقع قيادية بمؤسسات الدولة والمجتمع الهامة أو في المنظمات التابعة والموالية للحزب، حيث يتم استيعابهم داخل لجان حزبية فردية قائمة على اتصال شخصي مباشر ودائم يربط كل واحد فيهم بالأقرب إليه من أعضاء السكرتارية المركزية للحزب، وبتطبيق هذه القواعد العلمية على واقع الحركة الشيوعية المصرية يتضح أنها لم تشهد منذ نشأتها حتى اليوم سوى حزبين اثنين فقط أولهما عام 1922 وثانيهما عام 1958، رغم تكرار إطلاق اسم "الحزب الشيوعي المصري" على عدة تنظيمات وحلقات وخلايا ظهرت في مختلف مراحل تلك الحركة، وهو ما سوف نتحاشاه لاحقاً ليس فقط باعتباره يخالف القواعد العلمية والحقائق الواقعية، ولكن أيضاً لكونه يكشف تعالياً غير مبرر على الرفاق الشيوعيين الآخرين وتكاسلاً غير مفهوم عن السعي للعمل المشترك مع هؤلاء الرفاق الآخرين من أجل إنشاء الحزب!!.
(3)
تتقدم الأحزاب نحو الأمام أو تتقهقر إلى الخلف حسب كيفية إدارتها للعلاقات التنظيمية داخل البناء الحزبي بمختلف مستوياته ومكوناته وأعضائه لاسيما عند ظهور أية خلافات أو صراعات بينية، وتتنوع كيفية إدارة تلك العلاقات التنظيمية الداخلية تبعاً للهوية العقائدية التي ينتمي إليها الحزب سواء كانت دينية أو قومية أو ليبرالية أو شيوعية، وحيث يفترض نظرياً على الأقل أن الأخيرة تحديداً تلزم الأحزاب المنتمية لها بإدارة العلاقات التنظيمية الداخلية عبر أسلوب المركزية الديمقراطية المستمد من قانون الوحدة والصراع، ومفاده أن المضمون الديمقراطي المطلوب والمفيد للخلافات السياسية والصراعات الفكرية البينية يجب ألا يؤثر سلباً على استمرار الشكل المركزي المطلوب والمفيد في الحركة الميدانية الموحدة، فالأعضاء يباشرون أنشطتهم الحزبية المعتادة وهم على درجة كبيرة من الانسجام الحركي الميداني ولكنهم يحتفظون في الوقت ذاته بآرائهم الشخصية التي قد لا تكون على نفس درجة الانسجام، مما يسفر أحياناً عن خلافات وصراعات في الرأي يستثمرها الحزب لتصحيح أو تطوير أفكاره وسياساته دون أن تعرقل أنشطته المعتادة بما تتطلبه من انسجام حركي ميداني، وتلزم المركزية الديمقراطية العضو أو الأقلية المعارضة بالخضوع لقرارات الحزب المعبرة عن الأغلبية الموالية فيما يخص المقتضيات الحركية الميدانية للموضوع محل الخلاف، مع خوض العضو أو الأقلية المعارضة في الوقت ذاته صراعاً ضد آراء الأغلبية الموالية فيما يخص الجوانب الفكرية والسياسية النظرية للموضوع نفسه تحت إشراف هيئة إدارة الخلافات والصراعات الداخلية، وهي الهيئة التي تلزمها المركزية الديمقراطية بإتاحة أوسع الفرص أمام آراء المعارضين وملاحظاتهم وتحفظاتهم وانتقاداتهم ومقترحاتهم لعرضها ومناقشتها والتحاور حولها، سواء داخل المستوى التنظيمي المختص بالموضوع محل الخلاف أو على مستوى الحزب كله عبر المجلات الداخلية والأوراق الخاصة الموزعة من خلال الهيئة المذكورة بسرعة وأمانة على جميع الأعضاء، أما في حالة زيادة حدة التوتر بين الأغلبية والأقلية إلى درجة تعرقل مسار الحزب وتهدد مصيره فإن هيئة إدارة الخلافات والصراعات الداخلية تعقد اجتماعات جانبية لأعضاء الأقلية حتى يبلورون آرائهم ويرشحون ممثليهم المعبرين عن تلك الآراء للمشاركة في المؤتمر الحزبي العام الأقرب زمنياً سواء كان دورياً أو استثنائياً، بهدف حصول المعارضين على فرص متساوية مع الموالين في عرض آرائهم ومحاولة انتزاع التصويت لصالحها من قبل المؤتمر رغم انعقاده تحت رئاسة الموالين، وهكذا يتقدم الحزب كله خطوة واحدة على الأقل نحو الأمام فكرياً وسياسياً بمجرد انتهاء تصويت المؤتمر العام إما لصالح آراء أغلبية الأمس واليوم الموالية أو لصالح آراء أقلية الأمس المعارضة التي أصبحت أغلبية اليوم الموالية، لاسيما في ظل ما يصاحب التصويت من تداول سلمي للمواقع القيادية داخل الحزب حيث يحل أصحاب الآراء الفائزة محل أصحاب الآراء الخاسرة على رأس الحزب كموالين جدد لأغلبية جديدة، إلا أن الواقع التاريخي الحقيقي لمختلف الأحزاب الشيوعية التي حكمت عدة بلدان هامة كان شديد الانحراف فيما يتعلق تحديداً بكيفية إدارة العلاقات التنظيمية الداخلية عند ظهور الخلافات والصراعات البينية، ابتداءً من كوميونة باريس عام 1789 وانتهاءً بحكم الحزب الشيوعي اليوناني عام 2015 مروراً بحكم الحزب الشيوعي السوفيتي الأبرز بين عامي 1917 و1992، إلى جانب أحزاب شيوعية أخرى عديدة تولت خلال النصف الأول للقرن العشرين حكم الصين وكل بلدان أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى الأحزاب الشيوعية التي تولت خلال النصف الثاني للقرن العشرين حكم بعض بلدان العالم الثالث مثل كوبا وكوريا الشمالية وفيتنام ومنغوليا وأثيوبيا واليمن الجنوبية وغيرها!!.
(4)
كانت مصر خلال الفترة الممتدة بين بدايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين هي الملجأ الأنسب للهاربين من الأزمات والحروب والاضطهاد في بلدانهم الأصيلة لاسيما اليونانيين والطليان والأرمن والسلافيين والمالطيين، باختلاف انتماءاتهم الدينية والفكرية والسياسية التي شملت فيما شملته اليهودية والشيوعية مع وجود البعض ممن يحملون الانتمائين اليهودي والشيوعي جنباً إلى جنب، وسرعان ما حصل اللاجئون الأجانب على الجنسية المصرية أو حق الإقامة مع احتفاظهم بالروابط التي تجمعهم فيما بينهم وتبقيهم على صلة منتظمة بمجتمعاتهم الأصلية، الأمر الذي سمح باستمرار علاقات اليهود منهم مع الحركات اليهودية العالمية والشيوعيين منهم مع الحركات الشيوعية العالمية، حتى عندما نظم هؤلاء وأولئك أنفسهم في طوائف وخلايا وحلقات تتخذ مصر موقعاً مكانياً لها فقد ألحقوها بمكاتب الأنشطة الخارجية التابعة لحركات غير مصرية، وكانت الطبقة العاملة المصرية قد ظهرت عام 1840 عقب توقيع مصر على معاهدة "لندن" التي سمحت بشراء قوة العمل العضلي والذهني من المصريين وغيرهم مقابل أجر محدد سلفاً، ضمن ما سمحت به المعاهدة من حقوق اقتصادية عديدة لصالح فئة الأجانب وكلاء الرأسمالية العالمية في مصر، ثم تبلورت الطبقة العاملة المصرية عام 1871 عقب إصدار قانون "المقابلة" المصري الذي سمح بالتنقل الجغرافي الحر للمصريين والأجانب الباحثين عن العمل العضلي والذهني المأجور لدى الغير، ضمن ما سمح به قانون "المقابلة" من حقوق اقتصادية عديدة لصالح فئة الرأسماليين المصريين المستقلين أسوة بالحقوق التي سبق أن منحتها معاهدة "لندن" إلى فئة الوكلاء الأجانب للرأسمالية العالمية، ورغم مرور حوالي قرنين على ذلك الظهور المتزامن للطبقة العاملة في مواجهة الرأسمالية بفئتيها الأجنبية التابعة والوطنية المستقلة مع التفاوت الصارخ الذي صاحبه، بين فريق رأسمالي محتكر للثروة والسلطة يشكل الأقلية النخبوية وفريق أجير محروم من أدنى حدود الثروة والسلطة يشكل الأغلبية الجماهيرية، فإن التناقض الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين الفريقين لم يزل حتى اليوم متواصلاً في مصر على نفس النحو الذي كان قائماً منذ قرنين، حيث مازال الفريق النخبوي يسعى إلى الحفاظ على استقرار الأوضاع بهدف تكريس استبداده وفساده وتبعيته لمراكز الاستعمار العالمي لاسيما في ظل اعتلاء الرأسماليين التابعين للرأسماليين المستقلين داخل الفريق النخبوي، بينما مازال الفريق الجماهيري يتطلع نحو تغييرات جذرية تكفل تحقيق الحرية والتحرر الوطني والتنمية الاقتصادية المستقلة والعدالة الاجتماعية لصالح الأجراء الفقراء، الأمر الذي كان يفترض أن يترتب عليه حسب نظريات العلوم السلوكية فرزاً طبيعياً لصراع جذري محدد الملامح بين معسكر استقرار تقوده أحزاب وجمعيات رجال الأعمال ومعسكر تغيير تقوده الحركة الشيوعية، ولكن حسابات الواقع الميداني الفعلي قد اختلفت كثيراً جداً عن تلك الافتراضات النظرية حتى أصبحت تبدو كأنها مجرد خيال علمي!!.
(5)
حاول الشيوعيون المصريون تنظيم أنفسهم داخل خلايا وحلقات منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث اعتقلت أجهزة الأمن العثمانية عام 1865 "أحمد الطيب السلمي" من مدينة "الأقصر" بتهمة قيادة تمرد شيوعي ضد أولي الأمر المحليين حسبما ذكر الكاتب البريطاني الشهير "جون ستيوارت ميل" في أحد مقالاته المنشورة آنذاك، ثم ضبطت الأجهزة الأمنية العثمانية والبريطانية عام 1889 في مدينتي "الإسكندرية" و"القاهرة" منشوراً يدعو الشيوعيين المصريين إلى الاحتفال بالذكرى المئوية لكوميونة باريس من خلال استمرار نضالهم على نهج رفاقهم الفرنسيين السابقين، وفي عام 1915 أصدر "مصطفى المنصوري" كتابه الشهير "تاريخ المذاهب الاشتراكية "والذي دَوَّنَ فيه عدة أفكار شيوعية مصرية خالصة، مثل رفض التماثل الشيوعي الأممي بتأكيده على ضرورة اختلاف آراء الشيوعيين من بلد إلى آخر تبعاً لاختلاف الظروف المحلية والإقليمية المحيطة ببلدانهم، ورفض تقديس البيان الشيوعي الذي كان "كارل ماركس" و"فريدريك إنجلز" قد سبق أن أصدراه عام 1848 لتوجيه الشيوعيين حركياً على مستوى العالم كله، حيث وصفه "المنصوري" بأنه يتضمن أفكاراً عتيقة تجاوزها الزمن فأصبحت لا تواكب متطلبات العصر، مع رفضه للاتهامات الجزافية الموجهة إلى عموم الشيوعيين المصريين بقوله : "إننا لا نحارب الدين بل نحارب الذين يفسدون الدنيا باسم الدين"، ثم أصدر "نيقولا حداد" عام 1920 كتابه الشهير "الاشتراكية" الذي قال فيه : "إن رأس المال قد استعبد جسد العامل وعقل المفكر ليهضم الغلة الناتجة عن تعبهما فأصبح هناك فريق صغير من الناس يتمتع بثمرات أعمال السواد الأعظم من الناس الذين أصبحوا محرومين من ثمرات أعمالهم، لذلك لابد أن يتمهد السبيل للاشتراكية كضرورة مستقبلية تتملك فيها الأمم كل ثرواتها تحت إشراف الحكومات"، ورغم الضغط العثماني والبريطاني على مفتي الديار المصرية ليصدر في أغسطس عام 1919 فتوى لم تزل قائمة حتى اليوم بأن الشيوعيين ملاحدة كفار مع ما ترتب عليها من آثار عقب فتوى مماثلة لدار الإفتاء العثمانية، فقد أنشأ الشيوعيون المصريون عام 1921 أول أحزابهم السياسية وهو الحزب الاشتراكي بقيادة "سلامة موسى" و"محمَّد عبدالله عنان" و"علي العناني"، ليغير اسمه في العام التالي إلى الحزب الشيوعي تحت قيادة جديدة ضمت "محمود حسني العرابي" و"صفوان أبوالفتح" و"أنطون مارون" وبعضوية حوالي خمسة آلاف شيوعي مصري حسبما ذكرت الوثائق الأمنية، واستمر الوجود العلني للحزب الشيوعي على مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والحركية حتى عام 1924، عندما أصدرت المحكمة العسكرية قراراتها بحله وحظر كافة أنشطته ومصادرة كل مقراته وأملاكه وأمواله وحبس جميع قياداته وكوادره أو طردهم خارج البلاد بعد إسقاط الجنسية المصرية عنهم، ليدخل الشيوعيون المصريون مرحلة العمل السري التي استمرت عشرين عاماً قبل معاودتهم الظهور العلني مرة أخرى في منتصف أربعينيات القرن العشرين، من خلال ثلاثة تنظيمات هي تنظيم "طليعة العمال والفلاحين" بقيادة الرفيق "عباس" (أبوسيف يوسف) وتنظيم "الراية" بقيادة الرفيق "خالد" (فؤاد مرسي) وتنظيم "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" الشهير باسم "حدتو" تحت قيادة الرفيق "يونس" (هنري كورييل)، وهي التنظيمات الثلاثة التي تجاوزت حاجز العشرة آلاف عضو شيوعي مصري أثناء قيادتها للكفاح الوطني المسلح ضد الوجود الاستعماري البريطاني في مصر طوال الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 1946 و1952، ثم اتحدت معاً يوم 8 يناير 1958 لتعلن عودة الحزب الشيوعي مجدداً بقيادة عدد من الرفاق المتعاقبين كان آخرهم الرفيق "طارق" (إسماعيل المهدوي)، حتى اضطر الحزب إلى حل نفسه عام 1965 تحت قهر الأحكام العسكرية ليدخل الشيوعيون المصريون مرة أخرى مرحلة عمل سري استمرت عشرة أعوام قبل أن تعاود امتدادات التنظيمات الثلاثة السابقة أنشطتها العلنية وشبه العلنية في منتصف سبعينيات القرن العشرين ولكن تحت أسماء جديدة، حيث أصبح "طليعة العمال والفلاحين" يحمل اسم "8 يناير" ويقوده "طاهر عبدالحكيم" أما "الراية" فأصبح اسمه "العمال" بقيادة "إبراهيم فتحي" في حين ظهرت ثلاثة امتدادات متداخلة لتنظيم "حدتو"، أحدها خارجي تمثله مجموعة "روما" لليهود الشيوعيين المصريين المقيمين بأوروبا والآخر داخلي شبه علني اسمه "الانتصار" والأخير داخلي علني اسمه "التجمع التقدمي" مع بروز اسم الرفيق "حسن" (رفعت السعيد البيومي) كمنسق يبن الامتدادات الثلاثة، وقد نجحت هذه التنظيمات معاً مرة أخرى في تجاوز حاجز العشرة آلاف عضو شيوعي مصري خلال قيادتها للكفاح الاجتماعي الذي بلغ ذروته بانتفاضة يناير عام 1977 ضد الاستبداد والفساد والتبعية لمراكز الاستعمار العالمي!!.
(6)
رغم أن الحد الأقصى المسموح به للأنشطة الخدمية داخل الاقتصاديات الرأسمالية المركزية العريقة لا يتجاوز الثلث مقابل الثلثين للأنشطة الإنتاجية الصناعية والزراعية والاستخراجية، فقد نجحت الفئات الخدمية الأكثر طفيلية وتبعية بقيادة "جمال" نجل الرئيس "حسني مبارك" عند بداية القرن الواحد والعشرين في توسيع نطاق الأنشطة الخدمية لتستحوذ على ثلثي الاقتصاد المصري مقابل الثلث فقط للأنشطة الإنتاجية، مما أدى إلى المزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وزيادة المعاناة الاجتماعية للأجراء الفقراء المرتبطين بتلك الأنشطة الإنتاجية والذين يشكلون الأغلبية الجماهيرية المصرية، حيث ارتفعت معدلات البطالة إلى 25 في المائة والتضخم السنوي إلى 15 في المائة فأصبح نصف المصريين يقبعون تحت خط الفقر حسب تقارير الأمم المتحدة، وبمجرد نجاح الفئات الخدمية الأكثر طفيلية وتبعية في احتكار جميع ثروات السوق المصري تحت قيادة "جمال مبارك" أصبح سهلاً عليها أن تحتكر كافة سلطات الدولة والمجتمع لترتفع على نحو غير مسبوق وتيرة الاستبداد والفساد والتبعية تحت حماية الأجهزة الأمنية السيادية وفي مقدمتها المجلس العسكري وبتواطؤ انتهازي من قبل جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، حيث كان قادة الإخوان يسعون إلى سحب البساط تدريجياً من تحت أقدام دولة "مبارك" بعد أن أكملوا سحبه من تحت أقدام المجتمع المصري بينما كان قادة المجلس العسكري ينتظرون وفاة "حسني مبارك" ليضعون أقدامهم المنفردة على بساط الدولة تمهيداً لاستعادتهم بساط المجتمع من تحت أقدام الإخوان المسلمين، إلا أن الرجل العجوز "مبارك" الراغب في توريث الدولة والمجتمع والسوق إلى نجله "جمال" قام بمناورة التفافية على الفريقين الإخواني والعسكري معاً عبر هجوم استباقي من خطوتين، فتراجع جزئياً عام 2006 عن تنفيذ وعده السابق بمنح جماعة الإخوان المسلمين نسبة ثلث مقاعد البرلمان المنصوص عليها دستورياً كحد أدنى ضروري لتعطيل أي قرار أو إجراء حكومي، رغم التزام الإخوان من جانبهم بتنفيذ وعدهم المقابل له عندما أيدوه ضد منافسه الشاب القوي "أيمن نور" خلال انتخابات الرئاسة السابقة المقامة عام 2005، ثم أجرى عام 2007 تعديلات محسوبة بدقة على الدستور لعرقلة أية ترشيحات محتملة من قبل قادة المجلس العسكري ضد نجله "جمال" في انتخابات الرئاسة التالية المقرر إقامتها عام 2011، فتحالف الفريقان الإخواني والعسكري على مضض للإطاحة بعائلة "مبارك" مع تأجيل التنفيذ إلى حين توافر السواتر الجماهيرية المناسبة وهي تلك التي حملتها أحداث يوم 25 يناير 2011، بمجرد اندلاع انتفاضة "ميدان التحرير" تعبيراً عن تنامي الغضب الشعبي ضد استشراء الاستبداد والفساد والتبعية في مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية، وبعد ثمانية عشر يوماً من الاعتصام البطولي للجماهير الغاضبة داخل الميدان انقلب قادة المجلس العسكري بدعم إخواني كامل على "حسني مبارك" يوم 11 فبراير 2011، وتولى وزير الدفاع "حسين طنطاوي" حكم مصر ليسلمه لاحقاً يوم 30 يونيو 2012 على مضض للقيادي الإخواني الفائز في الانتخابات الرئاسية "محمَّد مرسي"، قبل أن يستعيد قادة المجلس العسكري حكم مصر مرة أخرى من شركائهم السابقين في جماعة الإخوان بانقلاب عسكري جديد نفذه وزير الدفاع "عبدالفتاح السيسي" يوم 3 يوليو 2013، ليتفاقم الصراع بين توابع المجلس العسكري وأنصار الإخوان المسلمين ومؤيدي نظام "مبارك" وتتصاعد حدته إلى مستويات غير مسبوقة من العنف الدموي المتبادل، ورغم أن القوميين والليبراليين والإسلاميين (غير الإخوان) قد تباينت مواقفهم تجاه تلك التحديات والتطورات والصراعات إيجاباً أو سلباً مع هذا الطرف أو ذاك فتباينت درجات مكاسبهم وخسائرهم، إلا أن الشيوعيين لم يحصدوا سوى الأصفار في كافة الاختبارات التي خاضوها أو امتنعوا عن خوضها ليجدوا أنفسهم بانتصاف عام 2015 معزولين جماهيرياً ومنبوذين نخبوياً ومشوهين سياسياً ومفككين تنظيمياً ومحظورين أمنياً، رغم نضج الظروف الموضوعية العامة المحيطة بهم إلى درجة تلائم أنشطتهم بشكل نموذجي ورغم امتداد خبراتهم الذاتية التاريخية لأكثر من قرن ونصف القرن، ورغم حصولهم على بعض النصائح الثمينة من قبل المراقبين المتألمين لأحوالهم المتردية كمحاولات كاتب هذه السطور الرامية إلى مساعدتهم في إعادة قراءة وتحليل المرحلة الراهنة بشكل صحيح عبر كتاباتي المتعددة، لاسيما كتاب "مصر بين الاستبداد الفرعوني والعولمة الأمريكية" وكتاب "انهيار الدولة المعاصرة في مصر" واللذان لم يكن من باب المصادفة نشرهما في داري نشر تابعتين للحركة الشيوعية المصرية هما "الثقافة الجديدة" و"العالم الثالث" عامي 2000 و 2006 تباعاً، كما لم يكن من باب المصادفة أيضاً أن نصائحي الموجهة إليهم بإعادة النظر في ممارساتهم التنظيمية الخاطئة عبر بحثي المعنون "أزمة الحركة الشيوعية المصرية المعاصرة" سبق نشرها عام 1989 في مجلة "اليقظة العربية" التي يصدرها حزب "التجمع التقدمي"، باعتباره الواجهة العلنية لتنظيم "الانتصار" الشيوعي شبه العلني والواجهة الداخلية لمجموعة "روما" الشيوعية اليهودية الخارجية!!.
(7)
بدأ ارتباطي التنظيمي بالحركة الشيوعية المصرية عند منتصف سبعينيات القرن العشرين حيث توزعت أنشطتي بين المكاتب النوعية للتثقيف والإعلام والعلاقات الخارجية من جهة وبين العمل الجماهيري ضمن لجان مناطق الجامعة والنقابات المهنية والعاصمة من جهة أخرى، إلى جانب مشاركاتي في إدارة بعض الحملات الانتخابية البرلمانية والمحلية لرفاق القاهرة والجيزة والمنوفية والشرقية بالإضافة إلى مشاركاتي في تأسيس وقيادة بعض المنظمات الموالية مثل لجنة مقاومة التطبيع مع إسرائيل ولجنة رعاية معتقلي الرأي السياسي، دون أن تتوقف عضويتي بصفتي الشيوعية في مجالس إدارات بعض المؤسسات المجتمعية الهامة كاتحاد الطلاب وجمعية خريجي كليات الاقتصاد والعلوم السياسية وأسرة وادي النيل للإخاء المصري السوداني ونقابة التجاريين وغيرها، واستمرت عضويتي داخل الحركة الشيوعية لمدة خمسة عشر عاماً انتقلتُ خلالها بين تنظيماتها الأربعة "8 يناير" و"العمال" و"الانتصار" و"التجمع" كما تصادف أن كل واحدة من زوجاتي الأربع المتعاقبات كانت تنتمي إلى أحد التنظيمات الأربعة المذكورة، مما سمح لي بالرؤية المباشرة متعددة الزوايا لكافة ممارسات الحركة في مرحلتها الثالثة (1975- 1995) إلى جانب اطلاعي عام 1981 خلال هروبي من الاعتقال على الأرشيف التاريخي الموروث عن الحركة في مرحلتها الأولى (1915- 1935) الذي أبلغتني السكرتارية المركزية للتنظيم بوجوده داخل صندوق خشبي ضخم يقبع في قبو سري بمكان اختبائي التابع لأحد قيادات التنظيم، حيث كلفتني السكرتارية المركزية لأسباب لا أعلمها حتى الآن بإعادة توزيع محتويات ذلك الأرشيف على حقائب بلاستيكية صغيرة ثم إلقائها في قاع النيل المجاور تباعاً، وهو التكليف الذي جرى تنفيذه بالفعل مع تعديل طفيف تمثل في قراءتي الفاحصة المدققة لكل ما احتواه الصندوق الأرشيفي من أوراق قبل إعدامها، أما المرحلة الثانية للحركة (1945- 1965) فقد حدثني كثيراً ولسنوات طويلة عن خباياها الحقيقية أبي الرفيق "إسماعيل المهدوي" وأمي الرفيقة "زينات الصباغ" بالإضافة إلى رفاقهما المصريين الأمناء مثل "أبوسيف يوسف" و"فؤاد مرسي" و"طاهر عبدالحكيم" و"إبراهيم فتحي" و"نبيل الهلالي" وغيرهم، أما أول مساعد شخصي للرفيق "هنري كورييل" خلال شبابه في أربعينيات القرن العشرين وهو الرفيق السوداني "عبده دهب" فقد جاورني طوال النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين أثناء عملي كمستشار إعلامي بالسفارة المصرية في السودان، واستمر حتى وفاته يجالسني بالمكتب والمنزل والنادي والمقهى ليفاجئني بما لا يعرفه غيره عن الخبايا الحقيقية لتلك المرحلة، وبينما كان عملي في مجال الإعلام الخارجي الدبلوماسي قد سمح لي بالالتقاء مع نظرائي الممثلين لمختلف حكومات العالم المؤيدة أو المعادية للشيوعية والذين كانت لديهم في الحالتين متابعات جيدة من زوايا مختلفة حول خبايا الحركة الشيوعية المصرية بمراحلها الثلاث، فإن عملي في مجال المعلومات السياسية قد سمح لي برؤية الواقع الحقيقي لتلك الحركة رغم الحرص المحلي والإقليمي والعالمي على إخفائه خلف العديد من السواتر السميكة والأقنعة الزائفة لتجميله أو تشويهه بدوافع انتهازية، لاسيما في ظل استمرار التضليل المعلوماتي الماكر الذي يمارسه الرفاق الشيوعيون المخادعون المختبئون خلف السواتر السميكة والأقنعة الزائفة لينشروا بمهارة حول أنفسهم وحول خصومهم أكاذيب يمكن تصديقها من قبل عوام المصريين البسطاء!!.
(8)
خلال ارتباطي التنظيمي بالحركة الشيوعية المصرية لمدة خمسة عشر عاماً منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين حتى أواخر ثمانينياته لم يكن تفسيري الشخصي لمعاناة هذه الحركة من إعادة إنتاج أزماتها عبر مراحلها الثلاث مريحاً لي رغم كونه قد أسعد الشيوعيين المحيطين بي، حيث قام على افتراض أن اختلاف ترتيب الأهمية النسبية لتحديات أي مرحلة في حينها بما تبعه من اختلاف ترتيب أولويات التعامل مع تلك التحديات على المحاور الوطنية والديمقراطية والاجتماعية هو الذي أنتج الانقسام الثلاثي المزمن، بين فريق يرى الأولوية للكفاح الوطني باعتبار أنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية أو إقامة العدالة الاجتماعية بدون وطن، وفريق آخر يرى الأولوية للكفاح الديمقراطي باعتبار أن الآلية الأمثل لحماية الوطن وإقامة العدالة الاجتماعية هي الديمقراطية، وفريق ثالث يرى الأولوية للكفاح الاجتماعي استناداً إلى اعتبارين هما أنه لا يمكن حماية الوطن أو تحقيق الديمقراطية بدون العدالة الاجتماعية وأن الكفاح الوطني الديمقراطي ليس مسئولية الشيوعيين وحدهم بقدر ما هو مسئولية مشتركة تجمعهم مع الليبراليين والقوميين والإسلاميين، وقد قادني اقتناعي القلق بهذا التفسير الأكاديمي نحو تضييع خمسة عشر عاماً من حسن الظن الساذج بكل الشيوعيين المصريين وكأنهم جميعاً على قدم المساواة في أحلامهم النبيلة ودوافعهم المنزهة عن المصالح الضيقة، كما قادني إلى التعامل الودي المتكافئ بشكل مثالي مع كافة الرفاق المصريين في التنظيمات الأربعة حتى وهم يتصارعون بوضوح حول تلك المصالح الضيقة تحت الشعارات السياسية المخادعة، ثم اتضح لي لاحقاً أن اختلاف ترتيب أولويات التعامل مع تحديات أي مرحلة في حينها على المحاور الوطنية والديمقراطية والاجتماعية، كان ومازال وسيظل قائماً ومؤثراً بشكل فعلي في اختيارات واتجاهات الحركة الشيوعية المصرية لكنه لا يفسر انقسامها الثلاثي المزمن وبالتالي لا يبرر إعادة إنتاج أزماتها عبر مراحلها التاريخية المختلفة، فالحزب السياسي الحقيقي يستطيع التحرك على عدة محاور في الوقت ذاته مع تبديل أولوياتها حسب تطورات الأحداث المحيطة به فور وقوعها لاسيما وأنه لا يوجد تعارض مبدأي أو منفعي بين المحاور الثلاثة الوطني والديمقراطي والاجتماعي، فالمحور الوطني يتعلق بتوسيع نطاق السيادة واستقلال القرار في مواجهة الطامعين الأجانب مع تحرير الأراضي والثروات الوطنية من قبضتهم، بينما يتعلق المحور الديمقراطي بتوسيع نطاق الحريات العامة والشخصية بما فيها حقوق التفكير والتعبير والتمكين لأبناء الوطن أنفسهم، ويتعلق المحور الاجتماعي بتوسيع نطاق المساواة في فرص الأخذ والعطاء الاقتصادي بين مختلف أبناء الوطن عبر تضييق التفاوت وتقليل الفوارق وصولاً إلى إقامة العدالة الاجتماعية، وحتى لو صح أن ذلك الانقسام الثلاثي المزمن هو النتيجة الحتمية لاختلاف ترتيب أولويات الأهمية فهو في حد ذاته ليس السبب وراء إعادة إنتاج أزمات الحركة الشيوعية التي يمكن لتنظيماتها الأربعة العمل بشكل منفصل في المساحات البسيطة محل الاختلاف لتعمل معاً في مساحات الاتفاق الواسعة بشكل جبهوي، فالحزب السياسي الحقيقي يستطيع النجاح خلال عمله داخل الجبهات الاستراتيجية أو التكتيكية أو اللحظية بنفس درجة نجاح عمله المستقل، مع إمكانية الاستثمار الحركي الإيجابي للتنوع الثلاثي القائم بين التنظيمات الشيوعية من أجل توسيع نطاق اجتذاب القوى الأخرى باختلاف أولوياتها تبعاً لاتجاهاتها السياسية حول الشيوعيين المصريين ككل عبر منظماتهم الموالية سواء الوطنية أو الديمقراطية أو الاجتماعية!!.
(9)
ظهر اليهود في فلسطين العربية كعائلة واحدة عام 1821 قبل الميلاد ولما بلغ عددهم سبعين شخصاً انتقلوا عام 1706 قبل الميلاد إلى مصر الفرعونية التي كان يدير خزائنها آنذاك أخوهم "يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" وفقاً للتفاصيل التاريخية المعروفة، وإزاء اتساع نطاق الممارسات العنصرية الضيقة لليهود على الصعيدين الديني والدنيوي وإزاء رفضهم الاندماج مع المصريين بدافع الاستعلاء عليهم فقد خلقوا في الأوساط المحيطة بهم حالة من الرفض العنصري المضاد تجاههم، وبمجرد شعورهم بقوتهم بعد تكاثرهم العددي كأقلية انعزالية ومتعالية بدأوا يصطدمون مع أفكار وأفعال ومصالح الأغلبية غير اليهودية من عوام المصريين وكهنتهم وحكامهم، حتى ضاق بهم فرعون مصر فوضع عام 1491 قبل الميلاد خطة لاستئصالهم بقتل البنين واسترقاق البنات من مواليدهم الجدد، مما أجبرهم على الخروج هاربين من مصر نحو الشمال الشرقي بترحيب وتسهيل العوام والكهنة والحكام الراغبين في التخلص منهم على أي وجه، ليعود اليهود عام 1425 قبل الميلاد إلى فلسطين التي تعاقب على حكمها الإغريق ثم الفرس ثم الرومان قبل أن يستردها العرب من أيدي محتليها الأجانب، دون أن يتوقف التعالي الانعزالي اليهودي بما أنتجه من رفض عنيف ومقاومة دموية شرسة لكل محاولات دمجهم سواء مع الأقليات الأجنبية الحاكمة أو مع الأغلبية العربية المحكومة، الأمر الذي أثار غضب المحيطين بهم من الحكام والمحكومين فراحوا يعاملونهم بنفس الشراسة مما أجبر اليهود مرة أخرى على الخروج هاربين من فلسطين صوب مختلف مناطق الشرق الأوسط لاسيما الشام والعراق، وتكررت دورات عودة اليهود إلى فلسطين ثم هروبهم منها عدة مرات على خلفية انعزاليتهم المتعالية حتى ضاقت الشعوب الشرق أوسطية المحيطة أيضاً بممارساتهم العنصرية فهاجروا في العصور الوسطى صوب أوروبا، حيث ما لبثت أن ظهرت نفس المشكلة اليهودية باستمرار تعاليهم الانعزالي الذي دفعهم نحو رفض الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية، لاسيما وأن النظام الإقطاعي السائد هناك آنذاك كان يمنح الوظائف والأراضي حصرياً للفرسان والمحاربين السابق تأديتهم القسم بالولاء المسيحي مما رفضه اليهود، واضطروا إلى العمل في مجال التمويل الربوي لاحتياجات الأنشطة الاقتصادية الإقطاعية وهو المجال الذي وفر لهم أرباحاً طائلة على حساب القائمين الأصليين بالأنشطة الممولة فخلق تجاههم حالة كراهية شعبية عامة وعارمة، منحت الغطاء المجتمعي لمحاكم التفتيش الكنسية التي استمرت حتى حلول القرن التاسع عشر في عدة بلدان أوروبية تطارد اليهود والمسلمين والملحدين أيضاً بهدف قتلهم أو سجنهم أو إخراجهم من النطاقات الجغرافية لسلطات تلك الكنائس، ثم تجددت المشكلة اليهودية مع دخول أوروبا عصر الرأسمالية القائم على مجموعة أفكار منها المواطنة المتساوية بشرط الانصهار القومي بين جميع المواطنين ذوي الأعراق والديانات المختلفة، الأمر الذي رفضه اليهود ليس فقط خوفاً من أن تبتلعهم الأغلبيات المسيحية الكبيرة المحيطة بهم داخل البلدان الأوروبية ولكن أيضاً تعالياً عليها، إلا أنهم قبلوه وتجاوبوا معه في بلدان العالم الجديد كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا ونيوزيلاندا القائمة على أساس مجموعات متعددة من الأقليات العرقية والدينية الصغيرة المتباينة، التي استطاع اليهود كأقلية انعزالية متعالية التعامل معها من موقع الأقوى وصولاً إلى اعتلائها جميعاً وبالتالي السيطرة على بلدان العالم الجديد، في حين استمرت المشكلة اليهودية تتفاقم فوق الأراضي الأوروبية حيث ضاق كل طرف بممارسات الآخر فراح يضايقه خصوصاً عقب انتشار الجمعيات السياسية السرية التي سبق أن شكلها اليهود فيما بينهم، للحفاظ على هويتهم الانعزالية المتعالية داخل الأوساط الأوروبية ولضمان استمرار مساعيهم من أجل عودتهم إلى فلسطين باعتبارها أرض الميعاد، دون أن ينسوا يوماً ثأرهم التاريخي تجاه المصريين أحفاد الفراعنة الذين أخرجوهم قبل خمسة وثلاثين قرناً زمنياً من مصر التي مازالوا يعتبرونها أرض الأجداد، لاسيما أن جدهم "إبراهيم" كان قد غادر فلسطين تاركاً فيها جدتهم العراقية "سارة" وابنه منها "إسحق" ليتجه إلى الحجاز بصحبة زوجته المصرية "هاجر" وابنه منها "إسماعيل" حيث استقروا وتناسلوا مع القبائل العربية هناك!!.
(10)
يوجد جبل "صهيون" في صحراء سيناء المصرية ويعتبره اليهود من مقدساتهم الدينية العليا وفقاً لمزاميرهم التوراتية التي وصفته تباعاً بقولها: ("من صهيون كمال الجمال الله أشرق - مزمور 50" و"لأن الله يخلص صهيون ويبني مدن يهوذا ليملكها عبيده ويسكن فيها محبو اسمه - مزمور 69" و"الله معروف في يهوذا واسمه عظيم في إسرائيل ومسكنه في صهيون - مزمور 76" و"استيقظ الرب فضرب أعداءه إلى الوراء ورفض خيمة يوسف وسبط إفرايم واختار جبل صهيون الذي أحبه - مزمور 78" و"الرب عظيم في صهيون - مزمور 99")، لذلك فقد حملت عدة جمعيات يهودية سرية على امتداد العالم اسم "صهيون" لتشكل فيما بينها لاحقاً مجموعة الجمعيات الصهيونية ثم الحركة الصهيونية العالمية، التي استغلت تنامي الميول القومية الناجم عن تبلور الفكر السياسي القومي في بدايات القرن التاسع عشر لفبركة منظومة فكرية احتيالية، مفادها أن الديانة اليهودية هي قومية في حد ذاتها بما يعنيه ذلك من كون اليهود يشكلون أمة تستحق وطناً جامعاً ضمن حدود جغرافية معترف بها عالمياً كدولة سياسية، على أن تمتد حدود الدولة اليهودية المستهدفة بين نهري النيل والفرات لتشمل فيما تشمله فلسطين التي ظهرت على أرضها الديانة اليهودية قبل حوالي أربعين قرناً زمنياً إلى جانب عدة أقاليم أخرى مصرية وشامية بل وعراقية أيضاً، وهي منظومة تناقض القوانين العلمية الأساسية للفكر القومي فيما تشترطه من وجود تاريخي متصل ومستقر فوق رقعة جغرافية ثابتة لجماعة سلالية عرقية واحدة أو موحدة، كانت قد نشأت والتحمت وتطورت على أسس مشتركة من السمات الوراثية والخصائص النفسية والجسمانية في تجلياتها الشكلية والوظيفية والسلوكية ومن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بما فيها اللغة والدين، حيث لا يجمع اليهود سوى دينهم فهم منقسمون إلى عدة سلالات متباينة تنتمي لأربعة أعراق رئيسية مختلفة هي السابرا والأشكناز والسفارد والفلاشا، وهم منقطعون عن أي ثبات تاريخي فوق أية رقعة جغرافية نظراً لاستمرارهم في الترحال الاختياري والاضطراري المتكرر والمتبادل بين الشام ومصر والعراق قبل انتقالهم خلال العصور الوسطى للإقامة على الأراضي الأوروبية، بخلاف الحقائق الواقعية للقبائل العربية التي كانت قد سبق أن تمددت قبل سبعين قرناً زمنياً من منبعها الأصلي في اليمن نحو الشرق والشمال فاستوطنت أراضي الجزيرة والشام والعراق، وأقامت فوق تلك الأراضي الجديدة عدة حضارات كالآشورية والبابلية والسومرية والفينيقية والكنعانية وغيرها ثم عاودت الاندماج فيما بينها مجدداً منذ حوالي خمسة عشر قرناً ضمن الحضارة الإسلامية، وكذلك الفراعنة الذين استقروا على أرض مصر الحالية بشكل متواصل لمدة سبعين قرن زمني ثم اندمجوا مع جيرانهم العرب ضمن الحضارة الإسلامية قبل حوالي خمسة عشر قرناً، لذلك فقد قوبلت المنظومة الفكرية الاحتيالية التي فبركها الصهاينة برفض عارم وصارم ابتداءً من المفكر اليهودي "كارل ماركس" لاسيما في كتابه الشهير"المسألة اليهودية" الصادر عام 1844 بقوله : "إن اليهود يواجهون القوميات الحقيقية بقومية وهمية حيث إنه لا توجد بينهم سمات مشتركة سوى ديانتهم اليهودية وسلوكهم الجشع في جمع واكتناز الأموال"، وانتهاءً بالميثاق الوطني الفلسطيني الصادر عام 1964 مؤكداً "إن اليهودية دين سماوي وليست قومية كما أن اليهود مواطنون في الدول المختلفة التي ينتمون إليها وليسوا شعباً واحداً وبالتالي فإن قيام دولة إسرائيل باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن"، مروراً بعشرات التصريحات الصادرة عن المفكرين الأهم لمختلف الاتجاهات القومية والدينية والليبرالية والشيوعية مثل "فلاديمير إيليتش لينين" مؤسس الحزب الشيوعي السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية الحديثة، والذي يكرر الجزءان السابع والثامن من مؤلفاته الكاملة قوله : "إن فكرة القومية اليهودية والأمة المنفصلة لليهود هي فكرة رجعية صريحة لا تقوم على أي أساس علمي بل أنها تناقض كافة الأدلة العلمية التي يقدمها التاريخ القريب والواقع المعاصر"!!.
(11)
في عام 1897 عقدت الجمعية الصهيونية السرية لليهود المنتمين إلى إمبراطورية النمسا والمجر مؤتمرها العلني الأول في مدينة "بال" السويسرية بمشاركة عدة جمعيات صهيونية أخرى من مختلف أنحاء العالم تحت قيادة "تيودور هيرتزل" رئيس جمعية صهاينة النمسا والمجر، وأسفر المؤتمر عن إعلان ميلاد الحركة الصهيونية العالمية وكشف مساعيها الرامية إلى تحقيق منظومتها الفكرية الاحتيالية المفبركة على أرض الواقع الفعلي، بجمع الأقليات اليهودية المشتتة بين بلدان العالم والدفع بها نحو فلسطين لتتخذها وطناً قومياً يضم الأمة اليهودية ويوحدها تحت اسم" إسرائيل" وهو الاسم الإلهي المختار ليعقوب بن إسحق بن إبراهيم حسبما جاء في الإصحاح رقم 32 من سفر التكوين التوراتي، وذلك كخطوة أولى تمهيدية لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات وعاصمتها "أورشليم القدس"، مع موافقة المؤتمر سراً على حق الصهاينة في استخدام القوة العسكرية المفرطة ضد كل الأطراف ذات الصلة باعتبارها الأداة الرئيسية لتحقيق مساعيهم، وهو ما تم فعلاً عام 1948 بتأسيس دولة إسرائيل المدعومة من قبل الدول الاستعمارية المركزية الكبرى وفي مقدمتها بريطانيا مما أسفر عن اندماج غالبية الجمعيات اليهودية السرية المنتشرة على امتداد العالم داخل الحركة الصهيونية تباعاً، وحيث يفترض نظرياً أن اليهودي غير الصهيوني يرى نفسه مواطناً طبيعياً في الدولة التي ينتمي إليها كغيره من مواطنيها ذوي الديانات والمعتقدات الأخرى له ما لهم وعليه ما عليهم سواء بسواء مع استثناء ممارسته لشعائره الدينية داخل معبده، رغم تعارض ذلك الافتراض النظري مع الأصل اللغوي العنيف لكلمة يهودي ذاتها باعتبارها مشتقة من اسم "يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" الذي أمر الإصحاح رقم 49 في سفر التكوين التوارتي إخوانه بطاعته لكونه أسداً يضرب أقفية الشعوب الأخرى حتى تخضع وتستسلم إلى بني إسرائيل، فإن اليهودي المؤيد لإقامة دولة إسرائيل يكون بالحتم صهيونياً مهما اختلفت الأسماء التي يطلقها هو على نفسه، ومع ذلك فإن بعض اليهود المؤيدين لدولة إسرائيل تأييداً مطلقاً كانوا ومازالوا يصفون أنفسهم كذباً باليهود غير الصهاينة استناداً إلى اختلافهم مع الجسد الأساسي للحركة الصهيونية، حول اعتماده على القوة العسكرية المفرطة كأداة رئيسية لإقامة دولة إسرائيل وتحقيق أطماعها وحماية مصالحها بينما يميلون هم إلى استخدام الأدوات غير العسكرية سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو تنظيمية أو ثقافية لممارسة الضغط والتآمر والخداع تجاه كل الأطراف ذات الصلة، ورغم تسليمنا بأن الفريقين صهيونيان يعملان جنباً إلى جنب دفاعاً عن إسرائيل ولكن عبر أدوات مختلفة فإننا سنضطر لاستخدام الوصف الكاذب الذي يطلقه هؤلاء اليهود الصهاينة على أنفسهم بأنهم "غير صهاينة" فقط لتمييزهم عن أولئك اليهود المعلِنين لصهيونيتهم دون مواربة، وهكذا رفض اليهود "غير الصهاينة" الاندماج داخل الحركة الصهيونية العالمية مع استمرار مساعيهم لتحقيق ذات أهدافها عبر أدواتهم الضاغطة التآمرية المخادعة غير العسكرية، فاخترقوا عدة دوائر عالمية هامة مثل المحفل الماسوني العالمي ومجلس السلام العالمي ومنظمة اليونسكو العالمية وغيرها واستطاعوا قيادتها جميعها لتوجيهها نحو مصلحة إسرائيل كما اخترقوا الحركة الشيوعية العالمية إلا أن نجاحهم في قيادتها وتوجيهها قد تفاوت حسب الظروف والأوضاع الخاصة بكل دولة على حدا، ومن ضمنها مصر التي بلغ عدد اليهود المقيمين على أراضيها عام 1900 خمسة وعشرين ألفاً ارتفعوا عام 1945 إلى مائة ألف يشكل المصريون نسبة خمسة في المائة منهم فقط، بينما كانت النسبة الكاسحة الباقية لليهود الأجانب الوافدين إلى مصر بجمعياتهم السرية الصهيونية و"غير الصهيونية"، ليحمل فريق اليهود الصهاينة من المصريين والوافدين أسلحتهم متجهين مباشرةً إلى فلسطين لإقامة دولة إسرائيل بالقوة العسكرية ويبقى فريق اليهود "غير الصهاينة" من المصريين والأجانب لممارسة كافة أنواع الضغط والتآمر والخداع، التي شملت فيما شملته اختراق الشيوعيين المصريين ومحاولة قيادتهم تمهيداً لاستغلالهم في اختراق الليبراليين والقوميين والإسلاميين حتى يتسنى لليهود توجيه مجمل الحركة السياسية المصرية نحو مصلحة إسرائيل!!.
(12)
عقد اليهودي "چوزيف روزنتال" في بدايات القرن العشرين عدة اجتماعات ضمت بعض اليهود "غير الصهاينة" داخل مقرات الفرع المصري للمحفل الماسوني العالمي، حيث اتفقوا على تأسيس مجموعة حلقات وخلايا شيوعية سرعان ما اندمجت معاً عام 1921 تحت اسم "الحزب الاشتراكي" الذي غير اسمه في العام التالي 1922 ليصبح "الحزب الشيوعي المصري"، دون حصوله على عضوية الحركة الشيوعية العالمية "الكومنترن" سوى عام 1923 بعد تنفيذه لاشتراطات الكومنترن، المتمثلة في فصل اليهودي "چوزيف روزنتال" من قيادة الحزب مع استبعاد كافة اليهود عن المواقع الحزبية العليا والهامة نظراً لعلاقاتهم الخارجية المشبوهة وأنشطتهم ذات التأثير الضار على الشيوعيين المحليين والإقليميين والعالميين، وفي أربعينيات القرن العشرين قام اليهودي "هنري كورييل" الذي كان قد تسلم الراية من "چوزيف روزنتال" بعقد عدة اجتماعات ضمت بعض اليهود "غير الصهاينة" داخل نفس مقرات الفرع المصري للمحفل الماسوني العالمي، حيث اتفقوا على معاودة تأسيس حلقات وخلايا شيوعية جديدة ما لبثت أن اندمجت فيما بينها عام 1948 تحت اسم تنظيم "حدتو" عقب مشاركاتها المؤثرة في تنظيم "طليعة العمال والفلاحين" المعلن عام 1946 ثم مشاركاتها الأقل تأثيراً في تنظيم "الراية" المعلن عام 1950، وعلى سبيل الأمثلة لا الحصر فقد برزت مع اليهوديَين الشيوعيَين السابق ذكرهما "چوزيف روزنتال" و"هنري كورييل" أسماء اليهود الشيوعيين "راؤول كورييل" و"چورج بواتييه" و"مارسيل إسرائيل شيرازي" و"بول جاكوب دي كومب" و"ريمون إبراهيم دويك" و"هليل شوارتز" و"يوسف موسى درويش" و"ألفريد كوهين" و"عزرا هراري" و"شحاتة هارون" و"ريمون استانبولي" و"صادق سعد" و"هانز بن كسفلت" و"سلامون سيدني" و"إيريك رولو" و"بهيل كوسي أفيجدور" و"ريمون أجيون" و"يوسف حزان" و"ألبير أرييه" كما برزت اليهوديات الشيوعيات "شارلوت روزنتال" و"ماري روزنتال" و"ناعومي كانيل" و"يهوديت حزان" و"هنرييت أرييه" و"جانيت شيرازي" و"چويس بلاو" و"ديدار عدس" و"ناولة درويش" و"ماجدة هارون"، وفي عام 1950 قرر "فؤاد سراج الدين" وزير داخلية حكومة الوفد الليبرالية معاقبة "هنري كورييل" بإسقاط الجنسية المصرية عنه وطرده خارج البلد ومنعه من العودة إليها مدى الحياة نظراً إلى علاقاته الخارجية المشبوهة التي وصلت حد العمل لصالح العدو الإسرائيلي أثناء حربه ضد مصر عام 1948 فيما يتفق مع تحذيرات "الكومنترن" حول أنشطة "كورييل" ذات التأثير الضار على الشيوعيين المصريين أسوة بسلفه "روزنتال"، فسافر "هنري كورييل" إلى روما ومنها إلى باريس حيث أقام وأنشأ عام 1952 تنظيماً سياسياً جديداً لليهود الشيوعيين "غير الصهاينة" المطرودين من مصر والمقيمين في البلدان الأوروبية لاسيما فرنسا وإيطاليا واليونان والذين كان عددهم آنذاك خمسين شخصاً، وأطلق "كورييل" على تنظيمه الجديد اسم مجموعة "روما" واعتبرها الامتداد الخارجي لتنظيم "حدتو" الشيوعي المصري الداخلي بينما أثبت الواقع العملي أن التنظيم المصري هو الذي شكل امتداداً للمجموعة اليهودية، التي تولى "هنري كورييل" رئاستها بنفسه حتى اغتياله الغامض عام 1978 ليخلفه "يوسف حزان" ثم "ديدار عدس" وأخيراً "ألبير أرييه" المقيم حالياً بحي "باب اللوق" في وسط القاهرة واستمر أنصار "كورييل" من الشيوعيين المصريين سواء كانوا يهوداً "غير صهاينة" أو كانوا صهاينة "غير يهود" يتلقون توجيهاته لينفذونها بدقة عسكرية صارمة، وهكذا انضموا إلى "الحزب الشيوعي المصري" عام 1958 ثم قادوا مؤامرة حله عام 1965 ثم عادوا في منتصف سبعينيات القرن العشرين بتشكيل تنظيم "الانتصار" شبه العلني المستتر خلف حزب "التجمع التقدمي" العلني، ليظهر على رأس التنظيم والحزب أنصار "كورييل" من اليهود مثل "يوسف درويش" و"صادق سعد" و"شحاتة هارون" و"ألبير أرييه" ومن غير اليهود مثل الرفيق "حسن" المرتبط بعلاقة غرامية حميمة مع اليهودية "ن.د" التي سنضطر إلى حجب اسمها لاعتبارات النشر!!.
(13)
انتشرت الفيروسات الصهيونية داخل جسد الحركة الشيوعية المصرية بكافة أحزابها وتنظيماتها وحلقاتها وخلاياها عبر مراحلها التاريخية الثلاث وما بينها ليتمكن الصهاينة من اختراقها دائماً وامتطائها أحياناً، حتى إن معظم النضالات المخلصة والتضحيات الحقيقية لقيادات وكوادر وأعضاء تلك الحركة ذوي الدوافع الوطنية والديمقراطية والاجتماعية النزيهة قد تم توجيهها واستغلالها من قبل الصهاينة بشكل خبيث لصالح أهدافهم المحلية والإقليمية والعالمية غير النزيهة، وفي مقدمتها إقامة دولة إسرائيل فوق الأراضي الفلسطينية ثم تمكينها من الهيمنة على محيطها العربي والإسلامي بالمخالفة لأبسط بديهيات المنطق والتاريخ والجغرافيا، حيث انتصرت الانحرافات الصهيونية الانتهازية على الأحلام الشيوعية النبيلة منذ البدايات المبكرة بنجاح الصهاينة في دفع الشيوعيين المصريين ثم استخدامهم لدفع مجمل الحركة السياسية المصرية نحو تأييد بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى (1914- 1919) ضد دولة الخلافة العثمانية التي كانت مصر لم تزل آنذاك أحد أعمدتها الأساسية، فكافأهم على ذلك "آرثر بلفور" وزير الخارجية ورئيس الوزراء البريطاني بمنحهم عام 1917 وعده الشهير حول مواصلة الجهود لتمكينهم من وطنهم القومي المستهدف فوق أرض فلسطين التي انتزعتها بريطانيا من أيدي الدولة العثمانية، وهو نفس ما كرره الصهاينة مرة أخرى لصالح بريطانيا ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1944) مضافاً إليه بعض الانحرافات الجديدة التي شاهدها وشهد عليها عدد من الشيوعيين المصريين والسودانيين الأسوياء، كالرفيق "إبراهيم فتحي" الذي كشف في كتابه الهام "هنري كورييل ضد الحركة الشيوعية" أن "كورييل" أنشأ في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية ما أسماها "الجبهة المعادية للفاشية" وألحقها بالفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني، وأنه كان يستضيف ضباط جيش الاحتلال البريطاني في مكتبته التجارية الواقعة بوسط "القاهرة" لتسليمهم أبحاثاً عن مختلف الشئون المصرية سبق إعدادها وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية بمعرفة الشيوعيين المصريين الغافلين، حيث وفرت تلك الأبحاث لبريطانيا احتياجاتها المعلوماتية التفصيلية حول مصر ليس فقط باعتبارها أرض معركتها الرئيسية ضد ألمانيا ولكن أيضاً باعتبارها أهم المستعمرات البريطانية، الأمر الذي اعترف به الرفيق "رفعت السعيد البيومي" الموالي لهنري كورييل في كتابه الهام "تاريخ منظمات اليسار المصري" رغم وصفه المخادع لهذا النشاط التجسسي الواضح، بأنه كان يهدف إلى تقديم معلومات مبسطة لضباط جيش الاحتلال البريطاني المقيمين في مصر عن الأوضاع المحيطة بهم لتعريفهم بالحقائق حتى يشاركون المصريين نظرتهم إلى الحياة فيشعرون بالألفة وسطهم، كما كشف "إبراهيم فتحي" أيضاً أن "كورييل" كان يستضيف ضباط جيش الاحتلال البريطاني لمصر في قصره المنيف القائم بحي "الزمالك" القاهري وفي مزرعته الريفية الكائنة بضواحي الجيزة لتقوم سيدات الاستدراج والسيطرة اليهوديات المحترفات بالترفيه الجنسي عنهم، وهو نفس ما أكده لي بخجل شديد المساعد الشخصي لهنري كورييل في تلك الفترة الزمنية الرفيق السوداني "عبده دهب" أثناء جلساتنا النيلية المتواصلة طوال النصف الأول لتسعينيات القرن العشرين خلال عملي كمستشار إعلامي بالسفارة المصرية في "الخرطوم"، موضحاً أن سيدات الترفيه الجنسي اليهوديات كن أحياناً يقدمن أنفسهن وأحياناً أخرى يجلبن سيدات ترفيه مصريات لتقديمهن إلى ضباط جيش الاحتلال البريطاني حسب طلبات الزبائن!!.
(14)
أقدمت بريطانيا على خطوة استعمارية مزدوجة تكفل استمرار علاقاتها القوية بالحركة الصهيونية مع حل المشكلة اليهودية في القارة الأوروبية دون إغضاب الحكومات الأوروبية الحليفة لبريطانيا، عندما استغلت احتلالها العسكري المباشر لفلسطين في تغيير موازين القوى الديموجرافية والاقتصادية والعسكرية على حساب العرب أصحاب الأرض الأصليين لصالح اليهود المهاجرين إليها بأعداد كبيرة، هرباً من تصاعد الممارسات المعادية لهم مع اتساع نطاقها الجغرافي على أيدي الحكومات والحركات النازية والفاشية المتنامية والمنتشرة في مختلف البلدان الأوروبية والشرق أوسطية، لتمهد تلك الهجرة اليهودية الكثيفة إلى فلسطين الطريق أمام بريطانيا من أجل استصدار قرار الأمم المتحدة رقم 181 عام 1947 بمنح اليهود وطناً قومياً فوق الأراضي الفلسطينية وهو القرار الذي حصل على تأييد الحكومات الأوروبية الراغبة في تخليص بلدانها من عبء المشكلة اليهودية لديها، إلى جانب تأييد الإدارة الأمريكية الخاضعة لسيطرة اليهود بعد نجاحهم في التغلغل داخل الدولة والمجتمع لديها، بالإضافة إلى تأييد الحزب الشيوعي السوفيتي الحاكم في روسيا وتوابعها وحلفائها بعد خداعه من قبل اليهود "غير الصهاينة" المستترين داخل الحركة الشيوعية المصرية لإقناعه بأكذوبة أن إنشاء دولة إسرائيل يحقق مصالح الطبقات العاملة الفلسطينية والمصرية والعربية، الأمر الذي تم كشفه لاحقاً على صفحات كتاب هام نشره أنصار "هنري كورييل" بعد اغتياله تحت عنوان "من أجل سلام عادل في الشرق الأوسط" متضمناً تصريحاته السابقة غير المنشورة قبل ذلك، ومنها على سبيل المثال قوله : "نحن نؤمن بأن الجماهير اليهودية ستحارب حتى النهاية بعزم وقوة للدفاع عن الوجود الشرعي لدولة إسرائيل وعن حقها في العيش بأمن وسلام دون أن يفرض عليها العالم أوضاعاً لا تقبلها، لذا فنحن نرى أن الأفضل للجماهير الإسرائيلية والفلسطينية معاً هو حل نزاعاتهم البينية سلمياً عن طريق الاعتراف المتبادل بحقوق الطرفين"، وهكذا امتنع اليهود "غير الصهاينة" والصهاينة "غير اليهود" في تنظيم "حدتو" عن دخول حرب فلسطين ضد العصابات الصهيونية التي أقامت دولة إسرائيل عام 1948، ثم كلفوا أعضاء تنظيمهم المزدوجين مع تنظيم "الضباط الأحرار" مثل الرفيق "الحاج" (خالد أمين محيي الدين) و"ثروت عكاشة" و"أحمد حمروش" بالضغط على الرؤساء العسكريين الذين حكموا مصر تباعاً عقب نجاح انقلاب "الضباط الأحرار" في يوليو 1952 لإقناعهم بجدوى السلام مع إسرائيل، وهو نفس ما فعلوه مع أعضاء تنظيمهم داخل مجلس السلام العالمي مثل سكرتيره العام "يوسف حلمي" وخلفه "خالد أمين محيي الدين" وسكرتيره الشخصي "رفعت السعيد البيومي"، كما نجح "كورييل" في توطيد الروابط الخاصة بين أعضاء مجلس السلام العالمي المصريين المشار إليهم ونظرائهم الإسرائيليين مثل "عاموس كانان" و"يوسي عاميتاي" و"يوري أفنيري"، حتى إن "يوسف حلمي" وجه في بدايات عام 1956 خطاباً إلى قادة حركة السلام الإسرائيلية سلمته لهم مجموعة "روما" يحدثهم فيه باسم الدولة المصرية قائلاً : "نحن في مصر نريد السلام معكم فإذا كنتم تريدونه مثلنا يجب أن تسيطروا على دعاة الحرب عندكم"، إلا أن المشاركة العسكرية الإسرائيلية في العدوان الثلاثي على مصر أواخر عام 1956 أوقفت مساعي مجموعة "روما" السلمية المباشرة، لتبدأ مساعيها غير المباشرة التي تمثلت آنذاك في اختراق بعض الحكومات العربية بتلبية احتياجاتها من المستشارين والخبراء والدعم الفني والمالي وصولاً إلى استخدام تلك الحكومات في الضغط على القيادة المصرية للقبول بالتسوية السلمية مع إسرائيل، كالدور السري الذي أدته الحكومة الجزائرية آنذاك وكافأها "هنري كورييل" عليه بمنحها قصره المنيف القائم في حي "الزمالك" القاهري ليكون مقر السفارة الجزائرية بمصر، مع اختراق منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها عبر اثنين من الشيوعيين المصريين تباعاً هما "رءوف نظمي ميخائيل" الذي أصبح اسمه الفلسطيني "محجوب عمر" ثم "سمير چوزيف غطاس" الذي أصبح اسمه الفلسطيني "محمَّد حمزة"، وفي عام 1976 عاودت مجموعة "روما" مساعيها المباشرة حيث عقدت في "باريس" اجتماعاً ودياً تفاهمياً لكسر الحاجز النفسي الحائل دون التسوية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بمشاركة "دانييل أميت" و"ماتي بيلد" و"أرييه ألياف" عن الجانب الإسرائيلي مع "عصام السرطاوي" و"أبوفيصل" و"أبوخليل" عن الجانب الفلسطيني مع "هنري كورييل" ونائبه "يوسف حزان" وسكرتيره الشخصي "رفعت السعيد البيومي" كوسطاء عن مجموعة "روما"، وفي أواخر عام 1977 بدأ الرئيس "أنور السادات" مسيرته السلمية نحو إسرائيل بعد أن كان "كورييل" قد أقنعه بأن توابعه داخل مصر سيكافئونه على ذلك بوقف معارضتهم له عقب مشاركتهم في انتفاضة يناير 1977 التي كادت أن تطيح به، وهو ما تم فعلاً عندما أعلن ثلاثة من أعضاء السكرتارية المركزية لتنظيم "الانتصار" هم "محمود توفيق" و"سعد كامل" و"رشدي أبوالحسن" عن وقف معارضتهم للسادات والانتقال مع أنصارهم إلى تأييد مسيرته السلمية نحو إسرائيل، إلا أنه لم ينتقل معهم فعلياً إلى المعسكر الساداتي سوى حفنة قليلة العدد من أنصارهم المعروفين باسم حلقة "روزاليوسف"!!.
(15)
هناك جماعات تتمسك بشعاراتها السياسية مهما كانت أوضاعها الذاتية والظروف الموضوعية المحيطة بها وهناك جماعات أخرى تسعى لتغيير أوضاعها الذاتية والظروف الموضوعية المحيطة بها لتلائم شعاراتها السياسية، أما الشيوعيين المصريين الموالين لليهود "غير الصهاينة" في مجموعة "روما" والموزعين على ثلاثة امتدادات داخلية لتلك المجموعة هي "حدتو" و"الانتصار" و"التجمع"، فقد استغلوا الشعارات السياسية والأوضاع الذاتية والظروف الموضوعية بشكل انتهازي فج لتحقيق بضع مصالح مباشرة وضيقة على أصعدة المال والسلطة والشهرة والجنس لقادتهم المنحرفين في إطار سعيهم غير المشروع نحو تحقيق مصلحة دولة إسرائيل، فدفعتهم انتهازيتهم إلى التواطؤ الذيلي مع الحكام المتعاقبين دون بذل الجهد الواجب من أجل نصحهم ومراجعة أخطائهم كما دفعتهم إلى النفاق الشعبوي لعوام المصريين دون بذل الجهد الواجب من أجل توعيتهم وتصحيح مفاهيمهم، ليقعوا ويوقعوا معهم بقية مكونات الحركة الشيوعية المصرية في فخ الانحرافات القاتلة على المحور الاجتماعي، ابتداءً بالقراءة والتحليل الخاطئين للتطورات الاقتصادية المحيطة وصولاً إلى طرح البدائل الخاطئة في مواجهتها، مروراً بالخلط الجاهل حيناً والعمدي أحياناً بين الرأسمالية الوطنية الديمقراطية الحقيقية سواء كانت ذات آفاق اجتماعية أم لا وبين الأنواع الأخرى من الرأسمالية المعادية للوطن والديمقراطية، مثل فئة الرأسمالية البيروقراطية التي قادت الاقتصاد في عهد الرئيس "جمال عبدالناصر" وفئة الرأسمالية الطفيلية التي قادت الاقتصاد في عهد الرئيس "أنور السادات" وفئة الرأسمالية التابعة التي قادت الاقتصاد في عهد الرئيس "حسني مبارك"، وكذلك الفئتين الرأسماليتين المشوهتين المعبرتين عن المؤسسة العسكرية من جهة وجماعات الإسلام السياسي من الجهة الأخرى واللتين تتصارعان فيما بينهما على الاقتصاد المصري منذ فبراير 2011 حتى الآن، مع الإنكار الجاهل حيناً والعمدي أحياناً لمعاناة الكتلتين الأكبر من حيث الكثافة العددية داخل المجتمع المصري وهما كتلة الفلاحين وعمال الزراعة وغيرهم من الأجراء الفقراء المرتبطين بالأرض وكتلة العاطلين عن العمل، وهكذا اختلطت خرائط وجداول التحالفات والمخاصمات الاجتماعية الواجب اتخاذها على المستويات الاستراتيجية والتكتيكية واللحظية فتعثرت القرارات والخطوات السياسية الواجب اتخاذها على محاور الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية، لتفقد الحركة الشيوعية المصرية بوصلتها وهويتها المميزة كمدافع جذري عن حقوق ومصالح السواد الأعظم من جماهير الشعب المصري فتتراجع تدريجياً من موقعها الثوري الافتراضي إلى الموقع السياسي ثم للموقع الإصلاحي حتى تقبع أخيراً في الموقع المطلبي الذليل، لاسيما وأن المفكرين الانتهازيين لهذه الحركة قد تكاسلوا عمداً عن إجابة الأسئلة النظرية المثارة حول ماهية نمط وعلاقات الإنتاج السائدين في مصر عبر التاريخ، من حيث كونهما أقرب إلى النموذج الشرقي الآسيوي أم أنهما يشكلان نموذجاً فرعونياً مختلفاً يستدعي اجتهاداً معرفياً خاصاً، إلا أن أبرز تجليات انتهازية الشيوعيين المصريين من اليهود "غير الصهاينة" والصهاينة "غير اليهود" تتضح على المحور الديمقراطي قبل وبعد تأسيسهم لمجموعة "روما" بامتداداتها الداخلية الثلاثة المتمثلة في حركة "حدتو" وتنظيم "الانتصار" وحزب "التجمع"، حيث تكشف متابعة ممارساتهم تجاه الاستبداد والفاشية والتطرف عالمياً وإقليمياً ومحلياً مدى انتهازيتهم التي بدأت مبكراً بمعارضتهم للفاشيات العثمانية والألمانية والإيطالية واليابانية الغاشمة المعلنة، دفاعاً عن مصالح حلفائهم ذوي الفاشيات الماكرة المستترة في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وصولاً إلى حماية مصالح إسرائيل ذات الفاشية الأبشع على امتداد التاريخ والجغرافيا، مع تأييدهم في الوقت ذاته بدافع من انتهازيتهم لعدة فاشيات غاشمة معلنة أخرى سواء على المستوى العالمي مثل تلك التي قامت في الاتحاد السوفيتي والصين ودول شرق أوروبا أو على المستوى الإقليمي مثل تلك التي قامت في الجزائر واليمن الجنوبية وإثيوبيا، أما على المستوى المحلي المصري فقد تجاوزت انحرافاتهم الانتهازية تجاه الاستبداد والفاشية والتطرف كل خطوط الخطر الحمراء!!.
(16)
بعيداً عن الدعاية الديمقراطية المخادعة والكاذبة فقد اتخذت الممارسات الواقعية لمجموعة "روما" بامتداداتها الداخلية الثلاثة عدة أشكال انتهازية فجة تجاه الاستبداد والفاشية والتطرف في الساحة المصرية، كان على رأسها ترقية الأعضاء الذين تربطهم علاقات عائلية وشخصية وثيقة بقادة وكوادر القوى الفاشية المحلية لاستخدامهم ليس فقط كأدوات تجسس وضغط ولكن أيضاً كقنوات اتصال وتنسيق سرية علوية مع تلك القوى، مثل "عادل حسين" شقيق "أحمد حسين" رئيس حزب "مصر الفتاة" الفاشي و"تحية كاريوكا" زوجة "مصطفى كمال صدقي" الرئيس الميداني لجمعية "الحرس الحديدي" النازية و"أحمد نجيب فخري" السكرتير الخاص لرئيس الحزب الوطني الفاشي "فتحي رضوان"، و"أحمد طه" شقيق "عبدالقادر طه" الكادر النشط في جمعية "الحرس الحديدي" و"ماجدة رفاعة" شقيقة "محمَّد رفاعة" الكادر النشط في جماعة "الإخوان المسلمين" و"علي الديب" شقيق الطيار "رضا الديب" زميل دفعة الرئيس "حسني مبارك" بالكلية الجوية وأحد أصدقائه، وكذلك الرفيق "حسن" (رفعت السعيد البيومي) الذي كان سكرتيراً خاصاً لعضو تنظيم "الضباط الأحرار" "خالد أمين محيي الدين" وأيضاً الرفيق "سميح" (حسين محمَّد عبدالرازق) الذي كان سكرتيراً خاصاً لعضو تنظيم "الضباط الأحرار" "كمال الدين رفعت" وغيرهم، إلى جانب توسيع نطاق "الغواصات" وهم الأعضاء المزدوجين الذين يحتفظون في الوقت ذاته بعضوية القوى الفاشية المحلية المختلفة ليتم استخدامهم ليس فقط كأدوات تجسس وضغط ولكن أيضاً كقنوات اتصال وتنسيق سرية قاعدية مع تلك القوى، دون أن تسلم من شرورهم الأحزاب والتنظيمات والحلقات والخلايا الشيوعية الأخرى لاسيما "طليعة العمال والفلاحين" و"الراية" ثم "8 يناير" و"العمال"، إلا أن أهم "غواصات" مجموعة "روما" بامتداداتها الداخلية الثلاثة تمثلت في ضباط الجيش أعضاء قسم "البيادة" داخل حركة "حدتو" المنضمين إلى تنظيم "الضباط الأحرار" باعتباره الامتداد المعدل لجمعية "الحرس الحديدي" النازية، والذين شاركوا في تنفيذ انقلاب 23 يوليو 1952 ثم اشتركوا في إدارة المرحلة الأولى من جمهورية الخوف التي أقامها "الضباط الأحرار" بانضمامهم إلى مجلس قيادة الثورة حتى ضاق الرئيس "جمال عبدالناصر" بازدواجيتهم وطلب منهم الاختيار بين هذا أو ذاك، علماً بأن قسم "البيادة" كان يرأسه الضابط "عثمان فوزي" زوج اليهودية "ديدار عدس" ويضم عدداً كبيراً من الضباط أبرزهم "خالد أمين محيي الدين" و"يوسف صديق" و"رشاد مهنا" و"عبداللطيف البغدادي" و"أحمد فؤاد" و"ثروت عكاشة" و"أحمد حمروش" و"كمال الدين رفعت" و"وجيه أباظة" و"عبدالمجيد نعمان" و"لطفي واكد" و"محسن لطفي السيد" و"محمود المناسترلي" و"منير موافي" و"أحمد قدري" و"شوقي فهمي حسين" و"آمال المرصفي" وغيرهم، بالإضافة إلى العشرات من ضباط الصف الذين كان يقودهم المساعد فني طيران "سيد سليمان رفاعي" تحت رئاسة "عثمان فوزي" زوج "ديدار عدس"، لذلك فإنه رغم المعارضة المبدأية الصريحة التي أعلنها الشيوعيون المستقلون في تنظيم "طليعة العمال والفلاحين" وتنظيم "الراية" تجاه انقلاب "الضباط الأحرار" بما أعقبه من حكم عسكري فاشي لم يتوقف تنظيم "حدتو" عن تأييد الانقلاب ودعوة الشيوعيين الآخرين للحذو حذوه، حتى اضطر للتراجع تحت ضغط مطالبة "عبدالناصر" لأعضاء قسم "البيادة" بالاختيار بين أحد التنظيمين من جهة وضغط الكوادر والأعضاء غير العسكريين الرافضين لممارسات الحكم العسكري الجديد من جهة أخرى، فاعتذر "حدتو" عن موقفه المؤيد للضباط الأحرار باعتباره خاطئاً وليس انتهازياً حسب بيانه المنشور في سبتمبر عام 1953 بمجلة "الكفاح" والذي تضمن قوله: "إن موقفنا السياسي الخاطئ إزاء حركة الضباط أدى بنا إلى فهم خاطئ لطبيعة التحركات التي كان يجب علينا القيام بها في مواجهتها"، دون أن تتوقف اتصالات "حدتو" السرية المتزامنة مع جناحي الحكم آنذاك اللواء "محمَّد نجيب" رئيس الجمهورية والعقيد "جمال عبدالناصر" رئيس الوزراء حتى أطاح عبدالناصر بنجيب عام 1954، فعاود التنظيم ألاعيبه بتحميل "محمَّد نجيب" وحده مسئولية الممارسات الفاشية السابقة تمهيداً لإعلان تأييد حكم "جمال عبدالناصر" المنفرد رغم سقوط عشرات الشهداء الشيوعيين بمن فيهم أعضاء "حدتو" وأنصاره داخل سجون "عبدالناصر"، ولأن الطبع الانتهازي غلّاب فقد استمرت مجموعة "روما" بامتداداتها الداخلية الثلاثة في تأييدها الانتهازي الانتقائي المرتبط بمصلحة إسرائيل لأنظمة الحكم الفاشية المستبدة المتواصلة في عهود الرؤساء العسكريين المتعاقبين "أنور السادات" و"حسني مبارك" و"حسين طنطاوي"، وهو نفس ما كررته أخيراً مع "عبدالفتاح السيسي" الذي كان وزيراً للدفاع ثم تولى حكم مصر يوم 3 يوليو 2013 بعد نجاح انقلابه العسكري على رئيس الجمهورية الإخواني المنتخب "محمَّد مرسي"، رغم أن "السيسي" كشف مبكراً كراهيته للشيوعيين بإصداره في أسابيع حكمه الأولى لائحة تضم أسماء الأحزاب والتنظيمات والحركات والجماعات السياسية المحظورة أمنياً ومن بينها الشيوعيين المستقلين والموالين لمجموعة "روما" سواء بسواء!!.
(17)
استمر الشيوعيون المصريون المستقلون يعارضون التطرف الفاشي لجماعات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين والسلفيين والجهاديين منذ بداياته المبكرة بشراسة وإصرار، دون أن يتجاوزوا المبادئ الوطنية الديمقراطية الشريفة التي تحافظ على حياة الخصوم وحرياتهم وحقوقهم في التفكير والتعبير والتمكين أثناء الاختلاف معهم، رغم استمرار تلك الجماعات في أفعالها وردود فعلها الإرهابية والاستئصالية والإقصائية تجاه الشيوعيين المستقلين بغباء منقطع النظير، بينما استمرت الممارسات الانتهازية الفجة لمجموعة "روما" بامتداداتها الداخلية الثلاثة المتمثلة في "حدتو" و"الانتصار" و"التجمع" تجاه جماعات الإسلام السياسي الفاشية المذكورة، ابتداءً بمحاولة استيعابها داخل الأنشطة الجبهوية المختلفة والمتعددة لامتطاء أكتافها والاستفادة من اتساع قواعدها الشعبية مروراً باختراقها عبر "الغواصات" الشيوعية المستترة، وانتهاءً بحيلة إشهار الإسلام التي لجأ إليها "هنري كورييل" ذاته عندما أسلم بين أيدي "صفوان أبوالفتح" عضو السكرتارية المركزية للحزب الشيوعي المصري الأول في حضور مساعده الشخصي السوداني "عبده دهب"، لكن" كورييل" سرعان ما تراجع عن تلك الحيلة خوفاً من تأثيرها السلبي على تطلعاته ومناوراته الأممية تاركاً إشهار الإسلام لغيره من اليهود الشيوعيين المصريين "غير الصهاينة" مثل "يوسف درويش" و"صادق سعد" وغيرهما، إلا أن فشل مجموعة "روما" في الحصول على غرضها الانتهازي بامتطاء أكتاف جماعات الإسلام السياسي الفاشية قد دفعها إلى الممارسات النقيضة حيث أوغلت في معارضة فاجرة غير مبدأية ضد تلك الجماعات، ليجعل أعضاء المجموعة وتوابعها من أنفسهم مجرد "مخلب قط" بأيدي الراغبين في محاربة جماعات الإسلام السياسي أو مناوشتها على الأصعدة العالمية والإقليمية والمحلية، لاسيما أولئك الذين لا يقلون عن تلك الجماعات في استبدادها وتطرفها الفاشي، وقد نجح أسلوب "مخلب القط" بالنظر إلى آفة الغباء المفرط والمزمن لجماعات الإسلام السياسي التي شنت حرباً تكفيرية طائشة ضد جميع الشيوعيين المصريين سواء كانوا من توابع مجموعة "روما" أو المستقلين عنها، دون تمييز بين الخصم الشيوعي المبدأي ومخلب القط الانتهازي ودون انتباه لحقيقة أن الخطر الداهم عليها يكمن فيمن يحرك مخلب القط على هواه والذي أدركت الجماعات مؤخراً ومتأخراً أنه المجلس العسكري، وفي سياق أسلوب "مخلب القط" نشرت جريدة "الأهالي" الناطقة بلسان حزب "التجمع" على صفحات عددها الصادر يوم 5/8/1992 بياناً سياسياً يمهد للحملة الأمنية القمعية التي كانت مؤسسات "حسني مبارك" العسكرية قد شرعت في شنها ضد بعض تلك الجماعات، بقوله : "قد آن الأوان لأن تحزم الدولة المصرية أمرها وتوحد جهود قياداتها وأجهزتها وتستعين بالدول الأخرى الصديقة لاتخاذ الإجراءات العاجلة الحاسمة التي تكفل القضاء على الإرهاب الأسود لجماعات الإسلام السياسي"، رغم أن سجون "مبارك" استمرت تستضيف بعض الشيوعيين المستقلين عقاباً لهم على انتماءاتهم الفكرية وآرائهم السياسية بينما لم تنجح إجراءاته المعادية لجماعات الإسلام السياسي سوى في تمكين تلك الجماعات من سحب بساط المجتمع ثم سحب بساط الدولة من تحت أقدامه، وامتداداً لأسلوب "مخلب القط" نفسه عادت جريدة "الأهالي" ذاتها ونشرت على صفحات عددها الصادر يوم 8/7/2015 بياناً سياسياً يدافع عن قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 رغم كونه يمنح المؤسسة العسكرية أغطية إضافية لوأد مساحات حرية التعبير الضيقة المتبقية، كما يمنحها حق البطش ليس فقط بالإخوان المسلمين والجهاديين المستفيدين من تلك المساحات ولكن أيضاً بالليبراليين والشيوعيين المستقلين المدافعين عنها في إطار مكافحتهم الحقيقية للإرهاب، والذين اتهمهم البيان بأنهم إما عملاء أو أغبياء أو مغرر بهم يتشدقون زوراً بالديمقراطية وحقوق الإنسان مهدداً إياهم بإعادتهم إلى الأقبية التي طالما سكنوها، علماً بأن قانون مكافحة الإرهاب كان قد صدر دون أدنى التفات للاعتراضات الحقوقية والسياسية الهامة المبداة حول بعض بنوده، لاسيما المواد أرقام 5 و6 و33 التي تعاقب كل من يشرع في ارتكاب جريمة أو يساعد على الشروع في ارتكابها حتى لو لم تقع الجريمة بالإعدام مع معاقبة كل من يعلم ولا يبلغ السلطات عن التحضير لارتكاب جريمة حتى لو لم تقع الجريمة بالحبس والغرامة، والمواد أرقام 6 و28 و35 التي تعاقب كل من يقوم بالتحريض العلني أو غير العلني على استخدام العنف أياً كانت وسيلة التحريض حتى لو كان تحريضاً عاماً وحتى لو لم يترتب عليه أى أثر بالإعدام، مع معاقبة كل من يروج أو يعد للترويج بالقول أو بالكتابة أو أية وسيلة أخرى مباشرة أو غير مباشرة للأفكار الداعية إلى استخدام العنف بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات، ومعاقبة كل من ينشر أو يذيع أخباراً تخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع بغرامة نصف مليون جنيه وبالمنع من مزاولة المهنة لمدة سنة، إلى جانب المادة رقم 8 التي تعفي القائمين على تنفيذ قانون مكافحة الإرهاب من أية مسئولية جنائية عند استعمالهم للقوة ضد المواطنين في مقابل المادة رقم 27 التي تعاقب كل من يقاوم أحد أولئك القائمين على تنفيذ القانون بالإعدام، وذلك بعد أن كانت جريدة "الأهرام" الرسمية قد نشرت على صفحات عددها الصادر يوم 9/6/2015 تصريحاً سياسياً أدلى به الرفيق "رفعت السعيد البيومي" المنسق العام بين مجموعة "روما" وتنظيم "الانتصار" وحزب "التجمع"، لتبرير الحملة الأمنية القمعية المتواصلة من قبل مؤسسات "عبدالفتاح السيسي" العسكرية ضد الإخوان والجهاديين بقوله : "لقد أيدنا ومازلنا نؤيد جميع الإجراءات التي اتخذها السيسي قبل وبعد اعتلائه السلطة في 3/7/2013 باعتبارها المخرج الوحيد للتخلص من جماعات الإسلام السياسي التي كان من المحتمل أن تتعامل مع خصومها بعنف شديد"، رغم أن سجون "السيسي" استمرت تستضيف بعض الشيوعيين المستقلين عقاباً لهم على انتماءاتهم الفكرية وآرائهم السياسية بينما لم تنجح إجراءاته المعادية لجماعات الإسلام السياسي سوى في نقل عنف تلك الجماعات من خانة "المحتمل" إلى أرض الواقع الفعلي!!.
(18)
أعلن فلول تنظيم "حدتو" الشيوعي من توابع مجموعة "روما" للشيوعيين المصريين اليهود المقيمين بالخارج عن تأسيسهم لتنظيم شيوعي مصري جديد اسمه "الانتصار" عقب اجتماعهم عام 1975 في العاصمة اللبنانية "بيروت"، تحت رئاسة مؤسس المجموعة "هنري كورييل" الذي كان لم يزل ممنوعاً من دخول الأراضي المصرية على خلفية اتهامه بالتعاون مع "إسرائيل" أثناء حرب عام 1948، وفي نفس التوقيت قام رئيس الجمهورية آنذاك "أنور السادات" بتوليد حزب "التجمع التقدمي" اليساري قيصرياً من رحم الامتداد الطبيعي لتنظيم "الضباط الأحرار" المسيطر على الدولة والمجتمع والمعروف باسم "الاتحاد الاشتراكي" ليضم الأعضاء المزدوجين بين اليسار والضباط الأحرار وتوابعهم، وقد تعمد تنظيم "الانتصار" وحزب "التجمع" الجديدان معاً أن يقتصر البيان التأسيسي لكلّ منهما على مطالب عامة وعبارات مبهمة وشعارات غامضة كمناورة تهدف إلى إخفاء هويتهما الحقيقية باعتبارهما امتدادين لمجموعة "روما" وتنظيمي "حدتو" و"الضباط الأحرار"، كما حصل التنظيم والحزب الجديدان معاً على دعم أجهزة الأمن السياسي التي منحتهما كل التسهيلات اللازمة عساهما يلبيان احتياجها الضروري لاستيعاب المد الثوري الشبابي المتصاعد في صفوف الحركة الشيوعية المستقلة عن مجموعة "روما" بسرعة صاروخية منذ هزيمة يونيو 1967، والمتجمع في خلايا وحلقات عديدة منظمة داخل وحول تنظيمي "8 يناير" و"العمال" الشيوعيَين والذي بلغ ذروته عند اندلاع انتفاضة 18 يناير 1977 الجماهيرية الاحتجاجية ذات الأبعاد الاجتماعية بما شكلته من تهديد جاد لاستمرار جمهورية الخوف الأولى التي كان الضباط الأحرار قد أقاموها منذ عام 1952، حيث اقتضت احتياجات تلك الأجهزة في حينه اختراق المد الثوري الشبابي الشيوعي أولاً من خلال التنظيم والحزب الجديدين، تمهيداً للسيطرة على هؤلاء الشباب المستقلين محدودي الخبرات عبر احتوائهم أو تشتيتهم أو استدراجهم نحو أفخاخ المواجهات البينية العدائية أو إزالتهم بالتصفية الجسدية أو غيرها من شرور السيطرة المعروفة والمبتكرة، وبينما اختار "أنور السادات" زميله السابق في تنظيم "الضباط الأحرار" "خالد أمين محيي الدين" لرئاسة حزب "التجمع التقدمي" بمعاونة بعض الضباط الآخرين مثل "كمال الدين رفعت" و"لطفي واكد" و"أحمد حمروش", فقد اختار "هنري كورييل" لرئاسة تنظيم "الانتصار" المحامي النوبي الرفيق "صلاح" (زكي مراد إبراهيم) بمعاونة سكرتارية مركزية تضم أغلبية من توابع مجموعة "روما" في مقدمتهم الرفيق "حسن" (رفعت السعيد البيومي) مع أقلية من المستقلين غير المعادين للمجموعة في مقدمتهم الرفيق "أحمد" (نبيل نجيب الهلالي) القادم من حلقة "الشروق"، وكان اختياراً ماكراً ليس فقط لاستمرار علاقات "زكي مراد" التنظيمية التاريخية مع اليهود الذين يصفون أنفسهم بأنهم "غير صهاينة" إلى جانب الصهاينة "غير اليهود" في أوساط الحركة الشيوعية المصرية منذ أربعينيات القرن العشرين دون انقطاع، حتى أنه أصبح عام 1953 عضو السكرتارية المركزية في الوقت ذاته لكلّ من تنظيم "حدتو" التابع لمجموعة "روما" ولجنة أنصار السلام المصرية التابعة لمجلس السلام العالمي الخاضع للمجموعة، ولكن أيضاً بالنظر إلى كون "مراد" أحد القلائل المقبولين لدى قدامى الشيوعيين المستقلين وشبابهم الثوري من بين فلول "حدتو" الملتفين حول مجموعة "روما" لعدم تورطه شخصياً في انحرافاتها العميقة بشكل مكشوف!!.
(19)
مع حلول عام 1979 قرر تنظيم "الانتصار" عقد مؤتمره الأول في غضون العام التالي لتثبيت رئاسة "زكي مراد" ونظراً لأن رئيس الجمهورية "أنور السادات" كان يرغب في اختيار جميع معارضيه بنفسه فقد أرسل عبر زميله "خالد محيي الدين" يستدعي "مراد" لمقابلته، بهدف الاطمئنان إلى مدى طاعته ومن ثم استحقاقه للتثبيت على رأس التنظيم في مؤتمره الوشيك ولكن رد "زكي مراد" كان رفضاً قاطعاً للمقابلة أثار ضده غضب "أنور السادات" وأجهزته, وعقب ذلك بأسابيع قليلة تجاوب "مراد" مع المستقلين من قدامى الشيوعيين وشبابهم الثوري لإفشال زيارة الرئيس الإسرائيلي "إسحق نافون" إلى "القاهرة"، مما أثار ضده غضب اليهود الصهاينة وغير الصهاينة وتوابعهم الصهاينة غير اليهود بمن فيهم بعض أعضاء السكرتارية المركزية لتنظيم "الانتصار"، فتم اعتقال "زكي مراد" ثم جرى إطلاق سراحه تمهيداً لتنفيذ سيناريو تفكيك سيارته الخاصة الذي أدى إلى مصرعه في الأيام الأخيرة من عام 1979 وهو ذات السيناريو الذي تمت إعادته بحذافيره للتخلص من الرفيق "خالد" (فؤاد مرسي) بعد عشرة أعوام، وكان يمكن استمرار تكراره لاصطياد قادة وكوادر الحركة الشيوعية واحدهم تلو الآخر لولا أن ضابط مكافحة الشيوعية المشرف على تنفيذه (م.ش.خ) قد لقيَ مصرعه بنفس الطريقة مما أربك زملائه لدرجة توقفهم عن تنفيذ ذلك السيناريو الدموي ولو إلى حين، أما المؤتمر الأول لتنظيم "الانتصار" فقد انعقد عام 1980 بدون رئيس وأنهاه توابع مجموعة "روما" بدون اختيار رئيس جديد، كمناورة للالتفاف على اتساع نطاق غضب شباب التنظيم المستقلين عن المجموعة إزاء إعادة إنتاج نفس الانحرافات السابقة من قبل أعضاء السكرتارية المركزية التابعين لمجموعة "روما"، الأمر الذي كان قد أسفر لتوه عن سلسلة انشقاقات مؤثرة متتالية أبرزها انشقاق حلقة "المطرقة" بقيادة الرفيق "إبراهيم نوار" عام 1977 ثم انشقاق حلقة "المؤتمر" بقيادة الرفيق "علي الديب" عام 1978، وخلال انعقاد المؤتمر الأول لتنظيم "الانتصار" كانت أنظار أعضاءه الشباب المستقلين الغاضبين قد اتجهت نحو الرفيق "نبيل الهلالي"، إلا أن مجموعة "روما" لم توافق على رئاسته لعدم اطمئنانها إلى موالاته لها بالقدر الكافي رغم ملاصقة أحد قياداتها وهو اليهودي "يوسف درويش" للرفيق "الهلالي" كظله على مدار الساعة، فاضطر الشباب إلى فرض "نبيل الهلالي" كرئيس فعلي للتنظيم بجانب موقعه الرسمي كعضو السكرتارية المركزية المسئول عن العمل الجماهيري، وبدافع من استمرار رغبته في اختيار معارضيه بنفسه عاود الرئيس "أنور السادات" محاولة تكرار نفس اختبارات الطاعة مع رئيس "الأمر الواقع" الجديد لتنظيم "الانتصار" ولكن عبر خطة استدراج ماكر وغير مباشر رسمتها له أجهزة الأمن السياسي، حيث اجتمع "أنور السادات" في بداية عام 1981 بأعضاء مجلس إدارة رابطة المصريين خريجي المدارس الأمريكية والذين كان أبرزهم "الهلالي" ليطلب منه "السادات" خلال مصافحة الوداع البروتوكولية بعد انتهاء الاجتماع البقاء حتى يقابله منفرداً، وعلى الفور قام الحرس الجمهوري بتطويقه لمنع مغادرته واحتجزوه وحده داخل قاعة الاجتماع الخالية عدة ساعات ولكن رد "نبيل الهلالي" كان رفضاً قاطعاً للمقابلة أثار ضده غضب "السادات" وأجهزته، فتم اعتقال "الهلالي" في منتصف عام 1981 تمهيداً لتنفيذ أحد سيناريوهات التصفية حياله إلا أن اغتيال "أنور السادات" نفسه يوم 6 أكتوبر 1981 أنقذ حياة "نبيل الهلالي" ولو إلى حين حيث لقيَ مصرعه بعد حوالي عشرين عاماً إثر اصطدام رأسه بجسم صلب داخل أحد مستشفيات القاهرة، وعلى الجانب المقابل كانت المناورات الماكرة للرفيق "رفعت السعيد البيومي" قد نجحت في إظهار مرونته وطاعته وتجاوبه مع كافة الاحتياجات الضرورية والعادية والتافهة لجميع كبار وصغار المسئولين على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، مما صعد به إلى رأس تنظيم "الانتصار" ثم حزب "التجمع" تباعاً تمهيداً لاعتلائه أكتاف الحركة الشيوعية المصرية برمتها كضابط اتصال بينها وبين الدولة وهو الموقع المسئول رسمياً عن استدراج كل الشيوعيين لإجبارهم على النوم في أحضان كل أعدائهم!!.
(20)
جلب اليهود الشيوعيون المصريون "غير الصهاينة" أعضاء مجموعة "روما" أموالاً طائلة من مصادرهم اليهودية العالمية تباعاً لدعم أنصارهم داخل الحركة الشيوعية المصرية من الصهاينة "غير اليهود" بسخاء يكفل تمكينهم من تخطي الشيوعيين المستقلين، حتى لو اضطروا للاستعانة في ذلك بالانتهازيين المتحولين من الاتجاهات الليبرالية والقومية والدينية عبر إغداق الأموال عليهم، وهكذا استمرت مجموعة "روما" تنعم بميزة التناغم كأي تنظيم عصابي نموذجي بينما أسفرت محاولاتها لتمكين أنصارها على حساب الشيوعيين المستقلين داخل الحركة الشيوعية المصرية عن ظهور مزمن لعدة فيروسات قاتلة وأوبئة فتاكة، مثل الانقطاع الزمني والشللية والبيروقراطية والانقسام العدائي والولاء الشخصي وتخوين الخصوم والكسل الحركي واتساع نطاق الاختراقات الأمنية لتشمل كافة الأنشطة والمواقع والمستويات، مع غياب الناصحين الراشدين أو تغييبهم لو كانوا حاضرين أو منعهم من تأدية أدوارهم التاريخية لو حاولوا التصدي الحقيقي للمشكلات التنظيمية القائمة بهدف حلها، وهو ما يتضح على سبيل المثال لا الحصر من خلال استعراض خبايا وقائع المؤتمر الثاني لتنظيم "الانتصار" المنعقد عام 1984 في فيللا اليهودي "ألبير أرييه" بالإسكندرية، حيث قام الرفيقان "الحاج" و"حسن" تنفيذاً لنصيحة أجهزة الأمن بإعداد تحليل سياسي عنوانه "نحو طور جديد لحزبنا" يدعو الشيوعيين إلى المزيد من الاقتراب الودي الإيجابي تجاه نظام حكم "حسني مبارك"، ثم قاما بتسليمه للرفيق "صبحي" (مبارك عبده فضل) باعتباره مسئول مكتب التنظيم الذي تتبعه هيئة إدارة الخلافات والصراعات الداخلية حتى يطبعه فوراً ويوزعه على جميع أعضاء المؤتمر قبل انعقاده بشهر كامل، فاعترض على تحليل "الطور الجديد" عدد كبير من الرفاق في مقدمتهم ثلاثة أعضاء بالسكرتارية المركزية هم مسئول مكتب العمل الجماهيري الرفيق "أحمد" (نبيل الهلالي) ومسئول مكتب العلاقات الخارجية الرفيق "نجيب" (ميشيل كامل) ومسئول مكتب الشئون المالية الرفيق "عصام" (فوزي حبشي)، ليرد أنصار مجموعة "روما" فوراً بفصل الرفيق "عصام" المعارض واستبداله بأحد الموالين هو الرفيق "سميح" مع حرمان الرفيقين "أحمد" و"نجيب" من حق الدفاع عن رفيقهما المفصول خلال انعقاد المؤتمر مما منح تحليل "الطور الجديد" الأغلبية بفارق صوت واحد هو "سميح"، فاحتج "أحمد" و"نجيب" على التمرير الالتفافي لتحليل مازال محل خلاف وقاما بكتابة تحليلين مضادين تحت عنوان "أزمة الحزب.. المأزق والمخرج" وعنوان "حول أزمة الحزب"، ليتسلمهما "صبحي" عقب انتهاء مؤتمر 1984 في انتظار أن يقوم حسب اللائحة بطباعتهما وتوزيعهما على جميع أعضاء المؤتمر التالي سواء كان دورياً أو استثنائياً لمناقشة الأفكار والآراء والمقترحات الواردة فيهما تمهيداً للتصويت على التحليلين، وهو ما لم يحدث مطلقاً حيث قرر أنصار مجموعة "روما" استبعاد الانعقاد الاستثنائي للمؤتمر العام مع تأجيل انعقاده الدوري التالي من عام 1988 إلى عام 1992، حتى تمتد فترة الالتزام بتحليل "الطور الجديد" الداعي للتواطؤ الذيلي مع نظام "مبارك" إلى ثمانية سنوات نجح خلالها "الحاج" و"حسن" و"صبحي" و"سميح" في احتواء وتشتيت المعارضين، عبر سلسلة إجراءات متنوعة ومتصاعدة وصلت عام 1988 إلى فصل "نجيب" وتجميد عضوية "أحمد" بحجة أنشطتهما التكتلية، فاعترض الرفيق "سيف" (كاتب هذه السطور) على الإجراءات الالتفافية والعقابية المتخذة ضد الرفاق المعارضين لتحليل "الطور الجديد" باعتبارها تتناقض مع المبادئ التنظيمية والأخلاقيات الشيوعية في تحليل عنوانه "التزموا بالمبادئ والأخلاقيات قبل إدانة التكتلات"، وقد تسلمه مني "صبحي" لكنه امتنع أيضاً عن طباعته وتوزيعه داخل التنظيم مما دفعني لنشره علناً باسمي الحقيقي في عدد شهر مارس عام 1989 من مجلة "اليقظة العربية" التابعة لحزب "التجمع" تحت عنوان "أزمة الحركة الشيوعية المصرية المعاصرة"، ليرد أنصار مجموعة "روما" فوراً بتجميد عضويتي ثم فصلي من التنظيم والحزب معاً بحجة النشر العلني المخالف لقواعد الانضباط وهي نفس الحجة التي استخدموها لتجميد وفصل غيري من الرفاق المعارضين، مثل مسئول المكتب العمالي الرفيق "حازم" (فرج محمَّد فرج) بعد أن كانوا قد أجبروه على الاستقالة من عمله في مصنع الحديد والصلب ليتفرغ لأنشطة التنظيم والحزب، ورغم أن النشر العلني لتحليلي المحجوب بما تضمنه من إشارات للتحليلات الأخرى الممنوعة كان قد شجع في حينه بعض الرفاق الأسوياء أو الغافلين على البوح بشهاداتهم كاشفين ما تحت أيديهم وأعينهم من انحرافات، إلا أن مجموعة "روما" لليهود الشيوعيين المصريين "غير الصهاينة" وأنصارها في تنظيم "الانتصار" وحزب "التجمع" من الشيوعيين الصهاينة "غير اليهود" قد حصلوا على الانضباط المطلوب ليمضوا قدماً نحو المزيد من التواطؤ الذيلي مع نظام حكم "حسني مبارك"، ورغم تعدد مخالفات مسئول مكتب الشئون المالية الجديد الرفيق "سميح" والتي كان أبرزها تحويله مليون جنيه من أموال التنظيم بدون إذن لإصدار مجلة غير دورية تحت رئاسته الشخصية سرعان ما توقفت واختفى رأسمالها إلا أن مجموعة "روما" كافأته، ليس فقط بترقيته إلى عدة مواقع قيادية أعلى في تنظيم "الانتصار" وحزب "التجمع" ولكن أيضاً بترشيحه إلى عدة مهام رسمية قومية كممثل للشيوعيين يحظى بترحيب الأجهزة الأمنية السيادية خلال عهد "مبارك" وما تلاه من عهود حتى اليوم!!.
(21)
يحفظ الناطقون بالعربية عن ظهر قلب قواعد النحو والصرف وعلى رأسها قاعدة أن الكسرة هي علامة جر الكلمات والفتحة هي علامة نصبها إلا أنهم يضطرون أحياناً إلى استخدام كلمات مجرورة بالفتحة أو منصوبة بالكسرة، تبعاً لوظائف تلك الكلمات أو شكلها وحسب وزنها أو إضافاتها ومحذوفاتها وأيضاً بالنظر إلى موقعها في سياق الجملة أو علاقاتها مع بقية المكونات اللغوية السابقة واللاحقة عليها، أو غير ذلك من الظروف الذاتية الاستثنائية الخاصة بتلك الكلمات والتي تمنع سريان القواعد الموضوعية العامة للنحو والصرف وتستوجب مخالفتها، فيما تطابق حرفياً مع موقف الشيوعيين المستقلين المصريين المعاصرين الذين يحفظون عن ظهر قلب ما تمليه عليهم القواعد الموضوعية العامة لفرز التناقضات الرئيسية والثانوية الراهنة بالدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية، تمهيداً لاختيار موقعهم الافتراضي الصحيح داخل خرائط التحالفات والمخاصمات الاستراتيجية والتكتيكية واللحظية وصولاً إلى تحديد الخطوات الواجب عليهم اتخاذها تجاه مختلف أطراف المشهد السياسي ثم تنفيذ تلك الخطوات على أرض الواقع الفعلي، حيث كان التناقض الرئيسي ومازال وسيظل قائماً بينهم وبين كل دعاة الدولة الدينية سواء من المسلمين السنة أو الشيعة أو المسيحيين أو اليهود أو حتى الهندوس وسواء كانت الدولة الدينية التي يدعون إليها ذات طابع محافظ أو صدامي، لأن هؤلاء الشيوعيين المستقلين يرفضون قطعياً ومبدئياً إقامة دولة دينية لما يشكله وجودها من مخاطر جذرية حقيقية تهدد كافة محاور الحياة المتعلقة بالحريات العامة والخاصة والتحرر الوطني والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والابتكارات الفكرية والعلمية والإبداعات الأدبية والفنية، في حين أن القائم بين الشيوعيين المستقلين وبين دعاة الحكم العسكري هو تناقض ثانوي لأنهم لا يرفضون وجود المؤسسة العسكرية ولا يعترضون على تأديتها لدورها المأمول في حماية التراب الوطني من أي عدوان خارجي، بل هم يقاومون ممارسات قادة تلك المؤسسة عندما يشوبها التقصير أو التجاوز أو الانحراف على محاور التبعية والفساد والاستبداد بما فيها سعي القادة المحموم لاستمرار سيطرتهم غير المستحقة على الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية منذ عام 1952، ورغم أن ذلك الإدراك الافتراضي النظري كان يستوجب نظرياً مع احتدام الصراع الدموي بين الإسلاميين والحكم العسكري في مصر منذ 3 يوليو 2013 أن يختار الشيوعيون المستقلون إما الحياد (السلبي أو الإيجابي) وإما الانحياز اليقظ للخصم الثانوي ضد الخصم الرئيسي، إلا أن الظروف الاستثنائية الخاصة بكل واحد من الأطراف الثلاثة المشار إليها تمنع سريان تلك القواعد الموضوعية العامة وتستوجب مخالفتها، فالحكم العسكري الذي يفترض أنه الخصم الثانوي للشيوعيين المستقلين يعتبرهم من جانبه خصماً رئيسياً له وذلك بسبب خوفه منهم في إطار دفاعه عن مصالحه المكتسبة غير المشروعة، فيستخدم ضدهم الأدوات الدموية للصراع الرئيسي حتى لو كانوا قد اختاروا الحياد السلبي بالانسحاب الكلي أو الجزئي من المشهد السياسي، حيث يواصل الحكم العسكري ملاحقتهم ومطاردتهم ليس فقط لمحاصرتهم والتضييق على أفكارهم وآرائهم وأنشطتهم ولكن أيضاً لمعاقبتهم استباقياً عبر أساليب السيطرة القذرة غير المباشرة والتي تبدأ بتعطيل مصالحهم مروراً بإهدار حقوقهم وتقييد حرياتهم وصولاً إلى تهديد حياتهم إن لم يكن تصفيتهم جسدياً واحدهم تلو الآخر، بينما يواصل الإسلاميون الذين يفترض أنهم الخصم الرئيسي للشيوعيين المستقلين احتضانهم على مضض بتبني مظالمهم واحتجاجاتهم كنوع من الاستثمار الماكر ضمن مناوراتهم التحريضية ضد الحكم العسكري، لاسيما عقب انحياز الشيوعيين "الصهاينة" للحكم العسكري بانتهازية فجة اقتضت منهم تجاهل تلك المظالم لتكريسها ومهاجمة تلك الاحتجاجات لإخمادها، وباستلهام الحد الأدنى لقواعد فن إدارة الأزمات الميدانية الداعي إلى اتخاذ الاحتياطات الدفاعية الكفيلة بتقليل الخسائر مع الحفاظ على الحياة الخاصة التي تشكل في حد ذاتها قيمة إنسانية يجب عدم الاستهانة بها وصولاً لدرجة الاستشهاد دفاعاً عن إحدى القيم الإنسانية السامية، فقد وجد الشيوعيون المستقلون المصريون المعاصرون مثل كاتب هذه السطور أنفسهم بعد 3 يوليو 2013 بين اختيارين أحلاهما مر لأن كليهما يقود أصحابه نحو موت مجاني بلا أي مقابل إنساني، فإما تكرار ما فعله بعض السابقين منهم عندما ارتموا بين أحضان الحكم العسكري في نفس الوقت الذي استمرت أجهزته وقواته تقتلهم منذ عام 1952 بدم بارد كأنهم ذباب، وإما الاحتماء بالجسد الضخم للإسلاميين فيموتون معهم كما يقول المثل الشعبي باللهجة العامية المصرية "الموتة في الكُترة سُترة"!!.
(22)
باعتبارهم إما ذوي أصول أجنبية أو ذوي تعليم أجنبي فقد استغل اليهود الشيوعيون "غير الصهاينة" احتكارهم المعرفي لأصول النصوص النظرية الماركسية التي كانت منشورة فقط وحصرياً باللغات الأجنبية، في محاولاتهم المستمرة لفرض وتأكيد سيطرتهم غير المستحقة على قيادة الحركة الشيوعية المصرية منذ نشأتها كما أوضح الرفيق "نبيل الهلالي" في كتابه الهام "اليسار الشيوعي المفترى عليه"، كما استغلوا احتكارهم المعرفي النظري لدس أفكارهم المنحرفة داخل متن الخطاب الشيوعي وعلى هوامشه، مما سمح لهم بحرية ارتكاب مناوراتهم الانتهازية الخطرة ولكنه في الوقت ذاته شكل مصدر طرد للمثقفين وإرباك للجماهير، مما قرر معه بعض الشيوعيين المستقلين ترجمة أمهات الكتب النظرية الماركسية إلى لغة عربية واضحة وسهلة وإتاحتها أمام المثقفين والجماهير، بهدف كسر احتكار اليهود للمعرفة المستمدة من تلك الكتب وصولاً إلى إحباط محاولات فرض وتأكيد سيطرتهم غير المستحقة على القيادة، ليكون في مقدمة المترجمين عن اللغة الفرنسية أبي الرفيق "إسماعيل المهدوي" الذي نشر عام 1957 كتاب "المبادئ الأساسية للفلسفة" وكتاب "المادية والمثالية في الفلسفة" كجزأين مترجمين لكتاب سبق نشره عام 1946 تحت عنوان "المبادئ الأساسية للفلسفة الماركسية"، متضمناً محاضرات التثقيف النظري التي ألقاها المفكر الشيوعي "النمساوي – المجري" "چورچ بوليتزير" في مدرسة الكادر التابعة للحزب الشيوعي الفرنسي، ولتضم قائمة مترجمي أمهات الكتب النظرية الماركسية عن اللغة الإنجليزية فيمن ضمتهم أمي الرفيقة "زينات الصباغ"، وعندما اندمجت تنظيمات المرحلة الثانية في الحزب الشيوعي المصري عام 1958 عقب شهور قليلة من انتهاء العدوان الثلاثي (الإسرائيلي ــــ البريطاني ــــ الفرنسي) ضد مصر تولى "إسماعيل المهدوي" موقعه القيادي داخل الحزب الجديد فاستصدر عدة قرارات تطهيرية، منها حل مجموعة "روما" لليهود الشيوعيين المصريين في الخارج وإزالة صفتها الحزبية وفصل أعضائها ومنع اتصالهم بالحزب على أي وجه مع السماح باستمرار عضوية اليهود الشيوعيين في الداخل دون تصعيدهم إلى أية مواقع حزبية قيادية، إلا أن الأكثر إزعاجاً لمجموعة "روما" كان قيامه بتشكيل لجنة متابعة تنظيمية تحت رئاسته الشخصية تتحرك في الداخل والخارج لضمان وضع القرارات الحزبية المتعلقة باليهود موضع التنفيذ العملي بعد تكرار امتناع المجموعة عن تنفيذ قرارات شبيهة سابقة، ولم ينتبه "المهدوي" إلى أن دوره في كسر الاحتكار المعرفي ثم التطهير الحزبي قد خلق لدى الشيوعيين المصريين اليهود "غير الصهاينة" وأنصارهم الصهاينة "غير اليهود" ومعهم دولة إسرائيل ومجمل الحركتين اليهودية والصهيونية على المستوى العالمي نزوعاً انتقامياً متواصلاً تجاهه وممتداً لنسله من بعده يشبه الثأر الصعيدي، وهكذا تم استدراجه أثناء عمله في أوروبا كمراسل صحفي مقيم لتسليمه سراً إلى وحدة العمل الميداني الخارجي بمكتب مكافحة الشيوعية التابع للأجهزة الأمنية السيادية المصرية، التي أعادته على متن إحدى طائراتها الخاصة وهو مكبل داخل صندوق خشبي عام 1969 إلى "القاهرة" ليجد اليهودية الأمريكية "مارجريت بالاس" تنتظره بصفتها الكاذبة كمراسلة صحفية مقيمة، وفور قبوله لعرض "زميلة المهنة" باستضافة مقالاته الممنوع نشرها في الصحافة المصرية على صفحات جريدتها الأمريكية "الوهمية", تلقت الأجهزة الأمنية السيادية بلاغاً مكتوباً منها مرفقاً به تلك المقالات يتهمه بكتابة ومحاولة نشر آراء معادية للنظامين المصري والأمريكي بدافع من أفكاره الشيوعية التي يحظرها القانونان المصري والأمريكي، فعوقب بإيداعه عنبر السجناء الجنائيين الخطرين في مستشفى المجانين طوال الفترة الممتدة بين عامي 1970 و1987 بدون أي تحقيق كالذي يحصل مع السجناء لو كان سجيناً وبدون أي علاج كالذي يحصل عليه المرضى لو كان مريضاً، مقابل حصوله على فيض من جلسات "الاستتابة" الرامية لدفعه قهراً إلى مراجعة واستنكار أفكاره وآرائه ومواقفه الشيوعية عبر فيض من عمليات التعذيب البدني والكهربائي الممنهج، سواء بمعرفة الأجهزة الأمنية السيادية وتوابعها الأطباء النفسيين أو بمعرفة كوادر جماعات الإسلام السياسي المستترين داخل المؤسسات الرسمية والمجتمعية ذات الصلة، ولم تستطع أمي "زينات الصباغ" الإفلات من عملية انتقامية سرية شبيهة سوى بهجرتها الاضطرارية المنفردة خارج مصر والتي امتدت بين عامي 1972 و1982 لأجدني طفلاً أعزلاً وحيداً بين أنياب ومخالب كل غيلان الأرض، فيما وصفه الرفيقان "أبوسيف يوسف" و"طاهر عبدالحكيم" معاً بعد ربع قرن زمني بقولهما لي : "لقد شرب أبوك وأمك كأس انتقام مجموعة روما بامتداداتها الداخلية الثلاثة ولكنك أنت الذي تجرعت سمومه ومراراته في حلقك الصغير"!!.
(23)
دفعتني أخلاقياتي المثالية نحو افتراضات ساذجة حول الرفاق "ذوي القربى" مما جعلني غافلاً ليس فقط عن النزوع الثأري الانتقامي الممتد تجاهي من قبل اليهود الشيوعيين المصريين "غير الصهاينة" وأنصارهم الصهاينة "غير اليهود" ولكن أيضاً عن بقية شرورهم، الأمر الذي أوقعني عدة مرات داخل أفخاخهم المختلفة لاسيما وقد أغضبهم تفوقي الدراسي ثم المهني ثم نجاح مجهوداتي القانونية والسياسية والإعلامية عام 1987 في إنهاء محنة أبي "إسماعيل المهدوي" بإعادته إلى ما يشبه حياته الطبيعية، كما كانت قد أغضبتهم كتاباتي ضد الصهيونية سواء عندما أصدر تنظيم "8 يناير" الشيوعي خلال عضويتي فيه بحثي الخاص بالبدائل المتاحة لمواجهة العدو الإسرائيلي الصهيوني المدعوم أمريكياً تحت عنوان "حرب التحرير الشعبية هي طريق التحرر الوطني"، والذي وزعه التنظيم داخلياً وخارجياً على نطاق واسع بمجرد إصداره عام 1981 لاسيما وقد أبلغتهم الأجهزة الأمنية السيادية بأنني كاتبه رغم محاولة التنظيم حمايتي من خلال حذف اسمي الحقيقي "طارق المهدوي" والحركي أيضاً "الرفيق سيف" عن غلافه، أو عندما نشرت مجلة "الموقف العربي" في ديسمبر عام 1987 مقالاً باسمي الحقيقي عنوانه "لا للحوار مع طواحين الهواء" لرفض محاولات ترويج دعوة مشبوهة إلى الحوار بين الشيوعيين العرب والإسرائيليين تحت إشراف الشيوعيين المصريين اليهود "غير الصهاينة" وأنصارهم الصهاينة "غير اليهود"، حيث جاء في مقالي : "لما كان بعض الشيوعيين المصريين يزعمون وجود يسار إسرائيلي ويدعون لمحاورته وصولاً إلى سلام قائم على العدل فإنه يجب تنبيه الذين قد يصدقون تلك المزاعم فيلبون هذه الدعوة بأنهم سيجدون أنفسهم يتحاورون مع طواحين الهواء، لأن الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تنفي وجود طبقة عاملة إسرائيلية أصلاً وعليه تنسف أساس الزعم بوجود يسار شيوعي إسرائيلي، وبالتالي فإن ما يزعمون وجوده ويدعون إلى محاورته ليس سوى نوع مختلف من العصابات الصهيونية التي يشكل أي حوار سلمي معها في ظل الظروف الراهنة سلوكاً مضاداً للتحرر الوطني ومعاكساً للسلام الحقيقي المستهدف والقائم على العدل"، علماً بأن هذا المقال ظل محجوباً عن النشر داخل تنظيم "الانتصار" الشيوعي منذ كتابته باسمي الحركي "سيف" وتسليمي إياه للنشر رداً على بيان سياسي أصدره التنظيم عام 1985 عقب انتقالي لعضويته تحت عنوان "لا سلام عادل بدون إقامة الدولة الفلسطينية"، وهو البيان الذي أكد فيه تنظيم "الانتصار" عظيم احترامه لحق إسرائيل في الوجود المستقل والحياة الآمنة داخل حدود معترف بها بموجب ضمانات دولية وعظيم تقديره للدور النضالي الثوري الذي يقوم به الحزب الشيوعي الإسرائيلي ضد الصهيونية الإسرائيلية والرجعية العربية معاً، كما أغضبتهم أيضا بنفس القدر مكافحتي الميدانية للأنشطة الصهيونية في مصر لاسيما عند قيامي بدوري كمقرر لجنة مقاومة التطبيع مع إسرائيل التي كانت بعض القوى السياسية الشيوعية والليبرالية والقومية والإسلامية قد شكلتها عام 1979 تحت رئاسة "أبوالفضل الجيزاوي" العضو المنشق عن تنظيم "الضباط الأحرار"، بما اقتضاه دوري من قيادة عمليات مكافحة الوجود الصهيوني والتي شملت فيما شملته عملية إغلاق الجناح الإسرائيلي المشارك بمعرض الكتاب المتاخم لميدان "التحرير" عام 1981، ثم زاد غضب الشيوعيين المصريين من اليهود "غير الصهاينة" وأنصارهم الصهاينة "غير اليهود" حيالي مع فشل محاولاتهم المتتالية والمتنوعة لاحتوائي أو تشتيتي بما يحوزونه من إغراءات أسطورية على أصعدة المال والسلطة والشهرة والجنس والأسفار الخارجية وخلافه، فكشفوا منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين عن وجههم الحقيقي القبيح كعصابة شوارع إجرامية وأطلقوا أسلحتهم المسمومة القذرة ضد كل ما يخصني جسدياً ونفسياً وشخصياً وعائلياً واجتماعياً ومهنياً ومالياً ليصيبونني بجراح ذوي القربى غزيرة النزف التي لا تندمل، لاسيما في ظل شماتة الأجهزة الأمنية السيادية وجماعات الإسلام السياسي معاً تجاهي على نحو يشبه الشعر القائل باللهجة العامية المصرية : "في وشنا بنادق العدو... وفي ضهرنا خناجر الصحاب... دوكهم يضربوا ويبعدوا... ودوللم مرمغونا في التراب"!!.
طارق المهدوي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- واقعة رشوة كروية
- يحدث في مصر الآن
- مجرد خواطر عابرة
- النوم في أحضان داعشية
- حملة لمكافحة الغباء الجماعي
- هؤلاء قتلوا حفيدك يا مبارك
- أفلام من ملفات المخابرات
- اتحدوا يا ضعفاء مصر
- نصيحة رفاقية لأصحاب الميثاق
- العنف والحرمان الجنسي
- مذكرة دفاع المدعي بالحق المدني
- حول التقرير السياسي للحزب الشيوعي المصري
- تعقيب مباشر على فيلم العساكر
- حتى لا يختلط الحابل بالنابل
- السلوك الجمعي المصري المعاصر في ظل غياب الوعي
- عقائديون ولكنهم فاشيون
- أب مظلوم وأب ظالم متجاوران في بلد المظالم
- (4) رسالة أرسلتُها قبل ربع قرن عن واقعة فهمها الجميع
- كاذبون وسفهاء
- عملية العشاء بالخارج


المزيد.....




- النيجر: مقتل 12 جنديا بهجوم قرب الحدود مع مالي
- دمشق وطهران توقعان على اتفاق لتوسيع التعاون بين جيشيهما 
- عالم حائز جائزة نوبل: الثقوب البيضاء نظرية خيالية
- صحيفة: ضابط مصري سابق في قوات الصاعقة متورط في هجوم الواحات ...
- حماس: زيارتنا لطهران رفض واضح لشرط إسرائيل
- الخارجية الروسية: مستعدون للوساطة بين الولايات المتحدة وكوري ...
- لا تقدم يذكر في -حوار تونس- بين الفرقاء الليبيين
- مصر.. الإفراج عن إبراهيم حلاوة
- موقف شجاع لشابة مصرية في مواجهة نازي أمريكي
- بالأرقام.. طريق الواحات بمصر -ثغرة- تحصد الأرواح


المزيد.....

- الطريق الروسى الى الاشتراكية / يوجين فارغا
- الشيوعيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ... / مازن كم الماز
- نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي / د.عمار مجيد كاظم
- في نقد الحاجة الى ماركس / دكتور سالم حميش
- الحزب الشيوعي الفرنسي و قضية الجزائر / الياس مرقص
- سارتر و الماركسية / جورج طرابيشي
- الماركسية السوفياتية و القضايا العربية / الياس مرقص
- النزاع السوفياتي الصيني. دراسة ايديولوجية نقدية / جورج طرابيشي
- من نقد الدولة السوفيتية الى نقد الدولة الوطنية / سمير امين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - طارق المهدوي - الشيوعيون في مصر المعاصرة