أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - المودودي الدود ادم - القبيلة و السلطة في السودان و اشكال التحديث (2)















المزيد.....

القبيلة و السلطة في السودان و اشكال التحديث (2)


المودودي الدود ادم

الحوار المتمدن-العدد: 5423 - 2017 / 2 / 5 - 22:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لقد رأينا في مقال سابق كيف أحدثت الحركة الصوفية في السودان نقطة العبور من التركيب الاجتماعي و السياسي القائم على القبيلة و العرق إلى التركيب المتجاوز لتلك العلاقات التقليدية. إلا أن هناك سؤال مهم هو كيف أسست الصوفية رابطة اجتماعية متجاوزة للقبيلة ؟ و لماذا فشلت الحركة الصوفية في صنع وحدة حضارية قومية حديثة في السودان ؟
ربما يرجع ذلك لمنطقة اشتغال التصوف داخل البنية الاجتماعية السودانية و طبيعتها و كذلك منطق الحركة الصوفية الذي يعتمد على الفرد و مقدرته على الانعزال دون الاهتمام بإصلاح المجتمع و مؤسساته أن فردآنية التصوف السوداني لم تكن تشابه الفردانية التى أنتجتها الحركة البروتستانتية فالأخيرة كانت حركة أصولية و للمفارقة الحركة الاصولية (الوهابية و الإسلامية ) قامت بقمع حرية الفرد. قبل ذلك فالإسلام و التصوف وجد بنية اجتماعية في السودان لها قوتها و سلطتها و نفوذها و مؤسساتها الراسخة منذ القدم. فكان يحب على الخطاب الاسلامي الجديد أن يحدث اختراق في النسق الموجود.و بالفعل أحدث اختراق عبر تفكيك لتلك البينة الاجتماعية و صاحب ذلك تغير في عديد من المفاهيم. أهم خطوات التغيير ذلك كانت عبر عملية فصل و توزيع للسلطتين داخل البنية الاجتماعية التى كان وجودها مع بعض ضروري لحفظ تماسك المجتمع و ضمان تقدمه. و نقصد بالسلطتين هي السلطة السياسية و الدينية او الروحانية فلقد اجتمعت هذه السلطتين طول تاريخ السودان حتى دخول الإسلام إلى السودان و يرجع ذلك إلى ثقافة الإنسان السوداني الأفريقية التى تجمع السلطة السياسية و الروحية في شخص إو مجموعة واحدة و نقصد بذلك لم تنشأ السلطة الروحية كمؤسسة مستقلة تستمد قوتها من الخارج، خارج النسق الثقافي السوداني. بل كانت وليدة الثقافة و العادات العامة التى يتشارك فيها جميع أفراد المجموعة. و لكن هذه الوحدة انهارت مع دخول العرب إلى السودان و توسع نفوذهم و انتشار ثقافتهم بين سكان السودان عبر الاستيعاب. لأن الثقافة العربية تتميز بفصلها بين الزعامة أو السلطة الدينية و السياسية فزعيم القبيلة يختار عبر امتيازات أخرى يمكن أن نسميها إمتيازات دنوية مثل المال و الشجاعة و الكرم و القوى و النسب. و بالرغم من هذه الصفات شرطاً لتنصيب زعيم القبيلة في الثقافات الأفريقية و الثقافات الأخرى. إلا أن القوى الروحية هي الشرط الحاسم للتنصيب عند معظم الشعوب الافريقية. إذن أحدثت الثقافة الجديدة ونقصد بها العربية نقطة تحول في شكل السلطات و ظهر نوعاً جديد من الزعامات تم تجريدها من السلطة الروحية و أوكلت للشيخ أو الفقيه. و كان هذا الفصل تأثيراً بالغا على السودانيين لقد فقد المجتمع القوي المنوط بها صنع مسار و ترشيد سلوك السلطة السياسية و بالخصوص دورها كوسيط بين أفراد المجموعة الواحدة مع بعض و السلطة كمؤسسة. إذأ انها أسست لنفسها حضارة و وضعت قوانين حافظت على وحدة و سلامة المجموعات و يظهر آثار هذا الانفصال في الوضع العام السوداني في القرن الخامس عشر فكان في حالة من الحرب و التنافس مستمر داخل المجموعة الواحدة التى تجمعها الثقافة و الدين و نقصد بذلك الحروب داخل المملكة السنارية و حلفائها من القبائل.لقد أصبحت الحرب ثقافة تلك المجتمعات و انتشرت في كل الممإليك الإسلامية في السودان و يذكرنا ذلك بقول الشاعر : و أحيانًا على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا. هكذا انتشر الفساد و النهب و البطش و الاسترقاق. بالرغم من أن الإسلام وضع حدود و منع تلك الممارسات في نصوصا قرآنية و احاديث محمدية. إلا أننا نرجع ذلك إلى نوع الإسلام الذي انتشر في السودان فهو لم يكن الاسلام المؤسسي او الأصولي و هذا هو حال معظم الأراضي الإسلامية في القرن الرابع عشر و الخامس عشر. كذلك الفاتحين للسودان لم يكونوا رجال دين بل كانوا تجار و هاربين و رعاة يحملون أطماعهم السياسية و الاقتصادية. إذن ماكان للإسلام أن يخلص الضعفاء من القمع و البطش في السودان و لم ينتج قيم او اخلاق أو ثقافة او مؤسسة تحفز عجلة التقدم للإمام. فكان يجب في وسط هذا الانحطاط و الظلم بأن تظهر سلطة تخلص السودانيين من هذا الشر حينها حدثت عملية إنتاج لسلطة قديمة كانت موجودة بين شعوب السودان و هي السلطة الروحية. هذه المرة عبر التداخل بين الدين الإسلامي و الثقافة السودانية الأفريقية فنتج من ذلك التصوف في السودان و لقد نجحت الحركة الصوفية إلى حد كبير في إذابة الفوارق الاجتماعية بشكل تبدو عنده دار شيخ الطريقة أو الضريح على هيئة مجلس كبير لأسرة واحدة كما كان صوت المشايخ مسموعا مقبولا أو مهابا من طرف السلطات السياسية و القبيلة استنادا على نفوذهم الروحى و سطوتهم المعنوية لما عرف عنهم و اشتهر بين الناس من إتيان الكرامات و المعجزات و قامت الحركات الصوفية بدور الوسيط بين الشعب و رجال السلطة السياسية و بين المماليك لوقف الحروب و الصلح بينهم.و أصبحت مكان يجتمع فيه الفقراء و إلمظلوم و الظالم و المريض و ابن السبيل. إذن مع التصوف في السودان ظهرت السلطة الروحية من جديد و لكن بشكل حديث لقد فصلت منها السلطة السياسية و لم تصبح كما كانت قبل دخول العرب و الإسلام إلى السودان. اذن التصوف كرابط يجتمع حوله مجموعة من السودانيين كان متجاوز لأشكال العلاقات و الروابط الإنسانية القديمة إلا أنه لم يتجاوز دور القبيلة و لم يسد الفجوة بين السلطة السياسة و الثقافة الجديدة فظلت القبيلة هي القبيلة تلعب دورها المعهود في السودان. و بالإمكان أن نقول ان القبيلة ازداد نفوذها و سلطتها و أهميتها بعد انفصالها من السلطة الروحية و أصبحت الأخيرة سلطة و مؤسسة مستقلة بذاتها إلى أن ابتلعت القبيلة الحركات الصوفية في ما بعد. و رجع ذلك الى طبيعة الحركات الصوفية في السودان التى تميل إلى الزهد و الانقطاع للعبادة دون الاشتغال بأمور الدنيا و خلو التصوف السوداني من أي جانب فكري و سياسي. نجد ذلك في رفض زعماء التصوف لمشروع سياسي نادى به المهدي لذلك ظل الحال على ذلك حتى دخول المستعمر التركي إلى السودان في القرن التاسع عشر و صاحب ذلك انهيار الممإليك الاسلامية في السودان بسبب الحروب و عدم التطور.فانفردت القبيلة بالسلطة السياسية و بعض من السلطات الروحية و أنكمش دور الحركات الصوفية في السودان.

إذن مع دخول الإسلام إلى السودان ظهرت سلطة دينية جديدة و تم تفكيك الثقافة السودانية مع الإبقاء على السلطة السياسية للقبائل و في ظل مجال عام تنافسي بين القبائل يخلو من مؤسسة اخلاقية تستمد من الثقافة السودانية. اصبح الحرب و التدمير هو المصير الأخير للسودانيين و عندما نتساءل اليوم لماذا لم تتوقف الحرب في السودان و لماذا تظل الأنظمة الديكتاتورية و العلاقات ما قبل مدنية هي المسيطرة فإن ذلك يجرع إلى شعار المجال العام المتوارث منذ القديم الحرب هي السياسة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,858,983
- تفكيك القوي التقليدية شعار المرحلة القادمة
- القبيلة و السلطة في السودان و اشكال التحديث
- صراع مفهوم الدولة التقليدي و الحديث في المجال العام
- ظهور المجال العام الحديث في السودان
- ما الثورة
- طبيعة ديكتاتورية الإنقاذ


المزيد.....




- واشنطن بوست: الانتقام الوحشي من النشطاء في مصر يمكن أن يغذي ...
- بعد استهداف معبد يهودي.. إجراءات بألمانيا لمواجهة -إرهاب أقص ...
- لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري تضع 10 إجراءات لتج ...
- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...
- بسبب المخاوف الأمنية.. نيوزيلندا تسيّر دوريات مسلحة تجريبية ...
- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - المودودي الدود ادم - القبيلة و السلطة في السودان و اشكال التحديث (2)