أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سيد القمني - قصة الخلق بين ثقافة الصحراء















المزيد.....



قصة الخلق بين ثقافة الصحراء


سيد القمني
الحوار المتمدن-العدد: 5319 - 2016 / 10 / 20 - 00:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



;العلم للجميع
البداية قبل النقد
تأسيس العقل
الدرس الأول وتم تدريسه منذ خمسة وعشرين عاما فأنجز مفكرين وأنتج كتاباً
قصــة الخلق بين ثقافة الصحراء
وثقافـــة النهـــر(*)
تأســيس
معلوم، أنه بعد انحسار عصر الجليد الأخير، تقاسمت الأرض حالتان طبيعتان،
الأولى: يمكن تمييزها فى تجمع شرايين المياه فى أنهار، بعد استقرار أوضاع القشرة الأرضية.
والثانية: وضحت فى تصحر مطرد أدى إلى خفوت نبض الحياة تدريجياً، بحيث تناثرت الحياة حول عيون الماء والبرك المتباعدة، ومع ذلك التصحر المتزايد، وجدت الجماعة المشاعية الأولى ـ ذات النظام الأمومى ـ نفسها، إزاء متغير طبيعى شحيح بمطالب الحياة والمنافع، ونرى أن ذلك قد أدى بالضرورة إلى تفكيك بنيه ذلك المشاع، تبعا للتفكيك الذى حدث فى الطبيعية. بحيث انتهى إلى وحدات اجتماعية أصغر، وأكثر قدرة على الاستمرار والديمومة، حيث كان التجمع الكبير يعنى الهلاك جوعا، والصراع على خيرات الطبيعة الضئيلة، وهو الصراع الذى ـ لا شك ـ حدث، وأدى إلى ذلك التفكيك، ثم الانتشار المتباعد للأشكال القبلية الأولى.
وعليه، فقد وجد الإنسان نفسه فى البيئة المتصحرة، أمام أحد خيارين: إما الموت جوعا، أو تدجين الحيوان، ومن هنا حتم الظرف على البدوى الاعتماد على الحيوان ومنتجاته فى معاشه، اعتماداً شبه كامل، فكان يأكل لحمه ويتغذى بلبنه، ويلبس من نسيج صوفه، ومن ذات النسيج كان يبنى بيوته أوخيامه.
ولندرة خيرات الطبيعة الأخرى، فقد أدى ذلك المتغير إلى تغير مماثل فى تطور البناء المجتمعى، فقد أصبحت الجماعة ترتبط برابطة الدم، وبنفس القوة ترتبط بحيواناتها وهى معتمد حياتها. وربما كان ذلك هو جذر الطوطمية، الذى عبر عن قرابة مماثلة ـ وبالدم أيضا ـ بين الحيوان والجماعة، كما كانت الجماعة بحاجة ماسة إلى تنظيم يضمن للجماعة بشراً وحيوانات الأمان من النفوق أو الشرود أو التيه. ومع سعى هذه الجماعة المتجانسة وراء الكلأ، وما يحتاجه من قدرات عضلية لا تتوفر إلا للذكور، انهار وضع المرأة! وتحولت الجماعة إلى الشكل الذكورى، خصوصاً بعد أن امتلك الذكور أساسا إنتاجيا متينا تمثل فى القدرة على السيطرة على الحيوان وترويضه، فى وسط صحراوى يعتمد القوة الغشوم، وساعد على تثبيت مركز الذكور. ذلك الصراع الذى ـ لابد قد ـ شب حول مواضع الكلأ بين الجماعات وبعضها، واحتاج قدرات قتالية، وهو صراع طبيعى تماما فى ضوء اعتماد تلك الجماعات على المعطى الطبيعى الشحيح وحده. بينما فقدت المرأة قيمتها الاجتماعية فى مجتمع الندرة، بحيث اقتصرت وظيفتها على إنجاب مزيد من الذكور. أما الإناث فكانت أفواها تضيف على الجماعة عبئا، حدثنا التاريخ القريب عن حل إشكاليتها بوأدها. وحتى تضمن الجماعة المتبدية تماسكها، ذاب الفرد فى القبيلة وذابت القبيلة كلها فى الفرد، وأصبح الفرد يمثل القبيلة بكاملها فى كل تصرفاته، وبحيث أصبحت القبيلة كلها مسئولة عن أعماله، كما أصبحت مطالبة جميعها بالالتزام بتصرفه، والثأر له إن أصابه مكروه. وذاب الكل فى واحد، هو طوطم القبيلة وسيدها وسلفها، الذى أصبح محل التبجيل والتقديس، وتحول إلى رمز عزة قومية وجنسية ودينية، وكان كل فرد فى القبيلة يمثل هذا السلف، أو هو دون مبالغة ذلك الطوطم الموحِـد والموحَـد.
وفى شكل من الديمقراطية البدائية، التى تضمن بدورها مشاركة الكل وذوبان الكل، كان مجلس القبيلة هو الذى يحدد شيخها وقائدها، بصفات محددة، وترتبط بظروف آنية. فقد يحتاج الظرف للحكمة مرة، وللجسارة والإقدام حينا آخر، بمعنى أن الظرف كان هو الذى يحدد مؤهلات الزعيم المطلوب، وحسب الحاجة، كما يحدد أيضا ظروف عزله وتعيين البديل الجديد المناسب. لكن من جانب آخر، تدنت مستويات الإنتاج إلى حد كاد يكون اعتماداً شبه كامل على الطبيعة. ولأن علاقة الإنسان بالطبيعة هى علاقة عمل يؤدى إلى إنتاج اجتماعى، فإن الجماعة البدوية ظلت بعيدة عن هذا المعنى الاصطلاحى، وظلت كائنا طبيعيا فى حصولها على الخيرات بالسعى الدائب وراء الكلأ ،والغزو وسلب خيرات الجماعات الأخرى، أو ما تمثل واضحا فى تطفلها المستديم على منتوج العمل فى المناطق الخصبة، والاستيلاء عليه والفرار فى غزوات لم تنقطع، سجلتها لنا نصوص الحضارات القديمة، التى استقرت على الجانب الآخر من الفرز الطبيعى، أقصد فى وديان الأنهار، التى طورت قاعدة إنتاجية، تبعتها نقلات ضرورية على المستوى الاجتماعى.
وعلى مستوى العقائد، فإن الطبيعة المتصحرة الضنينة بأشكال الحياة وألوانها ـ تلك الأشكال والألوان التى تتعدد تعدداً هائلا فى مناطق الخصب النهرى ـ جعلت الإنسان فى بداوته أحادى النظرة، واحدى الاعتقاد والنظام. فهو كما قلنا واحد فى كل، يتمازج بذات الوحدة مع سلفة الواحد، الذى عادة ما تمثله فى أهم حيواناته النافعة، لذلك غالبا ما قدس أنواع الشياة، بالذات، لذلك كان ذلك السلف المقدس هو ربه الواحد الأوحد، وهو أفضل من أرباب القبائل الأخرى، وهو الوطن ـ حيث لا وطن مع الانتقال الرعوى ـ والملاذ ومصدر العزة وموحد الكيان. ولا يوجد رب يمكن أن يدين بالطاعة له سواه، لأنه إنما يمثل مصالح جماعته ووطنها الذى ينتقل معها أينما حلت أو ارتحلت (وهو البعد الذى نجده بعد ذلك فى العقائد الإسرائيلية المبكرة، التى كانت لا تنكر الأرباب الأخرى، لكن لا تراها فى مرتبة رب إسرائيل). ومن هذا لم يسمح الظرف بنشوء أنظمة مركزية توحد القبائل المتصارعة، فظلت فى شتاتها، مع استمرار الإله الوطنى والاعتزاز بالنسب إليه بحسبانه السلف الواحد اللامتعدد، ولا يمكن أن يتعدد، لذلك كان هو المعبود الواحد الذى يضمن لقبيلته تماسكها اللزج وانصهارها وأمنها. لكنه من جانب آخر شكل أدلوجه واحدة للجميع، لم تسمح ـ لأزمان طويلة بعد ذلك ـ بظهور ثنائية طبقية تسمح بمزيد من التطور ودعم ذلك الوضع،الظرف ذاته الذى فرض استمرار الديمقراطية الابتدائية ومجلس القبيلة، والزعيم الظرفى الذى لم تثبت سيادته مدة زمنية تسمح بامتلاكه قدراً من الممتلكات يمكن أن تؤدى إلى ظهور تشكيلة طبقية.
هذا بينما على الجانب الآخر، وفى مناطق الخصب النهرية، كان استقرار الأنهار فى مجاريها بشكل نهائى، قد استغرق زمنا غير قصير، وسمح بوجود بيئة شبيهة بحال ما قل انحسار الجليد الأخير. من حيث انتشار الأحراش والمستنقعات مما فرض بالتالى استمرار الوضع الابتدائى للمشاع زمنا أطول، ضمن استمراراً موازيا لوضع المرأة المتميز فى النظام الأمومى، بسبب امتلاكها أساسا اقتصاديا دعم ذلك الوضع (سنأتى على شرحه الآن). واستمر ذلك النظام فترة زمنية توازت مع المرحلة التى تغيرت فيها نظم المجتمع، الذى تحول للبداوة فى مناطق التصحر، وانتهت بالسيادة الذكرية، بينما كانت مناطق الخصب لم تستمتع بعد باستقرار الطبيعة النهرية تماما. ولتوضيح ذلك سنحتاج إلى وقفات تفصيلية ـ حسب المساحة المتاحة ـ لابد منها، وهى وقفات تنتج لزوما عن رؤيتنا، والتى تمثلت فى اقتراح يحل أو يحاول حل ـ مسألة أيهما كان أولاً: النظام الأمومى أم النظام الأبوى؟ فبينما كان (داروين) قد افترض ـ بالمقارنة مع عالم الحيوان ـ أن السيادة المطلقة كانت ذكرية لا شك فيها منذ البداية، أكمل(آتكسون) فقال: إنه حدث أن ثار الأبناء على الأب المتسلط القاسى المتوحش وقتلوه وافترسوه سوية، واستكمل (روبرتسون سميث) البحث ليؤكد أنه قد مرت بعد ذلك فترة انتقالية ظهر فيها النظام الأمومى ، وانتهى (فرويد) بعد البناء على ما سبق، إلى أن الأوضاع قد عادت إلى سابق عهدها وساد الذكر. بينما كان يقف على الجانب الآخر اقتراح يحمل أدلة ربما كانت أقوى ـ كما عند (إنجلس) مثلا ـ يؤكد أن البداية كانت نظاما أموميا لا شك فيه.
وكان اقتراحى هو رفض السؤال: أيهما كان أولا؟ من أساسه، بحسبانه الخطأ الذى أدى إلى تضارب الاجتهادات، وزعمت أنه لم يكن هناك قبل ولا بعد، ولا سابق ولا لاحق، حيث قد انتهى الظرف البيئى إلى تميز مجتمعين عن بعضهما رغم تزامنهما، هما مجتمع البداوة ومجتمع النهر، أى أن الاختلاف كان مكانيا وليس زمانيا، وهو الزعم الذى أضحى بحاجة إلى تأييد، وهو تأييد كما قلنا بحاجة إلى بعض التفصيل الوجيز.
ســـــيادة الأنثــى
لنقر مبدئيا أنه من غير المنطقى أن يوجد مجتمع كل آلهته إناث، ويسوده بشر ذكور، أو العكس. ولنقرأ بعد ذلك الترتيلة السومرية التى تقول: »عندما تزوجت الإلهات الأم وعندما توزعت الإلهات الأم بين السماء والأرض.. وعندما ولدت الإلهات الأم .. عند ذلك كتب العمل..الإلهات العظام يراقبن العمل، والأبناء يحملون السلال « (انظر مثلا: فوزى رشيد، خلق الإنسان فى الملاحم السومرية والبابلية، آفاق عربية، أيار 1981) ـ ولنلحظ أن البيئة السومرية فى جنوب وادى الرافدين، لم تكن قد تحددت فيها معالم نهرى دجلة والفرات تحديداً واضحا، ولم تزل، وحتى الآن تختلطان فى الدلتا وتنتشر بينهما الأهوار والأحراش والمستنقعات شبه الغابية.
حقيقة أنى أرى فى تلك الترتيلة حفرية رائعة، نقش فيها ما حدث فى حقب الحياة القديمة. فالإلهات هنا هن الإلهات الأم، اللاتى توزعن بعد ذلك بين الأرض والسماء، ومن الجدير بالذكر أن أول تمثل للأم الأولى الكبرى كان فى تربة الأرض الخصبة، ومع نقلات تطورية استغرقت زمنا، تم تمثلها ـ إلى جوار الأرض ـ فى كوكب الزهرة المتلألئ ذى الحسن والدلال، وهو ما تشير إليه الترتيلة بوضوح. ولك أن تلاحظ أن قدسية الإلهات الأم قد ارتبطت بـ»عندما ولدت« ولنتذكر أهمية (ولدت) فسنعود إليها، بينما أصبحت مهمة الأبناء ، وهم جمع الذكور، العمل لتتفرغ الأم الإلهة لإدارة شئون العشيرة. ومن ثم لم يكن غريبا أن ينادى السومرون تلك الإلهة بالنداء : ماما Mama ومامى Mami وأماه AMA( انظر حول تلك التسميات جان بوتيرو: الديانة عند البابليين 1970. ص.11).
وتلخص لنا الأنثروبولوجية جيكيتا هوكس JQUETTA HAWKES الاتجاهات البحثية بصدد تألية الأم الأنثى الأولى، فتقول: إن أقدم تماثيل شكلها الإنسان للعبادة، تمثل إناثا ضخمت فيهن الأعضاء المثيرة جنسيا، أطلقت عليها هوكس اسم تماثيل إفروديت أو فينوس الولادة، وتبع ذلك عصر اتضحت فيه بعض رسوم تتسم بالذكورة، تلاها عودة كاسحة إلى الإلهات الإناث، وذلك مع اكتشاف الزراعة فى العصر الحجرى الحديث. ويعود تاريخ التماثيل الولادة إلى حوالى خمسة عشرة ألف عام (أى فى العصر الحجرى القديم). ولنا أن نلاحظ هنا أن الجليد قد تراجع قبل ذلك بآلاف عشر أخرى، مما يشير إلى التحولات التى أشرنا لحدوثها فى البيئات المتصحرة على المستويين البيئى والمجتمعى، مع بقاء أوضاع المشاع فى البيئات الخصيبة على حالها، إلى ما يزيد عن عشرة آلاف عام.
وتؤكد هوكس أمراً منطقيا تماما، هو أن النساء هن مكتشفات الزراعة، إبان جمعهن للثمار فى منطقة مستقرة مع أطفالهن، وملاحظتهن ـ بالصدفة المتكررة ـ لنمو الثمار المتساقطة على الأرض مرة تلو الأخرى. فى وقت كان فيه الرجال يخرجون للقنص، وعند عودتهن يكون كل الرجال لكل النساء فينسب الأطفال للأم دون الأب. وقد شكل اكتشافها الزراعة، وإجادتها لهذا العمل رغم بدائيته النسبية، أساسا اقتصاديا ساعد على تثبيت سيادتها (التى حفرتها لنا الترتيلة السومرية)، ثم تلى ذلك نهاية العصر الحجرى الحديث، أى منذ حوالى خمسة آلاف سنة تقريبا، سيادة الذكور النهائية. ولاحظت هوكس أن ذلك اقترن بنشأة المدن المستقرة الكبيرة (للمزيد أرجع إلى: HAWKES, PRE HISTORY NEWYORK AMERICAN LIBEBRY, 1963, P.O.35 ـ 357)، أما نحن فقد أجزنا لأنفسنا ـ وفق ما بيدنا من شواهد ـ أن نلاحظ أن ذلك الزمن تحديداً، (نهاية العصر الحجرى الحديث) كان بداية هبوط الموجات البدوية على المناطق الخصيبة بالهلال الخصيب، والتى استمرت نوعا من الهجوم الدورى على الحدود لسلب المحصول بعد جنيه، وانتهت باستقرار السيادة البدوية فى المناطق الخصيبة فى شكل غزو استيطانى كامل، وهى الموجات التى اصطلح على تسميتها بالهجرات السامية ولعلنا نذكر أن البداوة كانت السلطة المطلقة فيها الذكور.
تدعيــم رؤيتــنا
تقول ميد MEAD مقولة اعتيادية تماما هى: إن النساء بفضل قدرتهن على الإنجاب، ولأن مسالة الولادة كانت فى عينى الإنسان البدائى مثيرة للدهشة والعجب ـ وربما الانبهار المؤدى للتقديس ـ فقد أدى ذلك إلى الاعتقاد أن النساء قابضات على أسرار الحياة (انظر: Male and Female, New York, Morrow, 1949, PP. 102,103).
ونضيف إلى ميد: أن الولادة فى مجتمع أمومى، يأتى فيه أى ذكر أى أنثى كانت لا تعطى للذكر فرصة لملاحظة أثره ودوره فى عملية الإنجاب، إضافة إلى الفترة الطويلة الفاصلة بين الحمل و الولادة، والتى كان يمكن أن تخفـى عن عين البدائى غير المدققة، للعلاقة بين الأمرين. كما أن معيشة الأولاد والبنات سوية حينذاك دون عائق قبل المراهقة، ومعرفتهم الجماع الذى لا تنتج عنه ولادة، أدى بدوره لعدم الربط بين الجماع والولادة، وعدم إعطاء الذكور دورا فى عميلة الميلاد. بل أن هناك من يعتقدون اليوم ـ فى بعض المجتمعات المتخلفة ـ أنه يمكن للمرأة أن تحمل دون رجل يأتيها، بل وتدخل تلك الفكرة ضمن معتقدات كبرى. لذلك كان طبيعيا أن يتصور الإنسان فى المبتدأ أن الأنثى وحدها هى الكائن المسئول عن منح الحياة، والقادر الوحيد على ذلك، بحيث أصبح إعطاء الوجود حياة جديدة اختصاصا أنثويا بحتا، وقد دعم تلك الرؤية اكتشاف الأنثى للزراعة، حيث كانت الزراعة إنجابا لحياة وامتلاكا لأسرارها، لذلك لم يكن غريباً أن تكون أول التماثيل المعبودة لإلهات إناث ولادات.
وإعمالا لذلك نرى أنه قد اتبع اكتشاف الزراعة، استقرار دائم انتظاراً لنضج المحصول (وهو يشابه انتظار نضج الجنين)، وتبعه بالضرورة دعم لوضع المرأة السيادى. لكن ذلك الأساس الإنتاجى ذاته استبطن فى داخله الانهيار المقبل لوضع المرأة، والمتغير الآتى الذى فرضه التوسع فى قطع الغابات مع التحقيل وإحلال الزرع محلها، وما يحتاجه مثل ذلك العمل الجبار من قوى عضلية، وما يحتاجه من حيوانات قوية مدجنة لجر الأشجار المقطوعة، وللعمل فى حراثة الحقل وحمل المحصول. وهو ما اقترن بالضرورة بسيادة تدريجية للذكور أدت إلى تبادل المواقع السيادية، وقد حدث ذلك فى الوقت الذى سـجل لنا فيه التاريخ أن الجموع المتبدية ذات النظام الذكرى، قد هبطت بقطعان مواشيها القوية إلى أراضى الخصب فيما يعرف بالهجرات السامية.
والملحوظة الجديرة بالاهتمام هنا، أنه بعد هبوط الهجرات السامية على الهلال الخصيب(وهو نموذجنا هنا)، وما تلا ذلك من قيام الدول المركزية (وهو ما سنأتى على شرحه)، نجد استمرار تواجد الإلهات الإناث فى حضارات الشرق الأدنى القديم، إلى جوار آلهة الدولة الحاكمة الذكور. ثم أن التماثيل التى تركتها لنا فنون تلك الحضارات تصور لنا الإلهة الأنثى تحمل بيدها حزمة من الحنطة، أو يتم تصويرها وعلى ثوبها سنابل الحنطة، هذا بالتبادل مع النخلة فى رسوم أخرى وإن كانت أقل انتشارا. وهو ما يشير بوضوح إلى ارتباط الأنثى بالزرع، وبالحنطة تحديداً (أول الزراعات المدجنة)، ولو أخذنا بالحسبان أنه بمرور الوقت، ومع النظام الاجتماعى الذكرى، ومع الاستقرار، بدأ الذكر يلاحظ دوره فى عملية الإنجاب. كما لاحظ التشابه الواضح بين حبة الحنطة المفلوقة وبين فرج الأنثى المفلوق، وأن كلا الفرجين ينفلق عن ميلاد وحياة جديدة بعد رى الحبة بالماء ورى الفرج بمنى الذكر. فربط بين المنى والماء واعتبر المنى ماء الحياة المذكر (أوزيريس النيل فى مصر، بعل المطر فى الشام، أبسو وأنكى إلهى الماء فى الرافدين..الخ) كما ربط بين الحنطة والمرأة، ناهيك عن رصيدها فى اكتشاف تدجين الحنطة تحدياً، والتى تحمل التشابه مع الفرج الأنثوى. هذا مع ما حمله التشابه بين فرج الأنثى ونواة التمر الذى انتهى بتقديس التمر بدوره، وبحيث حملت النخلة قدسية المرأة وأصبحت رمزاً دالا عليها فى العبادات وفى الحوارات الجنسية، واحتسب التمر دواء شافيا يحمل كثيرا من البركات حتى اليوم، خصوصاً إذ خلط باللبن (وهو رمز المنى الذكرى؟!) ولا ننسى أن مريم أتاها المخاض عند جذع النخلة والتفاعل معا بهزها ليتساقط عليها التمر أو (الثمر).
أما الكلمة (تمر) فالواضح لدينا أنها الأصل والجذر فى الكلمة الدالة على الزرع على وجه التعميم، أقصد كلمة (ثمر). وتأسيسا على تلك التجربة والملاحظات، بنى الإنسان تصوراته عن التكوين والوجود، فربط التكوين بدم الحيض الشهرى، بعد أن لاحظ غياب الدم مع بدء الحمل المؤدى فى النهاية إلى ظهور الحياة فى المولود، فربط الدم بالحياة وتصور أن ذلك الدم المنحبس داخل الرحم هو الذى يكّـون الوليد المقبل. وقد ربط ذلك بملاحظة أخـرى هى الموت المحتوم الذى يصيب الإنسان المجروح عندما ينزف دمه، ذلك الـدم الذى أصبح على وجه العموم سر التكوين وسر الحياة، وبقى فى الذكرى، حتى فى مجتمع السادة الذكور، بحسبانه منحة الأنثى الإلهة الأولى.
هنا وقد لاحظ بعض الباحثين (مثل فرويد) ارتباط الأنثى بالقمـر، والذى كان عادة ينقش إلى جوارها فى حالة الهلال، فاحتسبوا أن الإنسان القديم رمز للأنثى بالقمر، وأن القمر هو الإله المؤنث. لكنا ذهبنا إلى اتجاه معاكس تماما، فقد افترضنا أن هذا الاقتران بين الأنثى والقمر إنما نتج عن تناغم إيقاعات الدورة الشهرية للمرأة مع التبدلات التى تطرأ على وجه القمر خلال الشهر القمرى، الذى ينضبط إلى حد مدهش مع الإحدى وعشرين يوما للدورة الحيضية، وأن غيابه يتوافق مع نزول دم الحيض. وبربط تلك الظاهرة بظاهرة نزول دم البكارة عند أول جماع للفتاة البكر، انتهى بتصور أن القمر هو الزوج الحقيقى أو الغائب للمرأة، بخاصة مع حدوث حالات حمل مع غياب الذكر فترة طويلة للصيد أو فى ظروف طارئة. والقمر قد اقترن من جانب آخر بحيوانات الرعى عموما (الشياة)، لشبه الهلال بقرنى الخروف أو الثور، وهى الحيوانات التى شكلت الأساس الاقتصادى الذى أدى إلى امتلاك الذكور قاعدة إنتاجية دعمت وضعهم السيادى، والذين مالوا عموما منذ البداوة إلى الترميز للهلال بالخروف، الذى عادة ما رمز بدوره للسلف الأب الذى فى السماء.
وتأسيسا على ذلك احتسبت أولى نظريات التكوين أن بداية الخلق جميعا من الأنثى الولاّدة التى تمثلت فى قوة أنثوية تلد كل شئ من الزرع إلى البشر، وأدمجت كقوة خلق كبرى فى جميع الإناث بشرا وحيوانات وأرضا ولوداً، وتمثلت المادة الأولى للتكوين فى دم الأنثى تحديداً.
ومن الطريف أنه بالقرب من موطنى: مدينة (الواسطى) وعلى الطريق إلى (الفيوم)، ظهرت كرامة زراعية رائعة الدلالة تشير إلى بقاء المأثور القديم فى الوجدان الشعبى بقوة. فمنذ زمن غير بعيد (حوالى 7 سنوات من طتابة هذا الموضوع) انتشرت أسطورة تقول أن رجلا أراد قطع شجرة الجميز القابعة على الطريق الرئيسى، ومع أول ضربة بالفأس (وهو رمز ذكرى دائم لأنه يشق رحم الأرض) صرخت الشجرة ونزفت مكان الضربة دم غزير. وفى تلك اللحظة تحديداً، وكانت فى الثلث الأول من الليل وعندما سمع أهل القرية جميعا دوى الصرخة الملتاعة، نزفت كل امرأة كانت فى حالة جماع مع زوجها. ومن ثم اختار الأهلون للشجرة اسما لا جدال فى دلالته، وهو (الشيخة خضرة)؟! ووضعوا بجوارها صندوقا كتب عليه: تبرعوا لبناء مسجد الشيخة خضرة؟! والغريب أنك عندما تقترب من الشجرة ـ التى أخذت المئذنة تتعالى من خلفها ـ لتطالع المادة الصمغية التى جفت قطراتها على الساق المقطوع، ستجد أهل القرية قد علقوا على الفروع أشرطة من نسيج أخضر، وعلقوا على الجذع قرنى خروف؟! أما الهلال السيادى فقد تم الاهتمام بوضعه فوق المئذنة، حتى قبل إتمام بقية المسجد.
الأنثـــى والأرض
ويمكننا أن نرى ارتباط الأنثى الولود بالأرض، متمثلا بروعة أخاذة فى أسطورة سومرية تحمل اسم (أسطورة الشعير والنعجة)، ولتلحظ بداية الشعير (وهو الحنطة رمز الخصوبة الأرضية، وأول ما دجنت المرأة من زروع ، كما أن النعجة هى رمز الأنثى الأشهر)، وتتلخص الأسطورة فى القول: إن البشر الأوائل قد خرجوا من تربة الأرض كما يخرج الزرع والحشيش وكل صنوف الحياة.
ويمكنك أن تجد ذات الفهم فى أسطورة سومرية أخرى تحمل عنوان (هبوط إينانا إلى العالم السفلى)، وقد وضعت ـ فيما يبدو ـ لتفسير ظاهرة التناوب الفصلى بين الخصب والجدب، كما تلخص المفاهيم الأولى عن الوجود والتكوين، وتقول: إن إلهة كوكب الزهرة إينانا، كانت تهبط إلى باطن الأرض دوريا كل عام حيث عالم الموتى، وبتضحية اختيارية تتم وقت الاعتدال الخريفى، حيث يبدأ فصل الجدب على سطح الأرض بغيابها، وهى الأنثى الأم الولادة مانحة الحياة. ثم تعود مع الاعتدال الربيعى إلى سطح الأرض، ومع عودتها تخصب الأرض وتتفتح الأزاهير، لأن عودتها تعنى بدأ عملية الإخصاب والتوالد »فيعود الخروف إلى شاته، والثور إلى أنثاه، والزوج الغاضب إلى بيته« أو كما قالت!! لذلك لم يكن غريبا ـ مع طرحنا ـ أن يتم تعديل تلك الأسطورة السومرية الزراعية، بعد سيطرة الأكاديين على بلاد سومر وقيام دولتهم المركزية، وهم من أصل رعوى بدوى خيموى. ليتحول اسم إينانا إلى عشتار وعشتروت من العشرة والمعاشرة والتعشير، لكنها لا تصبح السيدة المطلقة المسئولة عن الخصب، إنما يظهر هنا سيد جديد كان فى الأساطير السومرية مجرد ذكر خامل الذكر، ضمن مجموعة عشاقها العديدين، (ترميزا لزمن الأنثى فى المشاع). ليرفع ذلك الذكر وتعلو مكانته ويصبح هو المسئول عن الخصب ومنح الحياة واستمرار الحياة، وهو المعروف فى الأساطير السامية الرافدية باسم (تموز راعى الخراف الطيب). ويصبح هو رمز النبات الذى يموت فى فصل الجدب وينزل إلى العالم السفلى، ويعود مع بداية الربيع، دون أى ارتباط بواقع الخصب اللهم إلا ارتباط بمنطق السيادة التى حققها الذكور الأكاديون، منطق نظام اجتماعى يأخذ بالسيادة الأبوية فى نظمه الاجتماعية (وهناك أمثلة عديدة يمكن للقارئ الرجوع إليها فى أعمالنا المنشورة)(1).
ورغم الواضح فى المأثور الحضارى وفى المنطقة عن تراجع سيادة الأنثى، فيبدو أنها ظلت ذات وضع سيادى فى عالم الاعتقاد، ومعلوم أن بقاء المعرفى المتمازج من القديم مع جينات الجديد، يظل فترة أطول من تغير الواقع المادى الأسرع فى التغيير، وقد أبقى ذلك لنا ثروة طيبة، وجدنا فيها طقسا مثيرا كان يمارس فى المناسبات الدينية الاحتفالية بالإلهات الإناث، فى المراكز الحضارية الكبرى فى الشرق. القديم، والطقس عبارة عن احتفالية جنسية عمومية هائلة عدداً وعدة فى أيام محدودة بجوار معبد الإلهة، وكان أشرف الأعمال التى يمكن للأنثى تقديمها هى التضحية بالبكارة فى هيكل الإلهة. ولا أجدنى مخطئا إن احتسبت ذلك الطقس أفضل قربان يمكن تقديمه للإلهة المخصبة الولود الشبقة المنجبة مانحة الحياة، تذكرة بالأيام الخوالى أيام كان الرجال للنساء جميعا، والنساء للرجال جميعا. وإذا كان ذلك ممجوجا حسب قواعدنا الأخلاقية اليوم، فإنه كان حينذاك على العكس تماما، كان واجبا دينيا خطيراً تقدمه النساء للإلهة كى يفشو الخير وتأتى السنوات السمان، بتحريض القوى الأخصائية للأم الكبرى لتبدأ فعلها فى الطبيعة، تأسيسا على مبدأ السحر النشاكلى حيث الشبيه ينتج الشبيه. وليس أدل على شرف ذلك العمل الذى يتم من أجل خير المجتمع كله، من تلك اللوحة التى عثر عليها مؤخرا فى طرالس بليديا، منقوشة على عمود شرف مرمرى يعلن: أن الشريفة أورليا آماليا قد قدمت جسدها قربانا للإلهة، وأنها فى تدينها أصيلة، فقد قدمت أمها وجدتها القربان ذاته، وأنه قد تم للهيئة الكهنوتية التأكد من ذلك؟! (انظر فريرز، أدونيس أوتموز، ترجمة جبرا إبراهيم، ص45).
ولنلحظ استمرار التواجد الأنثوى فى العبادة حتى الآن فى العقيدة المسيحية، حيث تعتبر مريم أم الإله المسيح من أبيه السماوى، وهذه الأم الإلهية تستوجب الاحتفال والتقديس، لذلك اختصت دون بقية الأقانيم الثلاثة بصيام العذراء، الذى يصوم فيه المسيحيون عن كل ما هو حيوانى، ويقتصرون فيه على الأكل النباتى لتذكير واضح لا لبس فيه، بالمجتمع الذى زعمناه فى سالف الأزمان، يعيش فى البيئات الخصيبة، ويستغنى عن اللحم فى الغذاء ويعتمد على الوفرة النباتية، وتسوده أم إلهية مقدسة، ولا ننسى التبادل بين كلمتى (نبات) و (بنات).
أما اللغة فكانت كعادتها تحمل دلالات إحفورية حملت الخبرة القديمة وما تأسس عليها من مفاهيم تقولبت فى ألفاظ تحمل دلالات تلك المفاهيم، فالكلمة قديسة هى فى العبرية قديشا، وكانت فى الأكادية القديمة قاديشتو، وكان اللقب الذى تحوزه العشتارية، أى المصطفاة من جموع النساء الحاشدة ليلة الحفل النزوى خارج معبد عشتار، لتقوم الكاهنة الكبرى بدور الإلهة داخل هيكل الإلهة مع الكاهن الأكبر الذى عادة ما كان الملك يقوم بدوره (انظر كمثال فاضل عبد الواحد، عشتار ومأساة تموز، بغداد، ص158، كذلك بالمرجع السبق ص ـ 7)، أما التى كان أهلها من النبلاء يقدمونها طائعة للهيكل، فكانت تحوز لقب الإلهة الأم ذاتها وهو (البتول) وهو فى الكنعانية والأكادية والعبرية (بتول،بتولتا، بتولا) ويعنى فى العقائد القديمة (إشارة للإلهة) الأنثى غير المتزوجة وغير العفيفة فى آن معا.
الخــلق فى الفهم الذكرى
لأن الخلق بالميلاد فى النظام الأمومى كان يعتمد مادته الأساسية دم الحيض، فإن سيطرة الذكور التامة بعد الغزو البدوى لمناطق الخصب ، وسيادة النظام الذكرى، كان لابد أن تعيد صياغة الأدلوجة بما يتفق والشكل السيادى الجديد، لأن مفهوم التكوين من الدم بات راسخا. فقد لجأت الأسطورة الذكرية إلى صياغة جديدة تتلاءم مع الظرف الجديد، تجاوزت شرط الولادة لأن الذكر لا يلد، وأخذت منحى آخر أعطى الذكر الدور الأساسى ، فالآلهة الذكور عندما قرروا خلق البشر، قاموا بذبح إله يدعى (كنجو) وعجنوا التراب بدمه، ومن هذا العجين تم خلق الإنسان، وهو ما سجلته لنا الملحمة الرافدية (إينوما أيليش) وتعنى (فى العلى عندما).
أما خلق الكون برمته فقد اعتمد خطأ أخر، تم وصم الأنثـى منه بصفة الشر، حيث احتسبت الأم الإلهة العظمى (تيامة) إلهة شريرة أزعجت الآلهة الذكور فقام إله الدولة الذكرية (مردوخ) بمنازلتها وهزيمتها. وهو تعبير واضح عن انتصار النظام الجديد، ثم قام مردوخ بشق تيامة كما تشق الصدفة إلى قسمين، رفع القسم العلوى وجعله سماء، وترك النصف السفلى ليصبح أرضا، وفى تلك التنظيرة نجد اعترافا ضمينا بضرورة الأنثى للتكوين، فمن جسد الإلهة الكبرى تم تشكيل الكون ماء وأرضا.
ولأن الجديد استبطن القديم، ولم يكن ممكنا التخلص نهائيا من دور الأنثى فى البناء المعرفى، القائم على فرز مادى تاريخى عريق، فقد حملـت الأنثى فى ظل السيادة الذكرية قيمة ثنائية، فهى فى لغة البداوة السامية (فى العبرية مثلا) حواء، لكن الكلمة حفرت فى تركيبتها ومفهوما جذر الحياة، وفى الوقت نفسه حملت الوجه الآخر الجديد فارتبطت حواء بالحية مصدر الأذى والشر. ولنلحظ الارتباط الجذرى بين: حواء، حياة، حية، حيا أى (فرج)، والمرجح فى ربطها بالحية ملاحظة البشر للحية تنسلخ من جلودها كل عام، فتصوروا أن الحية خالدة تجدد حياتها بهذا الأسلوب كل عام، فربطوها بالأنثى حواء مصدر الحياة المتجددة. ومع ذلك فإن الحية فى المأثور التوراتى الأشهر، وهو قمة وتطور وخلاصة المأثور البدوى الذكرى، ترتبط بالمرأة لكن فى صيغة تبخيسية فهى توعز لحواء بأكل الثمرة المحرمة فى عالم الخلد، فيفقد الرجل الخلود بسببها، وتتحول المرأة عن منح الحياة إلى سلب الحياة وفقدان الخلود، وعليها يجب أن يقع هذا الوزر إلى الأبد.
أما على مستوى القاعدة الاجتماعية، والشكل السياسى، وارتباطهما بالمنظومة المعرفية، فى ظل السيطرة الذكرية، فقد ارتبط جميعه بخطـوات تطورية سريعة تلاحقت بعد الغزو البدوى السامى للرافدين، فإن المشتركات الأولى ظلت تتمتع ببقايا الديمقراطية البدائية البدوية، وبمجلس القبيلة الذى أصبح مجلس المشترك الذى يختار الزعيم. لكن مع الاستقرار فى البيئة النهرية، والتحول إلى الفلاحة، وما يفرضه النهر من تلاحم القوى البشرية للسيطرة على مجارى المياه الهائلة وتوزيعها، فإن ذلك فرض نوعا من الطوارئ المستمرة، التى أدت إلى استمرار مماثل فى سلطة الزعيم. بحيث انتهى الأمر مع بقائه ببقاء الطوارئ إلى تسليمه كل ألوية وشارات القبائل المتبدية، ليتحول الشكل السياسى إلى المركزية الصارمة وإلى توارث الزعامة فى بيت الزعيم الملك، بعد دمج المشتركات الإقليمية فى الدولة المركزية، بعد صراع مزمن بين تلك المشتركات. وهو ذات الأمر الذى حدث فى عالم السماء، حيث تقول ملحمة الإينوما أيليش أن مجمع الآلهة الخمسين (ولا شك أنه يقابل مجلس القبيلة الأرضى، أو مجموعة الأقاليم) قد سلم سلطاته للإله مردوك، وأنهم قد اجتمعوا فى السماء ومنحوه قدرة تغيير كل شيء، وخلق أى شيء بمجرد النطق بالكلمة، تعبيرا عن السلطان المطلق الذى أصبح يتمتع به الملك الأرضى، بعد أن أصبحت كلمته نافذة لا تقبل الإرجاء، حيث تقول الملحمة: » واجتمع الآلهة الخمسون، فى أبشوكينو فرحين، وسلموا مردوك شاراتهم، وقالوا: من مثلك ملك مُر قطعة القماش الممزقة تلتئم، مُرها ثانية تعود سيرتها الأولى«.
لكن الواضح فى كل الأساطير الرافدية القديمة، أن تلك القدرة كانت بالقوة لا بالفعل، فهى قدرة مرجأة حيث كان الخلق يتم دوما بالفعل اليدوى، بل ويظهر فى التوراة التى أقرت الخلق بالكلمة، حيث كان الرب فى كل مرة يصنع مخلوقاته بيديه صنعا، مما يشير إلى أن الأمر قد تمت صياغته فقط لتبرير إطلاقية الكلمة السيادية على الأرض (راجع الإصحاحات الأولى من سفر التكوين التوراتى).





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مقترح لدستور … الدولة الإسلامية الحديثة بعد الربيع العربي
- كهنة دولة الظلم
- العلمانية كضرورة زمانية
- شخصية المجتمع الصحراوي ( جزيرة العرب نموذجا ) …
- الإرهابيون يعبّرون عن الإسلام وعلى المسلمين حلّ هذه المشكلة
- لكي لا يخدعنا بعضهم: هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟
- الكهنوت الاسلامي يسرق الدين
- قول الإسلام في وجود الإنسان
- نظرية أن كل مسلم إرهابي !
- لحملة الأستاذ الشوباشي لخلع الحجاب
- أحذروا فتنه المسيخ الدجال !!
- أغلقوا مفارخ الإرهاب
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى 10
- هل الإسلام هو سر تخلف المسلمين؟
- المجد للشيطان
- هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟؟
- إرهابيونا في الخارج
- نظرية أن كل مسلم إرهابي
- كل يوم كلمتين قلتهم زمان
- العلة والمعلول


المزيد.....




- الصوفية.. ضحية الإرهاب في سيناء
- صور لزيارة سعودية لكنيس يهودي بفرنسا تثير جدلا
- صحيفة فرنسية: السبسي تلقى تهديدات بالقتل من بلدان إسلامية
- «أبو الغيط» يدين هجوم العريش.. ويؤكد: الإسلام براء من الفكر ...
- تونس تدين بشدة الاعتداء الإرهابي على المسجد في سيناء المصرية ...
- ما هي الصوفية التي استهدف مسجدها في سيناء؟
- النائب العام المصري يفتح تحقيقا موسعا في استهداف المسجد شمال ...
- خبير: عملية -المسجد- في سيناء استهدفت عسكريين و-صوفيين-
- مالي: أنصار الإسلام تنشر حصيلة عملياتها فى نوفمبر
- فندق بولندي يثير غضب اليهود بسبب لافتة على مدخله


المزيد.....

- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان… / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- الإسلام/ الإرهاب…..أية علاقة؟ / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سيد القمني - قصة الخلق بين ثقافة الصحراء