أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سيد القمني - العلة والمعلول















المزيد.....

العلة والمعلول


سيد القمني

الحوار المتمدن-العدد: 4527 - 2014 / 7 / 29 - 19:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


سيد القمني
التأملات الثانية في الفلسفة الأولى
( 9 )
العلة والمعلول


تنويه عن خطأ في الفصل السابق : العبارة " ولم يكتشف العقل البشري أخطائه المنهجية إلا بعد ديكارت على يد مؤسس المنهج التجريبي الإنجليزي ( جون لوك) مًكتشف المنهج العلمي في التفكير ومن تبعوه بإحسان " ، وصوابها هو : " ولم يكتشف العقل البشري أخطائه المنهجية إلا بعد ديكارت على يد مؤسس المنهج التجريبي الإنجليزي ( فرنسيس بيكون ) مًكتشف المنهج العلمي في التفكير ومن تبعوه بإحسان " .
العلة والمعلول
في نص يعرفه كل من له حظ من معرفة ، يقول حجة الإسلام وفيلسوف السنة الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة ( ص 277 ) : " إن الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سبباً ، وما يُعتقد مُسبباً ، فليس ضرورياً عندنا .. فليس وجود أحد السببين يقتضي وجود الآخر ، مثل : الري ( الارتواء من الماء ) والشرب ، والشفاء وشرب الدواء ، وأن اقترانهما هو لما سبق من تقدير الله سبحانه بخلقهما على التساوق لا يكون ضروريا في نفسه .. فالله قادر على خلق الشبع دون الأكل ، وخلق الموت دون حز الرقبة ، وإدامة الحياة مع حز الرقبة " .
يُريد الغزالي منا أن نُعطل حواسنا وعقولنا وأن ننكر ما نراه بحواسنا وتدركه عقولنا من أساب مادية لأحداث مادية بحسبانها من توهُمات العقل البشري ، وألا نرى الحدث المادي لازم وضروري عن سبب لولاه ما حدث الحدث ، وأن نُسلم له ومعه أن كل ما يحدث يرجع جميعه للإرادة الإلهية وحدها ، ثم يوضح ما يمكن تلخيصه في أن الله هو العلة الأولى لكل حدث ، وهو العلة الأولى لوجود الوجود ( الكون ) ، وخلق مع كونه عقل الإنسان الذي قام بالربط بين المتلازمين بحسبانهما سبب وحدث بوهم وحدس كاذب ، بينما ما يوجد في الواقع فعلا هو حدث يتلوه حدث وليس سبب يتلوه حدث ، ويكون كل ما نراه من علل هو وهم يصنعه العقل البشري بالعادة الرابطة للمُتتالي ، نتيجة رؤيته تلازُم الحدث مع الحدث ، فيصنع عقله مالا وجود له ( أي السبب ) ، بينما الله هو العلة الحقيقية لكل حدث ، فالعلل المحسوسة غير قائمة بذاتها إنما بذات الله ، ومن ثم لا توجد سوى علة واحدة هي العلة الأولى لكل حدث ، هي الله ، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، وما رميت إذ رميت لكن الله رمى ، وأُس الإيمان أن تؤمن بقضاء الله وقدره !! .
لفهم هذا الإيمان يجب أولا تحرير مُصطلح ( العلة والمعلول ) وضبطه وتحديد دلالته بدقة ، وكي يتم ذلك يجب الإجابة عن أسئلة يفرضها العقل حتى يفهم ، مثل : ماهي علاقة العلة بالمعلول ؟ هل هي علاقة تحول كالقول : إن اللبن هو علة الجبن ؟ أي أن اللبن تحول عن كونه لبنا موجوداً إلى لون آخر من الوجود لم يكن موجوداً هو الجبن ، أم هي علاقة فاعل بمفعول كأن نقول : إن التخمُر هو علة تحول اللبن إلى جبن ؟ أم نقول : إن إنزيم التخمر الذي تفرزه بكتيريا المنفحة جعل اللبن يتخثر ويصبح جبناً ؟ فتكون العلاقة هنا علاقة تفاعل كيميائي طبيعي سواء أردنا أم لم نُرد وشئنا أم أبينا . نضع المنفحة في اللبن بالحتم يصبح اللبن جبناً .
في هذه العملية البسيطة أكثر من علة لزم تواجدها حتى تتم عملية تجبن اللبن ، لزم أولا وجود المنفحة الصالحة المُنتجة لبكتيريا التخمر ، ولزم وجود مُريد مختار حي وفاعل للفعل يقوم بوضع المنفحة في اللبن ، وعلى هذا المُريد قبل ذلك تدفئة اللبن عند درجة الحرارة المناسبة ، ويلزمه خلط الخميرة باللبن لإحداث التجانس بينهما ، وهي كلها أفعال بشرية عن قصد وإرادة وغرض ، استخدمت مجموعة من العلل الطبيعية الكيميائية التي لا خيار فيها لأنها حتمية الحدوث متى توفرت الظروف الملائمة . لذلك يكون توفر اللبن وتوفر المنفحة لا يصنع جبنا دون الحي المُريد ... (وهو هنا الإنسان ) .
يبدو لي واضحاً أن الغزالي والفلاسفة القدامى قد خلطوا بين مصطلحين لكل منهما دلالته المختلفة عن دلالة الآخر ، خلطوا بين ( العلة ) وبين ( الفعل أو الصُنع أو العمل ) ، وبين ( المعمول أو المصنوع أو المفعول ) وبين ( المعلول ) ، ونتيجة الخلطين خلطوا معهما خلطاً ثالثاً بين أمرين ، لا يمكن أن يلتقيا ناهيك عن أن يختلطا ، وهُما : ( الإرادة ) و ( الحتمية ) !!!
ان الفعل مُتعلق بوجود إرادة لمُريد اختار هذا الفعل وفعله ، أو رفضه ولم يفعله ، فأنا أُقرر وأختار أن أزرع أو لا أزرع ، أن أمشي أو لا أمشي ، فالفعل والصنع والعمل يحتاج لكائن بيولوجي حي يملك حواساً وعقلا وإرادة ، أما العلة والمعلول فتربطهما علاقة حتمية جبرية لا فكاك منها ، فلكل صنعة صانع ... نعم ، لكن ذلك لا يطابق مدلول العلة والمعلول ، لأن الصنعة تتطلب إرادة ، أن أُريد أو لا أريد هي قرارات الكائن الحي تقوم على قياسات عقله ، كالإنسان له حواس وعقل وإرادة تختار ، لذلك تخلو كل كواكب المجموعة الشمسية وأقمارها من الإرادة والصنعة والفعل ، وبالتالي من الخير والشر لعدم وجود الكائن المُريد ، لكنها غير محرومة من العلة والمعلول ، النيزك يضرب القمر فيملأه فجوات ، والشمس تلظيه بحرارتها فتُحدث به الشقوق ، هي علاقة علية بين علة ومعلول ، والمعلول حتمي الحدوث متى ظهرت العلة ، لا يمكن للمياه أن ترفض أن تغلي وهي على النار ، أو يرفض المغنسيوم الاشتعال في الأوكسيجين ، بينما كائن حي كالأسد شبعان لا يريد صيداً ، جاع يصطاد ، والحيوانات القابلة للافتراس موجودة في الحالتين ، فله أن يختار أن يفترس أو لا يفترس ، وأن يحدد فريسة بعينها ، ومثل هذه الخيارات لا تقع إلا في عالم حسي فيه من يملك الحياة والحس بالحواس والإدراك بالعقل وحرية الاختيار بالإرادة ، أن يفعل أو لا يفعل .
وفوق ذلك فإن ( الفعل أو العمل أو الصنع ) كفعل يصدر من مشيئة عاقلة لمُريد ، يمكنه توظيف علل الطبيعة الحتمية لينتج معلولا ، فقبل ظهور الكائنات الحية لم يوجد صانع ولا مصنوع ولا فاعل ولا مفعول ولا عامل ولا معمول ، فالقمر ظل خاليا من أي فعل حتى نزل عليه الإنسان ليفعل فيه ، أما العلة فهي موجودة سواء وجد الكائن الحي أو لم يوجد ، فتضاريس القمر تُعلن ألوان وأشكال من العلل التي شكلت سطحه ولا زالت تؤثر فيه . وتضاريس القمر ليست نتيجة فعل مُريد بل نتيجة علل كونية حتمية التلازم ، لأنها غير مرتبطة بإرادة يمكن أن تُقدم أو تحجم ، والعقل البشري يقوم بتوظيف علل الوجود الحتمية ليوجد معلولات . ولهذا السبب تحديدا حدث المزج بين العلة والفعل ، نتيجة قدرة العقل على توظيف العلل الحتمية بالتجربة والخطأ ليعرف النتيجة الحتمية للعلة ، ثم مزجها بالإرادة لتنتج معلولات . فعندما يهز الفيل جذع الشجرة ليسقط الثمار ، يكون قد مزج فعله الإرادي بالعلة الحتمية وهي الجاذبية الأرضية التي أسقطت الثمار ، والطائر عندما يرفرف بجناحية بإرادته يستثمر قاعدة حتمية : تفريغ الهواء يؤدي للتخلص من الجاذبية ، وعندما يطفو دون رفرفة يستثمر قانوناُ آخر هو الانزلاق على هواء الرفع الساخن الصاعد من الأرض ، ولو لم يوجد هواء ما طار لاستحالة الفعل ، هنا تكون هزة الفيل للشجرة ورفرفة جناحي الطير هي الفعل المريد المستثمر لعلل الطبيعة الحتمية ، وإلقاء خشبة في النار فعل إرادي يمكن فعله أو العدول عنه ، لكن إلقائها يتحتم معه حدوث الاحتراق ، ويكون الفعل المُريد فاعلا وليس علة ، هو فاعل يستثمر علل الطبيعة الحتمية ، لأن علة الاحتراق هي اتحاد الأوكسيجين بالخشب والنار ولا خيار للخشب في الاحتراق من عدمه ، فالعقل يوظف العلل عن إرادة واختيار فينشئ حضارات تقبل الزوال ، أما العلل الكونية ومعلولاتها فهي غير قابلة للزوال ، والوجود الكوني تنعدم فيه الصنعة والفعل ، لكن انعدام العلة والمعلول فيه فهو ما يعني توقف قوانين الفيزياء وانهيار الوجود .
اذن يجب تخطيئ الإمام الغزالي وفلاسفة زمنه لخلطهم الصانع بالعلة والمصنوع بالمعلول ، ومن المُعيب أن يظل هذا الخلط قائما دون أن يتعرض للإصلاح ، خاصة بعدما قطع الإنسان شوطاُ عظيماُ من التحضر بعد اكتشاف منهج التفكير العلمي الذي يعود بالفضل لمؤسس المذهب التجريبي ( فرنسيس بيكون ) وبعده فتوح ( كوبرنيكوس ) ، وانتقلت البشرية في قرنين نقلة هائلة باكتشافات ما خطرت على قلب نبي ولا إله . لنؤكد على وجوب الفصل بين ما هو علة وبين ما هو فعل أو صنعة ، وأن العلة لا تملك خيار أن تفعل أو لا تفعل فهي لا تملك عقلا ولا إرادة تثنيها عن الفعل ، طالما هي موجودة هي تُعلل لمعلول بالجبر والحتم ، لذلك لا تعرف ما هو واجب ولا ما هو حلال أو حرام على أي ملة أو دين ، فهذا كله شأن يتعلق بكائن حي يشعر بحواسه ويفعل بعقله وإرادته ليس بينه وبين ما يصنع أو يعمل علاقة ضرورة وحتم ، والعلاقة هنا علاقة صانع بمصنوع وفاعل ومفعول ليس بينهما علاقة حتم ، خاضعة لإرادة واختيارات العقل البيولوجي ، فيمكن للنجار أن يصنع الكرسي أو لا يصنعه أو يصنع بدلا عنه سريراً أو باباً ، لكن كتل الحديد في فرن صهر المعادن ستنصهر حتماً ، وخسوف القمر وكسوف الشمس حتميان عندما تترتب الكواكب بما يعطي هذه النتائج ، هي حتميات والحتمي يمكن توقعه وقياسه بدقة ، فعندما يتحول القمر عن الهلال إلى التربيع الأول إلى البدر إلى التبيع الثاني إلى المحاق ، يمر بمراحل معلولة حتميا لعلل هي الوضع الزمكاني للكواكب والشمس وليس لإرادة مريد . وعندما يجتمع قطيع الحمير الوحشية والأسد لا يشكلان سبباً حتمياً لفعل الافتراس ، فقد يكون الأسد غير راغب ، أو يحاول الافتراس ويفشل ويفلت الحمار بمهارته وقد لا يفلت ، نحن مع الإرادة الحرة أمام حدث غير مؤكد الوقوع لأنه فعل وصنعة ومهارة وإرادة ، والأسد يفهم ذلك ، والحمار يفهم ذلك ، لذلك يستخدم كل منهما كل مهاراته ، هذا للافتراس وذاك للنجاة .
النتيجة إذن أن امتلاك الإرادة لا يحول دون فقدها أو فشلها ، وأن الحيوانات شريكة للإنسان في امتلاك الإرادة ، لكنها أحيانا تتنازل عنها عن إرادة كما يحدث مع الحيوان في الأسر وتستبدل إرادتها بالسمع والطاعة ، فيصبح الحصان رهن إرادة السائس والوسيلة لجام وكرباج وطعام وماء دون بذل جهد ، فيتحول من كائن حر إلى عبد بالترغيب والترهيب كما في حيوانات السيرك ، وكما يمكن سلب الإرادة يمكن استردادها بالثورة أو الهرب أو العتق بإرادة السيد أو كمن يطلق طيراً أسيراً .
وهذه المعاني تؤدي لنتيجة هي أن جميع كواكب مجموعتنا الشمسية التي نعرفها جيداً هي بلا خطيئة لأنها بلا آدم وبلا أنبياء وبلا مسيح يُصلب عليها ، فهي لا تعرف سوى العلل والمعلولات الجبرية . وتخلو من الفعل والمفعول ، لذلك لا نجد لله بيوتا ومقدسات على كافة الكواكب ، لكنه موجود على الأرض وحدها حيث الصانع والمصنوع .
ويشترط لوجود الإرادة عدم القدرة على التنبؤ بها وما سوف يصدر عنها من أفعال ، ويمكن أن تأني بأفعال غير متوقعة ، وأن تتوافر لها شروط الاختيار ، فالنهر لا إرادة له في جريانه لأنه محكوم بمستوى الانحدار وكمية الماء وتدفقه وبالضفاف ولا سبيل أمامه غير ذلك . والإخضاع للإرادي يلزم أن تكون لدى الخاضع أولا إرادة يمكن سلبها منه لصالح غيره بإخضاعها لإرادة أخرى ، ويمكن للإرادة إيقاف فعلها الإرادي والتراجع عنه أو اختيار بديل له . والإرادة تبحث دوماً عن صالحها الخاص وتحاول الاستيلاء على إرادات الآخرين حيواناً أو إنساناً ، فيستولي الرجل على إرادة المرأة أو العكس ، ويستولي الإنسان على إرادة الحيوان ، ويستولي الاستعمار على إرادة الشعوب المحتلة ويستولي رجال الدين على إرادة المؤمنين وتسخيرهم وسوقهم إلى مجازر دموية بثمن دنيوي بحت وبخس للمصالح الخاصة .
لمزيد من الفهم لو تصورنا شخص يقف وسط ميدان تتقاطع عليه شوارع عديدة ، يتطلع للشوارع ليختار ما سيسلكه من بينها ، ولكونه صاحب إرادة لا نستطيع أن نحدد أي الشوارع سوف يختارها فكل الاحتمالات مفتوحة أمامه ، ولن نعرف متى سيتحرك ولا إلى أي الشوارع سيتجه ، لكن بالنسبة للشمس ولكونها غير ذات إرادة ، يمكنا أن نعرف بكل دقة متى ستأتي بأشعتها إلى الميدان ومتى سترحل ، ومتى سيتحرك شعاعها وإلى أي الشوارع سيتجه .
علينا أن نلاحظ أيضاً أنه حتى تنتج العلة معلولها يتحتم أن يجمعهما حيز واحد ، فمجرة درب التبانة تحوي ملايين الشموس والكواكب والأقمار ، لكن لا هذه ولا تلك تنير أو تضئ كوكب الأرض ، ولا تحدث لدينا نهاراً ولا ليلا لأنها خارج الحيز ، خارج مجموعتنا الشمسية ، وعليه فإن العلل الكونية التي جاءت الموجودات معلولة لها يجب ويلزم أن تكون داخل الكون والوجود ، ومن ثم لا يكون للوجود خارج ولا داخل ، لأنه حتى لو افترضنا بالخطأ وجود كون أو وجود خارج كوننا ووجودنا ، فإنه لن يؤثر في كوننا ولا في وجودنا لعدم وجود المعلول في حيز العلة . فإن كان الوجود موجوداً لعلة وجب أن تكون علته من داخله ، وأن تكون علة واحدة لوجود واحد ، وأن تظهر لجميع العقول بشكل واحد وبنفس الوضوح ، ويقع عليها الاتفاق لأنها علة حقيقية جاءت من مصدر حقيقي ، أما إن ظهرت كعلل متعددة تتعدد بتعدد العقول وتختلف من عقل لآخر فهو ما يعني أكثر من وجود ، ويكون لكل إله كعلة وجوده الخاص الذي أوجده ، ويكون لكل وجود علة تختلف عن علة الوجود المجاور ، ولو كانت علة الوجود خارجه لكانت معدومة فلا شيء خارج الوجود سوى العدم . ولما كان وجودنا واحداً لزم أن تكون له علة واحدةً ، ويكون ما يقدمونه لنا من علل عديدة حسب كل دين هي تصورات وليست عللا حقيقية . وبمعنى أوضح : طالما أن الوجود الذي أدركه هو نفس الوجود الذي يدركه الآخرون ، فهو ما يفيد أنه وجود واحد وإن تعددت العقول التي تدركه وكلها على اختلافها تقر أنه وجود واحد ، فكون الوجود واحداً هي قضية لا خلاف عليها كذلك إدراك هذه العقول المختلفة أن للوجود علة واحدة أوجدته ، لكنها لم تتفق على هذه العلة ، خلافاً على قضية وهمية لها علاقة بالمصالح أكثر مما لها علاقة بإيمان من عدمه .
والإصرار على وجود علة أولى يلزمه الاعتراف بوجود معلول أخير يكون وجوده حتمياً ، ووجود معلول أخير يعني التوقف والفناء ، فتوقف حركة الأرض حول الشمس يعني انتهاء قوة الطرد المركزي التي كانت تحفظها بعيداً عن الشمس ، فتجذبها الشمس وتبتلعها ، فالعلة في بقاء الأرض هو دورانها حول الشمس وتوقف الدوران كعلة يعني فناء المعلول ( الأرض ) وأيضاً فناء العلة وهي قوة الطرد المركزي ، فالعلة لا توجد من دون معلول . ووجود المعلول الأخير يعني التوقف عن استمرار الوجود ، ويعني التوقف ، والتوقف للوجود هو الفناء ، والوصول إلى معلول أخيرة يعني انعدام العلة نتيجة الوصول إلى معلول أخير لا معلول بعده ، أي انعدام العلة والمعلول معاً وانعدام الوجود . ولو افترضنا مجازاً إمكانية الوصول إلى معلول أخير مع وجود العلة الأولى باقياً ، فهو ما يعني إمكان وجود العلة دون أن يكون لها معلولا ، أي وجود وحيد بلا معلول ، وهو ما يعني أن العلاقة بين العلة والمعلول علاقة اختيار أي علاقة إرادة فالعلة الأولى وُجدت دون أن ينتج عنها معلول ، إذن هي لا تريد هذا المعلول ، وقواعد الإيمان الديني تستلزم الاعتقاد أن العلة الأولى مُريدة يمكنها أن توجد كعلة بدون أن تنتج معلول ، ويمكنها أن توجد ويكون لها معلولا عندما تقرر أن تخلق ، ويمكنها ألا تفعل حسبما تريد ، والله فعال لما يريد كعلة أولى لكنها ليست حتمية بل إرادية .
هكذا اعتقاد لا يعني إلا الفوضى وكوننا غاية في الانضباط ، فليس للأرض خيار أن تجذب الاجسام أو لا تجذبها ، فعلاقة العلة بالمعلول لا إرادة فيها ، وإذا كان في الوجود إرادة وخيار أن يكون أو لا يكون ، سيكون هذا عملا وفعلا وصناعة يكون أحد طرفيه كائن حي مريد إنسان أو حيوان أو حتى حشرة ، تكون علاقة الفعل بالمفعول مرتبطة ومتعلقة بالإرادة بعكس علاقة العلة بالمعلول ، فالأرض لا تمتلك أن تسرع في دورانها حول الشمس وليس لها أن تقلل من سرعتها ، ولا للماء اختيار ألا يتحول ثلجاً في درجة صفر ، ولا للمغنيسيوم ألا يشتعل مع الأوكسيجين . ولو تدخلت الإرادة هنا لسقط الوجود كله .
والفاعل والمفعول لدى الكائنات الحية محكوم عليه بالزوال فهو إلى نهاية ، ومن يقول بإرادة إلهية يُخرج الله من العلل الكونية الدائمة الوجود ، ويجعله كائناً فانياً مثل كائنات الأرض الحية ومن ثم لا تكون إرادته أزلية أبدية ، وهكذا صنع الإيمان آلهة على مثال الكائنات الحية وأعطوها حواساً وفكراً وإرادة ، فهو يعطي ويأخذ ويفرح ويغضب ، ولكن ذلك كله يعني أنه كائن حي بيولوجي ، يعني محكوم بالفناء وهو ما يناقض الأزلية والأبدية ، لذلك قاموا بإخراجه خارج الوجود ليمكنهم القول إنه كان وحيداً في الأزل ويبقى إلى الأبد ، لكن صفة الأزل والأبد مشروطة بدوران الأرض حول الشمس لتخلق الزمن ، ولو توقفت الأرض سيضيع الماضي والحاضر والمستقبل والأزل والأبد ويسقط يوم القيامة وقصة الخلق في ستة أيام ، فوجود الآلهة قائم على شروط لا بد من حدوثها ، وما يوجد على شرط يزول بزوال الشرط .
وللحسم مع أطروحة وجود علة أولى نفسر ما حدث بالمثال التالي : في حال وقف أحدهم أمام مرآة داخل غرفة ليس فيها إلا هو والمرآة ، فإن ظهور صورته في المرآة لم يضف شيئاً لمحتويات الغرفة ، فإن أدخلنا للغرفة مرآة أخرى ووضعناهما متقابلتين ورجلنا يقف بينهما ، فسيظهر في المرآتين ما لا نهاية له من الصور ، وكل هذه الصور لم تضف للغرفة شيئاً ولم تتبدل محتويات الغرفة بالنقص أو الزيادة ، لكن ما تبدل قد حدث في عقل الواقف بينهما ، نحن هنا بإزاء سلسلة لا نهاية لها من العلة والمعلول وكلها خيال ووهم وغير موجودة في الحقيقة ، ومهما بحثت عن العلة الأولى لكل هذا التعدد اللانهائي لن تجد سوى عيون الرجل وعقله ، ولو أظلمنا الغرفة وامتنع عنها الضوء ستتوقف حاسة البصر ولا ترسل للعقل الصور وهنا تختفي العلة والمعلول معاً ولم يزد ولم ينقص شئ من محتويات الغرفة ، وهو ما يفيد أن العلة والمعلول لا علاقة لها بالمادة الفيزيقية أو بالوجود ، وليست أكثر من توهمات عقلية ، فإن توقف العقل عن التخيل اختفت معادلة العلة والمعلول والموجد والموجود .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى 7 - الوجود والعدم 2
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى ( 7 )
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى(6).. الإله الحقيقي
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى (5).. ويسألونك عن الروح؟ ...
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى ( 5 ) ويسألونك عن الروح؟! ...
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى -4-.. هو الأول وهو الآخر
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى.. من التعدد إلى التوحيد - ...
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى 2
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى.. البحث عن المنهج -1-
- لحية برهامي
- عبور البرزخ
- اللاعنف والخراب العاجل (5)
- اللا عنف والخراب العاجل (4)
- اللاعنف ..... والخراب العاجل (3)
- اللا عنف.. والخراب العاجل (2)
- اللا عنف والخراب العاجل (1)
- سيادة الفريق.. احسم أمرك الآن
- شخصية مصر.. فرادة الأصول
- شخصية المجتمع الصحراوي ( جزيرة العرب نموذجا )
- مذهب إسلامي جديد.. -شيعة مرسي-


المزيد.....




- مصر.. حريق هائل بحارة اليهود في منطقة الموسكي
- الوافدون إلى -الأقصى- في رمضان.. مخاوف من حرمانهم بلوغ المسج ...
- مصر.. المؤبد لـ4 عناصر من جماعة الإخوان لقتلهم رجال شرطة
- باحث روسي: دورة القمر تحدد مستقبل الإسلام في اوروبا!
- الكويت: إقامة التروايح في المساجد للرجال لمدة 15 دقيقة
- رابطة علماء اليمن تهنئ الأمة الإسلامية بمناسبة دخول شهر رمضا ...
- السيد عبدالملك الحوثي يبارك للأمة الإسلامية بحلول شهر رمضان ...
- الأنظمة العربية الرجعية.. ضد -الإسلام السياسي- ومع -الصهيوني ...
- شرطة دبي توجه تنويها هاما لمرتادي المساجد في رمضان
- تونس تتراجع عن حظر صلاة التراويح في المساجد بسبب جائحة كورون ...


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سيد القمني - العلة والمعلول