أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي المدن - الإرث الفكري للمعتزلة بين التسنن والتشيع















المزيد.....

الإرث الفكري للمعتزلة بين التسنن والتشيع


علي المدن

الحوار المتمدن-العدد: 5296 - 2016 / 9 / 26 - 10:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الحديث عن الاعتزال والمعتزلة ليس جديداً، فمنذ اليوم الأول الذي ولد فيه هذا التيار الفكري في حياة المسلمين والنقاش مستعر حول مقولاته وأعلامه، إلا أن ما اختلف في العصور المتأخرة - وهذا حصل في الغالب بفضل دراسات المستشرقين وقيم الحداثة الغربية - هو التعاطي مع هذا التيار خارج المسطرة الصراطية الإسلامية، أي دراسته لغرض معرفته هو، ومن أجل فهم نشأته وتطوره وتأثيره في فرق المسلمين الأخرى، مع شرح آراء مفكريه وسيرة حياتهم، بعيدا عن الحكم عليهم بالتبديع والتضليل والتكفير. تساءل طيف واسع من دارسي الفكر الإسلامي عن مصير تراث هذه الفرقة بعد انحسار رموزها عن الساحة الفكرية للمسلمين، أو بالأحرى بعد نجاح السلطات السياسية والدينية في عملية قمعها ومحاربة المنتمين إليها. لم يكن السؤال فقط عن مصير المؤلفات التي دونها علماء هذا التيار الفكري، ولا مقتصراً على دراسة العوامل التي أسهمت في ولادته، ولا طبيعة أفكاره ومناهجه، بل تعدى ذلك إلى الحديث عن (الممثل الشرعي الأقرب) للمعتزلة من بقية الفرق الإسلامية، في محاولة للاستحواذ على تراث هذه الفرقة ودمجه في تراث الفرق الإسلامية التي احتفظت بمقعدها حتى تاريخنا المعاصر، هذه الفرق التي لم تفتأ ترد على المعتزلة وتنقض آراءها، بل وترفع لواء مناوأتها ومحاربتها.
من الواضح أن هذا النوع من الكتابة يحاول البحث بدوافع مذهبية عن مكتسبات جديدة يضيفها إلى طائفته، وهو لهذا السبب يمكن أن نسميه بحثاً تاريخياً (أيديولوجياً)، وتزداد خطورة هذا النوع من الكتابة حين ننتبه إلى الصيغة التي يطرح بها سؤاله! وهي صيغة تبدو بسيطة في الظاهر ولكنها "مفخخة" في الباطن! إن السؤال (هل الاعتزال موروث للإسلام الشيعي أو الإسلام السني؟) بالإضافة إلى كونه يزيد من الاستقطاب الطائفي بين المسلمين، فإنه سؤال غير تاريخي، وهو لذلك سؤال غير علمي. إنه يطرح مشكلاً معاصراً اسمه (الإسلام السني والإسلام الشيعي) على تاريخ لم يعرف هذا المشكل! فقد فهم المسلمون "خلافاتهم" داخل "إسلام واحد"، ولهذا دوّنوا تلك الخلافات تحت عنوان (مقالات الفرق)، أي فرق المسلمين، دون تمييز بين إسلامين، أحدهما سني والآخر شيعي. ولكي لا تلتبس الأمور على القرّاء أرى أن من اللازم التفريق بين هذا النوع من الكتابة اللاتاريخية، ونوع آخر من الكتابة تتحدث عن تنوع فهم الإسلام تبعاً للبيئة الثقافية والاجتماعية والمصادرات الفكرية التي يؤمن بها هذا الفريق من المسلمين عن الفريق الآخر، والذي اهتمت به كتابات عديدة، على غرار سلسلة (الإسلام واحدا ومتعددا) التي أشرف عليها عبدالمجيد الشرفي، إذ إن مشروع هذه السلسلة لا يعيد كتابة التاريخ بناء على تقسيمات معاصرة، وإنما يعيد كشف العوامل التاريخية والفكرية التي أحدثت تلك التقسيمات الموجودة أساساً في التاريخ. وعليه فإن هذا النوع من الكتابة يختلف اختلافاً جذرياً عن النوع الآخر الذي تحدثنا عنه أعلاه.
يضاف إلى ذلك أن هذا النوع من الكتابة يحاول تبسيط التاريخ الفكري للمسلمين حين يوحي لقرّائه وكأن التقسيمات المتأخرة تقسيمات بديهية، لها من الوضوح التاريخي في اذهان المسلمين القدماء نفس المقدار الذي يتراءى لبعض المعاصرين من بداهة ووضوح في الاختلاف، وهذا نقص فادح في فهم الحقيقة التاريخية؛ فالواقع أن تاريخ المسلمين العقائدي يتمتع بتداخل واختلاط كبير جدا، وهو نتاج مباشر للتاريخ؛ ولد فيه، وتطوّر من خلاله، وتداخل وتفاعل مع مجايليه بنحو يعسر أو يستحيل العثور على فرقة بقيت بمنأى عن التأثير والتأثر بعضها مع البعض الآخر من فرق المسلمين من جهة، ومع من هم من غير المسلمين من جهة أخرى.
ولكي لا يبقى كلامنا تحليلياً نظرياً سأحاول الإشارة إلى تخطيط أوّلي لبعض نماذج الدراسات المتأخرة حول المعتزلة، وليس سرداً جامعاً لما ألف حولهم، فإن من المعروف أن أول من دشن الحديث حول الاعتزال في العهد الأخير، أو كتب برؤية اعتزالية، هو محمد عبده (ت 1905 م)، كما في (رسالة التوحيد)، و (حاشية على شرح الدواني للعقائد العضدية)، و (شرح نهج البلاغة) وغير ذلك. ثم كتب جمال الدين القاسمي (ت 1914 م) كتابه حول (تاريخ الجهمية والمعتزلة). وقد كانت هذه الكتابات تنطلق من رؤية إصلاحية لأحوال المسلمين، وتتعاطى مع الاعتزال بإنصاف كبير ورغبة جادة في الفهم دون تضليل أو تهجم.
ثم توالت الدراسات من الكتاب العرب وغيرهم فكتب بعضها بنظرة تبجيلية ترى في غياب الاعتزال عن المشهد الفكري الإسلامي سبباً في انحطاط الحضارة الإسلامية وتراجعها، كما هو الحال مع كتابات عبدالرحمن بدوي وأحمد أمين والعقاد وطه حسين ومحمد أبو زهرة وعاطف العراقي ومحمد عمارة وأحمد محمود صبحي وإبراهيم الفيومي وعبدالستار الراوي ... إلخ والعشرات غيرهم.
وفي المقابل دوّنت دراسات أخرى على دراية جيدة بمقولات المعتزلة وتاريخ علمائهم إلا أنها تنطلق من رؤية سلفية تضليلية تبخيسية، وقد كان أغلب كتّاب هذه الدرسات من المملكة العربية السعودية، كما هو الحال مع منيف عايش العتيبي وعبداللطيف عبدالقادر الحفظي وياسر قاضي وإيمان بنت عبد الرحمن الضويحي وأسماء بنت مبارك السيف وعواد بن عبد الله المعتق ... إلخ والكثير من أمثالهم.
أما شيعياً، وتحديداً الإماميين منهم، فإن الإشكالية التي استولت على مجمل هذا الصنف من الكتابات هي إثبات استقلال التشيع عن الاعتزال، ونفي تأثّرهم بأفكار المعتزلة، بل وصل الحد بالأغلبية العظمى منهم التوسع في المبالغة حد ادعاء أسبقيتهم على المعتزلة في طرح الأفكار التي اشتهر بين المسلمين نسبتها للمعتزلة، والقول إن المعتزلة أخذوها عنهم!! وهو الشيء الذي يصعب على الكثير من العارفين بتاريخ المعتقد الإسلامي أخذه على محمل الجد.
مؤخراً كتب الباحث الإيراني حسن أنصاري مقالاً حول المعتزلة وتساءل عن تراثهم قائلاً: هل التراث المعتزلي هو إرث للإسلام السني أو الإسلام الشيعي؟ ومع أن الواقع الإسلامي ليس فيه ما يشجع المرء على طرح هذا السؤال، إلا أن أنصاري مقتنع أن الشطر الثاني من سؤاله، أي التشيع، هو الأحق بتمثيل المعتزلة، والأقرب إلى وراثة تراثهم ومقولاتهم. أنصاري يعلم (بل ويصرح أيضاً) أن وضع بعض متأخري المعتزلة (مشجرةً) لأفكارهم ترجع نسبتها إلى تعاليم الإسلام من قرآن وسنة وصحابة (ولاسيّما علي بن أبي طالب) لا تعني أنهم استقوا تلك الأفكار من أئمة الشيعة، وأن هذه "المشجرة" من صنع (المعتزلة البغداديين) المتصلين بالزيدية. كما يعلم بأن عقائد الشيعة (من زيدية وإمامية) السابقين على القرن الثالث الهجري لم تكن لتطابق عقائد المعتزلة، ولكنه يقول إن التحول الذي جرى على تلك العقائد (عقائد الشيعة الزيدية والإمامية) لم يكن سببه الاعتزال فحسب. وهذا صحيح على نحو الإجمال، إلا أنه لا يمنع من القول إن التحول الأكبر كان بفضل الاتصال بالمعتزلة.
النقطة المهمة التي يجب تذكرها في هذا السياق هي أن المعتزلة الأوائل كانوا منفصلين عن التشيع بالكامل، حتى أن بعضهم اتهم بالنصب، وبعضهم كان يخطّئ الإمام علي في حروبه، وبعض يراه مفضولا بمن تقدمه من الخلفاء. ولم يظهر من المعتزلة من يرجِع بنسَب أفكاره إلى الإمام علي وولْده، أو تأثيره (وتأثيرهم) عليهم، إلا في زمن متأخر وبتأثير من الزيدية في الغالب. ولذا فإنني أرى أن ما هو أهم من التأكيد على الانفصال الفكري بين المعتزلة والشيعة قبل نهاية القرن الثالث الهجري، هو وصف وتوضيح نفس العقيدة الشيعة المنتمية إلى سلالة الإمام (محمد بن علي الباقر)، والتي لا تختلف في مواقفها عن الاتجاه العام لأهل الحديث، وهذا ما يمكن ملاحظته في مجموعة واسعة من القضايا الفكرية التي ناقشها المعتزلة وكان موقف هذا الصنف من الشيعة مخالفا لهم ومؤيدا لموقف أصحاب الحديث، كما في مفهوم الإيمان والإرجاء والقدر ومسألة الصفات وخلق القرآن ... إلخ. ومع أن هناك من لاحظ من الباحثين تغير أفكار بعض الرؤساء الروحانيين للتشيع وميله للاعتزال بفضل مخالطته للخليفة المأمون وحضوره مجلسه العامر بالمعتزلة، إلا أن الموقف الرسمي للشيعة (الإمامية) بقي متابعاً لأهل الحديث حتى نبغ بنو نوبخت والجنيد، ثم مجيء الرجل ذي التأثير الحاسم الذي كانه ابن المعلم المشتهر بالمفيد ومدرسته.
إن واحدة من مخاطر التفكير بالتاريخ الإسلامي عبر ترسانة المفاهيم والتقسيمات المذهبية إلغاء الحياة الحرة الفردية لهذا المفكر المسلم أو ذاك، إذ سرعان ما يتشكل بدوافع مذهبية متأخرة موقف فكري عام يعاد من خلاله إعادة تأويل منظومة أفكار وكتابات جميع المنسبين لهذا المذهب أو ذاك، مع إهمال لأشكال وصيغ انتماءاتهم المذهبية وطبيعتها الفكرية المتنفردة أو المستقلة. إن قول أنصاري باختفاء الاعتزال بنحو كلي بين (أهل السنة)، وانتشاره بنحو (واضح جدا) بين زيدية اليمن وعلماء الحلة والري وخرسان في القرن السادس الهجري وما تلاه، هو واحد من ضحايا هذا التفكير الذي أشرت له توّاً. فإن الفرضية الأقرب للتاريخ هو ليس تقسيم المواقف على أسس مذهبية قارة ونهائية، وإنما النظر أولاً لحياة كل مفكر على حدة، ثم ثانيا الأخذ بنظر الاعتبار التأثير العام الذي خلفه المعتزلة على حياة المسلمين الفكرية. فالحقيقة أن تراث المعتزلة مما تقاسمته طوائف المسلمين كافة، وكلٌ استفاد منه بحسب ما يتلاءم مع موقفه المذهبي، دون أن يصيروا (معتزلة) حقيقيين بالكامل. فالأشاعرة والماتريدية والزيدية والإمامية ... إلخ كلهم أخذوا من الاعتزال بمقدار ما يناسبهم ويحتاجون إليه، وعليه فلا يمكن القول باحتكار واحد من هؤلاء تمثيل الاعتزال، بل كلهم ليسوا معتزلة في الحقيقة والواقع، وإنما (يتعزّلون) إن صح التعبير. وقد أصاب جمال الدين القاسمي حين تحدث عن الجمهية وما يقال عن انقراضهم، وهو ما ينطبق على المعتزلة أيضاً، فقال: (وقد يظن أنها أمست أثراً بعد عين، مع أن المعتزلة فرع منها، وهي في الكثرة تعد بالملايين على ما ستعرف، على أن المتكلمين المتأخرين المنسوبين للأشعري يرجع كثير من مسائلهم إلى مذهب الجهمية، كما يدريه المتبحر في فن الكلام، والموزانة بين أقوال هؤلاء وأقوال السلف) (تاريخ الجهمية والمعتزلة: ص 9). إن تراث المعتزلة تناهبته الفرق وليس فقط ورثته، إما في الدلائل (أي المناهج والأدلة)، وإما في المسائل (أي في القضايا المناقَشة وفروعها)، ولا يخلو تراث فرقة من الفرق الإسلامية إلا وفيه من يكون أخذ بنحو أو آخر من المعتزلة، بما فيهم الحنابلة قبل القرن السابع الهجري (وبعده الأمر واضح مع ابن تيمية) بلغ الوضع مع أبي الوفاء ابن عقيل البغدادي الحنبلي (ت 513 هـ) (تلميذ أبي علي ابن الوليد وأبي القاسم ابن التبَّان المعتزليين) أن كتب كتاباً أسماه (إثبات التنزيه) قال فيه كلاماً وصفه ابن تيمية بأنه (يضاهي كلام المريسي) (لمزيد اطلاع راجع التلخيص المكثف والغني الذي قدمه ابن تيمية في "مجموعة الفتاوى" (ج 6 / ص 51) تحت عنوان: فصل في جمل مقالات الطوائف وموادهم).
والخلاصة التي أريد الإشارة إليها هنا مجملاً (وهي بحاجة إلى تفصيل أوسع في فرصة أخرى) أن ما هو أفضل من التعاطي مع تاريخ المعتقد الإسلامي كمذاهب وفرق هو اعتباره مواقف وآراء لمفكرين (قديماً أكَثَرَ أصحاب كتب المقالات والفرق من نعوت: الهشامية والضرارية والجاحظية والكرامية .. إلخ نسبة للمفكرين أنفسهم وليس مذاهبهم)، وهذا ما يمنحنا فرصة أكبر لتقدير التغيرات ورصدها بنحو تفصيلي أقرب للواقع وأعمق في دراسته. وهذا لا يعني أنني أمنع الحديث عن الاتجاهات العامة في الحياة الفكرية المسلمين، إذ إن من طبيعة التفكير خاصية التصنيف والتنميط، والواقع التاريخي يقول لنا إن هناك مذاهب تكوّنت واستقل بعضها عن بعض، بل واحتربت وتقاتلت وكفّر بعضها بعضاً، ولكن الفكرة هي أن وارء هذا الاتجاهات العامة مواقف فكرية فردية مستقلة لهذا المفكر أو ذاك، كما أن هذه الاتجاهات تتضمن في أحشائها تفاصيل في المناهج والمفاهيم والمناقشات والآراء وصياغات المسائل، ما يجعل من وصفها بصفة واحدة (كالقول إن المذهب الفلاني واضح الاعتزال جدا، والآخر اختفت فيه نزعة الاعتزال بالكامل) صعباً. الحقيقة التاريخية في تاريخ الإسلام هي أن الحياة العقلانية في هذا التاريخ مدينة بنحو عميق وجذري للمعتزلة، وأن جميع من تلاهم، حتى ممن ناوأهم، أخذ منهم هذا الشغف بالعقل ونقاشاته، واستعار منهم بمقدار حاجاته وميوله المذهبية. ولا يمكن الوقوف على هذا التغلل الاعتزالي في فرق المسلمين ما لم ندرس وبنحو تفصيلي صبور آراء وأفكار أعلام كل فرقة ومذهب، حينها سنصل إلى نتيجة "مزدوجة"، وهي أنه لا توجد فرقة بعينها تستطيع تمثيل المعتزلة بعقلانيتها الرفيعة من جهة، كما أن من العسير أن تكون هناك فرقة نجت من هذا التأثر العقلي الجارف من جهة أخرى.
في الختام أود التنويه بملاحظتين، أحدهما تخص الباحثين المعنيين بالدراسات الشيعية، والثانية تعم جميع الدارسين للفكر الكلامي الإسلامي:
الملاحظة الأولى: لطالما شكى الباحثون الشيعة من عدم انصافهم من قبل خصومهم من بقية الفرق الإسلامية، ونسبتهم مفكري وعلماء الشيعة في أكثر من مناسبة للقول بآراء وأفكار لم يقولوا بها. لقد أشرت لهذا الاعتراض في مناسبة قديمة وكنت واحدا من المنتقدين لهذا التعاطي غير العلمي، ولكنني أريد الحديث هذه المرة إلى أؤلئك الباحثين الشيعة أنفسهم، وخلاصة ما أرغب بإثارته أن يلتفت هؤلاء الباحثون إلى أن أحد مغذّيات هذا الاعتراض هو الدوافع المذهبية التي أشرت لها أعلاه، أعني رغبة البعض بخلق موقف "مذهبي" متماسك وموحد على حساب الحقيقة التاريخية، معتقدين أن في ذلك ما يدفع اعتراضات الخصوم عن مذهبهم، ويقدّمه بنحو أكثر نصاعة ونقاءً. وهذا ما حصل في مسائل عديدة، منها مسألة تأثر الشيعة بالمعتزلة واعتناق قدماء الشيعة (قبل نهاية القرن الثالث الهجري) لعقائد أهل الحديث. فعل هذا الشيء قديما الشيخ المفيد في (أوائل المقالات) ونبز جميع الشيعة المتقدمين (باستثناء النوبختيين) بأنهم "حشوية" (وهو لفظ قدحي استخدمه المعتزلة في نعت خصومهم)، وفعله حديثا السيد محمد باقر الصدر حين عد الأخبارية الشيعية القديمة (مستوى من مستويات الفكر الشيعي، وليس اتجاها فكرياً مستقلاً). إن المذاهب الفكرية التي لا تمتلك الشجاعة العلمية الكافية للحد من رغبتها في تكوين تاريخ مختلق، والتي تمتنع من الاعتراف بماضيها الفكري وما كان عليه أسلافها من عقيدة وسيرة وسلوك، تفسح المجال واسعا للتقول عليها ونسبة كل قول شاذ (حتى وإن لم يكن صحيحا تاريخيا) لها. بل إنني أذهب إلى أن موقف العقليين الشيعة المتأثيرين بالاعتزال، منذ النوبختيين وحتى المفيد، يتحملون المسؤولية المباشرة في اندثار تراث السابقين من الشيعة الأوائل، لأنهم أحدثوا قطيعة فكرية عميقة مع أسلافهم، وقادوا حملة نقدية لاذعة، جعلت من المستحيل على معاصريهم من الشيعة تدوين تراث أؤلئك ونسخه. ومع اندثار تلك المدونات القديمة، ونسخها وتأويلها تحت أغراض مذهبية، بمدونات مذهبية حديثة، حدث فراغ تاريخي هائل لازال يستغله "المذهبيون" لكتابة تاريخ مزوّر لا وجود له، مع أن الدراسات الحديثة (التاريخية والفيلولوجيا وغيرها) لم تفتأ تذهلنا باكتشافات مثير حول تلك الحقبة.
الملاحظة الثانية: هناك مهمة علمية لا يمكن الاستغناء عنها بحال، وهي كتابة معجم تاريخي لألفاظ المعتقد الإسلامي. لقد صدرت حتى الآن العديد من معاجم المصطلحات الفلسفية والكلامية، ولكنها في الغالب غير جامعة، وغير تاريخية، وهي تعود إلى مصادر متأخرة، كما عند الشهرستاني والرازي والآمدي والإيجي والتفتازاني والجرجاني. إننا بحاجة ماسة في إدارة كل نقاش جدي حول تاريخ الإسلام العقائدي والسياسي والاجتماعي، ومنذ بدايات ظهور الإسلام وحتى عصرنا الحاضر، إلى رصد تلك الألفاظ التي استعملت في تشكيل العقل الإسلامي، وتتبع معانيها واستخدامتها وحقولها التداولية والإضافات التي لحقتها والقائلين بها ... إلخ. ودون ذلك فإننا سنبقى ندور في حلقة مفرغة، وتذهب الكثير من الجهود التحليلية والنقدية بلا أي طائل. وبجملة واحدة يمكننا القول: إن الوعي التاريخي لمسارات الثقافة الإسلامية، بالمعنى الواسع لهذه الكلمة، هو المفتاح الحقيقي والأهم لفهم هذه الثقافة وتفكيكها وتجاوز بديهياتها التي عفى عليها الزمن.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,513,717
- الجديد القديم في السياسة العراقية وأزماتها
- العهدان الملكي والقاسمي والعقل السياسي الشيعي
- للمنددين بالمظاهرات
- ويلفرد مادلونگ ونقص الترجمة في حقل الدراسات الشيعية
- هل نحن ناضجون؟
- كيف ندافع بنحو صحيح عن التفلسف الخلَّاق ؟
- هل كان الصدر سياسيا فاشلا؟
- مهنة الفيلسوف
- أحوال ملوك التتار المغول
- لماذا استهداف مساجد الشيعة؟
- الأنموذج الملهم بفعل الخير
- العرب على مفترق طرق اللاهوت
- البصرة والخليج الداعشي
- السلم أولاً
- المغمور من تراث الصدر الفقهي والأصولي .. جذاذات أبحاث منتظرة
- ما يشبه بيانات القمة
- مأزق الإله الرسالي
- المسألة الدينية ومحطات الوعي الثلاث في الثقافة العراقية
- إدارة التوحش
- ما يستفزني


المزيد.....




- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...
- مناقشة أولى رسائل الدكتوراه في مجال العلوم الإسلامية بروسيا ...
- مصر... المؤبد لـ11 متهما من -الإخوان- والسجن 15 عاما لـ106 ف ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي المدن - الإرث الفكري للمعتزلة بين التسنن والتشيع