أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عائشة التاج - قراءة في رواية الشرنقة والفراشة , للروائي محمد زهرة ,















المزيد.....

قراءة في رواية الشرنقة والفراشة , للروائي محمد زهرة ,


عائشة التاج

الحوار المتمدن-العدد: 5275 - 2016 / 9 / 4 - 00:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قراءة في رواية الشرنقة والفراشة ,
للروائي محمد زهرة ,



مقدمة :
تدخل رواية الشرنقة والفراشة في صنف الروايات التي يطغى عليها هوس السؤال الفلسفي العميق حول هوية هذا الإنسان في علاقته بالكون ،بالتاريخ ،بالدين بالثقافة وبالطبيعة بشكل خاص .
اسئلة وجودية قلقة تشكل محور اهتمام الكاتب في هذه الرواية أو رواية أمير الفناء التي تلتها , لتخرج بنا من تلك التيمات المتداولة في حقل الأدب وتزج بنا في قارب أسئلة الخلق والتكوين وهو يمخر عبابها من خلال أحداث رواية تخرج عن المألوف جملة وتفصيلا سواء من حيث المضمون أو من حيث الشكل ,إذ لا تترك للقاريء ترف الاكتفاء بمتعة تتبع أحداثها بل تجعل منه شريكا فاعلا ،عليه تنشيط مهاراته في التلقي لفهم متنها الفكري والأدبي ,وهي تتواتر أمامه من خلال حبكة أحداثها الغريبة ,
شخصيات الرواية :
جد وجدة يمثلان الفئة المثقفة ،الحريصة على تدوين أحداث التاريخ وصياغة الأعراف والقيم الاجتماعية والعمل على
فرض احترامها وسيرورتها داخل حياة "الوادي" الذي يشكل المتن المجالي للرواية , فالجد قدم كمؤلف يبعث بفصول روايته
لحفيده الطالب الجامعي بقسم الفلسفة , وهذا الأخير يتقاسم معطياتها مع بنت عمه ويتناقشان فيها بحماسة ,,,
الراعي الأخرس والأنثى البدائية شبه المجنونة اللذين يمثلان دور البطلين الأساسين , المتمحور حول ثنائية الذكورة والأنوثة في صياغتهما الطبيعية الفطرية كما شكلتها أيادي الطبيعة وخارج منطق التعقيدات المسماة "حضارية " .
اختارت الأنثى البدائية أن تعيش في كهف قريب أسفل شجرة جد عتيقة وجنب بحيرة قريبة من غابة ، أما الراعي الأخرس فيقضي جل يومه بمحاذاة البحيرة والكهف وهو يرعى ماشية الأرملة و متسلقا الشجرة الأسطورة التي يطل من خلالها على باب الكهف ومن ثمة على الأنثى بتلذذ عجيب لم يدر كنهه ,,,,,
سينجذبان لبعضهما البعض حسب إيقاع غريزي طبيعي ويكتشفان معا متعة الجنس والحب الذي سيثمر مولودا سيسميه المؤلف : آدم .
رموز و دلالات :
الأسماء :

حظي وليدهما باسم معروف ودال ،فآدم هو الجد الطبيعي للبشر كل البشر .
و اكتفى بتسمية والدته بالأنثى فقط ،ذلك أن أنثى زمن الرعي لاوظيفة لها غير الإنجاب والطهي وسمى والده بالراعي بإحالة إلى الوظيفة التي يمارسها :الرعي ,
,العجيب أنه جعل منه إنسانا أخرس , ربما ليتماهى أكثر مع الأصوات الطبيعية للنباتات والحيوانات , علما أن إنسان ذلك الزمن لا يحسن الكلام ولا اللغة ولا يملك علما أو معرفة خارج العلم الكوني الكامن في روحه كشفرات للروح الكونية الأم الحاضرة في كل الكائنات ,,,,
أما الجد والجدة فيرمزان للموروث الفكري والمثولوجي ،للثقافة التي توازي الطبيعة باعتبارها بنيتها الفوقية أو الصياغة العقلية للحياة البشرية المتواترة عبر الحقب والأزمان والساعية لتنظيم الحياة الإنسانية وضبطها ضمن قوالب محددة سلفا بتخطيط السلف الذي أعطى لنفسه هكذا مهمة يمررها للأولاد والأحفاد ,,,,,الذين من المفروض أن يهملوا على احترامها وإعادة إنتاجها وفق تعاليم وتوجيهات صارمة تقولب عقل الإنسان ووجدانه ,إنها الشرنقة ,
كما يشكل الحفيد ، الطالب الجامعي وبنت عمه الطالبة أيضا ومعهما الفتى ابن الأرملة رمزا لفئة الشباب التي تناط بها مهمة التفكير والتغيير بما قد يتلاءم مع قيم الخير و الجمال و الوحدة الكونية . الاستمرارية والتغيير ,الاحترام والتمرد الهاديء ,
قيم تتكرر في كتابات المؤلف محمد أبو زهرة الذي يصر على تقديم الإنسان كجزإ لا يتجزأ من الطبيعة ومن عناصر الكون المتلاحمة فيما بينها تلاحما دقيقا ،متآلفا بالمحبة والعطف وقيم التعايش , كبديل عن حضارة وهمية تقتات على النزاعات والحروب والتكنولوجيا المدمرة للطبيعة وللإنسان ,,,,
ولد آدم بطريقة فطرية طبيعية في كهف تتعايش فيه الأنثى ، مع الكلاب والحشرات والسناجب والقطط بوئام طبيعي ,
من أب فطري وأم فطرية ، لا يتواصلان بلغة الناس السائدة بل فقط بالإشارات والمأمأة و خارج الزيجات التي تعتبر شرعية لأنها مباركة من المعبد ومن أعراف العشيرة ,
لذلك سيتحالف الجد والجدة والارملة ويبنون لهما كوخا ويزودوهم ببعض المستحقات اللازمة للعيش وبعدئذ سيسعون لاختطاف الطفل من والديه الأصليين ويجعلونه يعيش في بيئة يعتبرونها متحضرة ,بعد أن لاحظوا ذلك الانسجام الغريب مع الحيوانات ومستوى القذارة المقززة ,
إنه صراع زمن ضد زمن , الحضارة المفترضة ضد الفطرة والطبيعة , وهو صراع مشرعن بقيم تعتقد نفسها في مصلحة الوليد آدم وهي تقتلعه من بيئته الأصلية ،تغتصبه كما عبر عن ذلك المؤلف ,
لكن الحفيد ومعه الفتى ابن الأرملة سيقرران شيئا آخر ، سيحملهم تعاطفهم مع الراعي والأرملة وحقهم في الأبوة الكاملة لآدم
وحقهم في العيش الطبيعي إلى حملهم داخل زورق إلى الضفة الأخرى للبحيرة واختراق أدغال الغابة مسافات بعيدة إلى أن وجدوا مكانا آمنا لا تطاله أيدي المتطفلين المغتصبين .
هناك عاش الأبوان وترعرع آدم رفقة العنزة و الأشجار والكلبة والسناجب وباقي الحشرات على إيقاع دورة الأقمار والكواكب والنجوم والمجرات ,,,حيث يرضع الجميع من مشيمة رحم هذا الكون الذي يحضنهم جميعا في محبة وحنو متبادل
مثلما يرضع الجنين من مشيمة رحم أمه قبل سقوطه المدوي في دنيا تملأها الغربة والتحديات ,,,,
ولن ترجع الأسرة لمكانها الأصلي إلا بعد وفاة الجد , بتواطؤ جميل من الحفيد المثقف و ابن الأرملة المثقف باأخلاق الفطرة
السليمة وتجارب الحياة حيث الشهامة والصبر وقوة التحمل والانتصار للخير بكل تضحية وجلد وحب , من خلال مساعدة الراعي و أسرته وكتم سره عن باقي السكان إلى أن نضجت الشروط ,,,
آدم الأمس ،آدم اليوم :
ألا تعكس حكاية المولود آدم ، حكاية الإنسان نفسه انطلاقا من أبيه آدم وعلاقته بحواء ،بالجنس والحب الذي أخرجه من جنة السماء إلى الأرض وتحدياتها : الخطيئة والعقاب واللذة والاكتشاف والتأقلم مع عناصر الحياة كفاحا مستميتا ؟؟؟
ذلك أن غريزة الجنس "المحرم اجتماعيا " والمفروضة طبيعيا هي التي أخرجت الراعي و أنثاه من بين سكان الوادي وأرجعتهم لحضن الطبيعة ,,,,,في أدغال الغابة بكائناتها الأليفة و المفترسة , بغلاتها وأشواكها ,,,
تلك اللذة التي جعلتها تعاليم الأجداد وخصوصا الجدات المسؤولات عن سيرورات التنشئة مضمخة بثقل منطق الخطيئة والعقاب ؟؟؟
ألا تعكس هذه التجاذبات من خلال كيفية رعاية آدم الصغير ،تجاذبات الإنسان ما بين تيار "الفطرة "وتيار "الحضارة " ، تيار الطبيعة ، وتيار الثقافة الشوهة والمنحرفة عن الحس السليم كما يقدمها لنا المؤلف ؟؟؟،
يقول الكاتب بكل وضوح وهو يعالج هذه التقابلات: لقد تضخم الإنسان بشكل سرطاني عنما أنتج عقله من التكنولوجيا ما يضر بالطبيعة بل بوجوده الطبيعي نفسه وأساء لسلاسة العيش ضمن حضن هذا الكون الذي من المفروض أن تتعايش مختلف عناصره وتتغذى بعضها من بعض وتتفاعل مع بعضها البعض وفق نظام كوني دقيق مبرمج في ذاكرة الكون بشكل مسبق .
ذاكرة الإنسان ، ذاكرة الكونية :
تشكل "الذاكرة " أحد التيمات الأكثر حضورا في رواية الشرنقة والفراشة , فذاكرة الإنسان تتلاقح فيما بينها ,,,,كل منا يحمل في
ذاته ذاكرة آلاف أجداده ,,,,,والأرواح التي تفاعل معها بشكل مباشر أو غير مباشر ,,,,بل يذهب بنا إلى أصل الإنسان وذاكرته الحيوانية وهو يمشي على أربعة أطراف مثل كل الحيوانات ,,,,,,,ولم يصب الإنسان بالغرور والغطرسة إلا عندما أصبح يمشي على رجلين ويرى بالتالي السماء والكواكب والنجوم ,,,,فحمل إلهه من الأرض إلى السماء وجعل منه إله متغطرسا جبارا مخيفا وراح يحتكم إلى تعاليمه المرتكزة على الوعد والوعيد ,,ففكرة العقاب ترتكز على الحقد والضغينة التي هي فكرة بشرية بامتياز ولا علاقة لها بحنو هذا الكون الذي يحتضن مخلوقاته كل مخلوقاته برعاية بالغة مثلما يحضن رحم الأنثى جنينه بحب لامشروط
ويجعله يستمتع ببالغ الطمأنينة والهدوء وهو يقتات من مشيمته بكل كرم وسخاء ,
يعالج المؤلف تكون الفكر الأسطوري المبني على خوف الإنسان وجهله لمكونات الطبيعة ,وسطوة الأسطورة على حياة الإنسان ,وارتباط المقدس بالمدنس ,بل اندماجهما أحيانا ,
لقد أحيطت الشجرة العتيقة والكهف المحاذي لها بهالة أسطورية , ونسجت حكايات خرافية من خيال الساكنة كانت سببا في حماية
سكان الكهف من عدوانية بعض البشر , وهكذا تمكنت الأنثى البدائية من العيش بسلام داخله بدون أن تتعرض للاغتصاب من طرف ذكور الوادي ,,,,خوفا من تلك الكائنات الخرافية المفترض أنها تحتل مساحة الكهف ،بل أغضان الشجرة المباركة ,
هل ترمز الشجرة العتيقة بأغصانها الذابلة ،الجافة التي تسكنها الحشرات والأفاعي إلى تفرعات الجنس البشري الذي تتحكم فيه الخرافة والخوف وأثقال ماضي تتراكم فيه الأفكار الجافة والعقيمة ؟؟؟
تقابلات كثيرة تؤثت متن الرواية وتوخز فكر القاريء حول قضايا جوهرية في حياة الإنسان شوهها الفهم البشري القاصر والمتغطرس بجموده وتكلسه ومحدوديته ,
لقد جعل الإنسان من نفسه سيدا للمخلوقات وهو ليس إلا عنصرا من عناصرها ,,,,وجزءا لايتجزأ من الطبيعة التي جعل منها المؤلف أخد شخوص الرواية الأكثر فاعلية ,فالطبيعة ليست جمادا سلبيا كما علمتنا كتبنا المدرسية ، بل تتضمن شفرات الكون وتفعل وفق ما طبع في ذاكرتها من معطيات كامنة وقابلة للتفعيل عند الحاجة ,لتنتج تفاعلات منسجمة ومتناغمة في تلاقحها وتعاونها وصلاحية بعضها للبعض الآخر ,
الطبيعة هي الموجه للإنسان إذا حرص على التناغم مع سننها التي تنتظم وفق نظام كوني ،سلس ، يعمل على تخصيب الحياة في كل تجلياتها : النبات والحيوان والمجرات والكواكب و الإنسان أيضا ,
الذكورة والأنوثة :
ومن هنا فأعمدة التخصيب تتكون من ثنائية الذكورة والأنوثة التي من المفروض أن تكون متوازنة وتعمل وفق نواميس الطبيعة السلسة والبسيطة والتلقائية .
ومن هنا فإن ماقام به الإنسان من هيمنة ذكورية عبر التاريخ هو تشويه للمنطق الطبيعي وللفطرة السليمة ,
فالأنثى كانت هي أصل الكون ، منها تتخصب وتتجدد الحياة والذكر ملقح لرحمها الواعد بالحياة وحامي لها ولأولاده من الاعتداءات الخارجية .

الإنسان الطبيعي مسالم بطبعه ،خير بطبعه ،ودود بطبعه مع كل المخلوقات ولا يستعمل أسلحته إلا للدفاع عن نفسه وأسرته من
أي اعتداء محتمل ,غالراعي حختى وإن حمل بلطته فهو لا يستعملها إلا نادرا ,
الإنسان الطبيعي : قنوع ويكتفي بتغطية حاجياته الضرورية مما توفره له الطبيعة السخية من خيرات ,
الإنسان الطبيعي يقتسم الموارد مع الحيوانات الأليفة ،بل بتآلف معها ويشاركها مشاعر الألفة والحنو وهي أيضا تفعل نفس الشيء ,
فحتى الأشجار عانقت الراعي خلال محنته وهو يعاني من اختطاف طفله من طرف سكان الوادي "المتحضرين "
وشاركته حزنه وهواجسه وكذلك فعلت الكلبة والعنزة والسنجاب ,,,,,جيرانه الدائمون ,
وحتى الأفاعي تتحول إلى جارات غير معتدية في رواية الشرنقة والفراشة إذا ما عوشرت بسلام ,
بل إن الاختلالات المحتملة كالأمراض تجد علاجها الطبيعي والتلقائي ضمن منظومة الطبيعة نفسها
فما من مرض إلا وجد دواؤه ضمن الأعشاب والطحالب التي تزخر بها السهول والجبال والبحار والبحيرات
حيث يقترح الكاتب الطب البديل مكان المشافي العصرية التي قد تحمل تناقضاتها الخاصة بما تخلفه من تداعيات جانبية في
طرق تطبيبها من خلال بعض تدخلاتها التعسفية في جسم الإنسان ,
وللطقس مفعوله في تغير المواسم والفصول الطبيعية وحتى البشرية ,
فللرعد والريح و العواصف و المطر وظائف أخرى لدى البشر ,,, فهي تفتح مسام التحولات اللازمة , ذلك أن عواصف النزاعات والخصومات والتوترات هي محرك التغيير لدى الكتل البشرية تماما مثلما تتغير الفصول من موسم لأخر ,
للزمن مفهوم آخر داخل الرواية , فهو زمن متصل لابداية له ولا نهاية له , ليس هناك ماضي أو حاضر أو مستقبل
بل تحضر كل هذه التصنيفات التعسفية للبشر داخل زمن الرواية التي تنقلنا ما بين زمن جدنا آدم وحاضرنا الذي يدعي التحضر ضمن تقابلات متفاعلة تذكرنا بمواصفات الإنسان وتجاذباته ما بين الخير والشر مثلما تنتظم دورة الكون ضمن فصول متواترة : تحمل الحر والبرد والقيظ حسب دورة الكواكب ،تحمل الخصب والجفاف ، النور والظلام ، الجمال والقبح ،الطمأنينة والخوف ,,,,
تقابلات تذكرنا بمحنة الإنسان وهو يواجه تحديات حياة حابلة بالمجهول ، برحلة الكشف والاكتشاف اللامحدودة عبر الزمان والمكان ، بهجرات الإنسان المتعاقبة من خلال تنقلات شخوصه ما بين الوادي والعاصمة ـ،مابين التحضر والطبيعة في فطريتها وتلقائيتها ,,,,
كما تذكرنا أيضا بهمجيتنا "المتحضرة " ونحن نجعل من الآلة سلاحا لتدمير الحياة
،باقتتالاتنا ونزاعاتنا المدنسة بمقدس هو من وحي خيالاتنا المثخنة بالخوف والرعب والحقد وحب السيطرة والتملك التي هي صفات بشرية لاعلاقة لها بإله جميل ،سخي معطاء يحضن مخلوقاته ،كل مخلوقاته بوافر محبته ورعايته وينبع من خلالها كلها
كرمز للخير والخصب والعطاء ,
ذلك أن داخل كل منا بذرة هذا الأله الخير العطوف وقد تخصب أكثر فأكثر كلما أخصبنا بداخلنا قيم الخير والحب والجمال ,,,
وهذه رسالة يؤكد عليها الكاتب ضمن هذه الرواية أو رواية أمير الفناء ضد الجشع وضد العنف والاستهلاك المفرط لموارد الطبيعة , ضد غطرسة الإنسان وتغوله ضد باقي الكائنات وضد البيئة والمجال ,
رواية فكرية بامتياز ،تميل كفتها للفكر على حساب العناصر الأدبية ,
فجاءت حبكتها ناقصة من حيث السلاسة والتشويق , إذ لا يلتقط القاريء خيوطها الناظمة بسهولة ويسر ,أو هكذا خيل إلي وأنا أقرأها للمرة الثانية فتنفلت الأحداث والشخصيات من يدي مثلما ينفلت الزئبق ,
أما شخصيات الرواية فلم يكلف الكاتب نفسه إعطاءها اسما ، مثل "الأرملة " و"ابن الأرملة "و"الراعي " والأنثى والجد والجدة والحفيد والحفيدة وابنة العم ,,,
اكتفى بالنسبة للبعض بصفاتها البيولوجية كالانثى أو بالصفات الاجتماعية المحيلة على الترابط البيولوجي كالجد والجدة والحفيد ,,,
الأرملة وصف اجتماعي يحيل إلى زوجة الرجل المتوفي ,
أما الراعي فاستحوذ على صفته الوظيفية ،فمهنته رعي المواشي ,,,,,,
ووحده الوليد حظي باسم آدم ،جد البشرية ,
حظي الجد بمكانة محورية أكثر من الأب المنجب البيولوجي المباشر " وكان الجد في الرواية كاتبا مثقفا و هو بذلك يرمز للموروث الثقافي ،للموروث الميثولوجي الذي أبدعه عقل الإنسان وهو يمارس اكتشافه لهذا الكون الذي لازال عصيا ،منفلتا من الفهم ,,,,
التوازن الغائب ، التوازن المنشود ،:
وحتى وإن ادعى الكاتب حرصه على التوازن بين الذكورة والأنوثة فقد جعل المرأة في روايته سلبية أو فاعلة بشكل تابع للرجل في أحسن الأحوال . فالأرملة التي هي مشغلة للراعي ورئيسة أسرة تعيلها لم يتمكن من أن يجد لها اسما أو وصفا غير كونها أرملة ،زوجة لرجل متوفي ,,,,,
وابنة العم ، كشابة مثقفة تحضر باعتبارها تقرأ فقط ما يكتبه الجد أو ابن عمها من أوراق ,,,,,تحضر من خلال الإنصات للحكايا السرية فهي أمينة لسر يحتاج من يقتسم معه ثقل مشاركته والحفاظ عليه إلى أن يحين وقت إفشائه , مجرد أنيسة لابن عم يتصرف ويكتب ويعارض ويخطط ,,,: يفعل في الأحداث ,أما هي فمجرد مرنسة أو ليس مصدر النساء من الأنس في في اللغة العربية ؟؟؟
والأدهى من ذلك فالبطلة الأنثى هي مجرد أنثى ، شبه مجنونة ،لاتملك عقلا عاقلا يفكر ،تعيش بالفطرة فقط وتسير جسدها بالفطرة ,,,,
حضور باهت للنساء في رواية الشرنقة والفراشة رغم بعض الإشارات التي يسعى الكاتب من خلالها لإبراز دور لايخرج بتاتا عما سطره الفكر الذكوري العقيم ,ماضيا وحاضرا : الدور البيولوجي والجنسي ليس إلا ,

الحضارة أو الفطرة ؟؟


يدعو الكاتب من خلاله روايته للعودة إلى الطبيعة ،إلى الجذور الحقيقية والتناغم مع مكونات هذا الكون بعيدا عن كل عناصر ثقافتنا التي يراها منحرفة عن الحس السليم
يدعو أيضا إلى استعمال "الوجدان مكان "العقل " والحدس مكان التفكير الذي يجعل الإنسان كائنا متعاليا على غيره من الكائنات
فبالوجدان تربطنا عاطفتنا مع باقي الكائنات برباط المحبة والألفة المسهلة لشروط التعايش والتعاون عوض ركب موجة الغطرسة والسعي لاغتصاب الطبيعة ومكوناتها تحت ذريعة التفوق ,وامتهان الصراع والتوتر .
لغة الرواية : لغة دقيقة تنبيء عن تمكن الكاتب من خزان لغوي غني لكن الصياغة قد تفتقد للسلاسة وحبكة الأسلوب أحيانا
ولاتخلو من أخطاء لغوية أو تركيبية أو نحوية ,
لغة تميل للتعقيد وتتعب القاريء المتمكن فما أدراك بالقاريء العادي .

مما يجعل من روايات محمد زهرة روايات للنخبة أو نخبة النخبة ، ليست في متناول القاعدة الواسعة للقراء وهذا اختياره
الذي نحترمه ،فله ما له وعليه ما عليه ,
عموما رواية تقول لقارئها قبل أن تقرأني تسلح بالمعرفة الميثولوحية والتاريخية والفلسفية لعلك تقبض على مفاصلها ,
وتطرح أمامه أسئلة وجودية لازالت تضج بالحيرة ومتعة السؤال الذي قد لا يفضي إلا لأسئلة فرعية ستظل تتناسل وتتناسل
ونحن نركب زورق الكشف والاكتشاف حول قصة الخلق والوجود البشري ,,,,ضمن بحيرة معرفة بشرية داخل هذا الكون المترامي الأطراف ماوراء إدراكنا المحدود جدا جدا ,
وتبقى آراؤه قابلة للنقاش فما بين ألوان قزح قد تتموقع أراء وسيطة في اختيارتها للخط الوجودي المناسب ,,,خارج ثنائية الفطرة البكر والحضارة التي يراها الكاتب من جانبها السلبي فقط إذ لا يوجد الأبيض والأسود فقط .


عائشة التاج ,البيضاء , الدار البيضاء ,‏03‏-09‏-2016





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,601,671
- الكبش وبعض تداعياته الاجتماعية
- الأديان وسؤال الأخلاق
- قبل شاردة
- قراءة في رواية -أمير الفناء- الجزأ 2 الرموز والدلالات
- قراءة في رواية أمير الفناء لكاتبها : محمد يوسف زهرة ,
- انتصار للحياة
- أداعب أهداب الشوق .
- سؤال الحب ,
- رحماك أيتها الشمس
- استضافة من طيفي
- الحب في منظومتنا كائن هلامي ,
- اتركني ألتقط فيض النبض
- أتفقد بتلات الحلم كل صباح
- بهجة الأشياءوبهجة النفوس
- دكتاتورية الأعراف الاجتماعية
- ما أروعك لغتي
- أصل الكون أنثى
- زمن العراء
- قلادة من نبض
- احتفاء بالذكرى الخمسينية لمجلة أنفاس المغربية بالرباط


المزيد.....




- اليمن... -أنصار الله- تسيطر على مناطق غرب الضالع وتقطع إمداد ...
- مادورو يؤكد سيطرة حكومته الكاملة على فنزويلا
- دوتيرتي يهدد كندا بالحرب
- استمع إلى صوت المريخ
- لماذا خططت -جماعة أمريكية مسلحة لاغتيال باراك أوباما-؟
- حرب اليمن.. ربع مليون قتيل وثلاثة سيناريوهات
- ترامب يقرر عدم حضور مسؤولي إدارته حفل العشاء السنوي لمراسلي ...
- قطار زعيم كوريا الشمالية المصفح يعبر الحدود الروسية
- الثَّوْرَاتُ مُحَصَّنَةَ ضِدِّ السَّرِقَةِ
- سَيِّدِي زَيْنَ العَابِدِينِ .. التَّهْرِيجُ لَا يَلِيقُ بِم ...


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عائشة التاج - قراءة في رواية الشرنقة والفراشة , للروائي محمد زهرة ,