أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفصل الثاني من الرواية: 4















المزيد.....

الفصل الثاني من الرواية: 4


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 5225 - 2016 / 7 / 16 - 10:19
المحور: الادب والفن
    


لو عنَّ لي مقارنة مراكش بإمرأة ( كما فعلَ أدباء عديدون شرقاً وغرباً مع مدنهم )، لاخترتُ " غُزلان " بغير تردد. وربما أنّ هويّة أهل المدينة، هيَ أوّل ما يُمكن أن يبرز في هكذا مقارنة مهما تكن عبثية؛ هوية مُوزّعة بين إثنيتين عربية وأمازيغبة، وبين إنتماء للريف والحضر في آن. في هذا المقام، يُنظر أيضاً إلى الشغف الشديد بالفن؛ كهواية أكثر منها إحترافاً. كذلك الأمر، بخصوص التديّن العميق والنزوع للمرَح والقدرية والخرافة والشعوذة وكلّ الأهواء المماثلة. ناهيك عن المُفارقة في المَسلك والتفكير؛ كالنظافة والقذارة، الرقيّ والابتذال، الرفعة والرقاعة، السموّ والانحطاط، الحرية والعبودية الخ. إلا أنّ أهمّ أشكال هذا الشبه المُفترَض، هوَ الرغبة الجنسية المكبوتة، التي تطفو بنوعٍ من الإباحية لا يُمكن تصوّرها في أيّ مدينة إسلامية. يتعيّن التشديد أيضاً، بأنّ مراكش لا ندَّ لها بين مدن المغرب.
وإنها مراكش من صنعَ أسطورته بنفسه، بعيداً عن أساطير الحواضر الأخرى. إنّ مدناً كدمشق والقاهرة وحتى طنجة المغربية، تتواشجُ أساطير تأسيسها بما نعرفه من قصص التوراة والقرآن*. مراكش، وعلى النقيض من ذلك، شاءت أن تأسطر وجودها لا جذورها. إنّ ألقابها بشكلٍ خاص ( مدينة النخيل، الحمراء، البهجة ) لتوحي بهذه الحالة المادية الآنية لا الروحانية الغابرة. هذا دون اغفال حقيقة، أنّ لقباً أكثر جدّة، صوفياً، قد التصقَ بمراكش؛ " مدينة الرجال السبعة ". وعلى أيّ حال، فإنها مدينة للإحتفاء بالحياة لا لتمجيد الموتى. ويكفيها ساحة جامع الفنا، كي تُصبح أبهجَ مدينة في العالم. هنا لا نداء باسم الميت من الجامع، لا نعوة، لا جنازة، لا عويل، لا عزاء. مدينة للجمال، مستزرعة بالورود والخمائل والعرائش والأشجار ختى داخل دروب أزقتها وعلى مداخل بيوتها وفوق أسطحها. مدينة مضيافة، لا يُزعج خاطرَ أهليها المتسولون والمتشردون واللاجئون والكلاب والقطط والكراكي والأفاعي والعقارب والذباب والناموس. مدينة، لا يُمكن أن يُحتقر فيها زنجيّ بعلامة لونه أو يُقصى نصرانيّ بسبب دينه أو يُضطَهَد يهوديّ بحجّة الصراع العربي الإسرائيلي.
" غُزلان "، كانت إذاً نظيرَ مدينتها. ولكن، كحالة صيرورة أكثر منها وجودية. بمعنى أنّ شيَمها الريفية تكادُ أن تتغلب على صفاتها الأخرى، المُكتسبة. بصرف النظر عن شيَم المكر والخبث والانتهازية، فقد بدا لي شخصياً أنّ هذه المرأة الصغيرة لا تتورّع عن فعل أيّ شيء يتوافق مع مصالحها ورغباتها ونزواتها. غير أنها، في المقابل، كانت تفعل ذلك بمظهرٍ من البساطة والعفوية والبراءة. حداثة سنّها، كانت تشفع لها غالباً عند الآخرين. ولعل " غُزلان " رغبت في أسطرة ذاتها، متل مدينتها سواءً بسواء. إلا أنها انتهت إلى مآل أسطورة " حمو أونامير " *، حينَ تقمّصَ زوجُها اسمَ ذلك البطل بشكلٍ صوريّ وهزليّ في آنٍ واحد!

***
في صيفٍ سابق ولعدة أيام، كانت الأسرة قد حلّت في مدينة موغادور* هرباً من قيظ مراكش. كان الوقت مساءً، لما جلست " غُزلان " إلى يسار حماتها على الحاجز الحجريّ العريض، الفاصل ببن الكورنيش والشطّ الرمليّ. شريطٌ فضيّ من أنوار الشارع والسيارات، كان آنذاك يُزيّن العتمة البهيمة. أبعد عند قوس الشاطئ، أين الفيلات والفنادق والمطاعم والمقاهي، كانت الأضواء تُشكّلُ منظراً ساحراً لا يُمكن أن يُضاهيه أيّ مكان آخر على الأرض. كذلك كان رأيُ السيّاح الأجانب؛ هم من يعرفون جيداً السواحل الرملية لإسبانيا وإيطاليا واليونان علاوة على جزر الباسيفيك. " للّا بديعة "، كانت منشغلة عن كلّ هذا السحر بمحادثة ابنتها. فلما التفتت على حين غرة إلى الكنّة، راعها أنّ هذه كانت مُلتصقة بأحد الشباب المصطافين وتبدو منسجمة معه في كلامٍ خافت الجرس. صيحة مُصمّة، جعلت الفتى يقفز هارباً. رفيقة الجلسة الرومانسية، ما لبثت أن ضُربت على أم رأسها بحقيبة الحماة، الجلدية: " الله يعطيكِ المسخ! " *.
على العشاء في يومٍ تال، كانت " غُزلان " مع الآخرين في صالة الشقة المُستأجرة. بين حينٍ وآخر، كانت عينا المرأة الصغيرة تتعلّقان بجهاز التلفاز لمتابعة فيلمٍ عربيّ رومانسيّ من بطولة رشدي أباظة. فلم تأبه بوجود " حمو "، حينَ قالت فجأةً وهيَ تنظر بشكلٍ موارب إلى زوج أخته الفرنسيّ: " كم يُعجبني الرجل، الأشيب شَعر الرأس! ". لحُسن الحظ أنّ " سُمية "، الشديدة الغيرة، كانت إذاك موجودة على الشرفة تُساعد في إنضاج فواكه البحر على جمرات موقد الشواء. إلا أنّ " حمو "، كمألوف عادته غبّ هكذا مواقف مُحرجة، " عاقبَ امرأته في تلك الليلة، بأن ناكها عنوةً من زكّها " *ـ كما أخبرتني شقيقته بطريقتها الطريفة والمكشوفة.
مراكش، مدينة الشهوات المباحة. ولو نأينا بأنفسنا عن أيّ مقارنة إعتباطية، فيمكن الإفتراض بأنّ " غُزلان " تصلحُ أن تكون موديلاً لفنانٍ محليّ، أو كَاوري، جازَ له رسمها كرمز للمدينة. هيَ بنفسها رسامة ماهرة، كما عَلِمنا، وكان من الممكن صقلُ موهبتها البكر. ولكن عندما سنحت الفرصة لذلك، تذكّر الرجالُ المعنيون أنّ " غُزلان " هيَ مجرد جارية للجنس الرخص. الصرخات الليلية، المُفعمة بالغلمة والشبق، التي كانت تصدر من الدور الثاني للفيلا، لهيَ دليلٌ على تلك النظرة الذكورية. في صباح اليوم التالي، كان يتمّ عادةً استنطاق المرأة الصغيرة من لَدُن " خدّوج " وذلك فقط لسماع الجملة المثيرة: " قضيب شقيقك ضخم، ياختي!، وهوَ يصر على ايلاجه كله ".

***
كان عليّ بدَوري أن أنصت لصديقتي " خدّوج "، لما راحتْ تقصّ مزيداً من حكايات كنّة المنزل، الغريبة الأطوار. على أنني فوجئتُ فعلاً، لدى علمي بأنّ " غُزلان " كانت تفصح عن شغفها الشديد بابن أخت زوجها، غير الشقيقة. " غني " هذا، كان شاباً بمقتبل العُمر نشأ في مراكش؛ هوَ المولود في مدينة ورزازات، النابتة كزهرةٍ مُستحيلة بين جبال الأطلس والصحراء الكبرى. ولأنني سأقابله لاحقاً في دار جدّه، فيمكنني وصف هيئته باختصار. كان كأغلب المنحدرين من تلك المدينة؛ شديد السمرة ولطيف الملامح، طويل القامة وقويّ البنية. الجدّ الراحل، كان يؤثر بمحبته هذا الشاب ويتوسّم فيه إكمال مسيرته ـ كمعماريّ محترف. هذا وبصرف النظر عن حقيقة، أنّ " السيّد الفيلالي " ما كان يطيق والد الشاب مع أنه هوَ من سبق وعلّمه صنعته ثمّ زوّجه كبرى بناته. خلال دراسة " غني " في معهدٍ متوسط للعمارة، كان يقيم في مزرعة خاله " سيمو " على طرف محلّة الداوديات. آنذاك دأبَ الشاب باستمرار على زيارة الفيلا، وإلى حين حلول الخصام في العائلة بعيدَ وفاة عميدها. أثناء إحدى تلك الزيارات، سُرَّ " غني " باكتشاف موهبة الرسم لدى عروس خاله، التي لم يكن عُمرها وقتئذٍ ليتجاوز الخمسة عشر عاماً. كانت بعدُ جارية مبتدئة، مُنتزعة تواً من عالم طفولتها.
قبل وقتٍ قصير من لقائي الأول مع ابن الأخت، كادَ أن يحدثَ في الفيلا شرٌ مُستطير. كان حدثاً يمتّ للماضي المُخزي، الذي سبقَ وألمعتُ إليه بخصوص طفولة " غُزلان ". والد هذه المرأة الصغيرة، حضرَ إلى المنزل في زيارة نادرة. صادفَ ذلك خروج " للّا بديعة " وكنتها من الدار، للتشرّف ببركة الوليّ ذي الرمم الشافية. مرَّ الرجلُ العجوز أولاً على صهره في المحل، ثمّ قَدِما سويّة للدار. في الأثناء أفقتُ مرتعبة، مرتعشة، على أثر كابوسٍ دهمني خلال إغفاءة مُبتسرة. عندئذٍ، شعرتُ بلمسة شيطانية ما تفتأ تموج فوق جبيني. شمسُ الضحى، الساطعة، كانت تنبئ بكون إغفاءتي جدّ قصيرة. تنفّستُ بعمق على أثر سماعي لوقع خطى شقيقي، المألوفة. يبدو أنّ حركته داخل الشقة، هيَ مَن أيقظني مِن لجّة الكابوس. كان " فرهاد " دقيقاً في موعد عودته من الخارج، حرصاً على وصيّة صاحبة المنزل بخصوص إحترام ميقات المائدة. رفعَ رأسه، لما مررتُ من الصالة في طريقي إلى الحمّام. وكالعادة، أجابَ تحيتي برفع حاجبيه الرقيقين. نزلنا معاً إلى صالة الشقة التحتانية، لنفاجأ ثمة بمرأى رجلٍ غريب لا يكفّ عن الثرثرة بصوتٍ شبه مكتوم. كان عجوزاً ذا هيئة قميئة، مدسوسة في جلابة من اللباد، باهتة اللون وشديدة القذارة. عيناه الصغيرتان، المُظلمتان، لا تستقران على حال وكأنّ في صاحبهما مسٌّ. من ناحيتي، أخترتُ مكاناً لجلوسي بعيداً عن رائحته المُقيتة. توقفَ العجوز عن الكلام على غرة، ثمّ ألقى على كلّ من القادمَين نظرة فيها دهشة.
" السيد، هوَ والد زوجتي! "، قدّمَ لنا الصهرُ حماه بشيءٍ من الحَرَج. عادَ العجوز لمتابعة الكلام بلسانه الثقيل، وكان من الصعب فهمُ مفرداته لدرجة أنني أعتقدتُ بكونه يستخدم لغة الشلوح. وعليه كان من ثمّ أن يقطع ثرثرته مجدداً، على أثر عودة ابنته صُحبة حماتها. طريقة استقبال " غُزلان " لوالدها، كانت غريبة. فهيَ ما أن رأته، إلا فطرَحَت حجابها جانباً. ثم أقتعدت بالقرب من شقيقي، ملصقةً رجلها برجله. بقيت تتفرّسُ بملامح الأبّ، وقد أرتسمَ على شفتيها بسمة ساخرة. بعدئذٍ، سألته بنبرة لا تقلّ خفّةً عن أحوال والدتها وأشقائها. الحق، أنني لأول مرة أبصرُ كنّة الدار بهذه الفظاظة وانعدام اللباقة؛ بله مع والدها. بعيدَ الغداء مباشرةً، كان على " للّا بديعة " أن توضّح لي بعض الأمور وكأنما في محاولة لتبرير سلوك كنتها. وبحَسَب ما فهمتُ منها، أنّ الرجل العجوز كان قد جاءَ لكي يشكو حاله للإبنة: " لقد أنهى أخوتكِ منذ الآن مونة الشتاء، وأفواههم ما تفتأ مفتوحة تطلب المزيد. إنهم يطمعون بالإرث، ووالدتك هيَ من تحرّضهم. إنها تستعجل موتي، فلا تكفّ عن دسّ تمائم مسحورة طيّ وسادتي وفراشي، حتى أضحيتُ كتلة هشة من العظام والآلام ". الحماة، علّقت على ما سبق قائلةً بنبرتها الرصينة: " أعتقدُ أنّ علة ما، تنهشُ عقلَ العجوز. إلا أنني لا أستبعد أن يكون أهله قد دسّوا له مسحوقَ الدفلى*، أو أيّ خلطة سُميّة مُشابهة ".

................................................
* أي قصص الخلق والتكوين والطوفان
* أسطورة أمازيغية
* هيَ مدينة الصويرة
* شتيمة مغربية شائعة
* أي من دبرها
* يعتقد المغاربة، أن أوراق الدفلى تسبب العته






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,041,931
- الفصل الثاني: 3
- الفصل الثاني: 2
- الرواية: الفصل الثاني
- سيرَة أُخرى 36
- الفصل الأول: 7
- الفصل الأول: 6
- الفصل الأول: 5
- الفصل الأول: 4
- الفصل الأول: 3
- الفصل الأول: 2
- الرواية: الفصل الأول
- سيرَة أُخرى 35
- تخلَّ عن الأمل: 7
- تخلَّ عن الأمل: 6
- تخلَّ عن الأمل: 5
- تخلَّ عن الأمل: 4
- تخلَّ عن الأمل: 3
- تخلَّ عن الأمل: 2
- تخلَّ عن الأمل: 1
- الرواية: استهلال


المزيد.....




- المالكي: الخطاب الملكي رؤيةٌ مستقبلية ودعوة لانبثاق جيل جديد ...
- الزفزافي: اللهم ارحمني من والدي أما أعدائي فأنا كفيل بهم !! ...
- المالكي : هذه هي التحديات المطروحة على الدورة البرلمانية
- بداية السباق نحو خلافة إلياس العماري بجهة الشمال
- شكرا جلالة الملك
- وحوش نيتشه وتحذيرات هوبز.. كيف يعبر فيلم -الجوكر- عن عالمنا ...
- مفاجأة.. العربية ثالث لغة في أستراليا
- بنشعبون يقدم مشروع قانون المالية أمام البرلمان الإثنين
- ترامب يتحدث عن العلاقات الثقافية بين الولايات المتحدة وإيطال ...
- قراران لمصر بعد -قيادة- محمد رمضان لطائرة إلى موسم الرياض في ...


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفصل الثاني من الرواية: 4