أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - الإسلام التاريخي وحراك ما قبل أعلان الموت ح3















المزيد.....

الإسلام التاريخي وحراك ما قبل أعلان الموت ح3


عباس علي العلي

الحوار المتمدن-العدد: 5215 - 2016 / 7 / 6 - 14:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هذه الإشكالات العقلية التي يتقيد بها الفقيه التأريخي المعتمد على الرواية ويظن أنها مطابقة للنص الذي يؤمن به، لا يمكنه أن يجدد المفاهيم بحد دقيق ويربط دوما بين المفهوم والنص ويعتبر وحدتهما ضرورية، طرائق التفكير الحديثة والتي تجعل العقل ليس مستسلما فقط للنقل ومرددا له، بل تدفعه لرفض تقديس حتى النص طالما أنه لا يطابق الضروريات العقلية المنطقية التي يصيغها ويوافقها القانون الطبيعي، طرائق التفكير الحديثة لا تنتقد النص على أنه نهاية بل تعتبر أن تناوله بالفهم غير محدد بوجهة واحدة ولا وفق ألية واحدة، النص مثل المادة الخام يمكنك أن تصنع منها أشياء كثيرة ومتنوعة وهذا طبيعي والطبيعي جدا أن تصنع منها ما تحتاجه فعلا وبشكل ضروري ويتناسب مع الخامة، فلا يمكن مثلا صناعة كرسي من الثلج وإن كان ممكنا وبحاجة له، ولكن من الجدير بالعقل أن يبحث عما يمكن أن نستفيد من هذا الثلج ويسد لنا حاجة مع عدم نسيان حاجتنا للكرسي.
مشكلة المشاكل للفقيه الروائي التاريخي أنه يعبد وبتعبد بعقل الأخر ولا يؤمن بعقله الذاتي الذي يجب أن يكون على صلة حقيقية مع عصره ومع ثقافة وأمتيازات عصره، عندما يشرع هذا الفقيه بالكتابة ويبدأ التفكير فهو معبأ من حيث تكوينه بثقافة ماضوية لا تبارحه ولا يبارحها لأنها عماد ما يملك، فقد بدأ عصره التعليمي بروايات وأسانيد وحجج وبراهين وأفكار كلها تستمد قوتها من الماضي ومن عمق ما يتركه تقديس الماضي، لذا لا غرابة مثلا أن نرى الفقيه الروائي لا يمكن أن يكون فقيها إن لم يدرس الصحاح والاسانيد والكتب الأربعة وألفية ابن مالك ولامية فلان وعينية علان، ليكون بالنتيجة كيس معبأ بكل ما هو قديم وسلفي ولا يسمح هذا التراكم للعقل أن يتنفس الحاضر وتجارب الأخرين ولا يقبل أن يبدأ من حيث أنتهى الأخر الناجح، إنهم جميعا يبدؤون من نقطة واحدة ويسيرون في طريق واحد ووفق نسق واحد لينتج لنا هذا المدار فقهاء بلون واحد وطعم واحد أسمه مدرسة س أو مدرسة ص.
النمطية الثابتة أو التراتيبة الساكنة لا يمكنها أن تولد فكرا متحركا مستجيبا للزمن ولا يمكنها أيضا أن تشجع العقل على فتح أبواب مستقلة للفكر خارج ما هو مقرر، نجحت بعض الأصوات في الخروج من أطر التفكير التقليدي ولكنها أيضا وقعت وأوقعت نفسها في التراتيبة المملة حين فرضت شروطها على معتنقيها، بعض المحاولات التنويرية التي لم تستطيع تغير العقل الديني الماضوي حاولت أن تراهن على الجديد وفعلت خطوة وتركت بصمة، لكنها فشلت أن تعط للفكر التنويري الديمومة لأنها أيضا مؤمنة بقدسية فكرتها ووضعت ما أنتجته من فكر في خانة الصنمية، أو أن أنصارها تمكنوا من تحجير الرؤية هذه لأنهم ينظرون لها في عين القداسة والتجليل.
القضية أذن تتعلق بكونية العقل الديني هذا العقل الذي ينظر للأشياء بنظرة خاصة مفرطة في التقديس والتعظيم، وكأن التدين مفهوم وما يتعلق به ويتصل مجرد حالة قدسية تعظيمية مطلوبة لذاتها ولتعظيم أجوائها، وليس كأنها أو بأعتبارها وسيلة لخدمة الإنسان أو بالأصح لخدمة العقل لكي ينمو يثمر وبتجدد ويتطور بالمعرفة، الخيالية والترميزية القدسية هي التي حجرت المفاهيم وتحجرت الإدراكات نتيجة الخوف من الأنتهاك والتعرض للقداسة، هذه الأفة التي أدخلت الدين في نفق مظلم من المشاعر المكبوتة والتوجس من كل فكرة تبحث عن جواب خارج وداخل الدين، الفقيه الروائي أيضا كان ضحية لهذا الخوف والتجرد من الشجاعة في مواجهة اللعنة التي أشاعها الرمز والخيال الكهنوتي، حتى في عقل الفقيه التاريخي الذي يخشى المجتمع قبل أن يخشى عقله لأنه سوف يهتك حرمة مقدس معصوم ومصان كما يظن.
يبقى السؤال الأهم والذي يطرح دائما وبإلحاح وهو هل يمكن لهذا الإسلام التاريخي أن يصحح مساراته وفقا للتجربة وأستجابة لراهنية الأزمة التي يمر بها، الجواب منذ البدء من يريد أن تصحح مسارات الانحراف وتقويم المسيرة، هذا يستوجب أولا طرح كل نتائج الانحراف وما بني عليها من النقطة الأولى التي أشرت أولى مظاهرة، بمعنى أوضح وصريح إن هذا الإسلام الذي يراد له أن يصحح لا يمكنه أن يعود وفقا للإسلام النصي ما لم يتبرى من كل النتائج التي فارق فيها الرسالة المحمدية، أي بالنتيجة أنه لا يمكن البناء على أنحراف لغرض رسم خط مستقيم ومتواز مع إرادة الله ما لم يعلن هذا الموروث التاريخي الروائي تخليه عن كلمة الإسلام والانتساب لها.
فليس من المنطق أن نتسمى بالمفهوم خارج دلالات النص وليس من العقل أن نبني هيكلية فكرية تخالف التصميم الأساسي وتعارضه بالمظهر والجوهر ونطلب من الكل أن يقتنعوا بالترميم والتصليح الخارجي، القضية أكبر من أمنية وأعمق من أزمة، لقد نشأ الإسلام التاريخي الروائي أستجابة لشروط صراع وإدامة تنازع على محددات وقيم فردية بين متخاصمين كل منهم يطرح ذاته حلا، لم يتم الحوار بين الإرادتين من أجل مصلحة الدين التي هي في الأخر مصلحة الإنسان الكل الإنسان المجرد، وطالما تمسكنا بقواعد التنازع والصراع يكون هذا الإسلام حاضرا بقوة وفاعلا في وسطه وبيئته المريضة، أما لو رغبنا بالعودة لله والسلام والحوار تحت مظلة المصلحة الشمولية وبعنوان الخير للإنسان، لن تجد لهذا الإسلام دور ولا يمكنه القبول بهذا الواقع بأي شكل كان.
إذن العنوان هنا سيكون أما مصلحة الإنسان الكلية والشاملة وبغير أشتراطات للقوى المتصارعة، أو مغادرة النص وإسلام الرسالة والبقاء في بؤرة صراع لا ينتهي لأن محركاته وقيمه وقواه تتفاعل داخل الفكر الروائي وتحرض عليه، على الإنسان الذي يؤمن بحقه في أن يكون مستجيبا لله ولأحكامه ومكتمل العقل والإيمان وأن يقرر بكل حرية الفرز ثم التقرير بين أن يكون كما أراد الله أو بين أن يكون كما أراد الفقيه التاريخي ورسم له صورة عبد داخل أسوار سجن متعدد الجدران، يبدأ فيه مستلبا الإرادة وحق التعقل وينتهي مجرد كبش فداء وأضحية لهذا الكهنوتي الذي لا يريد أن يطبق إرادة الله أو ينصاع لمبدأ الرحمة.
عندما نقول أن الإسلام الروائي التاريخي السلطوي الغير متصالح حتى مع مفاهيمه ووجوده أصبح مجرد نفايات تأريخية متعفنة بحاجة للطمر، وإنها على وشك الأنتحار والتلاشي ليس من باب الكراهية أو الحقد، وإنما نؤشر لنتيجة حتمية قادها هو بنفسه ووصل فيها للمرحلة الحرجة التي لا خيار فيها أما أن يعود ناقدا لكل مسارات الإنحراف والتزييف، وهذا مستبعد جدا لأن أبطاله ورؤوسه ومن جميع المذاهب والأطياف لا يمكنهم التخلص من فكرة الصراع والتنازع، ولا يملكون الشجاعة الكافية التي تؤهلهم لأن يصدحوا علنا أمام أتباعهم بأنهم خدعوا الناس وكانوا هم أيضا ضحية خديعة من قبلهم، أو الخيار الثاني أن يواجهوا مصير الفناء والموت والتلاشي لمصلحة إسلام النصوص وإسلام الرسالة، وهذا الذي بدأت بوادره بقوة وعلنا وأمام حقائق التاريخ ومرارة التجربة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,390,178,696
- الإسلام التاريخي وحراك ما قبل أعلان الموت ح2
- صوت الله أكبر في فجر الكرادة
- الأحد الدامي والإجرام العابر بلا حدود
- نداء...نداء ... كيف تسمعني .... أجب
- الإسلام التاريخي وحراك ما قبل أعلان الموت
- الطفولة ومسئولية المجتمع في تنمية الثروة البشرية
- نحن والقانون
- القدس وإشكالية الهوية
- محاربة الفساد السياسي يبدأ من تصحيح العلاقات الأجتماعية
- وهم المشروع الإسلامي بين مطرقة فشل التجربة وسندان العجز عن ا ...
- وهم المشروع الإسلامي بين مطرقة فشل التجربة وسندان العجز عن ا ...
- المتدين وفلسفة الأخلاق والتفاضل
- خالتي العجوز ونبوءة المطر
- العراق وأزمة الهوية.
- البيان المدني
- انا لون الرماد ...طز بالحجر
- نحن والعمة بريطانيا
- كوميديا السارق والسارقة باللون الاحمر والاخضر
- الحجاب والخداع الفقهي باستغلال النص. ح4
- إسلام معاصر ومسلمون تحت الوصاية ح 2


المزيد.....




- وفاة مرسي.. هل يتجدد الصراع بين السلطة والإخوان؟
- موقع إخباري: محدّدات الأمن والخدمات تعيق عودة المسيحيين إلى ...
- مأزق المشروع الإخواني بعد رحيل مرسي - 2 -
- انتقادات لبي بي سي بسبب ظهور رجل دين مسلم -معادٍ للسامية- في ...
- مصر.. هل وفاة مرسي تعيد الإخوان إلى الميزان؟
- شيخ الأزهر: محمد صلاح -قدوة متميزة للشباب-
- صلاح يهاتف شيخ الأزهر والإعلام يلمح لرهان مع ساديو ماني
- السقوط الإخواني لأردوغان وجماعته الإرهابية
- إندونيسيا.. فتوى ضد لعبة -PUBG-!
- مصدر أمني مصري يكشف لـRT عن استنفار أمني بخصوص تحرك -الإخوان ...


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - الإسلام التاريخي وحراك ما قبل أعلان الموت ح3