أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي حسين يوسف - الطابع الإشكالي للمكان في رواية ( خان الشابندر ) .















المزيد.....

الطابع الإشكالي للمكان في رواية ( خان الشابندر ) .


علي حسين يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 5208 - 2016 / 6 / 29 - 20:56
المحور: الادب والفن
    


تبدو علاقة الكاتب بالمكان ــ أحيانا ــ وثيقة جدا , ويمكن أن نوعز ذلك إلى عاملين اثنين : الأول عامل الألفة والحب والتعلق الشديد , والآخر عامل البغض وحب الانعتاق من المكان .
وفي كلتا الحالتين يعود النجاح في تصوير المكان بشكليه الأليف والمعادي إلى براعة الكاتب وقدرته على تطويع اللغة والأسلوب في موضوعه , ومن ثم توظيف قدراته التخيلية في إعادة صياغة المكان المعني , فالأمكنة بحد ذاتها بدون البراعة الأسلوبية والخيال ميتة لا تساوي شيئا ؛؛ إنها أشياء قارة وجامدة ما لم تعاد صياغتها.
وفي رواية ( خان الشابندر ) للروائي العراقي المغترب محمد حياوي يصادفنا المكان بكل ثقله , وبنوعيه أيضا , لكن اللافت إن المكان في هذه الرواية مكان إشكالي , إنه أليف ومعاد , مكروه ومرغوب , جيد وقبيح , في الوقت ذاته .
بدءاً من العنوان الذي اتخذ من المكان معلما ودالا نجد إن خان الشابندر مكان يشكل ملاذا للمتعة والاكتشاف عند البطل , وهو في الوقت نفسه مكان مرفوض لما يشكله من مخالفة للسائد الاخلاقي .
أما العراق بلد البطل فهو مكان أليف ومحبوب إذ أنه مكان الولادة وهو اللصيق بالذاكرة والخيال إلى درجة أن الكاتب يعترف أنه لم يستطع أن يكتب شيئا خارج بلده وكأن قلمه لا يطاوعه في أمكنة الغربة , وفي الوقت ذاته نجد المكان نفسه مكانا معاديا , فقد لفظ أبناءه خارج حدوده ومنهم حياوي كاتب الرواية نفسه وبطل الرواية أيضا , وإذا نظرنا الى شخصيات الرواية وعلاقتها بالمكان نجد أن تلك الشخصيات قد رُسمت بصورة دقيقة ومعبرة عن الأمكنة التي ترتبط بها , فالراوي علي موحان يتحدث بلغة المغترب مكانيا ؛ إنه يعاني المفارقة داخل ذاته لاختلاف طبيعة الأمكنة التي اعتاد عليها لذلك نجد اللغة موتورة قلقة لا تشي بالثبات ؛ إنها إنعكاس لصورة المكان الاشكالي .
أما هند فإن صورتها وثقافتها مسألة إشكالية هي الأخرى , فهي لم تلجأ الى بيت الدعارة الا مضطرة بعد أن لم يتبق من عائلتها أحد , فهي تعي ما تمارسه لكنها ترفضه في الوقت ذاته , لذلك فإن ارتباطها بالمكان ارتباط إشكالي يعبر عن البغض والحاجة في الوقت ذاته بدليل ثقافتها العالية التي تتعارض مع ما تمارسه من ابتدال .
وحينما تُعلي الرواية من شأن المكان فإننا نجد ضعفا في تركيب الحدث , ليس بمعنى السلب بل أن الكاتب يبدو أنه كان على وعي بأنه غير معني بصياغة القصص والحكايات بقدر عنايته بإبراز الطابع الإشكالي لمجتمعه , بناسه وثقافته في الوقت الراهن .
لذلك كان عمله أقرب الى الصيغة البنيوية التي تعنى بوصف العلاقات التي تربط بنى الشيء الداخلية وتواشجاتها المحايثة , والرواية هنا تصف الأشياء لاسيما الأمكنة بتناقضاتها العلاقاتية دون أن يجعل الكاتب شخوصه أوصياء على المجتمع , وهذا ما يجعله قريبا من توجه البنيويين في منتجه هذا .
وفي الرواية ضربة موفقة تدل على ثقافة الكاتب حياوي تتمثل في ذلك الخيار الفلسفي بين أن يكون أو لا يكون , بين أن يظل إنسانا مثقفا يحاول قراءة الواقع بنبل ــ إن صح التعبير ــ وبين أن ينغمس في واقع الدعارة والعلاقات الجنسية لا سيما حين خيرته هند ــ عشيقته ــ بين مفاتن جسدها والانغماس في ملذاته أو العودة الى الحياة العصامية التي عرفها , وكأن هندا هنا تمثل النفس الأمارة بالسوء ــ بحسب تعبير الأخلاقيين ــ وفي هذه الحالة يفترض أن يكون مقابل هذه النفس عقل زاهد أو ناه , لكن الكاتب لم يول له اهتماما بل جعل الكفة الراجحة لهند التي سرعان ما ارتمى بأحضانها وكأنه لم يستعمل عقله تماشيا مع واقع جديد لم يعد للعقل فيه مكان , واقع يحتفي بالقتل والنهب والسرقة والفوضى التي عمت البلاد بعد التغيير , وهذه الرؤية الجديدة التي فرضها الواقع ترتبط بالمكان وتتمثله فلسفيا بوضوح فهند تُعد من جهة أخرى رمزا لبيوت الدعارة ورمزا للتعبير عن المكان الذي يرفض نفسه بنفسه ؛ إن تلك الأمكنة أمكنة متصعلكة ثائرة لم تستطع ان تكون شريرة فاختارت الدعارة هوية لها .
أما علاقة اللغة بالمكان فيمكننا القول بأن حياوي في روايته هذه عمل بوصفه مصورا لواقع مترد وذلك بتوظيف لغة ناوشت مقتربات المحكية الشعرية كثيرا , وتلبست أردية الخيال والرمز في أغلب مفاصل الرواية , ومن جانب آخر يمكن أن نعد هذه الرواية محاولةَ ترميمٍ للأمكنة التي ضربتها عوادي الزمن فالبيوت المتهالكة في الحيدرخانة وفي أغلب أحياء بغداد والأزقة الرثة والشوارع المتعبة , قد أعيدت صياغتها بما يجعلها مقبولة بفعل عامل الخيال الذي أعاد تشكيلها من جديد ومن خلال اللغة هذا المرة .
وككل الروايات العراقية التي صدرت بعد (2003) تتسم الرواية بطابع الفجائعية والرفض , فبعد أن عاد الراوي الى بغداد وجد مدينته عبارة عن أنقاض وخرائب , ومنها خان الشابندر الذي يحتفظ له الكاتب بصورة جميلة في مخيلته , ووجد ـ أيضا ــ العشب ينمو في ارجائه والقطط والفئران تتلاعب في ساحاته , فخان الشابندر الذي يعود له الفضل في اكتشاف ذكورة الراوي ورجولته أول مرة وهو يدشن مراهقته آنذاك فقد وجده عبارة عن بيت مهجور مما جعل الراوي يرفض كل ذلك بإعادة تصنيع عوالم بديلة تعوضه عن كل ذلك .
ويمتد الرفض ليشمل رفض الأفعال الذاتية التي يؤديها شخوص الرواية , فالعاهرات هناك رغم ممارستهن لهذه المهنة فأنهن يعبرن أحيانا عن الرفض الساخط للوضع الذي أجبرهن على مزاولة هذه المهنة فـ ( ضوية ) التي يقول عنها الراوي بأن كلماتها مثل سكاكين حقد تتلذذ بغرسها في خياله , أما هند فيقول عنها : إنها عندما تنام مع هؤلاء الحثالات فإنها تنتقم من جسدها , أما زينب فإنها تتحدث دون أي مبالاة أو اهتمام .
إن ضوية وهند وزينب المراهقة رموز رافضة للتردي والنفاق والزيف الذي يكتسح أرجاء البلاد كلها , فكل واحدة منهن تحكي قصة جيل بكامله من خلال معاناتها التي لم تنفرد بها وحدها , لكن ذلك لم يتحقق بصورته التي تلقيناها لولا وجود الأمكنة المصنوعة سرديا التي أتاحت لهم تلك الرؤى والممارسات , كذلك الحال مع مجر وأم صبيح وأم غائب وأبو حسنين المصري ؛ إنها شخصيات اتسمت بطابعها الإشكالي من خلال ارتباطها بما حولها من الأمكنة , فمجر الفيلسوف البسيط الفطري الذي توحي تصرفاته بأنه اقرب الى الشخص المندائي يعد في غاية الحكمة لكن حكمته كانت موجهة للغانيات وأم صبيح القوادة التي كانت في غاية الطيبة والكرم حصرا.
ويبرز وعي الكاتب بإشكالية المكان أيضا من خلال الصور المقدمة للأمكنة بطريقة تنم عن جدليات متعارضة , فمثلا يرسم الراوي غرفة هند الغانية كأنها مكتب إنسان مثقف جدا , فالكتب والآثاث واسطوانات الأغاني التي تتعارض تماما ــ بحسب أعراف المجتمع طبعا ــ مع ما تمتهنه هند بذاتها في الواقع , وغرفة ضوية المليئة بصور الممثلات والممثلين تعبر عن الحرية التي تنشدها او تمارسها بخوف في الوقت التي تفتقر هي ذاتها الى الحرية .
وكتعبير عن الطابع الفجائعي تصور الرواية بصورة عامة وفي أغلب مفاصلها دهشة الراوي لما وصل إليه حال بلده من دمار وخراب وقد بدا ذلك في حوادث وتفصيلات كثيرة , وانشغال بالتساؤل عن المحبة والأمل في السلام , يقول الراوي على لسان (سالم) أحد أبطال الرواية ــ وهو يتذكر صاحبته (غدير) : (( أغلب النساء من جيلنا يبقين حزينات بوجوه شاحبة يلففن الفوط السود حول رؤوسهن بعد ان نسين شبابهن وأيام الجامعة .. إنهن الآن أمهات يندبن ابنائهن الذين يموتون باستمرار في انفجارات الشوارع )) .
لكن الراوي حتى في صوره الفجائعية يحاول أن يتشبث بالحياة فحينما يصرح بقوله : (( أنا ميت من زمان )) فإنه في مكان آخر يصور العشب ينمو في خرائب الخان , ويرمق السماء بنظرة أمل متفائلة...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,687,779,148
- عذراءُ سنجار أو الفجيعةُ روائياً
- قراءة في كتاب ( إشكاليات الخطاب النقدي العربي المعاصر )
- النقد الأدبي العراقي ... محاولة تصنيفية
- رواية ( الطلياني ) لشكري المبخوت , واحقية الفوز بالبوكر
- الشعرية ... تحولات المصطلح والتاريخ
- اهم مصادر دراسة الشعر العراقي ... القديم والحديث
- اهم مصادر دراسة الشعر العرقي ... القديم والحديث
- الملامح الاشكالية للمنجز الثقافي العراقي بعد 2003 المنجز ال ...
- قصيدة النثر عند نامق عبد ذيب ... معالم وعتبات
- القراءة والعشق والجنون
- الكتابة عن تجربة المرض
- حينما تنزف التراتيل انفاسه يتجذر الاسى ... قراءة في مجموعة ( ...
- الاختلاف المرْجيء بين الصوت والصمت
- من تمثلات الشعر الكربلائي المعاصر
- الشعرية العراقية المعاصرة وحساسية القراءة المطلوبة
- حينما تبوح ذاكرة البيدق باعترافاتها , قراءة في رواية من اعتر ...
- الذات في خطاب الشكل الشعري المعاصر ... قراءة في النص الشعري ...
- الكشف الشعري والنفاذ الى حقائق الاشياء ..... قراءة في نصوص ع ...
- المجاوزة الرؤيوية في الشعر ... قراءة في الاعمال الورقية للدك ...
- مشكلة السوابق واللواحق في ترجمة المصطلح


المزيد.....




- رانيا يحيى تقدم أول كتاب عن العبقرى فؤاد الظاهرى:المنسى في ا ...
- إبعاد فنانة مغربية عن الإمارات
- خدمة للأجيال القادمة.. فنان قطري يصور الحياة القديمة في الدو ...
- ذكرى مؤرخ شبه الجزيرة العربية.. هل تنبأ عبد الرحمن منيف بذوب ...
- الجمعية المغربية لرسامي الكاريكاتور تختار الفنان العربي الصب ...
- حكم نهائي بحبس وإبعاد فنانة مغربية من الإمارات
- رئيسة مهرجان البحرين السينمائي تكشف أهداف الدورة الأولى وسر ...
- شاهد... من الشاعر الجزائري عبد الله ضراب الى زينب ابنة الشهي ...
- حرب طبقية جديدة.. وجوه الصدام الثقافي التي تهدد الديمقراطية ...
- -المعارض-.. فيلم وثائقي عن مقتل خاشقجي يجذب اهتماما واسعا في ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي حسين يوسف - الطابع الإشكالي للمكان في رواية ( خان الشابندر ) .