أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ضياء الشكرجي - ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 59















المزيد.....

ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 59


ضياء الشكرجي

الحوار المتمدن-العدد: 5113 - 2016 / 3 / 26 - 04:33
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 59
ضياء الشكرجي
dia.shakarchi44@yahoo.de
www.nasmaa.org
تجربتي المريرة مع الإسلاميين في لجنة إعداد الدستور
قصتي مع لجنة كتابة الدستور، قصة ذات شجون، ومعاناة. ولطالما فكرت بتدوينها كوثيقة للتاريخ، سأسرد فيها مواقفي الرافضة للمبالغة في فرض الصبغة الدينية الإسلامية، والمذهبية الشيعية، كما سأمارس النقد الذاتي، لما مثلته تلك المرحلة مما أعده اليوم تخلفا مني، رغم كل تمردي على الشيعسلاموية الدستورية، لأن نضجي الفكري العلماني، لم يكن قد اكتمل بعد، بسبب استصحاب الانتماء السابق، دون الالتفات إلى وجوب إعادة النظر الكلية والجذرية، وعدم الاكتفاء بالمراجعة الجزئية والسطحية. أقول هذا بالرغم من أني كنت قد تجاوزت الإسلامويين والشيعويين بأشواط في وعيي، وفهمي للديمقراطية، ودولة المواطنة، وحقوق الإنسان، وفي صدقي ووضوحي، ورفضي لباطنيتهم المقرفة.

في البداية لا بد من المرور على عضويتي في الجمعية الوطنية، ثم في لجنة كتابة الدستور. تقرر في وقتها كما يبدو خوض الانتخابات التشريعية للمرحلة الانتقالية في قائمة تجمع القوى الشيعية، الإسلامية بالدرجة الأساسية، مع مشاركة محدودة، لاتجاهات علمانية غير مؤثرة، وأهمها المؤتمر الوطني العراقي، ممثلا بأحمد الجلبي، وبأفراد قلائل ذوي توجه علماني، كمجيد الحاج حمود، الأمين العام لـ(الحزب الوطني الديمقراطي الأول)، كما طعمت بديكورات سنية محدودة، وأيضا ليست ذا تأثير. على ضوء ذلك تقرر خوض الانتخابات ضمن قائمة ائتلافية باسم (الائتلاف العراقي الموحد)، والتي حملت الرقم 169. أبرز المشاركين آنذاك كانوا المجلس الأعلى، حزب الدعوة، التيار الصدري، الفضيلة، السيستانيون المستقلون. في تلك الفترة كان المجلس هو اللاعب الرئيس، ولم يكن دور حزب الدعوة إلا اللهث وراء مزايدات المجلس، ووراء كسب الصدريين. المهم قد حددت لكل من القوى المشاركة في الائتلاف حصة محددة، من خلال التفاوض والمساومة بين تلك القوى. وكانت حصة حزب الدعوة خمسة عشر عضوا. وعقد الحزب اجتماعا في مقره في مطار المثنى لشورى الدعوة، لتحديد الأسماء التي تقدم من قبله للائتلاف الشيعسلاموي المزمع تشكيله. وعندما طرح سؤال عن الآلية التي ينبغي أن نعتمدها لتحديد مرشحينا للائتلاف، اقترح نوري المالكي اقتراحا استحسنته الأكثرية، ألا هو حسم الأمر عبر التصويت بالاقتراع السري. فحصل على المرتبة الأولى متساويين بالأصوات كل من نوري المالكي وعلي الأديب، ثم تلاهما بفارق صوت واحد إبراهيم الجعفري، ثم تلاه أيضا بفارق صوت واحد متساويين بعدد الأصوات كل من كمال الساعدي وكاتب هذه السطور. إذن كنت بالمرتبة الثالثة، بفارق صوت واحد بين كل من المراتب الثلاثة الأولى. وجاء ذلك تحقيقا لطموحي في دخول الجمعية الوطنية، والمشاركة في كتابة الدستور، لاهتمامي بهذا الموضوع من قبل السقوط. فقد شاركت مع مجموعة علمانية ليبرالية في تقديم رؤى وتصورات عن الدستور العراقي بعد سقوط الديكتاتورية، نشرت في حينه على موقع «عراق الغد»، الذي غُيِّر اسمه لاحقا إلى «الجديدة».

ولكن عندما كنا ننتظر الإعلان عن أسماء المرشحين ضمن القائمة الشيعسلاموية برعاية المرجعية، وكنت أتردد على مقر الحزب، كانت القائمة قد أعلن عنها، ولم أكن قد أخبرت بذلك، والسبب الذي علمته لاحقا، لأنهم كانوا يريدون إخفاء كون اسمي قد شطب من اللجنة المعينة من مكتب السيستاني لفلترة الأسماء. ولأني كنت قد استبطأت ظهور القائمة، سألت مرة علي الأديب عن سبب تأخر الإعلان عن قائمة مرشحي (الائتلاف العراقي الموحد)، ففاجأني بالقول أنها أعلنت. فلما سألته عنها سلمني القائمة. وبقيت أبحث عن اسمي، فلم أعثر عليه، وكررت المرور على الأسماء، مرة بعد أخرى، لأنها لم تكن منظمة هجائيا، فتأكدت من عدم وجود اسمي. فسألت الأديب: وأين اسمي، فأجاب أن اللجنة المشكلة من المرجعية قد شطبته، وأصرت على شطبه، معللة ذلك بأن ضياء الشكرجي مناوئ للمرجعية. علمت لاحقا أن الذي كان يصر على ذلك هو حسين الشهرستاني، الذي ترشح بعد ذلك على المستقلين السيستانيين، بالرغم من أنه كان مشروطا في أعضاء لجنة فلترة الأسماء ألا يكون أعضاءها من المرشحين. كان الحزب قد أخفى علي هذا الأمر لما يقارب الأسبوع، أو ربما أكثر. بعدها قلت له إني مصر على الترشيح، ولذا سأرشح نفسي على إحدى قائمتين؛ إما قائمة التيار الإسلامي الديمقراطي (محمد عبد الجبار الشبوط، حسين درويش العادلي)، وإما على قائمة للكرد الفيليين، كان على رأسها ثائر الفيلي، رغم أني لست كرديا ولا فيليا، لكنهم كانوا مستعدين لوضع اسمي في المقدمة. بعدما رأت مني قيادة الحزب، أو رأى ذلك علي الأديب وحده، أني ربما سأحرج الحزب بترشيح نفسي على قائمة أخرى، لأنه كانت لي في أوساط أعضاء الحزب شعبية متميزة آنذاك، بدأ بسعي جدي في إرجاع اسمي. هذا بين لي أن الحزب لم يكن عاجزا عن الإصرار على إبقاء اسمي في المرشحين. فطلب مني الأديب، في نفس اليوم، أو في اليوم التالي، لا أتذكر بالضبط، أن أذهب مع صورة أو صورتين لي إلى مقر تلك اللجنة في شارع عبد المحسن الكاظمي في الكاظمية، فأعيد اسمي إلى قائمة مرشحي (الائتلاف العراقي الموحد) برقم 169 وعلامة الشمعة.

وجرت الانتخابات وفق القوائم المغلقة لعموم العراق كدائرة واحدة، وتأكدت من عضويتي في الجمعية الوطنية. وهنا أذكر بالمناسبة أني كنت في السنين الأخيرة في ألمانيا أتقاضى مخصصات بطالة من دائرة العمل، فكتبت على الفور رسالة إلى دائرة العمل في هامبُرڠ-;-، أرسلتها بالـ(DHL) أخبرهم بأني من تاريخ التحاقي كعضو في الجمعية الوطنية لم أعد عاطلا عن العمل، ولذا أرجو إيقاف صرف المخصصات. وسمعنا عن الكثيرين ممن بقوا بلا حياء يتقاضون المساعدات الاجتماعية في الدانمارك وغيرها، ونشرت صورهم الملونة على صفحات الصحف الدانماركية، ولم يستحيوا من ذلك قط، وهم متدينون، ومن رموز حزب الدعوة، كما سمعنا مثل ذلك عن نائب كردي.

وهناك تفاصيل عن اجتماعات أعضاء الجمعية الوطنية من (الائتلاف العراقي الموحد) في الجادرية، حيث مقر (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، الذي كان ما زال يحمل هذا الاسم، والذي حمله منذ تأسيس الإيرانيين للمجلس في طهران عام 1982. ستذكر تلك التفاصيل في مكان آخر، لأن الكلام هنا يدور حول لجنة كتابة الدستور بشكل أساسي.

عند انعقاد الجمعية الوطنية، بدأت المفاوضات والمساومات بين قادة الكتل السياسية الأساسية، حول تشكيل لجنة كتابة الدستور. وهنا أيضا كانت بالنتيجة حصة للائتلاف العراقي الموحد. وهنا أيضا طرحت فكرة أن يحسم تحديد الأسماء عبر التصويت بالاقتراع السري. هذه المرة كان أحمد الصافي (ممثل المرجعية) هو الذي قدم هذا المقترح، إذ أدار هو ذلك الاجتماع، وحاز المقترح على الموافقة، بالإجماع على ما أتذكر.

وبعدها علمت أني ضمن الأعضاء الذين انتخبوا لعضوية لجنة كتابة الدستور، فاطمأننت على أني سأحقق طموحي في المشاركة في هذه العملية التأسيسية المهمة للعراق. ولكن الذي حصل، أني كنت في اليوم التالي متخذا مكاني في قاعة اجتماعات الجمعية الوطنية، (مجلس النواب حاليا)، فجاء إما أحد موظفي الجمعية أو سكرتير همام حمودي وابن أخته الشاب باقر، وهمس في أذني، أني مطلوب خارج القاعة. خرجت فوجدت أمامي علي الأديب وأبو محمد (نسيت اسمه) من المجلس الأعلى، ولم يكن عضوا في الجمعية، بل أحد الناشطين في المجلس، وأحد منظمي شؤونه الإدارية واجتماعاته، ومن ثم اجتماعات (الائتلاف العراقي الموحد). الذي كان يتكلم هو أبو محمد، وليس الأديب، فأخذ يقدم لي بمقدمات عن أهمية دوري في لجنة كتابة الدستور، إلا أن هناك مشكلة ستعصف بنا، إلم نبادر بالإسراع بمعالجتها، وهي أن التيار الصدري ليس لهم أي عضو في لجنة كتابة الدستور، وسيعملون لنا مشكلة، إذا لم نجعل عضوين منهما في اللجنة، وإنهم أقنعوا جواد البولاني بالانسحاب لصالح التيار، فوافق، ويريدون مني أن أنسحب لصالح عضو ثان من التيار، وأخذ يبين لي أن الائتلاف بصدد تعيين لجنة، لا أتذكر بماذا سماها، صحيح خارج إطار اللجنة المشكلة رسميا، إلا أنه سيكون لها دور فاعل ومؤثر أكثر، ولذا يمكن ان أكون فاعلا في تلك اللجنة. وبعد إلحاح ومحاولات إقناع، اتخذت واحدا من قراراتي (الغبية) بالموافقة على الانسحاب لصالح بهاء الأعرجي. لكني بعدها حزنت كثيرا، وندمت كثيرا، وأخذت ألوم نفسي، لم وافقت، والعمل الدستوري هو أهم ما كان يشغلني الاهتمام به، وأرغب أن أكون مشاركا فيه. وهذا جعلني من بعد ذلك أن أفرغ غضبي في وجه علي الأديب، فقلت له: ألا تعلم بشدة اهتمامي بالمسألة الدستورية، فكيف تطلبون مني الانسحاب، أفما كان الأجدر أن تنسحب جنابك لحل المشكلة بدلا من أن تطلب ذلك مني؟ فلم يرد عليّ، مع عصبيتي وارتفاع صوتي.

لكني شاركت في أعمال اللجنة من أول يوم إلى آخر ما سمح لنا به، دون انقطاع وبفاعلية وجدية، لأنه كان مسموحا بالمشاركة، ولو لم تكن عضويتنا رسمية. لكن بعد إضافة خمسة عشر عضوا من (السنة العرب) من خارج الجمعية الوطنية، ورفع العدد، بإضافة خمسة آخرين من داخل الجمعية الوطنية، أرجع اسمي للعضوية، مع محمود عثمان الذي التحق بالجمعية متأخرا، وكذلك بإضافة عبد فيصل السهلاني، ولا أتذكر من كان الاثنان الآخران.

ثم صير إلى تقسيم أعضاء لجنة كتابة الدستور إلى ست لجان فرعية، حسب أبواب الدستور الست، فاخترت أن أكون في اللجنة الأولى، المعنية بالباب الأول، باب المبادئ الأساسية. وفي أول اجتماع للجنة تقرر أن يكون رئيسها أحمد الصافي، ونائب الرئيس حميد مجيد موسى، ومقرر اللجنة ضياء الشكرجي، باقتراح من سامي العسكري، والموافقة بالإجماع.

كان أعضاء اللجنة هم مرتبين هجائيا:
1. أحمد الصافي - رئيسا (الائتلاف العراقي الموحد، مستقل، ممثلا عن المرجعية، لكن بتنسيق تام مع المجلس الأعلى وتبن كامل لرؤاه)
2. أياد السامرائي (جاء لاحقا كممثل للعرب السنة من خارج الجمعية الوطنية - الحزب الإسلامي العراقي)
3. جلال الدين الصغير (الائتلاف العراقي الموحد – المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)
4. حميد مجيد موسى (الحزب الشيوعي العراقي)
5. حنين القدو (الائتلاف العراقي الموحد - ممثلا للشبك)
6. رياض صاري كهية (ممثلا للتركمان - الجبهة التركمانية)
7. سامي شبك (التحالف الكردستاني)
8. سامي العسكري (الائتلاف العراقي الموحد - مستقل مع تبن لتوجهات حزب الدعوة الذي كان في وقت سابق عضوا قياديا فيه، واستقال في أواخر التسعينات)
9. ضياء الشكرجي - مقررا (الائتلاف العراقي الموحد – حزب الدعوة)
10. علي الصافي (الائتلاف العراقي الموحد - معمم مستقل من البصرة، ممثلا عن المرجعية)
11. طاهر البكاء (علماني مستقل)
12. عبد الهادي الحكيم (الائتلاف العراقي الموحد – ظاهرا مستقل، لكن بتنسيق مع المجلس الأعلى وتبن لرؤاه، بل وتوجيه منه)
13. محسن القزويني (الائتلاف العراقي الموحد – متدين مستقل)
14. محمود عثمان (التحالف الكردستاني - مستقل)

فكان من الائتلاف العراقي الموحد ثمانية أعضاء، كلهم شيعة، من مجموع خمسة عشر عضوا. الإسلاميون منهم كان عددهم سبعة هم (أحمد الصافي، جلال الدين الصغير، سامي العسكري، ضياء الشكرجي، علي الصافي، عبد الهادي الحكيم، محسن القزويني). والذين كانوا يتبنون الرؤى والتوجهات المتشددة من المجلس الأعلى والمرجعية كانوا خمسة، هم أحمد الصافي، جلال الدين الصغير، علي الصافي، عبد الهادي الحكيم، محسن القزويني. والذين يمثلون الاتجاه المعتدل هما اثنان، أنا وسامي العسكري، إلا أن الأخير انضم إلى الفريق الملتزم بالخطوط الحمراء، التي وضعها أحمد الصافي، ذلك وحسب ما تؤشر المؤشرات، بدفع من رئيس الائتلاف عبد العزيز الحكيم، ورئيس لجنة كتابة الدستور همام حمودي، ومراجع النجف.

كان عبد الهادي الحكيم ملازما لأحمد الصافي، كظله، ولا يفارقه أبدا. أينما تجد الصافي، تجد معه عبد الهادي الحكيم. وكانا ينتناغمان في طروحاتهما المتشددة في إضفاء الصبغتين الدينية والمذهبية على الدستور. وأحيانا، وربما وفق توزيع للأدوار، يكون لعلي الصافي دوره الخاص. فتجدهم يصرون على أن يكون الإسلام «(ألـ)مصدر (ألـ)أساس للتشريع»، ولا يقبلون بإيراد العبارة بدون لام التعريف، كما استقرت عليه توافقات المطبخ الدستوري، الذي كان يعمل بمعزل عن اللجان، ويفرض في الآخر توافقاته. كما كان للصافي والحكيم إصرار مقرف في إدراج المرجعية والعتبات المقدسة في الباب الأول، وتأكيد الشعائر الشيعية بالذات، والتي جاءت بعبارة «الشعائر الحسينية» تارة، وبعبارة «ضمان ممارسة الشعائر بحرية في العتبات المقدسة».

كان السكرتير الشخصي لهمام حمودي هو ابن شقيقته، وأتذكر فقط اسمه باقر، وأمه كانت أيضا عضوة في الجمعية الوطنية. كان شابا مؤدبا، ولانشغالات همام حمودي، كنت أوصل إليه أوراقي وملاحظاتي عن طريق ابن أخته هذا. وكان يقول لي أن خاله لا يهتم بقراءة أوراق تصله بشأن الدستور، بقدر ما يهتم بقراءة أوراقي الدستورية. ثم نقل لي أنه ذكر بأن أفضل وأوضح وأنظم تقارير ومحاضر اللجان الفرعية، هي التي ترده من اللجنة الأولى، التي كنت أحررها. ولكن سنرى كيف يصدر رئيس لجنة كتابة الدستور قرارا بالڤ-;-يتو ضد ضياء الشكرجي، كي لا يعطى له المجال بالمداخلات، أو بتوزيع أوراقه الدستورية على أعضاء اللجنة. وما زلت قد ذكرت هذا الموضوع، لا بد من بيان ذلك للقارئ. هذا الذي سميته بالڤ-;-يتو، ومن أجل أن أكون دقيقا، هو استنتاج مني، كانت له مؤشراته التي لا تقبل الشك. أثناء الاجتماعات الأخيرة لكامل اللجنة الدستورية، التي كان يشارك فيها الخمسة وخمسون عضوا، لاحظت أكثر من مرة، أني كلما أرفع يدي، عند مناقشة أمر دستوري ما، وأكون في أغلب الأحيان أول من يرفع يده، أو من الأوائل، وبشكل لا يحتمل ألا يراني مقرر اللجنة، ويبدأ بإعطاء الدور للمسجلين أنفسهم، وتنتهي الجلسة دون أن يعطيني الدور. وأحيانا كنت أكرر رفع يدي، خشية أنه لم يرني في المرة الأولى، ومع هذا يبقى يتجاوزني. كان مقرر اللجنة من التحالف الكردستاني، وكان متدينا، إلا أنه من أحد الحزبين، وعلى الأرجح من الديمقراطي الكردستاني. في نهاية إحدى تلك الجلسات، ذهبت إليه، وقلت له: ما الخبر دكتور حسين، هل من المعقول أنك كل مرة لا تراني، فأجابني معتذرا: «والله مأمورين». ففهمت. أما بالنسبة للأوراق الدستورية المقدمة من قبلي، فإنه كان معتادا، أن كل من لديه من أعضاء اللجنة الدستورية أوراق يريد أن توزع على بقية الأعضاء، كان يسلمها لموظفي الجمعية المكلفين بذلك، فيكثرونها ويضعون نسخة أمام كل عضو من الأعضاء. فرأيت في الفترة الأخيرة أن الموظفين، والذي كانوا يتعاملون معي بغاية الاحترام والود، كأنهم محرجون في استلام أوراقي، ثم رأيت أنهم لا يوزعونها، كما هو المألوف، بل يضعونها فوق خزانة في صالة الاجتماعات عالية نسبيا، ومن خلال الاستفسار منهم، فهمت أن لديهم تعليمات، فلم أرد أن أحرجهم، فمن ذلك الوقت، أخذت أكثر أوراقي بنفسي خارج الجمعية، ثم أضعها بنفسي أمام كل عضو من الأعضاء.

وكمثال على أن الائتلاف لم يعد يرتاح من آرائي الأقرب للعلمانية في اللجنة، أنه جاءني مرة نوري المالكي، وعبر لي عن كوني أسبب لحزب الدعوة حرجا، فإنهم يقولون لهم إن ضياء الشكرجي هو الوحيد الذي يصر على رفض لام التعريف في عبارة «الإسلام هو المصدر الأساس للتشريع» الذي كانوا يصرون عليها. ووصلني أيضا خبر نقلا عن هادي العامري، الذي لم يكن في الدستورية، ولكن مع هذا قال مرة على ضوء ما تصله من أخبار: «ضياء الشكرجي لا يتعامل في اللجنة الدستورية كواحد منا، بل كعدو لنا».

أقولها للتاريخ، قد عملت في اللجنة الدستورية بكل جدية وبهمة وجهد عاليين، فكان يومي أثناء تلك الفترة يبدأ في الساعة الخامسة صباحا، وينتهي في منتصف الليل، وأكتفي بخمس ساعات من النوم. كنت حريصا على ألا أغيب، وألا أتأخر عن الحضور.

وهنا أحب أن أذكر حادثة عن علي الدباغ الذي كان هو الآخر عضوا في لجنة كتابة الدستور، لا أدري في أيٍّ من اللجان الفرعية. في صباح أحد أيام عمل اللجنة، كان هناك اجتماع لكامل أعضاءها. صدفة كان جلوسي قريبا منه، وكانت الجلسة لم تنعقد بعد، فجاءه نداء تلفوني على موبايله، فسمعته يقول لمحادثه: «انتظر حتى تأتي قائمة الحضور فأوقع أمام اسمي ثم أتوجه إليك». تصوروا، له شغل آخر، حتى لو كان شغلا عاما، وأهم من بقائه في ذلك الاجتماع، فما معنى أنه يريد تسجيل نفسه حاضرا، ثم يغادر إلى شغل آخر؟

وهذا يذكرني بحادث آخر، جرى لي مع حيدر العبادي. كنا عندما نصل إلى مبنى الجمعية الوطنية، يبقى أفراد حماياتنا ينتظروننا، حتى ننتهي من اجتماعات الجمعية الوطنية، وكذلك اجتماعات اللجنة الدستورية. ومن الطبيعي أن يلتقي حمايات الأعضاء مع بعضهم البعض وتجري بينهم أحاديث شتى خلال الساعات الطوال التي يقضونها في الانتظار. فكان أفراد حمايتي ينقلون لي أنهم من خلال أحاديثهم مع بقية الحمايات، اطلعوا على أني الوحيد الذي يوزع مخصصات الحماية على أفراد حمايته بالكامل، فالبعض ليس لديه خمسة عشر كادرا، كما هو المقرر، بل عدد دون ذلك، يصل أحيانا إلى ثلاثة فقط. وبعضهم جعل حمايته من إخوانه أو أبنائه، وهم يحمونه بدون راتب، وبعضهم يعطي لكل من أفراد حمايته، الذين هم في كل الأحوال أقل عددا من المقرر، أقل مما هو مخصص لهم. حينها كان يدفع خمسمئة ألف دينار لكل واحد، فكان البعض يدفع ثلاثمئة ألف، ولعدد محدود، والباقي ينزل في جيب عضو الجمعية الوطنية المسكين. فلما قصصت ذلك مرة لحيدر العبادي، مبديا استغرابي، لاسيما إن ذلك كان يمارس من إسلاميين، يفترض أن يردعهم تدينهم عن مثل ذلك. عندها ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال: «لا بد أن لهم مبررا شرعيا». ففهمت. [لا أدري هل قالها تهكما، أم تبريرا.]





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,423,614
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 58
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 57
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 56
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 55
- التناقضات في حكم سن التكليف
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 54
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 53
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 52
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 51
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 50
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 49
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 48
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 47
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 46
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 45
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 44
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 43
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 42
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 41
- ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 40


المزيد.....




- الاموال المسروقة والصفقات الاسطورية ومافيات التهريب كلها أم ...
- الحكومة الليبية المؤقتة توقف بث قناة فضائية لارتباطها بـ-الإ ...
- عمار غول... قفز من سفينة -الإخوان- فسقط في مصيدة -العصابة-
- بعد اتهام إسلاميين من قبل.. رئيس سريلانكا يكشف: عصابات مخدرا ...
- بوبليكو: تمديد حبس علا القرضاوي يبين قتامة نظام السجون بمصر ...
- ضد التيار: المفكر الذى قال لا كهنوت فى الإسلام فقتلوه
- أسامة بن لادن في حقبة أوكسفورد!
- تسليم الكويت مطلوبين من جماعة الإخوان المسلمين لمصر خطوة -نز ...
- الكويت تحسم الجدل بشأن إعلانها -الإخوان المسلمين- تنظيما إره ...
- لغز اختفاء مراهقة في الفاتيكان قبل 36 عاما.. غموض محير!


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ضياء الشكرجي - ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 59